تُعد مهنة الطوافة من المهن القديمة التي اختص بها أهالي مكة وتوارثوها عبر القرون لإرشاد الحجاج وخدمتهم منذ وصولهم إلى الأماكن المقدسة وحتى مغادرتهم لها بعد أدائهم مناسكهم بيسر وسهولة، وقد مرت هذه المهنة بمراحل من التطوير والتنظيم ومن العمل الفردي التطوعي إلى العمل الجماعي المؤسسي المنظم والواضح، بدءًا باستقبال الحجاج، وتأمين إقامتهم وسكنهم وتنقلاتهم في مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، وانتهاءً بمغادرتهم إلى بلادهم، استفادة من التسهيلات التي تقدمها الدولة بمختلف أجهزتها، لكي تحقق موسم حج ناجحا وآمنا للملايين، الذين يؤدون الركن الخامس من أركان الإسلام.
وتشير عدة مصادر تاريخية إلى أن الطوافة أول ما ظهرت عام 884 من الهجرة على يد القاضي إبراهيم بن ظهيرة حينما كلف بتطويف السلطان قايتباي أحد سلاطين الشراكسة، وظلت داخل قطاع القضاة حتى عام 923 من الهجرة، حيث خرجت إلى الوجهاء، وقد أشار إلى ذلك أحمد السباعي عن محمد المياس الذي كان من أعيان مكة المكرمة وأحد وجهائها، والذي قام بتطويف أمير الترك «قانصوه باشا» الذي حج عام 1039 من الهجرة، وكان أمراء مكة المكرمة يصدرون ما يعرف بالتقارير والتي يخصصون فيها مدنًا محددة لحجاج معروفين، وقد شهدت التقارير عمليات إلغاء وإعادة على مر السنين.
وفي عهد الملك المؤسس عبد العزيز وبعد دخوله مكة المكرمة في ربيع الأول عام 1343 من الهجرة نظر إلى تأمين الخدمات لحجاج بيت الله الحرام، فكانت البداية العمل على تأمين دروب الحجاج وطرقهم، والعمل على بسط الأمن ليصل الحجاج إلى الأراضي المقدسة منعمين بالأمن والأمان، أعقبها العمل على وضع تنظيمات جيدة تمكن قاصدي بيت الله الحرام وزوار مسجد رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم من أداء فريضتهم بيسر وسهولة، فأصدر الرجل أمره بالإبقاء على الطوافة كمهنة منحصرة لأبناء مكة المكرمة.
وشكل المرسوم الملكي المنشور بجريدة «أم القرى» بعددها الأول الصادر يوم الجمعة الموافق 15 جمادى الأولى 1343 من الهجرة 12 ديسمبر (كانون الأول) 1924 تحت عنوان (هذا بلاغ) من لدن الملك المؤسس الضامن لمهنة الطوافة واستمراريتها، فقد نصت المادة الرابعة منه على: «كل من كان من العلماء في هذه الديار أو موظفي الحرم الشريف أو المطوفين ذو راتب معين فهو له على ما كان عليه من قبل إن لم نزده فلا ننقصه شيئا، إلا رجلا أقام الناس عليه الحجة أنه لا يصلح لما هو قائم عليه، فذلك ممنوع مما كان له من قبل، وكذلك كل من كان له حق ثابت سابق في بيت مال المسلمين أعطيناه منه ولم ننقصه منه شيئا».
وجاء مرسوم ملكي صدر عام 1367 من الهجرة ليصادق على نظام المطوفين العام، معتبرًا الطوافة «عبارة عن وظائف معينة يؤديها كل مطوف ثبتت معلمانيته بمقتضى تعليماتها المخصوصة، وهو دليل الحاج في مناسكه وجميع ما يتعلق بالحج، وهو المسؤول عنه ضمن اختصاصه بموجب هذا النظام»، واستبقى النظام على تقسيم المطوفين إلى ثلاث طوائف هي: طائفة المطوفين وتشمل مطوفي العرب والفرس والأتراك والأفارقة، وطائفة مطوفي الهند وباكستان، وطائفة مشايخ الجاوا.
وتتابعت في العهد السعودي صدور الأنظمة والقوانين التي تحكم هذه المهنة بالوصول إلى قيام مؤسسات تنظم عمل الطوافة، وتقول كتب التاريخ إن أقدم تقرير في الطوافة جرى الاطلاع عليه هو تقرير (آل جاد الله) بتوقيع الشريف غالب عام 1205 من الهجرة، ولعل بعض الأسر من المطوفين يحوزون أقدم من هذا التقرير وقد توسع الشريف (عون الرفيق) في توزيع البلاد الإسلامية إلى أقسام تقرر لها (مطوفون) فكان كل مطوف مسؤولاً عن البلد الذي تخصص له وشرع بعد هذا رسومًا للمطوف، حيث صدر عام 1326 من الهجرة قرار مجلس الإدارة (بتعريفة الحجاج) ونشرته جريدة «الحجاز» وحدد التعريفة بجنيه عثماني أجرة مسكن بمكة للجاويين، وجنيهين عثمانيين إكرامية مطوف وضيافة في عرفة ومنى، ومن توفي قبل الوقوف فعليه نصف المقرر، و10 ربيات هندية إكرامية المطوف لعموم أجناس الهند، وجنيهان عثمانيان على الحاج الداغستاني إكرامية مطوف وأجرة خيمة في عرفة ومنى وبيت مكة، و5 ريالات مجيدية على حجاج مصر والشام والمغرب إكرامية مطوف، وريالان مجيديان لأهل الصعيد وغزة والعراق وأولاد علي والأكراد، وعلى كل حاج عدا من ذكر أن يدفع لمطوفه إكرامية بجنيه واحد للميسور ونصف جنيه لمتوسط الحال.
10:43 دقيقه
«مهنة الطوافة».. خدمة الحجاج من التطوع الفردي إلى العمل المؤسسي
https://aawsat.com/home/article/732186/%C2%AB%D9%85%D9%87%D9%86%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D9%88%D8%A7%D9%81%D8%A9%C2%BB-%D8%AE%D8%AF%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AC%D8%A7%D8%AC-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B7%D9%88%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B1%D8%AF%D9%8A-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A4%D8%B3%D8%B3%D9%8A
«مهنة الطوافة».. خدمة الحجاج من التطوع الفردي إلى العمل المؤسسي
توارثها أهالي مكة منذ قرون والعهد السعودي شهد التنظيم الأفضل لها
من فريق الطوافة النسائي (تصوير: أحمد حشاد)
«مهنة الطوافة».. خدمة الحجاج من التطوع الفردي إلى العمل المؤسسي
من فريق الطوافة النسائي (تصوير: أحمد حشاد)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

