في رقصته الأخيرة، وقف راقص الباليه الروسي الشهير فاسلاف نجنسكي (1890 - 1950) دقائق صامتًا، محدقًا في الجمهور الذي اكتظت به القاعة. وأخيرًا أطلق صرخته الشهيرة التي لا تزال ترن في آذاننا، على الرغم من مرور قرابة قرن، هذا إذا لا نزال نملك آذانًا تسمع، ولم تتحول بعد إلى «آذان قذرة»، كما يقول أليوت في قصيدته «الأرض اليباب»: «حسنًا، سأرقص لكم رقصة الحرب التي لم تفعلوا شيئًا لمنعها».
قادوا نجنسكي بعدها إلى مصح عقلي في سويسرا سنة 1919، بعد فترة قصيرة من صرخته هذه، حيث أصيب بانهيار عصبي تحول فيما بعد إلى شيزوفرينيا. كانت الأوراق التي عثروا عليها في غرفته بالمستشفى بعد موته المفجع مليئة بتخطيطات جنود قتلى، ونساء مفجوعات، ووجوه أطفال بائسين.
ماذا فعلنا لمنع الحرب؟
أي رقصة مغفرة سيرقصها نجنسكي أمام وجه عمران، الذي نثرت طائرات بلاده العملاقة الدم على وجهه الصغير، الذي خرج لتوه من الموت. وجه يحدق فينا، ساكنًا، ذاهلاً، حتى بلا أي انفعال، كأنه لا يصدق أن ما حدث له يمكن أن يحدث في هذا العالم المخيف الذي شاء حظه أن يوجد فيه. لم يستنجد عمران بأحد - هل هناك أحد؟ - بينما كانت الدماء تغطي وجهه الجميل، وتنساب على ذراعيه الرخوتين. لم يبكِ. لم يكن خائفًا، وإلا لبكى كما يبكي الأطفال الخائفون. لم يرتعش كما يرتعش حتى الرجال الخائفون. كان ينظر إلينا ولا يرانا، كأنه لا يريد شيئًا منا، فقط أن نتركه بسلام. كأننا وحوش أمامه خرجنا للتو من الغابة، ولماذا لا نبدو كذلك؟ ربما كان يلعب قليلاً، أو يحاول أن ينام.. كانت بين اللعب والنوم مسافة قصيرة جدًا حولتها طائرة وحشية عمياء مقبلة من بلاد نجنسكي إلى مسافة قصيرة جدًا بين الحياة والموت.
هزت الطفلة الفيتنامية كيم فوك في بداية السبعينات العالم، حين شاهدها في صورة فوتوغرافية وهي تمزق ثيابها المحترقة بالنابالم الأميركي، راكضة باتجاه الحياة. صدمت صورتها الضميرين الأميركي والعالمي، وكانت من الأسباب التي أشعلت مظاهرات الاحتجاج العارمة في أميركا ذاتها، مما قاد في النهاية إلى إنهاء حرب فيتنام المجنونة.
من يتذكر الآن أطفال الغوطة الشرقية، الذين حصدهم كيماوي الأسد في لحظات معدودات؟ ليس أوباما بالتأكيد.
كأن العالم آنذاك كان يملك ضميرًا، وهو في موات الآن كما يبدو، إن لم يكن قد مات فعلاً، موتًا غير معلن للأسف. بل إنها بلادة قلما عرفتها البشرية.. مقاتلات استراتيجية تطير من موسكو، وطائرات عملاقة تنطلق من بلاد ولاية الفقيه، ووحوش لا تعرف من أين جاءوا، وقتلة ينتحلون اسم الله، ومرتزقة يتباكون على السيدة زينب، وأصحاب سوابق أطلقهم الأسد، كما فعل صدام من قبل، ليصيروا أمراء حرب، وجيش مهزوم طوال تاريخه يبحث عن انتصار حتى على حمزة وعمران وأطفال الغوطة الشرقية.. أي حرب هذه! لا، إنها ليست بحرب. إنها مزرعة للموت يرعاها الجميع، في تواطؤ مخزٍ قلما عرفه التاريخ.
9:11 دقيقه
حقول القتل في سوريا
https://aawsat.com/home/article/719031/%D8%AD%D9%82%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%AA%D9%84-%D9%81%D9%8A-%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7
حقول القتل في سوريا
حقول القتل في سوريا
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة


