هل تستطيع الصين إصلاح الخلل في نموذج نموها؟

بين تباطؤ الطلب الداخلي وخيبة أمل في الإنتاج.. وتدني الصادرات وتدهور الواردات

مستثمران في البورصة الصينية تبدو عليهما علامات الإحباط لخسارة أموالهم (رويترز)
مستثمران في البورصة الصينية تبدو عليهما علامات الإحباط لخسارة أموالهم (رويترز)
TT

هل تستطيع الصين إصلاح الخلل في نموذج نموها؟

مستثمران في البورصة الصينية تبدو عليهما علامات الإحباط لخسارة أموالهم (رويترز)
مستثمران في البورصة الصينية تبدو عليهما علامات الإحباط لخسارة أموالهم (رويترز)

منذ عدة أعوام تسعى بكين بأكثر من طريقة لإعادة التوازن إلى نموذجها للنمو، عن طريق تشجيع الطلب المحلي على الاستهلاك الداخلي والخدمات، بدلا من الاعتماد على التصدير كمحرك أساسي للاقتصاد، إلا أن هذا لم يمنع تراجع نمو إنفاق الأسر في الصين خلال الفترة الماضية.
وسجلت مبيعات التجزئة في الصين تباطؤا فاق التوقعات في يوليو (تموز) على الرغم من جهود بكين لتحريك الطلب الداخلي، فيما عكس الإنتاج الصناعي أيضا تباطؤا جديدا، في أحدث مؤشر على تراجع ثاني اقتصاد في العالم.
و«مبيعات التجزئة» من أهم المؤشرات التي تقيس درجة نمو أو انخفاض استهلاك الأسر، وبلغت زيادة مبيعات التجزئة في الصين الشهر الماضي 10.2 في المائة على مدى عام، بحسب ما أعلن مكتب الإحصاءات الوطني أمس الجمعة، وهذه النسبة أقل بكثير من الزيادة المسجلة في يونيو (حزيران)، وقدرها 10.6 في المائة، وأدنى بفارق ملحوظ من متوسط توقعات محللين تحدثت إليهم وكالة «بلومبرغ»، وقدره بـ10.5 في المائة.
ويُسجل هذا التراجع في إنفاق الأسر في الصين في وقت تسعى بكين لإعادة التوازن إلى نموذجها للنمو لتركيزه أكثر على الاستهلاك الداخلي والخدمات، وبات قطاع الخدمات المدعوم خصوصا بفورة المبيعات على الإنترنت، يمثل أكثر من نصف إجمالي الناتج الداخلي للعملاق الآسيوي.
وكان الازدهار المتواصل لمبيعات التجزئة المستفيدة من التسهيل المتواصل لسياسة الإقراض، ساهم إلى حد بعيد في الاستقرار المفاجئ لنمو الاقتصاد الصيني في الفصل الثاني من السنة بمستوى 6.7 في المائة.
كذلك كانت أرقام الإنتاج الصناعي مخيبة إذ بلغ ارتفاعها في يوليو (تموز) 6 في المائة بالمقارنة مع الشهر نفسه من العام الماضي، بحسب أرقام مكتب الإحصاءات، فجاءت أدنى من التوقعات، وسجلت تباطؤا واضحا بالنسبة إلى يونيو، الذي بلغ نمو الناتج الصناعي فيه 6.2 في المائة.
ويبدو أن فترة التحسن التي سجلت في الربيع انتهت، وقد استفاد النشاط الاقتصادي خلال ذلك الفصل من تدابير الدعم الحكومي ومن ارتفاع في النفقات العامة والإنفاق على البنى التحتية وانتعاش السوق العقارية.
وتعاني الصناعات الصينية الثقيلة التي تهيمن عليها مجموعات كبرى مملوكة من الدولة، من طلب ضعيف، على خلفية تراجع الصادرات، ومن الفائض الهائل في القدرات الإنتاجية، ومن مديونية متزايدة ولا سيما في قطاعي التعدين والمناجم.
وتواجه الصين صعوبة في عملية التحول التي باشرتها نحو نموذج اقتصادي يقوم على السوق والخدمات والاستهلاك، فيما تراوح الإصلاحات البنيوية التي وعدت بها، وما يزيد الوضع تعقيدا أن السلطات، بإقرارها تدابير تيسير نقدي متتالية، شجعت على زيادة الإقراض، ما يؤدي اليوم إلى ارتفاع مقلق في القروض والديون المشكوك في تحصيلها، ورغم تدابير الدعم من السلطات، فإن الأسس التي يقوم عليها النمو الصيني تواصل تراجعها، حيث سجلت المبادلات التجارية تراجعا جديدا في يوليو، مع تدني الصادرات الصينية بنسبة 4.4 في المائة على مدى عام وتدهور الواردات للشهر الـ21 على التوالي، حتى قطاع العقارات والبناء الذي حقق انتعاشا مفاجئا في الأشهر الأخيرة بعد فترة طويلة من التباطؤ، بدأ يتعثر مع تسجيل تباطؤ شديد في الاستثمارات في القطاع العقاري خلال يوليو بحسب أرقام مكتب الإحصاءات.
كما سجل التحفيز المالي أيضا تباطؤا حيث بلغ نمو الاستثمار في أسهم رأس المال، الذي يُعتبر مؤشرا للنفقات العامة على البنى التحتية، 8.1 في المائة على مدى عام خلال الأشهر السبعة الأولى من العام، مقابل 9 في المائة للنصف الأول من السنة.
وتحقق الصين نموا متباطئا مع 6.7 في المائة في الربع الثاني هذه السنة وهي نسبة مساوية للربع الأول ولكنها تراجعت عن 6.9 في المائة في 2015.
وأظهرت بيانات رسمية، أمس (الجمعة)، أن استثمارات الأصول الثابتة للقطاع الخاص في الصين قد ارتفعت بنسبة 2.1 في المائة على أساس سنوي في الأشهر السبعة الأولى، بانخفاض من 2.8 في المائة في النصف الأول و5.7 في المائة في الربع الأول، وقالت مصلحة الدولة للإحصاء إن الاستثمار الخاص نما ليصل إلى 19.15 تريليون يوان (نحو 2.88 تريليون دولار) في الأشهر السبعة الأولى، وهو ما يمثل 61.4 في المائة من استثمارات الأصول الثابتة في البلاد، بحسب وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا).
وأرجع بعض المحللين الانخفاض في استثمارات القطاع الخاص هذا العام إلى التباطؤ في الصناعات التصديرية، وتدهور الثقة في الأعمال التجارية على مدى السنوات القليلة الماضية.
يذكر أن القطاع الخاص هو ركيزة أساسية لدعم النمو الاقتصادي في الصين ويساهم بنحو 60 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للصين، ونحو 80 في المائة من فرص العمل.
ونشرت الوكالة الفرنسية تقريرا خلال الأسبوع الماضي بعنوان «اليوان يستمر في التراجع بعد سنة من تخفيضه دون إثارة قلق المستثمرين». وقال التقرير إن الصين أحدثت صدمة في الأسواق في منتصف أغسطس (آب) 2015 عندما خفضت سعر اليوان بشكل كبير وبعد سنة لا تزال عملتها تتراجع واستنفد المضاربون ما لديهم فبنك الصين لم يتراجع عن سياسة التدخل والمستثمرون أقل قلقا بكثير.
ويذكر أن الصين قد خفضت عملتها المستقرة والموجهة في المعتاد بنسبة 5 في المائة خلال أسبوع الصيف الماضي، والآن بات مسموحا لليوان بالتذبذب أمام الدولار ضمن هامش 2 في المائة من السعر المرجعي الذي يحدده بنك الصين.
وأثار قرار الصيف الماضي القلق على سلامة أداء الاقتصاد الصيني ومن «حرب عملات» بين الدول المتنافسة، وفقا للتقرير.
لكن الصين دافعت عن قرارها وقتها بقولها إنه يهدف إلى دعم المصدرين وإنها مجرد طريقة جديدة للحساب تعتمد على تقلبات سوق الصرف.
ولكن لم يتوقف تراجع العملة الصينية منذ ذلك الحين حتى أنها أغلقت الأربعاء على 6.6430 يوان للدولار مقتربة من أدنى سعر مسجل منذ ست سنوات في حين تراجع سعر الصرف المرجعي لبنك الصين بنسبة 9 في المائة على مدى سنة، قبل أن يرتفع اليوان ويسجل 6.6385 أمام الدولار ظهيرة أمس (الجمعة).
ويقول المحلل لدى «سوسييته جنرال» وي ياو: «بات الأمر المتبع منذ عدة أشهر أن يتم خفض اليوان بشكل تدريجي، لا يحدث تقلبات في سوق الصرف ولا يؤرق المستثمرين»، ويتفق خبراء مكتب «كابيتال إيكونوميكس» مع هذا الرأي، ويضيفون إنه بالإضافة إلى حجم التخفيض في صيف 2015 فإن «عدم ثقة الأسواق إزاء بنك الصين والتكتم على نواياه زادت من الضغوط على اليوان، وبعد سنة يبدو المستثمرون أقل توترا إزاء تقلبات العملة الصينية».
وسعى بنك الصين إلى تحسين التواصل مع السوق بعد أن كان يكتفي بإصدار بيانات مقتضبة، وخرج حاكمه تشو شياو تشوان عن صمته في فبراير (شباط) ليؤكد أنه «لا يوجد أساس للخفض المستمر للعملة»، ولكن البنك المركزي تدخل بكثافة في السوق لوقف تدهور اليوان والحد من هروب الرساميل الذي عززته خشية المستثمرين من انهيار قيمة أموالهم، وذكرت وكالة «بلومبرغ» أن تريليون دولار خرجت من البلاد العام الماضي.
وأنفق البنك المركزي منذ سنة 440 مليار دولار من احتياطاته لشراء اليوان لوقف تراجعه، وشددت بكين القيود على إخراج الرساميل، وبهذه الطريقة وجهت الصين رسالة إلى المضاربين المراهنين على استمرار تراجع اليوان، وقال وي ياو إن «المضاربات باتت اليوم محدودة ويبدو أن سياسة ضبط الرساميل نجحت».
وتراجعت عمليات تحويل العملات، فالبنوك الصينية باعت من العملات الأجنبية أكثر مما أودع فيها خلال الربع الثاني من السنة ثم تراجع الفارق إلى النصف مقارنة مع الربع الأول، لكن بنك الصين يواجه معضلة فهو يتغنى بالتقدم المحرز نحو حرية صرف اليوان وأخذ تقلبات السوق في الاعتبار، وهو التزام شكل شرطا لاعتماد اليوان بين العملات المرجعية لصندوق النقد الدولي، ومن جهة ثانية، وبهدف تعزيز استخدام اليوان على المستوى الدولي، وعدت بكين بجعله مستقرا أمام سلة من العملات الرئيسية، لكن فجأة بادر البنك المركزي إلى تصحيح سعره المرجعي و«فرض إرادته لتوجيه السوق» وتوجيه اليوان، وفق بنك «آي إن زد»، ففي يناير (كانون الثاني) الماضي، خفض بنك الصين سعر اليوان المرجعي خلال ثماني جلسات متتالية مثيرا توقعات بخفض أكبر للعملة قبل أن يرفعها مجددا.
وفي الواقع فإن المصدرين لا يستفيدون سوى بشكل هامشي من إضعاف اليوان، فصادرات الصين تراجع نموها خلال الأشهر الماضية.
ويقول لياو كون الاقتصادي لدى «سيتيك بنك إنترناشيونال» إن الأمر لا يتعلق باستراتيجية صينية متعمدة لتحفيز النشاط التجاري، وإنما يعاني اليوان من (المؤشرات) الأساسية للاقتصاد العالمي.
وبين ارتفاع أسعار الفائدة الأميركية التي تزيد من جاذبية الدولار والقلق الناجم عن بريكست (خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي) الذي يدفع لشراء العملات المستقرة، يتوقع أن يستمر تراجع اليوان ولكن إلى متى؟
يوضح لياو كون أن «التقلبات العالمية تترك تأثيرها بشكل تدريجي، وإلى متى سيستمر اليوان بالتراجع يتوقف على متى سيتحسن سعر اليورو والجنيه الإسترليني».
وعلى الرغم من انتقاد واشنطن المستمر على خفض قيمة عملتها لكنها أبدت ارتياحا إزاء ضعف اليوان حاليا، وقال مسؤول في وزارة الخزانة الأميركية على هامش مجموعة العشرين في يوليو إن «الصين التزمت بالانتقال بطريقة منظمة إلى سعر صرف يخضع لشروط السوق»، وأضاف: «سيتم امتحانها عندما تتعرض عملتها لضغوط تصاعدية وإذا كانت الصين ستسمح لسعر اليوان بالارتفاع».
وبينما لا توجد الكثير من التوقعات الدقيقة لمستقبل سعر اليوان في المستقبل، فإن مسؤولا ببنك سكوشيا قد صرح بأن استهلاك الذهب في الصين والهند أكبر مشترين للمعدن النفيس في العالم سيتراجع ما بين 15 و20 في المائة في 2016. بعد انخفاض الطلب الاستثماري ومبيعات الحلي.
وقد يكبح تراجع الطلب من البلدين اللذين يشكلان أكثر من نصف السوق العالمية موجة صعود في الأسعار العالمية القريبة من أعلى مستوياتها في عامين.
وقال سونيل كاشياب العضو المنتدب للأنشطة المصرفية العالمية والأسواق في بنك سكوشيا يوم الأربعاء الماضي إن «الطلب الهندي سينخفض من 15 إلى 20 في المائة في 2016 عن العام السابق، حيث أسهم ارتفاع الأسعار والطلب الاستثماري الضعيف في تقليل الاستهلاك، والهند ليست استثناء، بل هو اتجاه عام في أنحاء آسيا وحتى في الصين».
وقفزت أسعار الذهب نحو 28 في المائة منذ بداية 2016 إلى 1350.7 دولار للأوقية مما يثني مشتري الحلي التقليديين، وقال كاشياب: «ما لم تنزل الأسعار عن 1300 دولار للأوقية فإننا لا نتوقع تحسن الطلب».
وبحسب بيانات جمعها مجلس الذهب العالمي بلغ الطلب الصيني على المعدن 981.5 طن العام الماضي في حين بلغ الطلب الهندي 864.3 طن.
وفي الهند قفزت أسعار الذهب المحلية إلى 32 ألفا و455 روبية (487.21 دولار) للعشرة غرامات في يوليو وهو أعلى مستوى لها في نحو ثلاث سنوات مما يدفع المستهلكين إلى بيع حليهم القديمة.
أخبار إيجابية ولكن «على الحجم الصغير»
وعلى الرغم من هذا لا يخلو الأمر من بعض المؤشرات الإيجابية ولكن ليس على مستوى الاقتصاد الكلي، حيث أعلن اتحاد مصنعي السيارات في الصين أمس الجمعة أن مبيعات السيارات في البلاد ارتفعت 23 في المائة إلى 1.9 مليون سيارة في يوليو، مقارنة مع مستواها قبل عام لتسجل أسرع وتيرة نمو شهرية في ثلاث سنوات ونصف السنة، فهذا أعلى معدل نمو شهري للمبيعات منذ يناير 2013. ويتجاوز الارتفاع السنوي البالغة نسبته 14.6 في المائة الذي سجلته المبيعات في يونيو وآخر بنسبة 9.8 في المائة في مايو (أيار).
وقال الاتحاد في إيجاز صحافي في بكين إن المبيعات زادت 9.8 في المائة في الأشهر السبعة الأولى من 2016 مقارنة مع مستواها قبل عام، وفي يناير قال الاتحاد إنه يتوقع نمو مبيعات السيارات بنسبة ستة في المائة هذا العام.
هذا كما ذكرت تقارير إخبارية أول من أمس الخميس أن أرباح شركة «تشاينا موبايل» أكبر مشغل لشبكات الهاتف الجوال في الصين زادت بنسبة 5.6 في المائة خلال النصف الأول من العام الحالي مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي بفضل النمو القوي في إيرادات خدمات نقل البيانات عبر الأجهزة المحمولة وخدمات الجيل الرابع للهاتف الجوال.
ووصلت الشركة وهي أكبر شركة جوال في العالم من حيث عدد المشتركين خلال النصف الأول من العام الحالي إلى 60.6 مليار يوان (9.1 مليار دولار) بحسب البيانات المالية الصادرة عنها.
في الوقت نفسه زادت إيرادات التشغيل خلال الأشهر الستة الأولى من العام الحالي بنسبة 7.1 في المائة إلى 370.4 مليار يوان في حين زادت إيرادات خدماتها الاتصالية بنسبة 6.9 في المائة خلال الفترة نفسها.
ونقلت وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا) عن شانج بينج رئيس مجلس إدارة «تشاينا موبايل» قوله إن النتائج «مشجعة» وإن أداء الشركة تجاوز متوسط نمو صناعة اتصالات الهاتف الجوال في الصين ككل.
في الوقت نفسه سجلت شركة «تشاينا موبايل» زيادة في عدد مستخدمي خدمات الجيل الرابع خلال النصف الأول من العام الحالي بمقدار 19 مليون مشترك ليصل إجمالي عدد مشتركي هذه الخدمات إلى 429 مليون مشترك، وخلال النصف الأول من العام الحالي زادت إيرادات خدمات نقل البيانات لاسلكيا بنسبة 39.7 في المائة سنويا، حيث فاق معدل نمو هذه الإيرادات معدل نمو الأنشطة التقليدية للشركة.
ورغم نمو أرباحها وإيراداتها، قال شانج إن الشركة تواجه منافسة ضارية من جانب شركات خدمات الجيل الرابع للهاتف الجوال والإنترنت التي تتوسع في مجال الاتصالات.
وفيما يخص مواقع التواصل الاجتماعي، ذكرت تقارير إخبارية أن مجموعة «سينا ويبو» لمواقع التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت حققت زيادة في إيراداتها خلال الربع الثاني من العام الحالي بفضل العائدات القوية لخدمات الإعلان والتسويق مع نمو قاعدة مستخدميها.
وذكرت شركة «ويبو كوربورشن» التي تدير المواقع في بيان أن خدمة التدوينات الصغيرة الشبيهة بخدمة «تويتر» الشهيرة حققت نتائج فاقت التوقعات حيث وصلت إيراداتها الصافية إلى 146.9 مليون دولار بزيادة نسبتها 36 في المائة عن الفترة نفسها من العام الماضي، يُذكر أن الإعلانات وخدمات التسويق تمثل مصادر رئيسية لإيرادات الشركة، حيث زادت هذه المصادر بنسبة 45 في المائة سنويا إلى 127.2 مليون دولار خلال الربع الثاني.
ونقلت وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا) عن وانج جاوفي الرئيس التنفيذي لشركة «ويبو» القول إن الشركة استفادت من زيادة الإقبال على وسائل التواصل الاجتماعي كأدوات تسويق، مع زيادة إيرادات المشروعات الصغيرة والمتوسطة بنسب 73 في المائة و107 في المائة على الترتيب خلال الربع الثاني من العام الحالي.
في الوقت نفسه استمر النمو القوي لعدد مستخدمي خدمات «ويبو» حيث وصل عددهم في يونيو الماضي إلى 282 مليون مستخدم شهريا بمعدل نمو سنوي قدره 33 في المائة، ويمثل مستخدمو الأجهزة المحمولة نحو 89 في المائة من إجمالي مستخدمي «ويبو»، في الوقت نفسه بلغ عدد مستخدمي الخدمة يوميا 126 مليون مستخدم بمعدل نمو سنوي قدره 36 في المائة.
وتتوقع «ويبو» تحقيق إيرادات صافية خلال الربع الثالث من العام الحالي تتراوح بين 168 و173 مليون دولار.
وفي القطاع المصرفي ذكرت تقارير إخبارية يوم الأربعاء الماضي أن مصرف «هواشيا بنك» الصيني متوسط الحجم سجل زيادة في أرباحه الصافية خلال النصف الأول من العام الحالي بنسبة 6.08 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي بفضل توسع أنشطته.
وذكر البنك في بيان أن صافي أرباحه بلغت خلال الأشهر الستة الأولى من العام الحالي 9.83 مليار يوان (1.5 مليار دولار)، في حين زادت الإيرادات بأكثر من 10 في المائة إلى 31.2 مليار يوان.
وأرجع البنك نتائجه الجيدة إلى استراتيجيته الناجحة للاستثمار في ممر «بكين - تيانجين - هيبي» التنموي وتوسع أنشطته.
وأشارت وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا) إلى وصول إجمالي قيمة أصول البنك إلى 2.25 تريليون يوان في نهاية يونيو الماضي بزيادة نسبتها 11.4 في المائة عن بداية العام الحالي.
في المقابل كان متوسط نمو أرباح البنوك التجارية في الصين خلال النصف الأول من العام الحالي 3.2 في المائة وفقا للبيانات الرسمية الصادرة اليوم.
كما بلغت قيمة صفقات الاندماج والاستحواذ التي قامت بها الشركات الصينية في الخارج 134 مليار دولار خلال النصف الأول من العام الحالي، وأشارت مؤسسة «برايس ووتر هاوس كوبرز» (بي دبليو سي) للاستشارات الإدارية والمراجعة المحاسبية إلى أن قيمة هذه الصفقات خلال النصف الأول من العام الحالي تعادل نحو 3 أمثال قيمتها خلال العام الماضي، وتتجاوز قيمة إجمالي صفقات الاندماج والاستحواذ للشركات الصينية خلال العامين الماضيين.
ونقلت وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا) عن التقرير القول إن 24 صفقة تجاوزت قيمة الواحدة منها مليار دولار، في حين بلغت قيمة استحواذ شركة «كيم تشاينا» على شركة الكيماويات الزراعية والبذور السويسرية «سينجينتا» بمفردها 43 مليار دولار.
وساهمت الشركات الصينية المملوكة للقطاع الخاص بنحو الثلثين في أكبر 20 صفقة اندماج واستحواذ خارجية بحسب ليو يانلاي رئيس إدارة الاستثمار المالي الخاص للصين وهونغ كونغ في مؤسسة «بي دبليو سي».
وأضاف ليو أن صفقات الاندماج والاستحواذ وصلت إلى مستوى قياسي مع نمو نشاط مؤسسات الاستثمار المالي، بما في ذلك إدارات الاستثمار في الشركات الكبرى وشركات التأمين والصناديق الحكومية.



صندوق النقد الدولي: على الولايات المتحدة تغيير نهجها في السياسة الاقتصادية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح نائبه جي دي فانس بينما يصفق رئيس مجلس النواب مايك جونسون خلال خطاب «حالة الاتحاد» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح نائبه جي دي فانس بينما يصفق رئيس مجلس النواب مايك جونسون خلال خطاب «حالة الاتحاد» (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: على الولايات المتحدة تغيير نهجها في السياسة الاقتصادية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح نائبه جي دي فانس بينما يصفق رئيس مجلس النواب مايك جونسون خلال خطاب «حالة الاتحاد» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح نائبه جي دي فانس بينما يصفق رئيس مجلس النواب مايك جونسون خلال خطاب «حالة الاتحاد» (رويترز)

اقترح صندوق النقد الدولي مزيجاً بديلاً من السياسات الاقتصادية لتحقيق تطلعات الإدارة الأميركية دون التسبب في ارتدادات عالمية سالبة. وفي مراجعته السنوية لعام 2026، أكد الصندوق أن اعتماد آليات ضريبية وهيكلية أكثر استدامة بدلاً من الرسوم الجمركية سيخدم الأهداف الوطنية لواشنطن ويحمي في الوقت ذاته استقرار النظام المالي الدولي من مخاطر التضخم والدين المتصاعد.

وأشار البيان إلى أن سياسات الاستقرار بدأت تؤتي ثمارها بشكل واضح، حيث اقترح الصندوق إحلال «ضريبة استهلاك مبنية على الوجهة» محل الرسوم الجمركية، والتحول نحو نظام هجرة قائم على المهارات.

وترى المديرة العامة، كريستالينا غورغييفا، أن هذا التحول سيعالج الاختلالات التجارية بفاعلية أكبر، متفادياً الآثار الجانبية للرسوم التي تسببت في ضغوط على جانب العرض وأججت تضخم السلع، مما شكل عائقاً أمام تحقيق معدلات نمو أقوى.

حماية الاستقلالية

أثنى الصندوق على النهج النقدي المتبع خلال عام 2025، معتبراً توجه الاحتياطي الفيدرالي نحو التيسير خطوة صائبة لمواجهة تباطؤ التوظيف. ويتوقع الصندوق استقرار الفائدة عند نطاق 3.25 في المائة – 3.50 في المائة بنهاية عام 2026، مما يمهد لعودة التضخم إلى مستهدفه البالغ 2 في المائة بحلول أوائل 2027.

كما شدد التقرير على ضرورة صون «استقلالية الفيدرالي» كأصل استراتيجي يحمي مصداقية السياسات النقدية بعيداً عن التجاذبات السياسية.

العجز المالي ومخاطر الدين العام

لفت الصندوق إلى أن الفجوة في المالية العامة لا تزال تمثل مخاطر حقيقية، حيث حذر من بقاء العجز المالي عند مستويات مرتفعة تتراوح بين 7 في المائة و8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. هذا المسار الصعودي، الذي قد يدفع بالدين العام إلى 140 في المائة بحلول عام 2031، يستوجب وضع خطة «ضبط مالي» واضحة لضمان استدامة الميزانية وتقليص المخاطر السيادية التي قد تمتد آثارها لتشمل الأسواق العالمية برمتها.

مرونة النمو في مواجهة التقلبات

توقع الصندوق أن يحافظ الاقتصاد الأميركي على زخم نمو صحي عند 2.4 في المائة خلال عام 2026، مع انخفاض معدلات البطالة إلى حدود 4 في المائة. ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، أكدت غورغييفا أن الصندوق يراقب بعناية التطورات القانونية المتعلقة بالرسوم الجمركية لتحليل تبعاتها في التقارير المقبلة، مشددة على أن تبني «مزيج السياسات البديل» هو الضمانة الأكيدة لنمو مستدام وشامل.


صندوق النقد الدولي يمنح الضوء الأخضر لصرف 2.3 مليار دولار لمصر

آلاف الطلاب المسلمين يفطرون خلال شهر رمضان المبارك في نقطة توزيع وجبات مجانية في الجامع الأزهر (أ.ب)
آلاف الطلاب المسلمين يفطرون خلال شهر رمضان المبارك في نقطة توزيع وجبات مجانية في الجامع الأزهر (أ.ب)
TT

صندوق النقد الدولي يمنح الضوء الأخضر لصرف 2.3 مليار دولار لمصر

آلاف الطلاب المسلمين يفطرون خلال شهر رمضان المبارك في نقطة توزيع وجبات مجانية في الجامع الأزهر (أ.ب)
آلاف الطلاب المسلمين يفطرون خلال شهر رمضان المبارك في نقطة توزيع وجبات مجانية في الجامع الأزهر (أ.ب)

أعلن المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي استكمال المراجعتين الخامسة والسادسة بموجب «تسهيل الصندوق الممدد» (EFF)، بالإضافة إلى المراجعة الأولى بموجب «تسهيل الصلابة والاستدامة» (RSF) لصالح مصر.

يمثل هذا الإعلان شهادة على تحسن مؤشرات الاقتصاد الكلي المصري نتيجة الجهود المستمرة لتحقيق الاستقرار، وهو ما يتيح للسلطات المصرية سحب ما يعادل 2.3 مليار دولار تقريباً بشكل فوري.

وتأتي هذه الخطوة في وقت حساس لتؤكد التزام الدولة بمسار الإصلاح، رغم التحديات الإقليمية والدولية القائمة.

تعافٍ ملموس وانخفاض ملحوظ في التضخم

أشار البيان إلى أن سياسات الاستقرار بدأت تؤتي ثمارها بشكل واضح، حيث شهدت مصر تحسناً في ظروفها الاقتصادية العامة. وقد قفز معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى 4.4 في المائة في السنة المالية 2024-2025، في حين سجل التضخم تراجعاً كبيراً ليصل إلى 11.9 في المائة في يناير (كانون الثاني) 2026.

ويعود الفضل في ذلك إلى السياسات النقدية والمالية المتشددة ومرونة سعر الصرف التي أسهمت في استعادة استقرار السوق وتعزيز الوضع الخارجي للدولة. كما تقلص عجز الحساب الجاري إلى 4.2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مدعوماً بقوة تحويلات المصريين بالخارج وإيرادات السياحة، وتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، والتدفقات القياسية لغير المقيمين في أسواق الدين المحلية.

مصريون يسيرون بجانب ترام في مدينة الإسكندرية الساحلية (أ.ف.ب)

الاحتياطيات والوضع المالي

أدى تحسن المركز الخارجي ومرونة سعر الصرف إلى زيادة ملموسة في إجمالي الاحتياطيات الدولية، حيث ارتفعت من 54.9 مليار دولار في ديسمبر (كانون الأول) 2024 لتصل إلى نحو 59.2 مليار دولار بحلول ديسمبر 2025.

وعلى الصعيد المالي، تحسن الأداء العام مدعوماً بخفض الاستثمارات العامة وزيادة الإيرادات الضريبية. ومع ذلك، لفت الصندوق الانتباه إلى أن الفائض الأولي جاء دون المستهدف في البرنامج نتيجة غياب عوائد برنامج التخارج من أصول الدولة (الخصخصة) التي كان مخططاً لها.

تسهيل الصلابة والاستدامة

أشاد الصندوق بالتقدم المحرز في إطار «تسهيل الصلابة والاستدامة» الذي يدعم التحول نحو اقتصاد أخضر. وقد استكملت السلطات المصرية إجراءين إصلاحيين رئيسيين: الأول هو نشر جدول زمني لتنفيذ أهداف الطاقة المتجددة، والآخر هو إصدار توجيه يلزم البنوك بمراقبة والإبلاغ عن التعرض لمخاطر التحول المناخي. تهدف هذه الخطوات إلى تعزيز القدرة على إدارة المخاطر البيئية وجذب الاستثمارات المستدامة.

تحدي الإصلاح الهيكلي

رغم النجاح في تثبيت الاستقرار الاقتصادي، وصف الصندوق التقدم في الإصلاحات الهيكلية بأنه «غير متساوٍ». وشدد البيان على أن تسريع تنفيذ هذه الإصلاحات يعد أمراً حاسماً لضمان نمو مستدام يقوده القطاع الخاص. في حين لا يزال الدين العام المرتفع واحتياجات التمويل الإجمالية يمثلان ضغطاً على الحيز المالي وآفاق النمو على المدى المتوسط.

تتلاطم الأمواج على الصخور قرب مكان جلوس الناس على شاطئ البحر الأبيض المتوسط في محافظة كفر الشيخ بمصر (رويترز)

الأولويات

تتمثل أولوية مصر في المرحلة المقبلة، وفقاً للصندوق، في الانتقال نحو نموذج نمو أكثر استدامة. وتعد «الرواية الوطنية للتنمية الاقتصادية» إطاراً مهماً لتعزيز التنافسية، ولكن يجب تسريع الإصلاحات من خلال الحفاظ على مرونة سعر الصرف لتجنب تراكم الاختلالات الخارجية، واستكمال مسار خفض التضخم وتعزيز تعبئة الإيرادات المحلية، وتنفيذ استراتيجية شاملة لإدارة الدين مع تعزيز الإنفاق الاجتماعي لحماية الفئات الأكثر احتياجاً، وتعزيز الحوكمة في الشركات والبنوك المملوكة للدولة.

نظرة بين التحديات والفرص

حذر الصندوق من مخاطر نزولية كبيرة مرتبطة بالتوترات الجيوسياسية الإقليمية المتزايدة وتشديد الظروف المالية العالمية، فضلاً عن التأخر المحتمل في إصلاحات قطاع الطاقة. في المقابل، تبرز عوامل إيجابية قد تدعم النمو، مثل الانتعاش السريع في نشاط قناة السويس أو زيادة إنتاج الهيدروكربونات (النفط والغاز)، بالإضافة إلى المشاريع الكبرى المدعومة من دول الخليج والتي قد ترفع توقعات الاستثمار الأجنبي المباشر.

مرونة الصرف وحوكمة البنوك

في ختام مناقشات المجلس التنفيذي، أكد نائب المديرة العامة للصندوق نايجل كلارك أن تدابير الاستقرار بدأت تؤتي ثمارها، لكنه شدد على ضرورة إحراز تقدم أعمق في قطاعات غير استراتيجية وإدارة الدين. وأوضح أن الحفاظ على نظام سعر صرف مرن، بحيث تكون التحركات مدفوعة بآليات السوق، هو أمر حيوي لمنع ظهور الاختلالات مجدداً، مع ضرورة أن يقتصر تدخل البنك المركزي على معالجة ظروف السوق غير المنظمة وبطريقة شفافة. كما شدد على ضرورة تعزيز إدارة المخاطر في البنوك المملوكة للدولة وتحسين مناخ الأعمال من خلال الرقمنة وتيسير التجارة، مؤكداً أن تأثير هذه الإجراءات سيبقى محدوداً دون تقدم ملموس في برنامج التخارج من الأصول.


«إنفيديا»: أرباح فلكية وتوقعات تتجاوز السقف... وتساؤلات حول «الفائض النقدي»

شخصان يلتقطان صوراً لشعار شركة «إنفيديا» خارج مقرها الرئيسي في سانتا كلارا بكاليفورنيا (إ.ب.أ)
شخصان يلتقطان صوراً لشعار شركة «إنفيديا» خارج مقرها الرئيسي في سانتا كلارا بكاليفورنيا (إ.ب.أ)
TT

«إنفيديا»: أرباح فلكية وتوقعات تتجاوز السقف... وتساؤلات حول «الفائض النقدي»

شخصان يلتقطان صوراً لشعار شركة «إنفيديا» خارج مقرها الرئيسي في سانتا كلارا بكاليفورنيا (إ.ب.أ)
شخصان يلتقطان صوراً لشعار شركة «إنفيديا» خارج مقرها الرئيسي في سانتا كلارا بكاليفورنيا (إ.ب.أ)

شهدت الأسواق المالية العالمية لحظة ترقب قصوى مع إعلان شركة «إنفيديا»، العملاق المهيمن على صناعة الرقائق الإلكترونية، عن نتائجها المالية للربع الأخير من عام 2026. وبينما نجحت الشركة في تحطيم تقديرات المحللين وتسجيل أرقام قياسية تعكس الطفرة غير المسبوقة في اقتصاد الذكاء الاصطناعي، فإن رد فعل «وول ستريت» جاء مشوباً بنوع من الحذر والمطالبة برؤية عوائد نقدية مباشرة للمساهمين.

يضع هذا التباين بين الأداء التشغيلي المذهل وتحركات الأسهم المستقرة الشركة أمام تحدي الموازنة بين الاستثمار في مستقبل الحوسبة وتلبية طموحات المستثمرين في جني ثمار هذا النجاح التاريخي.

أداء مالي يتحدى التوقعات

نجحت «إنفيديا» في تسجيل قفزة نوعية في إيرادات الربع المنتهي في يناير (كانون الثاني)، حيث بلغت المبيعات 68.13 مليار دولار، متجاوزة التوقعات التي كانت تشير إلى 66.21 مليار دولار، وهو ما يمثل نمواً سنوياً هائلاً بنسبة 94 في المائة.

ولم يتوقف هذا الأداء عند حدود الإيرادات فحسب، بل امتد ليشمل الأرباح المعدلة التي بلغت 1.62 دولار للسهم الواحد.

وتعكس هذه الأرقام الاعتماد الكلي لشركات التكنولوجيا الكبرى على معالجات «إنفيديا» لبناء بنيتها التحتية للذكاء الاصطناعي، حيث تشير التوقعات للربع المقبل إلى وصول المبيعات إلى 78 مليار دولار، وهو رقم يتخطى متوسط تقديرات المحللين البالغ 72.60 مليار دولار، مما يؤكد أن وتيرة التسارع في الطلب لا تزال في أوجها.

شعار «إنفيديا» في تولوز جنوب غربي فرنسا (أ.ف.ب)

معضلة «الفائض النقدي»

أصبحت السيولة النقدية الهائلة التي تولدها «إنفيديا» هي المحور الأساسي لنقاشات المحللين، حيث أشار تيم أركوري، من بنك «يو بي إس»، إلى أن الشركة في طريقها لتوليد نحو 100 مليار دولار من التدفقات النقدية الحرة خلال هذا العام وحده. هذا «الفائض النقدي» — وهو المال المتبقي بعد تغطية جميع المصاريف والاستثمارات — أصبح نقطة تجاذب؛ فبينما يطالب مستثمرو «وول ستريت» بإعادة جزء من هذه الأموال إليهم عبر توزيعات نقدية أو برامج إعادة شراء الأسهم لرفع قيمة استثماراتهم، تتبنى المديرة المالية كوليت كريس استراتيجية مغايرة، مؤكدة أن الشركة تفضل الاحتفاظ بهذا الفائض لتعزيز مكانتها في «نظام الذكاء الاصطناعي» وتأمين استثمارات استراتيجية طويلة الأمد.

خريطة المنافسة

تواجه «إنفيديا» مشهداً تنافسياً متغيراً يتسم بمحاولات حثيثة من المنافسين التقليديين والعملاء على حد سواء لكسر هيمنتها. فبينما تستعد شركة «إي أم دي» لإطلاق خادم ذكاء اصطناعي رائد، بدأت شركات مثل «غوغل» و«ميتا» في التوجه نحو تصميم رقائقها الخاصة (In-house chips) لتقليل الاعتماد على المورد الخارجي وتوفير التكاليف.

كما تبرز مخاطر «تركز العملاء» كأحد الهواجس المالية، حيث بات عميلان فقط يمثلان 36 في المائة من إجمالي مبيعات الشركة، ما يجعل استقرار إيرادات «إنفيديا» مرتبطاً بشكل وثيق بخطط الإنفاق الرأسمالي لعدد محدود جداً من عمالقة التكنولوجيا.

شعار شركة «إنفيديا» ورسم بياني لارتفاع سعر سهمها (رويترز)

سلاسل الإمداد

في سعيها لطمأنة الأسواق بشأن قدرتها على تلبية الطلب المتزايد، أكدت «إنفيديا» تأمينها مخزونات وقدرات تصنيعية كافية من خلال شريكتها «تي إس إم سي» لتغطية احتياجات الفصول المقبلة، مع ملاحظة أن النقص الطفيف قد يلقي بظلاله على قطاع الألعاب فقط.

أما فيما يخص السوق الصينية، فلا تزال الضغوط الجيوسياسية تلعب دوراً محورياً؛ حيث لم تتضمن توقعات الشركة إيرادات كبيرة من الصين بسبب القيود التصديرية الأميركية، رغم حصولها مؤخراً على تراخيص لشحن كميات محدودة من رقائق «إتش 200» المعدلة، وهو مسار تحاول من خلاله الشركة الحفاظ على موطئ قدم في إحدى كبرى أسواق التكنولوجيا عالمياً.

الحوسبة كبنية تحتية للمجتمع

يتبنى المدير التنفيذي جينسين هوانغ رؤية فلسفية وتقنية تتجاوز مجرد بيع الرقائق، حيث يرى أن مخرجات نماذج الذكاء الاصطناعي ستكون هي الأساس المتين لكل عمليات الحوسبة المستقبلية. وتؤمن الشركة بأننا لا نزال في المراحل الأولى من إعادة صياغة إنتاجية المجتمعات، وهو ما يبرر إصرارها على إدراج تعويضات الأسهم ضمن مقاييسها المالية لجذب أفضل المواهب الهندسية في العالم والحفاظ عليها. إن هذا الرهان على «مصانع الذكاء الاصطناعي» هو ما سيحدد ما إذا كانت القيمة السوقية للشركة، التي تقترب من 4.8 تريليون دولار، هي مجرد بداية لعصر ذهبي أم ذروة تسبق مرحلة الاستقرار.