«الشرق الأوسط» ترصد أبرز المعالم التاريخية التي طالها الدمار في جنوب اليمن

متاحف ومدارس ومساجد استخدمتها الميليشيات ثكنات عسكرية في الحرب

ما تبقى من بوابة ميناء السواح التواهي بعدن
ما تبقى من بوابة ميناء السواح التواهي بعدن
TT

«الشرق الأوسط» ترصد أبرز المعالم التاريخية التي طالها الدمار في جنوب اليمن

ما تبقى من بوابة ميناء السواح التواهي بعدن
ما تبقى من بوابة ميناء السواح التواهي بعدن

الميليشيات الحوثية وقوات الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، لم تغادر ولم تنسحب من مدن عدن ولحج والضالع، جنوب البلاد، إلا بعد أن عاثت بمعالمها الأثرية والروحية والتاريخية والثقافية، عبثا وخرابا ونهبا وتدميرا غير مسبوق في التاريخ الحديث، بحسب الشواهد وما يطرحه السكان والمسؤولون في تلك المدن. «الشرق الأوسط» تجولت ورصدت الدمار الذي لحق بتلك المعالم.. بأيدي الميليشيات الانقلابية، التي حولتها إلى ثكنات.
فما من مدينة مرت بها جحافل تتار القرن، وفق وصف محافظة الضالع، إلا وتركت خلفها دمارا وخرابا مهولا طال أهم المعالم والمنشآت في تلك المحافظات، بطرق وأساليب توصف بالشيطانية. إذ لجأت إلى تدمير أهم المباني الأثرية والدينية والسياحية والإدارية وبدناءة وخسة وخبث لا يمكن لإنسان سوي يدعي المروءة والشجاعة فعل تلك الأفكار الشيطانية التي اتبعتها الميليشيات أثناء معاركها مع المقاومة والجيش والتحالف، وفقا لتعبير البعض.
فعند دخول الميليشيات تلك المدن، كان أول ما فكرت فيه هو سيطرتها على المراكز المهمة ذات القيمة الاقتصادية والوجدانية والتاريخية وليس العسكرية، وإذا عجزت عن اقتحامها فتكون أهدافا لصواريخها المدفعية ولقذائف دباباتها. وابتكرت الميليشيات طرقا عدة كي تنتقم من المجتمع الذي وقف ضدها، فقصفت أهم المنشآت بدءا بالمباني الأثرية والتاريخية، مرورا بدور العبادة والمنشآت الاقتصادية والسياحية، وليس انتهاء بكل شيء جميل وبديع وإنجاز ومقدس وتاريخ نفيس، للانتقام منه وبشكل همجي، أعاد للأذهان تاريخا من الأفعال العبثية للفرق الانكشارية العثمانية، بحسب تشبيه كثيرين.
يقول المراقبون إن الميليشيات اختارت أهدافها بعناية فائقة لتخفي مسلحيها من ضربات الطيران، وما خفي على الإنسان البسيط هو ما سبق أن ذكره أحد المشايخ الموالين للميليشيات، والذي كشف عن أن اختيار تلك المباني لم يكن اختيارا عفويا أو عسكريا ولمقتضيات حربية وإنما خلف ذلك الاختيار أفكار شيطانية حاقدة هدفها الخراب والدمار لكل منجز ومعلم وإرث.
وقال مدير عام مكتب الهيئة العامة للآثار والمتاحف بمحافظة الضالع، محمد منقوش، لـ«الشرق الأوسط» إن التراث المعماري يُعدّ إحدى أهم ركائز التراث الثقافي والحضاري لأي شعب من الشعوب، فهو يعكس مدى ما وصلت إليه هذه الشعوب من تقدم في فن البناء والعمارة وما يلحق بها من أنماط تتنوع بتنوع عاداتها، وبيئتها فهي قد تجسد في واقع الحال هوية وتراث هذه الشعوب.
وأضاف: «وقد تتشابه العمارة في مختلف البلدان، إلا أن لكل بلد أو منطقة طابعه الخاص الذي يتميز به، إما عن طريق عناصر البناء أو نمطه أو زخرفته، طبعًا يدخل في عناصر البناء المواد المستخدمة وطريقة أو نمط البناء أو ملحقاته كالزخرفة أو غير ذلك».
وأشار منقوش إلى أن محافظة الضالع لا سيما مدينة الضالع، تكتنز تاريخًا وتراثًا يعود إلى آلاف السنين، لافتا إلى أن ما يميز مدينة الضالع هو معلم دار الحيد الذي يطل شامخًا هو والقلعة على المدينة، منوها بأن مبنى دار الحيد ليس قديمًا إلا أنه يعتبر مبنى أثريًا حيث يشير قانون الآثار إلى إمكانية احتساب أي معلم أثرًا إذا ما اتصف ببعض الصفات أو المميزات التي تحمل أو تعكس نمطا تراثيا مميزا للمنطقة أو لدوره المميز في تاريخ المنطقة.
وأوضح منقوش أن قصر دار الحيد تاريخه مرتبط بتاريخ المنطقة في مرحلة ما من مراحلها التاريخية والسياسة، فقد اعتبر أثرا كونه يحمل طابعا محليا في البناء بكل عناصره، مؤكدا توثيقه كمعلم تاريخي من قبل مكتب الهيئة العامة والآثار.
وأعرب عن أسفه لتعرض المعلم، بحكم موقعه المميز، لأضرار سواء إبان الكفاح المسلح ضد الاستعمار البريطاني أو الحرب الأخيرة التي أتت على كثير من معالم المنطقة ومنها دار الحيد الذي يمثل رمزية معبرة عن مدينة الضالع ونموذجا لتراثها المعماري.
وأشار إلى رصيف ويلز، بمدينة التواهي، جنوب عدن، الشهير لدى العامة برصيف السياح، الذي بني على نسق ميناء بومباي في الهند، سنة 1905م، وخلال قرن وعقد من الزمان بات من معالم المدينة البارزة، لافتًا إلى أن البوابة ظلت وطوال مائة وعشرة أعوام واقفة في المكان وبطرازها المعماري الفريد والجميل المكون من حجارة وسقف قرميدي مايز ونادر.
بدوره، قال د. أمين العلياني، مستشار محافظ لحج، لـ«الشرق الأوسط» إن الميليشيات قصفت عددًا من المعالم الأثرية والتاريخية، أبرزها مدرسة المحسنية وقصر الروضة الذي هو كلية ناصر للعلوم الزراعية في الوقت الحاضر، وقصر الحجر، الذي توجد فيه إذاعة لحج المحلية.
وأكد العلياني أن مدرسة المحسنية كانت مركزًا للإشعاع الفكري والتنويري في منطقة شبه الجزيرة العربية، عندما كانت الميليشيات تعيش في كهوفها. وكشف عن أن القصر الكبير فيه أرشيف لحج الفني والثقافي والأدبي، لافتا إلى نهب بعضه بفعل المتحوثين والخلايا النائمة الموالية لتلك الجحافل الآتية من كهوف التخلف والجهل والعنجهية.
وأضاف العلياني أن الميليشيات اتخذت المعالم الأثرية مقرا لعملياتها بهدف جعل الدمار مبررا من ضربات طيران التحالف ومحاولة من الميليشيات إثارة نقمة السكان على قوات التحالف، باعتبارها المتسبب بكل هذا الخراب والدمار، فيما الحقيقة أن الميليشيات هي من جعل الدمار يطال تلك الآثار والمعالم التاريخية.
وقال الكاتب والباحث العدني، بلال غلام حسين لـ«الشرق الأوسط» إن المتحف الحربي أول ما تأسس كان عبارة عن مدرسة الإقامة (Residency School)، لافتا إلى قصة تأسيسها التي بدأت عام 1866م من خلال طلب تقدم به المقيم السياسي لمستوطنة عدن حينها، ميرويثر، الذي طلب من حكومته افتتاح مدرسة حكومية، وبعد الموافقة افتتحت المدرسة وسُميت بمدرسة «الريسيدينسي» أي مدرسة الإقامة، وكانت هذه المدرسة في بدايات تأسيسها تضم إلى جانب أبناء عدن العرب، أولاد الجنود من الهنود المنضوين في الجيش البريطاني وغيرها من الجنسيات الأخرى الموجودة في عدن.
وأضاف غلام أنه ومنذ بدايات القرن التاسع عشر تحولت التسمية إلى مدرسة السيلة، وسُمّيت بهذا الاسم نظرا لموقعها على مجرى سيلة الطويلة التي يتدفق منها فائض مياه صهاريج المدينة إلى البحر. ودرس وتخرج فيها النوابغ من أبناء عدن، وبعد خروج بريطانيا من عدن تحول المبنى إلى متحف وسُمي بـ«المتحف الحربي»، وبقي كذلك حتى دخول عصابات صالح وميليشيات الحوثي إلى عدن وتمركزهم فيه أسوة ببقية المباني في مدينة عدن التي تمركزوا فيها، وهدم جزء كبير من المبنى جراء الحرب الأخيرة ولم يتم ترميمه حتى يومنا هذا.
وأشار إلى أن المعلم الآخر هو مدرسة بازرعة الخيرية الإسلامية، التي تأسست عام 1912، وكان أول مدير لها محمد المكي، وفي عام 1947م قام الشيخ محمد عمر بازرعة بوضع حجر الأساس لتوسعة المدرسة وبنائها على الطراز الحديث، وبعد وفاته قام بالإشراف عليها ابنه علي محمد عمر بازرعة، وبعد وفاة مدير المدرسة محمد المكي، تولى الشيخ علي محمد باحميش إدارتها.
وأسوة بمدرسة الإقامة، درس كثير من أبناء عدن النوابغ في هذه المدرسة التي رفدت عدن بكثير من الفنانين الموسيقيين، وفيها تأسست أول فرقة للكشافة العدنية في عدن.
وبعد استقلال عدن عن بريطانيا عام 1967م أممت المدرسة كغيرها من المرافق، وآلت إدارتها إلى الدولة الوليدة وتحولت تسميتها إلى «مدرسة القومية»، وبعدها إلى «مدرسة الشهيد ناجي»، وبعد توحيد اليمن عام 1990م أعيدت المدرسة إلى مُلاكها الأصليين وأُعيدت لها تسميتها القديمة التي كانت عليها، إلى أن دمرت أخيرا نظرا لتمركز عصابات صالح والحوثي.
وكانت مؤسسة «أجين» الثقافية ذكرت أن أهم المعالم الثقافية التي تضررت بفعل الحرب الهمجية البربرية، منها المتحف الحربي في مدينة كريتر، فهذا المبنى البديع في بنائه، وموقعه في قلب المدينة، وعلى دفتي شارع أخذ اسمه من اسم «المتحف» المعلم التاريخي المكون من طابقين عريضين، بواجهته البديعة ذات الأقواس، والحجر الشمساني، نسبة لجبل شمسان السامق المطل على مدينتي المعلا وكريتر جنوب عدن، فيما أعواد الخشب الأحمر، تضفي عليه لمحة عدنية مميزة.



مقابر حوثية جديدة لاستيعاب الأعداد المتصاعدة من القتلى

الحوثيون شيدوا مئات المقابر منذ انقلابهم لاستيعاب قتلاهم في الجبهات (إ.ب.أ)
الحوثيون شيدوا مئات المقابر منذ انقلابهم لاستيعاب قتلاهم في الجبهات (إ.ب.أ)
TT

مقابر حوثية جديدة لاستيعاب الأعداد المتصاعدة من القتلى

الحوثيون شيدوا مئات المقابر منذ انقلابهم لاستيعاب قتلاهم في الجبهات (إ.ب.أ)
الحوثيون شيدوا مئات المقابر منذ انقلابهم لاستيعاب قتلاهم في الجبهات (إ.ب.أ)

​استحدثت الجماعة الحوثية خلال الأسابيع القليلة الماضية مقابر جديدة، ووسعت أخرى في 7 محافظات يمنية خاضعة لسيطرتها، بالتزامن مع ازدياد عمليات تشييع ودفن عناصرها الذين سقطوا في جبهات القتال، في وقت تتكتم فيه الجماعة على حجم خسائرها البشرية.

وقالت مصادر محلية مطَّلعة لـ«الشرق الأوسط» إن أعمال إنشاء المقابر وتوسعتها شملت صنعاء ومحيطها، وذمار وإب والمحويت وحجة وصعدة، إلى جانب مناطق أخرى، مشيرة إلى تجهيز مساحات جديدة للدفن، بالتزامن مع نقل جثامين قتلى الجماعة من مناطق المواجهات إلى مساقط رؤوسهم، أو إلى ما تسميه «روضات الشهداء».

وأضافت المصادر أن جثامين عناصر حوثية تصل من جبهات ومناطق مختلفة، بينها الجوف ومأرب وتعز والساحل الغربي ولحج والضالع، وفق المعلومات المتداولة محلياً.

وحسب المصادر، لم تقتصر تحركات الجماعة على إنشاء مواقع جديدة؛ بل شملت أيضاً توسعة مقابر قائمة وتسوير وتجهيز مواقع أخرى؛ خصوصاً في المناطق الريفية وأطراف المدن، بهدف توفير مساحات إضافية للدفن.

صورة مجند حوثي وُضعت على قبره في مقبرة للجماعة بصنعاء (إ.ب.أ)

وأوضحت أن بعض المقابر يجري تجهيزها بصورة منظمة، عبر تسويرها وتركيب بوابات وتنظيم مواقع الأضرحة، في حين تتواصل أعمال التنظيف والصيانة في مقابر سبق أن خصصتها الجماعة لعناصرها.

وتشير المصادر إلى ارتفاع وتيرة الدفن في بعض المناطق، بالتزامن مع وصول جثامين قتلى من جبهات القتال، في وقت لا تعلن فيه الجماعة حصيلة شاملة توضح أعداد قتلاها ولا حجم خسائرها البشرية خلال الفترة الأخيرة.

وتعتمد الجماعة -وفق المصادر- على بيانات متفرقة بشأن تشييع ودفن عناصرها، دون نشر كشف شامل بأسماء القتلى وأعدادهم والمناطق التي سقطوا فيها، الأمر الذي يصعِّب تحديد حجم الخسائر الفعلية.

أموال للصيانة والتجهيز

وتتزامن هذه التحركات مع أنشطة ما تُسمى «هيئة رعاية أسر القتلى» التابعة للحوثيين، والتي تشمل -وفق منشورات متداولة- أعمال توسعة وتنظيف وترميم وتسوير وتركيب بوابات وتنظيم الأضرحة، وتجهيز مواقع جديدة في عدد من المناطق.

ولم تقتصر هذه الأنشطة على محافظة واحدة؛ ففي صعدة، معقل الجماعة، وثقت منشورات تابعة لها جولات ميدانية في عدد من «الروضات» بمديريات ساقين وحيدان ومنبه وغمر ورازح، لمتابعة أعمال الصيانة والتحسين والتجهيز، إلى جانب إنشاء مقابر جديدة في المناطق ذاتها.

وفي محافظات ذمار وعمران والمحويت، أعلنت الهيئة الحوثية خططاً لتوسعة مقابر كانت قد استحدثتها سابقاً، إلى جانب تجهيز «الروضات» ورفع الأضرحة في عدد من المديريات.

مقبرة لقتلى الجماعة الحوثية في حي الجراف شمال صنعاء (فيسبوك)

وفي محافظة حجة، شملت الأعمال مقابر قتلى الجماعة في الشاهل والمحابشة والمفتاح وكحلان الشرف، بما في ذلك توسعة المواقع، واستكمال الجدران والتسوير، وتركيب البوابات، وترتيب الأضرحة.

وفي المقابل، يعيش ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين أوضاعاً اقتصادية وإنسانية صعبة، مع تراجع مصادر الدخل وتدهور الخدمات، ما يسلط الضوء على حجم الموارد التي تخصصها الجماعة لهذه الأنشطة وأولويات الإنفاق في مناطق سيطرتها.


خسائر الحوثيين تقترب من 3 آلاف عنصر خلال 4 أيام

هجمات حوثية ضارية في جبهات تعز ولحج يقابلها تصدي القوات الحكومية اليمنية (إعلام عسكري)
هجمات حوثية ضارية في جبهات تعز ولحج يقابلها تصدي القوات الحكومية اليمنية (إعلام عسكري)
TT

خسائر الحوثيين تقترب من 3 آلاف عنصر خلال 4 أيام

هجمات حوثية ضارية في جبهات تعز ولحج يقابلها تصدي القوات الحكومية اليمنية (إعلام عسكري)
هجمات حوثية ضارية في جبهات تعز ولحج يقابلها تصدي القوات الحكومية اليمنية (إعلام عسكري)

ارتفعت الخسائر التي أعلنت القوات المسلحة اليمنية أنها أوقعتها في صفوف الجماعة الحوثية المتحالفة مع إيران، إلى نحو 3 آلاف قتيل وجريح خلال 4 أيام، بالتزامن مع استمرار المعارك في جبهات عدة، وتصاعد الهجمات ومحاولات التسلل والالتفاف، خصوصاً في جبهات تعز ولحج وباب المندب.

وجاءت أحدث حصيلة بعد إعلان القوات المسلحة اليمنية تنفيذ 356 عملية استهداف خلال 24 ساعة، قالت إنها أسفرت، وفق تقديراتها الميدانية، عن مقتل وإصابة 476 من عناصر الجماعة، إلى جانب تدمير مراكز قيادة وسيطرة ومخازن أسلحة ومدفعية وعشرات الآليات والعربات العسكرية.

وكان المتحدث باسم القوات المسلحة العقيد الركن ماجد النزيلي، قد أعلن، مساء الأحد، تحييد 2316 عنصراً حوثياً بين قتيل وجريح خلال 72 ساعة، نتيجة 756 عملية استهداف في جبهات كتاف والبقع ومحور علب والجوف ومأرب والبيضاء ولحج وتعز، ليصل مجموع الحصيلة المعلنة خلال الأيام الأربعة إلى أكثر من 2792 قتيلاً وجريحاً، قبل احتساب ما أعلنته مصادر ميدانية أخرى من خسائر خلال الفترة نفسها.

دخان يتصاعد من قمة جبل بعد أن استهدف الجيش اليمني موقعاً للحوثيين (إعلام عسكري)

وفي الساعات الأخيرة، تركز جانب كبير من القتال في غرب تعز والمناطق المتصلة بمحافظة لحج وباب المندب، حيث خاضت القوات الحكومية مواجهات مع الحوثيين في الوازعية، بالتزامن مع إحباط محاولة تسلل شمال تعز بقصف مدفعي، والتصدي لمحاولة التفاف في جبهة كهبوب.

وفي جبل حبشي، قالت القوات الحكومية إنها صدت هجوماً حوثياً في جبهة بني بكاري، ومنعت الجماعة من تثبيت اختراق جديد، بينما شهدت جبهتا راسن والعلقمة جنوب تعز اشتباكات وإطلاق نار متبادلاً.

وشنت القوات الحكومية، وفق المصادر العسكرية، ضربات جوية ومدفعية على مواقع وتعزيزات حوثية في الربيعي والجعشاء والزبيبية والبحابح، بالتزامن مع إسقاط مسيّرة حوثية فوق الكدحة.

وأعلن المركز الإعلامي في محور تعز العسكري مقتل 12 حوثياً وإصابة 13 آخرين في مختلف جبهات المحور، إضافة إلى إحراق مدرعة وعربة عسكرية في الكدحة، وتدمير دبابة في منطقة الربيعي.

كما استهدف الطيران الحربي منصة لإطلاق الصواريخ الباليستية في جبل أومان شرق تعز، في وقت أعلنت فيه القوات الحكومية القضاء على مجموعة من الحوثيين أثناء محاولة تسلل في جبهة الدفاع الجوي شمال غربي المدينة.

وفي الحوبان، شنت القوات الحكومية غارات جوية على معسكر جليلة بالقرب من مطار تعز، في إطار سلسلة ضربات استهدفت مواقع وقدرات عسكرية للجماعة في المحافظة.

محاولات التفاف

امتدت المواجهات إلى جبهات الصبيحة في لحج في المناطق الواقعة بينها وبين تعز، حيث شنت الجماعة الحوثية هجمات متزامنة على جبهتي المحاولة والأغبرة، مستهدفة مواقع جبل سيف وبرح أمخنيف وجبل أمكحان.

وقالت مصادر ميدانية إن القوات الحكومية، مسنودة بأبناء القبائل، صدت محاولات التقدم وأجبرت المهاجمين على التراجع، مشيرة إلى سقوط قتلى في صفوف الحوثيين وأسر عنصرين منهم.

وبعد فشل الهجوم، لجأت الجماعة، وفق المصادر نفسها، إلى القصف بالطيران المسيّر وقذائف الهاون على مواقع القوات المدافعة والقرى المجاورة.

معارك الجبال في تعز ولحج كبدت الحوثيين خسائر بشرية كبيرة (إعلام عسكري)

وفي جبهة الأغبرة، تركزت المواجهات في محيط جبل البازلة ومنطقة الصورة، بالتزامن مع محاولات تسلل وضغط عسكري في رأس العارة والمضاربة وكهبوب.

وقالت مصادر ميدانية إن القوات المدافعة أحبطت هجوماً في الأغبرة، وحاصرت مجموعات متسللة، وأسرت عدداً من عناصر الحوثيين واستولت على أسلحة وعتاد، بالتزامن مع غارات جوية استهدفت مواقع وتجمعات وآليات للجماعة.

كما أفادت المصادر بتعرض مناطق مأهولة في المضاربة ورأس العارة لقصف بصواريخ «كاتيوشا»، بينما قالت مصادر عسكرية إن القوات الحكومية دمرت مركبة كانت تقل قيادياً حوثياً ومرافقين له في كهبوب.

وتشير التطورات الميدانية إلى استمرار الجماعة الحوثية في الدفع بتعزيزات إلى خطوط المواجهة، خصوصاً في مفرق ماوية وراسن والعلقمة، مقبلة من صنعاء وعمران وذمار وإب.

وفي المقابل، كثفت القوات الحكومية عملياتها الجوية والمدفعية على خطوط الإمداد ومواقع التجمع، في محاولة لاحتواء الهجمات ومنع تحويل الاختراقات المحدودة إلى مواقع ثابتة.

وفي المخا والساحل الغربي، قالت مصادر إن القوات الحكومية نفذت غارات على مواقع وتجمعات حوثية داخل المدينة، بينما أفادت معلومات ميدانية بأن الجماعة تعمل على إنشاء خنادق ومتارس داخل المخا ومحيطها وباتجاه باب المندب.

356 عملية

قال المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية ماجد النزيلي، إن العمليات التي نفذت خلال 24 ساعة شملت الساحل الغربي، وحرض والطوال (شمال غرب) وكتاف والبقع ومحور علب والجوف (شمال) ومأرب (شرق صنعاء) ولحج وتعز (جنوب غرب) والبيضاء (جنوب شرقي صنعاء).

وأضاف أن القوات استخدمت أسلحة جوية ومسيّرات ومدفعية ووسائل أخرى، وأن العمليات أدت، وفق التقديرات الميدانية، إلى تحييد 476 من عناصر الجماعة بين قتيل وجريح، فضلاً عن تدمير مراكز قيادة وسيطرة ومخازن أسلحة ومدفعية وآليات عسكرية.

وتأتي هذه الحصيلة بعد يوم واحد من إعلان الجيش تنفيذ 756 عملية خلال 72 ساعة، قال إنها أدت إلى تحييد 2316 حوثياً، وتدمير منصات إطلاق صواريخ ومخازن أسلحة وتعزيزات وعربات عسكرية.

وتعكس العمليات المعلنة انتقال القتال إلى نمط يعتمد على استنزاف التعزيزات الحوثية قبل وصولها إلى الخطوط الأمامية، بالتزامن مع محاولة القوات الحكومية منع الحوثيين من توسيع نطاق الضغط على الجبهات المتصلة بتعز ولحج والساحل الغربي.

وفي عدن، عقد نائب رئيس هيئة الأركان العامة للجيش اليمني اللواء الركن أحمد البصر، اجتماعاً عسكرياً لمناقشة تنظيم وترتيب القوات المسلحة وتوحيد جهود الهيئات والوحدات العسكرية، وتعزيز التنسيق والتكامل في تنفيذ المهام.

وأكد البصر أهمية رفع مستوى التنسيق والمتابعة وتعزيز الانضباط وكفاءة الأداء، في وقت تتواصل فيه العمليات العسكرية على امتداد عدد من الجبهات اليمنية.


بعد موافقة البرلمان اليمني... تعبئة عامة لمواجهة الحوثيين

مقاتلون من الجيش اليمني خلال عمليات برية ضد الحوثيين في محافظة الجوف (أ.ف.ب)
مقاتلون من الجيش اليمني خلال عمليات برية ضد الحوثيين في محافظة الجوف (أ.ف.ب)
TT

بعد موافقة البرلمان اليمني... تعبئة عامة لمواجهة الحوثيين

مقاتلون من الجيش اليمني خلال عمليات برية ضد الحوثيين في محافظة الجوف (أ.ف.ب)
مقاتلون من الجيش اليمني خلال عمليات برية ضد الحوثيين في محافظة الجوف (أ.ف.ب)

دخلت المواجهة بين الحكومة اليمنية وجماعة الحوثيين المتحالفة مع إيران مرحلة جديدة، مع موافقة مجلس النواب (البرلمان) على طلب رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، إعلان التعبئة العامة، في خطوة قالت السلطات إنها تستهدف تعزيز قدرات مؤسسات الدولة والقوات المسلحة في مواجهة التصعيد الحوثي، وحماية النظام الجمهوري وسيادة البلاد.

وجاء القرار البرلماني بعد اجتماع موسع عقده المجلس برئاسة رئيسه، سلطان البركاني، عبر الاتصال المرئي، لمناقشة التطورات العسكرية والسياسية في البلاد، ومذكرة العليمي التي طلب فيها الموافقة على إعلان التعبئة العامة، مستنداً إلى مواد دستورية وقوانين تنظم حالات التعبئة والاحتياط العام والدفاع المدني.

ووفق القرار، يبدأ العمل بالتعبئة العامة من تاريخ إعلانه، ويستمر إلى حين زوال الأسباب التي دعت إليه، على أن يجري تنفيذها وفق أحكام الدستور وقرار نقل السلطة والقوانين المنظمة للاحتياط العام ومجلس الدفاع الوطني والدفاع المدني.

وخلال اجتماع مع عدد من المحافظين، بحضور رئيس الوزراء، شائع الزنداني، وقيادات عسكرية وأمنية، قدم العليمي التعبئة العامة بوصفها إجراءً يتجاوز مجرد تجنيد مقاتلين أو رفد الجبهات، قائلاً إنها تشمل الموارد البشرية والمادية والمعنوية، ورفع قدرة مؤسسات الدولة والقوات المسلحة والأمن على أداء مهامها.

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي خلال اجتماع مرئي مع قادة عسكريين ومدنيين (إعلام حكومي)

وأشاد العليمي باستجابة مجلس النواب لطلبه، عادّاً أن موافقة المؤسسة التشريعية تعكس إدراكاً لحجم التحديات التي تواجهها البلاد، وتوفر إطاراً دستورياً لتوحيد إمكانات مؤسسات الدولة في المرحلة المقبلة.

ويتزامن القرار مع تصعيد عسكري واسع على جبهات عدة، في وقت تقول فيه الحكومة إن قواتها استعادت زمام المبادرة في عدد من المحاور، بينما لا تزال المواجهات مستمرة في مناطق متفرقة من تعز ولحج ومأرب والجوف والبيضاء، إلى جانب جبهات الشمال.

«العودة الآمنة»

في موازاة التعبئة، طرح العليمي مساراً آخر يقوم على ما سماها «العودة الآمنة»، موجهاً دعوة إلى أبناء المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين لعدم الدفع بأبنائهم إلى جبهات القتال.

وقال إن الدولة لا تطلب من هؤلاء سوى الانحياز إلى قيم الجمهورية ومؤسساتها، مؤكداً أن الضمانات والإجراءات المعلنة تشمل من يترك الجماعة ويتوقف عن القتال أو العمل لمصلحتها.

وأوضح أن المسار يشمل أيضاً تسوية أوضاع منتسبي القوات المسلحة والأمن وحفظ حقوقهم القانونية، في محاولة لفتح قناة للانسحاب من صفوف الحوثيين بالتوازي مع تشديد الضغط العسكري.

واستند مجلس النواب اليمني في قراره إلى «المادة37» من الدستور بشأن إعلان التعبئة العامة، و«المادة38» الخاصة بـ«مجلس الدفاع الوطني»، إضافة إلى «المادة119» بشأن اختصاصات رئيس الجمهورية في إعلان حالة الطوارئ والتعبئة العامة وفق القانون.

جنود من القوات الحكومية اليمنية خلال استعراض سابق (إعلام عسكري)

كما استند المجلس إلى «قانون إنشاء مجلس الدفاع الوطني»، و«قانون الاحتياط العام»، و«قانون الدفاع المدني».

ونص القرار على أن «مجلس الدفاع الوطني» يصبح، عند إعلان التعبئة العامة، منعقداً بصورة مستمرة، ويتولى مسائل التعبئة والإشراف على تنفيذها، وفق القوانين المنظمة لذلك.

ويأتي هذا الإجراء بعد خطاب للعليمي في 25 سبتمبر (أيلول) الحالي دعا فيه إلى التعبئة العامة، في وقت تحاول فيه الحكومة حشد مؤسسات الدولة والقوى السياسية والعسكرية خلف موقف موحد في مواجهة الحوثيين.

وقال مجلس النواب إن قراره جاء في ظل ما وصفها بالمخاطر التي تهدد حياة المواطنين وأموالهم وأمنهم واستقرارهم، مشيراً كذلك إلى التداعيات الإقليمية والدولية للصراع اليمني.

رسالة إلى الداخل والخارج

حمل القرار البرلماني أيضاً رسالة سياسية تتجاوز الجانب العسكري؛ إذ دعا إلى تجاوز الخلافات وتوحيد الصفوف والعمل بالتنسيق مع التحالف الداعم للشرعية بقيادة السعودية.

وجدد المجلس إدانته الهجمات الحوثية التي تستهدف السعودية، عادّاً أن تهديد أمن دول المنطقة وسيادتها ينعكس على الأمن والاستقرار الإقليميين والدوليين.

كما أشاد بالدعم السعودي لليمن، وبالدور الذي يضطلع به «التحالف» في دعم الحكومة والقوات الموالية لها.

إلى ذلك، شدد العليمي على أن المرحلة المقبلة تتطلب من المحافظين التعامل مع السكان في المناطق الخاضعة للحوثيين بوصفهم جزءاً من المجتمع اليمني، وليسوا طرفاً منفصلاً عن الدولة، مؤكداً أن الحكومة تريد استعادة مؤسساتها وأمنها واستقرارها في تلك المناطق.

ويمنح قرار البرلمان التعبئة العامة إطاراً رسمياً لتحويل الاستجابة الحكومية من إجراءات عسكرية متفرقة إلى سياسة تعبئة مؤسساتية أوسع، تشمل القوات المسلحة والأمن والموارد البشرية والمادية وأجهزة الدولة.

لكن أثر القرار سيبقى مرتبطاً بآليات تنفيذه وقدرة مؤسسات الحكومة والقوى العسكرية المتحالفة معها على العمل ضمن قيادة أكبر تنسيقاً، في ظل تعدد التشكيلات والقوى على الأرض وتباين مناطق انتشارها.