المهرجان الذي تحوّل إلى منصّة إطلاق الأفلام صوب الأوسكار

المهرجان الذي تحوّل إلى منصّة إطلاق الأفلام صوب الأوسكار

فوز فلبيني وغالبية أميركية وجائزة لفيلم عربي
الاثنين - 10 ذو الحجة 1437 هـ - 12 سبتمبر 2016 مـ
المخرج الفلبيني لاڤ داياز لدى تسلمه جائزته - إيما ستون فازت بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في «لا لا لاند» - المخرج الأميركي توم فورد صاحب «حيوانات ليلية» والفائز بالأسد الفضي (إ.ب.أ)
فينيسيا: محمد رُضا
منحت لجنة تحكيم الدورة الـ73 لمهرجان فينيسيا في حفلة توزيع الجوائز في العاشر من هذا الشهر، جائزتها الأولى (الأسد الذهبي) لفيلم «المرأة التي غادرت» للمخرج الفيليبيني لاف داياز. وإذا لم يكن اسم هذا المخرج غريبًا، فإن ذلك يعود إلى أنه هو نفسه من حظي بالجائزة الفضية في مهرجان برلين في مطلع هذه السنة عن فيلمه «تهويدة للغز مؤسف»، وهي الجائزة الثالثة بعد الدب الذهبي (منحت للإيطالي «نار في البحر»)، وجائزة لجنة التحكيم الكبرى (نالها «موت في ساراييفو»).
وحظي الفيلم المقدّم هنا تحت أعلام تونسية وإماراتية وقطرية ولبنانية «آخر واحد فينا» لعلاء الدين سليم، بجائزة لويجي دي لورنتيس المعروفة بـ«أسد المستقبل»، في حين توزّعت باقي الجوائز الرئيسية على أعمال أميركية وروسية ومكسيكية.
لاف وليو
في فيلمه الجديد «المرأة التي غادرت» أشفق المخرج لاف داياز على جمهوره، فاكتفى بأربع ساعات عوض ثماني ساعات التي استغرقها عرض فيلمه السابق «تهويدة للغز مؤسف». لكن سواء أكان فيلمه أربع ساعات أو ثماني فإن أسلوب داياز البطيء ومشاهده الطويلة التي لا تنتهي، والتي تشترك في نوع واحد من زوايا وأحجام اللقطات، وتحمل الكثير من افتعال التأمل والقليل من فن السينما، يبقى ذاته.
«المرأة التي غادرت» قائم على رواية من تأليف ليو تولستوي عنوانها «الله يرى الحقيقة لكن ينتظر»، لكن من قرأ تلك القصّة القصيرة التي وضعها سنة 1872 بعد انتهائه من روايتيه الملحميّتين «حرب وسلام» (1864) و«آنا كارينينا» (1878) يدرك أن المخرج داياز اكتفى ببعض الحبكة، وانطلق يسرد الفيلم الذي أراده. قد يكون أقل ركاكة في اختياراته الفنية مما سبق، لكن ذلك لم يشفع كثيرًا له لدى غالب النقاد، فمنحوه علامات استحسان أقل مما منحوا «لا لا لاند» و«جاكي» و«حياة امرأة» و«المواطن المتميّز»، وعلى قدر متساو مع «فردوس».
على أن المؤيدين والمعارضين لفوز «المرأة التي غادرت» بالجائزة الأولى على حد سواء يعلمون أن داياز يحفر اسمه في السنوات الأخيرة في صلب السينما، ولو أن أسلوبه ليس ابتداعًا ولا عبقرية. في العام 2014 حظى بإحدى جوائز مهرجان لوكارنو، ثم توجه إلى برلين والآن إلى فينيسيا، وقطف جائزتين متواليتين.
في المقابل ذهبت جائزة «لجنة التحكيم الكبرى» (الأسد الفضي) إلى الفيلم الأميركي «حيوانات ليلية» لتوم فورد. هذا في، مقياس نقاد الصحف الإيطالية والفرنسية والبريطانية، حط تاسعًا في سلم التفضيل. لكنه أفضل كيان وصناعة من فيلم داياز، ولو أن ذلك لم يعد العنصر الأساسي في تقييم لجان التحكيم على ما يبدو.
الجائزة العربية
الأفضل منه فيلم أندريه كونتشالوفسكي «فردوس» الذي خرج بجائزة أفضل مخرج مناصفة مع المكسيكي «غير المروّضة» للمخرج الجديد أمات إسكالانتي. «فردوس» يسرد حكاية ثلاثة شركاء في الحياة والموت يتلون شهاداتهم حول ما حدث لهم على الأرض خلال الفترة النازية. الفيلم خارج عن التنميط المعتاد للألمان، من دون أن يكون لاهيًا عما حاق باليهود من بؤس.
هذا الفيلم كان أحد الاختيارات التي توقعناها هنا، كذلك جائزة أفضل ممثلة لإيما ستون عن دورها في «لا لا لاند» (La La Land) الذي جاء الأول على قائمة كل النقاد الأوروبيين الذين شملهم إحصاء قامت به مجلتا «كلاك» و«فينيس نيوز» لداميان شازَل. كما ورد سابقًا، الفيلم موسيقي غنائي استعراضي مصنوع بحب دافق لسينما النوع، وينجز نقاطًا عالية في معظم خاناته، بما فيه خانة التمثيل النسائي كما قامت به إيما ستون.
جائزة التمثيل الرجالية ذهبت إلى أوسكار مارتينيز عن دوره في الفيلم الأرجنتيني / الإسباني «الرجل المتميّز»، علما بأن الخيارات بين الممثلين كانت أقل من تلك بين الممثلات.
جائزة السيناريو توجهت إلى نوا أوبنهايم عن صياغته فيلم «جاكي»، بينما ذهبت جائزة لجنة التحكيم الخاصة (أقل جوائز الأفلام بروزًا) إلى الفيلم الأميركي «عجينة سيئة» لآنا ليلي أميربور.
أما الجائزة العربية الوحيدة التي نالها «آخر واحد فينا» فهي ذهبت، بالفعل، للفيلم العربي الوحيد المتسابق، ولو أن سباقه ليس في عداد المسابقة الأولى بل ضمن تظاهرة «أسبوع النقاد» الذي شهد منافسة كبيرة خرج منها فيلم علاء الدين سليم فائزًا.
منصّة إطلاق
معظم ما فاز من أفلام وشخصيات كان جديرًا بالفوز ولجنة التحكيم التي قادها المخرج البريطاني سام مندِس (أفلام جيمس بوند الأخيرة) لا بد خاضت الكثير من النقاشات للخروج بأحكامها. لكن التفسير الذي فات الكثير من المراقبين والحاضرين هو السبب الذي من أجله بلغ عدد الأفلام الأميركية المشتركة في المسابقة الرسمية أعلى رقم بين كل المهرجانات الأساسية في أوروبا. أكثر من برلين وأكثر من كان، وأكثر مما سينضح به مهرجان سان سابستيان الذي سينطلق بعد أيام.
سبعة أفلام أميركية (من أصل عشرين فيلم) اشتركت في مسابقة فينيسيا الكبرى وفيلم ثامن («الرائعون السبعة») ختمها من دون تسابق. الأفلام السبعة هي «لا لا لاند» و«وصول» و«حيوانات ليلية» و«جاكي» و«الضوء بين المحيطات» و«العجينة السيئة» و«سفر زمني: رحلة حياة» لجانب الفيلم الذي موّل جزئيًا من الولايات المتحدة وهو فيلم الوسترن «بريمستون».
سبب هذه الزيادة يعود إلى أن المهرجان، في سنواته الأخيرة، ساعد أفلام هوليوود الجديدة على المنافسة فيما بعد على الأوسكار وجوائز المناسبات المهمّة. هذا واضح بمراجعة دخول ثلاثة أفلام سابقة عرضها المهرجان الإيطالي في الأعوام الثلاثة الماضية ترشيحات الأوسكار وهي «جاذبية» و«بيردمان» و«سبوتلايت». صحيح أن «سبوتلايت» لم يفز بجائزة من جراء اشتراكه في مسابقة فينيسيا في العام الماضي، إلا أنه انتقل على خلفية اشتراكه هنا ليقطف أوسكار أفضل فيلم في هوليوود.
هذا العام سوف لن يكون مفاجئًا وصول «لا لا لاند» إلى الترشيحات الأوسكارية المقبلة. داميان شازِل مصر على تحقيق نصره في تلك الليلة بعدما دخل السباق في العام الماضي عن «طرف سوط» (Whiplash). ومع أن ماضي مل غيبسون الحديث قد يعيق وصوله إلى ترشيحات الأوسكار، إلا أن على أعضاء الأكاديمية المانحة إيجاد تبرير غير سياسي لحجب فيلمه الجديد «هاكسو ريدج» إذا ما فعلت. ليس أنه الأكثر تأهلاً بقدر ما هو أحد أفضل الإنتاجات الناطقة بالإنجليزية هذا العام.
لهذا السبب تحوّل فينيسيا إلى منصّة إطلاق صواريخ الأفلام صوب الأوسكار، وما يدخل سباق الأوسكار يدخل أساسًا سباقات المناسبات السنوية الأخرى، مثل غولدن غلوبس، وبافتا، وجمعيات المهن السينمائية.
«جمعية مراسلي هوليوود الأجانب» أقامت حفلًا خاصًا دعت إليه رئيس المهرجان ألبرتو باربيرا، وخلال حديثي معه أثنى على فيلم مل غيبسون قائلاً: «فيلم حربي كلاسيكي مثير للإعجاب ويستحق التقدير، لأن فيه كل العناصر الفنية الجيّدة. إنه تأكيد على أنه مخرج مهم». حين سألته إذا ما كان اختيار الفيلم للعرض في فينيسيا (خارج المسابقة) له يدخل في نطاق إعادة تقديم المخرج من جديد، أجاب: «لا أمانع مطلقًا إذا كان تقديم هذا الفيلم هنا سيعيد الثقة إلى غيبسون. لقد صنع فيلمًا جيدًا بلا ريب، وآمل أن يتم تجاوز عثراته الشخصية السابقة. على الجميع أن ينظر إلى الفيلم بحيادية ليرى أنه واحد من أفضل ما عرضناه هنا».
ما هو مؤكد أنه في الوقت الذي باتت فيه مهرجانات أخرى، مثل تورنتو ونيويورك وتوليارايد تتنافس على اختيار الأفلام التي قد تولد من جديد في سباق الأوسكار، وكل منها يعتبر نفسه الكاشف الحقيقي للمواهب التي ستدخل المنافسة، يأتي مهرجان فينيسيا ليؤكد تبوأه في هذا الشأن عامًا بعد عام، وفي هذا العام أكثر من أي عام مضى.

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة