باسل بن جابر.. السعودي الذي يريد تعطير العالم بالـ«ثمين» والعود المعتق

سعر بعض عطوره يقدر بـ2750 جنيها إسترلينيا.. والإقبال لا يتراجع

باسل بن جابر.. السعودي الذي يريد تعطير العالم بالـ«ثمين» والعود المعتق
TT

باسل بن جابر.. السعودي الذي يريد تعطير العالم بالـ«ثمين» والعود المعتق

باسل بن جابر.. السعودي الذي يريد تعطير العالم بالـ«ثمين» والعود المعتق

* هناك عطور يدخل فيها العود وأجدها مدهشة وهناك أخرى أجدها أقل من عادية ولا تفهم معناه وطبيعته
* مهما كانت وصفتك رائعة فإنها تفقد الكثير من سحرها ولذتها إذا افتقدت مكونا واحدا وأساسيا

«ثمين»، (Thameen) اسم ماركة عطور يتردد صداها بقوة هذه الأيام في لندن، خصوصا بعد أن خصصت لها محلات «سيلفريدجز» ركنا بارزا. أسعار بعضها قد تصيب البعض برجفة، إذ قد تصل إلى 2750 جنيها إسترلينيا مثل عطر «بالاس عود»، (Palace Oud)، لكنها في الوقت ذاته تزيد من جاذبيتها في عيون الذواقة الذين يعشقون كل ما هو فريد ونادر. وهذا ما يعرفه جيدا السعودي الشاب، باسل بن جابر، صاحب هذه الماركة. منذ البداية كان يريدها أن تكون نخبوية تتوجه إلى الذواقة، وهو أمر لن يغيره أو يعتذر عنه. ويشرح بأن اسم الماركة نفسها يعني كل ما هو غال ونفيس، ومشتق من الأحجار الثمينة التي كان والده يطلق أسماءها على زيوته الخاصة، واصفا إياها بـ«كنز ثمين». وربما هذه العلاقة الحميمية بين العطر والجواهر هي أكثر ما يلفت النظر في الخلاصات التي يستعملها والتسميات التي أطلقها على كل عطر في مجموعته الأخيرة.
عطر «نور العين» مثلا يستوحي اسمه من تاج مرصع بالماس الوردي معروض في متحف طهران، وبالتالي كان مهما أن تدخل فيه مكونات وردية. عطر «بيكوك ثرون» (عرش الطاووس) مستوحى من كرسي صنع من أجل أباطرة الفرس في الهند، وكان أغلى قطعة أثاث على الإطلاق وقتها، إذ رصع بآلاف الأحجار من الماس والزمرد والياقوت واللؤلؤ، مما حتم استعمال خلاصات مترفة وغنية فيها الكثير من القوة والتحدي. كذلك عطر «مون أوف بارودا»، الذي تغلب عليه خلاصات شجر الأرز، واستوحاه من قلادة مرصعة بماسة صفراء ظهرت بها النجمة الراحلة مارلين مونرو في فيلم «الرجال يفضلون الشقراوات». وهكذا من الأسماء التي لم تأت من فراغ، بل لكل منها قصة وسر. عن البدايات وسر المهنة، حدثنا باسل بن جابر قائلا إنه ورث عشقه هذا عن والده، الذي كان يرافقه منذ الطفولة في زياراته إلى العطارين لشراء الورد، ويقف مشدوها وهو يراقبه يختار الجيد منها، وكيف يتعامل مع العطارين. يقول: «كان والدي يعشق كل الخلاصات المترفة والنادرة، خصوصا ورد الطائف، وهذا ما جعلني أحلم بأن أطلق يوما عطورا فاخرة تميز صاحبها وتعلن قدومه قبل أن تراه. فمن الذكريات التي لا يمكنني أن أنساها أبدا، بحثي عن والدي في شوارع الرياض الخلفية مستدلا عليه برائحته. كان عطره يميزه عن الكل، يمتزج فيه ورد الطائف بورد تركيا، مما كان يجعلني أقتفي أثره بسهولة». ويضيف مبتسما: «ثم إن الرياض في ذلك الوقت كانت لا تزال صغيرة».
يعترف باسل بأن علاقته بالعطور علاقة عاطفية أولا وأخيرا، يعتمد فيها على رؤيته وقناعته مهما كلفه الأمر من جهد ووقت. والفضل يعود إلى أنه يتمتع بترف الاستقلالية وليس خاضعا لإملاءات السوق أو متطلبات مساهمين، وما شابه. هذا يعني أنه بإمكانه أخذ الوقت الكافي حتى يأتي العطر بالمواصفات التي ترضيه، ويختزل فيه فكرة العطر الكامل الأوصاف والمواصفات. يقول إن مجموعة «ثمين» الأخيرة استغرقت منه عامين من التجارب والبحث عن المكونات النادرة والفريدة، مثل خشب الأرز اللبناني، الذي استعمله في عطر «مون أوف بارودا» مثلا. فهذه المكونات المترفة، هي الأساس الذي ينطلق منه، وكل واحد منها يكمل الآخر، وحسب قوله: «إنها توازي في أهميتها مكونات طبق شهي. فمهما كانت وصفتك رائعة فإنها تفقد الكثير من سحرها ولذتها إذا افتقدت مكونا واحدا وأساسيا».
واللافت في كل عطوره حتى الآن تكرر ورد الطائف فيها لأنه برأيه: «من أجمل أنواع الورود في العالم، رغم أنه لم يأخذ حقه بالكامل في صناعة العطور». ويتابع: «بين الفترة والأخرى، أقع في حب رائحة معينة، وفي هذه الفترة، أنا مدمن عطر (نور العين) الذي يمتزج فيه ورد تركيا بورد الطائف، ربما لأنه يذكرني بخلطة والدي وذكرياتي معه بسوق العطارين في الرياض القديمة. والحقيقة أن المجموعة كلها، مستلهمة من الأحجار الثمينة لأنها أيضا تذكرني به وهو يصف زيوته بـ(كنز ثمين)، موحيا لي بأنها جواهر تضج بالألوان وبالبريق. وبالفعل، كان غوصي في تاريخ بعض هذه الجواهر، ملهما لي، ووجدت في ترجمة جمالياتها في عطر، رحلة فكرية وعاطفية في الوقت ذاته. خذي مثلا الماسة (ذي كوهي نور)، أشهر ماسة في التاريخ لا تزال ترصع التاج البريطاني، فقد جعلتني أفكر في نغمات تبرق وتلمع وتخطف الأنفاس لترجمة روعتها في رائحة تخلف نفس الإحساس.. كانت العملية تحديا كبيرا». لكن عندما يتطرق الحديث إلى العود، فإنه يتحمس بنفس القدر، ويبدو ملما بكل أسراره وخباياه، ويشرح: «إنه يأتي في أشكال كثيرة، لكل واحدة منها خصوصيتها، ويكمن غلاؤه في ندرته. ولا بد من الإشارة هنا إلى أنه عنصر جديد في الغرب، مما يجعل صناع العطور متحمسين له كثيرا. وبالفعل، هناك عطور يدخل فيها وأجدها مدهشة، وهناك أخرى أجدها أقل من عادية ولا تفهم معنى العود. والسبب أن الكثير من الأنوف أو صناع العطور ليست لديهم خلفية ثقافية كافية لكي يفهموه ويحسنوا استعماله، لهذا تأتي النتيجة غير جيدة. أنوي طرح مجموعة محدودة من العود قبل نهاية العام الحالي، كما لدينا (كارفد عود) الذي يستعمل بطريقة راقية وأيقونية، لأنه معتق، وأنا فخور به». ما لم يقله باسل بن جابر إن كل عطور العود التي طرحت في العقد الأخير من قبل المصممين والشركات الغربية، لقيت نجاحا كبيرا في سوق الشرق الأوسط أكثر من غيرها، لأنها أكثر الأسواق عشقا له، كما أنه كان متعطشا لعطور تضج بعبق الشرق ودفئه، لكن بأسلوب فرنسي عصري وبطريقة غير تقليدية.
هل هذا ما جعل العطار الشاب يصر على أن يطلق ماركته في لندن تحديدا وينوي افتتاح محلات جديدة في عواصم أوروبية أخرى؟ يرد بأن السبب الأساسي يعود إلى طبيعة عطوره، فهي نخبوية وليست محلية: «فأنا لا أضع نصب عيني جنسيات بعينها عند ابتكارها، بل زبائن يتذوقون كل ما هو رفيع، وأنا واثق بأن هذا يشمل عارفين ومتذوقين من كل أنحاء العالم. أما لندن، فلا يختلف اثنان على أنها عاصمة رائعة، تعانق الكثير من الثقافات ومفتوحة على العالم بكل اختلافاته. الجميل فيها أيضا أنها تستقبل كل جديد بالأحضان وبحرارة. وبما أن العرب القادمين إليها يبحثون عن كل ما هو جديد، فإنني لاحظت أن (ثمين) لمس وترا حساسا لديهم، وكأنه كان عز الطلب. أملي أن يتذوق الأنف الغربي كل العناصر التي تدخل في صلب هذه العطور، لأننا تربينا عليها وتعودنا عليها، من العود الدافئ إلى ورد الطائف، مرورا بخشب الصندل والأرز والبهارات والمسك. كذلك لأنها عطور تثير العاطفة وتخاطب الحواس بشكل مباشر، وهذا جزء من الرسالة التي أريد أن أوصلها لزبائني. فقد حرصت منذ البداية، على أن أمزج مكونات وعناصر من الشرق الأوسط بأسلوب أوروبي تقليدي في صناعة العطر حتى أجمع الأفضل. ويمكنني القول إن ما طرحته حتى الآن، يأخذ أي واحد في رحلة مثيرة، دائما بنغمات شرقية بارزة. خذي مثلا عطر (مون أوف بارودا)، فهو يفتتح بنغمة بسيطة تتطور لعدة نغمات في الوسط، وهو ما يعتبر تقنية صعبة جدا لا يمكن لأي كان أن يتقنها». ومع ذلك لا ينكر أن دخول المنافسة في سوق تعج بالعطارين الغربيين الذين يزورون كل الثقافات ويستقون منها، لم يكن مفروشا بالورد، إلا أنه كان مستعدا للمنافسة، انطلاقا من قناعته بأنه يملك سلاحين لا يخيبان يتمثلان في جودة المنتج وعشق المهنة. أما المقارنة بما يطرحه الآخرون، فهي بعيدة عن باله ولا يوليها أي اهتمام: «لأنني لو فعلت، سأكون تابعا لا رائدا»، حسب قوله. لكن يبقى أهم ما يفرق باسل بن جابر عن غيره من الأنوف والعطارين الذين أسهبوا في استعمال الأخشاب الشرقية والعود لجذب أكبر سوق مستهلكة للعطور في العالم، ألا وهي سوق الشرق الأوسط، إلمامه بكل صغيرة وكبيرة في هذه الصناعة، بدءا من الخلطات وأنواع الزيوت والورود والأخشاب وغيرها إلى تاريخها ودور العرب في تطويرها وتصديرها للعالم، حتى إنه يمكن أن يعطي دروسا في هذا التاريخ. يقول إن المسلمين «استخدموا العطور النباتية والحيوانية وبرعوا في مزجها وتركيبها منذ العصر العباسي، واستخلصوا منها أصنافا من الدهون والبخور والمياه العطرية التي لها روائح زكية لم تكن معروفة من قبل. وأنشئت للعطور بمختلف أنواعها في مدن العالم الإسلامي أسواق خاصة بها سميت أسواق العطارين، كان أشهرها سوق العطارين في بغداد»، كما يقول.
ويتابع: «تظهر أهمية صناعة العطور وتجارتها في تلك الفترة من عدد المصنفات التي ألفت في تلك الفترة، والتي تتحدث عن أنواعها الكثيرة والأطياب المتداولة عند العرب المسلمين وكيفية مزجها وتركيبها وأهم المواد المستخدمة في تحضيرها والأجهزة والأدوات المختبرية المستعملة. كما ازدهرت في هذا العصر صناعة تقطير الزهور واستخلاص الماء المعطر وبيعه وتصديره إلى الخارج، لا سيما أن زراعة الأزهار والورود، وانتشار الحدائق والبساتين في بغداد والبصرة والكوفة وغيرها من المدن الإسلامية، أسهمت في ازدهار هذه الصناعة وتطورها». لهذا كله يبدو أن غزوه أسواق العالم بعطوره الخاصة ما هو إلا تطور طبيعي لهذه الصناعة التي أتقنها العرب وأبدعوا فيها، قبل أن يسحب الغرب السجاد من تحت أقدامهم.

* تتوفر عطوره حصريا في محلات «سيلفريدجز» (Selfridges).



تعاون طال انتظاره... إيلي صعب و«إتش آند إم»

تحقق هذه التشكيلة حلم المرأة العادية في أزياء غير عادية (موقع إتش آند إم)
تحقق هذه التشكيلة حلم المرأة العادية في أزياء غير عادية (موقع إتش آند إم)
TT

تعاون طال انتظاره... إيلي صعب و«إتش آند إم»

تحقق هذه التشكيلة حلم المرأة العادية في أزياء غير عادية (موقع إتش آند إم)
تحقق هذه التشكيلة حلم المرأة العادية في أزياء غير عادية (موقع إتش آند إم)

هناك أسماء في الموضة لا تحتاج إلى شرح أو تعريف. يكفي أن يُذكر اسم إيلي صعب حتى تحضر صور فساتين صُممت للحظة لا تتكرر: أعراس، وحفلات فخمة، وحفلات توزيع جوائز، ومهرجانات سينمائية... فهي تصاميم حالمة تنسدل على الجسم وتليق بالقصور... غالباً ما تزينها تطريزات تلتقط الضوء من مسافة بعيدة وتجعل صاحبتها تتألق مثل نجمة.

إيلي صعب في لقطة تجمعه مع آن صوفي جوهانسون (إيلي صعب وإتش آند إم)

حتى يوم 22 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، تبقى تصاميمه بعيدة المنال، واسمه مرتبطاً بالأحلام أكثر مما يخاطب كل الطبقات الاجتماعية. كل هذا سيتغير بمجرد طرح المجموعة في الأسواق. الفضل يعود إلى متاجر «إتش آند إم»، التي يمكن القول إنها حققت الصعب حين أقنعته بالتعاون معها وطرح مجموعة يترقبها العالم أجمع الشهر المقبل بعنوان «إيلي صعب x إتش آند إم (Elie Saab x H&M).

تقول آن صوفي يوهانسون، المستشارة الإبداعية في «إتش آند إم» ورئيسة تصميم الأزياء النسائية، إن «الشركة شعرت بأن الوقت مناسب جداً لهذا التعاون. فالناس أكبر حاجة إلى الجمال وتلك الروح الرومانسية بعيداً عن الأخبار اليومية الثقيلة التي تحاصرهم من كل الجهات».

وتضيف يوهانسون أن اختيار المصمم الذي يجري التعاون معه، لا يقوم دائماً على خطة ثابتة؛ «فأحياناً تبدأ الفكرة من شعور بأن اسماً معيناً يناسب اللحظة». وتتابع قائلة: «في حالة صعب، كان هناك إحساس بأن أسلوبه في العمل اليدوي والتفاصيل يمكن أن يقدم شيئاً مختلفاً في وقت أصبحت فيه التكنولوجيا تطغى على كثير من جوانب الموضة».

إيلي صعب... الورقة الرابحة

رغم أنها لم تُشر إلى أهمية السوق العربية عموماً وزبائن منطقة الشرق الأوسط تحديداً، فإن توقيت هذا التعاون يقول الكثير. فاسم إيلي صعب يثير كثيراً من المشاعر الإيجابية في هذه السوق، الأمر الذي من شأنه أن يجعل لهذا التعاون أهمية تجارية تتجاوز الفني. فهو بالنسبة إلى المرأة عموماً، والمرأة العربية خصوصاً، لن يكون مجرد تعاون جديد بين مصمم ارتبط اسمه بالفخامة وعلامة جماهيرية جعلت من التعاونات مع كبار المصممين تقليداً سنوياً منذ 2004، بل تحقيق حلم طال انتظاره.

فستان أسود كل ما فيه يذكّر بلمسات إيلي صعب الرومانسية (إيلي صعب وإتش آند إم)

حجم التوقعات يطرح سؤالاً ملحاً عمّا إذا كان المصمم سينجح في نقل الإحساس الشاعري الذي صنعه طيلة عقود إلى أزياء تخاطب جمهورا واسعا من دون أن يفقد شيئا من خصوصيته وهويته؟

والجواب أن إيلي صعب، رغم أسلوبه الرومانسي وشاعريته الواضحة في تصاميمه، لم يحقق ما حققه من نجاحات من دون أن يحسب كل شيء بالعقل. فهو لا يتسرّع في القرارات الكبيرة، بدليل أنه عندما طُرحت عليه فكرة هذا التعاون منذ نحو عام، لم يستعجل. درس الفكرة من كل الجوانب قبل أن يوافق؛ فارضاً شروطه.

فستان أخضر بتدرجات باللون الأسود من أسفل (إيلي صعب وإتش آند إم)

لم يكن يريد تعاوناً بالمفهوم التقليدي، الذي يكتفي فيه المصمم بإضافة اسمه على القطعة، بل أراده أن يكون لقاءً فعلياً يجمع بين علامتين لخدمة المرأة. لم يبخل بلمساته الرومانسية في التصاميم، وفرض استعمال خامات وتقنيات لم تكن «إتش آند إم» تستخدمها بهذا المستوى أو بهذه الطريقة.

تقول يوهانسون إن بعض القطع المصنوعة من الفرو الصناعي، مثلاً، لم تكن ممكنة بالجودة نفسها قبل سنوات قليلة، مضيفة أن الشركة استفادت من الخبرة التي راكمتها من تعاونات سابقة مع بيوت الأزياء الكبيرة، إضافة إلى تطور المواد المعاد تدويرها.

الأسود والدانتيل من البصمات التي ترتبط بالمصمم ولم يتخلَّ عنها في هذه التشكيلة (موقع إتش آند إم)

تضم المجموعة 35 قطعة نسائية، و6 قطع رجالية، ونحو 10 إكسسوارات تشمل أحذية وحقائب يد ومجوهرات. أما الأسعار، فتبدأ من 29.99 يورو لتصل إلى 399 يورو. بالنسبة إلى المرأة، سيبدأ الاختيار من الفستان، لكن لن ينتهي عنده. ورغم ما يتردد من أن المرأة التي تنتظر طرح هذه المجموعة بفارغ الصبر، ليست بالضرورة زبونة إيلي صعب الدائمة ذات الإمكانات العالية، فإن هذا الافتراض مشكوك فيه، بالنظر إلى أن مفهوم الترف تغيّر في السنوات الأخيرة ولم يعد يرتبط بالسعر فقط.

بين المساء والنهار

قطع تناسب المساء والسهرة يمكن أن تدخل مناسبات النهار بسلاسة وأناقة (إيلي صعب وإتش آند إم)

من المعادلات التي كان على كل من إيلي صعب و«إتش آند إم» تحقيقها الجمعُ بين الليل والنهار. فالمصمم اسمه مرتبط بالأفراح الفخمة والحفلات الكبيرة، والمتاجر السويدية، وبأزياء عملية للنهار، وبالتالي كان من الضروري أن تجمع المجموعة بين الأناقة والعملية، وأن تخرج من المساء إلى النهار بأشكال يسهل تنسيقها معاً. هذا التنسيق يظهر واضحاً في الصور التي نُشرت على موقع «إتش آند إم». تقترح فيه يوهانسون، مثلاً، تنسيق سترة قصيرة من الفرو الصناعي وسترات هندسية مع الجينز، ومعطف مفصل بشكل راق مع قطع «كاجوال»، وقطع تلمع بالترتر مع بنطلون مستقيم أسود.

تجمع القطع ذات الخياطة الراقية بين الخطوط الحادة والانسيابية (إيلي صعب وإتش آند إم)

لكن إذا أُخذت كل قطعة على حدة، فإن لمسات إيلي صعب الفخمة حاضرة دائماً... مثلاً؛ فستانٌ أخضر بفتحة جانبية عالية، وتدرجات لونية داكنة أسفله، يُمثّل إحدى البصمات الرئيسية للمصمم عبر تاريخه. هناك أيضاً فستان أسود بقَصّة منحوتة يُزينه ذيل طويل وفيونكة بارزة عند الخصر، وآخر مفتوح عند الصدر من قماش الدوشيس المعاد تدويره، إلى جانب سترات مغطاة بالترتر بتدرجات من الذهبي إلى الأسود. الدانتيل هو الآخر حضر إلى جانب الملابس المحبوكة والمطرزة... وغيرها من التصاميم التي ستُغني خزانة أي امرأة.

كان التحدي أن يحافظ المصمم على هويته وفخامته (إيلي صعب)

هذا التنوع ليس تفصيلاً جانبياً... فصعب يقول إن المجموعة طُوِرت بالطريقة نفسها التي تُطوَّر بها مجموعاته في العادة. وربما هذا سبب حرصه على أن تنفَّذ في مشاغله الخاصة بباريس وليس في معامل «إتش آند إم» كما جرت العادة في تعاوناتها السابقة. حرص أيضاً على ألا ترتبط بموسم محدد، وهو ما يُفسر حضور اللون الاسود بقوة، والنابع من رغبته في أن تُستعمل القطعة أعواماً عدة قادمة وليس موسماً واحداً، وفي أن يعاد ارتداؤها مراراً وتكراراً من دون أن تصيب صاحبتها بالملل.

تتباين التصاميم بين فساتين السهرة وقطع منفصلة لكل المناسبات (إيلي صعب وإتش آند إم)

وهذا عز الطلب بالنظر إلى أن فرصة الحصول على تصميم بتوقيعه وبسعر مقدور عليه لن تتكرر في الوقت القريب.

سترة مطرزة بالترتر مثلاً يمكن أن تُكمل إطلالة مسائية، كما يمكن أن تنسَّق مع بنطلون جينز في النهار... وهكذا. فكل قطعة قادرة على اختراق كل المناسبات بأناقة واقعية. هذه المرونة جزء من محاولة إيلي صعب أن يجعل المجموعة أقرب إلى خزانة فعلية متكاملة. وهي فكرة لا تقوم على جعل ما يطرحه عادياً، بل هي اكتشاف لقدرته على أن يمنح اسمه مساحة أكبر في الحياة اليومية.

فستان بتصميم هندسي يزينه ذيل طويل يصرخ بالفخامة (إيلي صعب وإتش آند إم)

فأصعب ما في أي تعاون بين دار أزياء كبيرة وعلامة جماهيرية واسعة الانتشار هو الحفاظ على الهوية. بذكائه الفني وحسه التجاري، يُدرك المصمم خطورة هذا الأمر على تاريخه، لهذا جاءت معالجته هذه المجموعة في الاتجاه المعاكس: حافظ على رموزه البصرية، وبدل استنساخه صورة فستان من مجموعاته الخاصة يُقدر بمئات آلاف الدولارات، جعله جزءاً من الحياة اليومية.


كريستينا ليون... طموح نحو العُلا بعد المتحف المصري

لقطة تجمع الراقصين سيزار كوراليس وفرانشيسكا هايوارد والأهرامات (تصوير: منار جاد)
لقطة تجمع الراقصين سيزار كوراليس وفرانشيسكا هايوارد والأهرامات (تصوير: منار جاد)
TT

كريستينا ليون... طموح نحو العُلا بعد المتحف المصري

لقطة تجمع الراقصين سيزار كوراليس وفرانشيسكا هايوارد والأهرامات (تصوير: منار جاد)
لقطة تجمع الراقصين سيزار كوراليس وفرانشيسكا هايوارد والأهرامات (تصوير: منار جاد)

في شهر يونيو (حزيران) الماضي وصل فريق «غالا دو دانزا» Gala De Danza إلى القاهرة، في زيارة تُمهد لحفلها المرتقب في المتحف المصري الكبير، والمقرر إقامته في الخامس من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

تقول كريستينا ليون، مؤسسة مشروع «غالا دو دانزا» لـ«الشرق الأوسط» إنها في «غاية السعادة، لأن المتحف المصري الكبير -بكل ما يحمله من ثقل ومكانة- سيتحول إلى مسرح لرقص الباليه في أول حضور للمشروع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا».

لقطة تجمع مجموعة من الراقصين المشاركين في المتحف المصري الكبير (تصوير: ميلودي باتونتييه)

وسيُقدِم الحفل برنامجاً يمزج بين الباليه الكلاسيكي، والرقص المعاصر، والموسيقى، والفنون، في عرض يراهن على خصوصية المكان، وأهميته التاريخية. ويشارك في هذه الفعالية أكثر من 150 فناناً، من بينهم نجوم دوليون، ومؤدون مصريون شباب اختيروا من بين مئات المتقدمين. فمع وصول فريق «غالا دو دانزا» في شهر يونيو الماضي، فُتحت اختبارات أداء أمام المواهب المصرية من مختلف الأعمار، ومن أكاديميات، ومدارس باليه محلية. وتقول كريستينا إن أكثر من 500 موهبة تقدمت للاختبارات، بينما سيحظى 50 منهم فقط بمشاركة راقصين من فرق عالمية، مثل «رويال باليه»، و«داتش ناشيونال باليه»، وفرق ومؤسسات فنية أخرى.

سيلفي وين سيندلار وتدريبات تستبق الحفل الكبير (تصوير: ميلودي باتونتييه)

وبما أنه سيكون للموسيقى نصيب في هذا الحفل، فإن من بين المشاركين ستكون سوسن البهيتي، أول مغنية أوبرا سعودية.

لكن ما يبدو للوهلة الأولى حفلاً عالمياً ذا طابع ترفيهي، هو بالنسبة لكريستينا ليون أبعد من ذلك بكثير، لما يحمله من جانب إنساني يطمح لمنح فنان مغمور -لم تسعفه الجغرافيا والظروف للوصول إلى المنصات العالمة- فرصة التحول إلى نجم ساطع.

فإتاحة الفرص أمام المواهب الجديدة ليست تفصيلاً عابراً في مشروعها، بل إنها جوهر تجربتها الشخصية، والمهنية، بوصفها راقصة باليه سابقة، عرفت عن قرب معنى أن تصنع الموهبة طريقها إلى الضوء. ولفهم هذه الرؤية، لا بد أن نعود إلى البداية.

من هي كريستينا ليون؟

كريستينا ليون مؤسسة «غالا دو دانزا» (تصوير: فريدي كوه)

بدأت الرقص في الثانية عشرة من عمرها بعد أن كانت تمارس التزلج على المنحدرات. في الثالثة عشرة لفتت أنظار صوفيا غولوفكينا، مديرة أكاديمية البولشوي المعروفة، خلال ورشة أقيمت في الولايات المتحدة. سافرت بعدها إلى موسكو لتتدرَب، وتكون من أوائل الفتيات الأميركيات اللواتي تلقَين التدريب في الأكاديمية الروسية.

وفي السادسة عشرة من عمرها، انضمت إلى «مسرح الباليه الأميركي». هنا عاشت حلم كل راقصة باليه: عروض، وسفر حول العالم، واحتكاك بأسماء كبيرة، مثل الراحلة جاكلين كينيدي أوناسيس، التي كانت حينها رئيس مجلس إدارة المسرح.

تأثرها بجاكلين كينيدي

تروي ليون أنها تعرَفت عليها عن قُرب، وتعاملت معها بشكل مباشر. فمنها تعلَمت أصول إنتاج الحفلات، والتعامل مع الرعاة، والعمل الخيري. والأهم من ذلك كله، كيف يمكن أن تُحوِل أمسية فنية إلى حوار بين الفنان والجمهور. تعترف بأن هذه الدروس كانت مختلفة تماماً عما تعلَمته في مدارس الباليه. ففي حين ينصب تركيز الراقص على إتقان الحركة فوق الخشبة، يتسع تفكير منتج العروض ليشمل الخشبة، والجمهور، والتمويل، والمكان، وكل ما يحدث قبل العرض، وبعده.

لوقا عبد النور المصري المولد من فرقة «Dutch National Ballet» سيشارك في هذا المشروع الكبير (تصوير: ميلودي باتونتييه)

ومع الوقت، أصبحت هذه المعرفة الأداة التي ساهمت في ولادة «غالا دو دانزا». مشروع فني بنكهة إنسانية أطلقته في عام 2013 في المكسيك، بعد لقاء عابر بفتاة تُدعى ماريانا كاريلو في مدرسة محلية للرقص في لوس كابوس المسكيكية. كانت الفتاة موهوبة لحد أدهش ليون، لا سيما أنها لم تكن قد احتكت بشكل مباشر بعالم الفنون الأدائية الحية. من هنا بدأ سؤال كريستينا: كيف يمكن إحضار الفرصة إلى حيث توجد موهبة لا تملك طريقاً إلى المنصات العالمية؟

من هذه الفكرة ولد المشروع كما نعرفه اليوم: «لم يكن الهدف منه إنشاء فرقة باليه أخرى، أو مهرجان تقليدي له موسم ثابت، وبرنامج مألوف، وإنما جمع أسماء عالمية تمتلك خبرة طويلة مع مواهب شابة، حتى يتمكن جمهور جاء من أجل نجم معروف من اكتشاف اسم جديد»، وفق تعبيرها.

الراقص سيزار كوراليس يتدرب بين جدران المتحف المصري الكبير (تصوير: ميلودي باتونتييه)

تستشهد هنا بقصة الراقص أندريس زونيغا الذي حضر إحدى حفلاتها في المكسيك، وأصر على لقائها في الكواليس بعد الحفل ليُعبِر لها عن أمنيته أن يرقص يوماً ما في حفل مماثل. كان عمره لا يتعدى الثالثة عشرة، لكن إصراره أثار فضولها، فطلبت منه الحضور في اليوم التالي لاختباره. وهنا اكتشفت موهبة لافتة جعلتها لا تتردد في الاتصال بجهات لكي يحصل على منحة تساعده على تحقيق حلمه.

من مكسيكو إلى لندن

ظلت ليون تطور مشروعها في المكسيك منذ عام 2013، وفقط في 2025 قررت أن تخرج به إلى العالم.

كانت لندن أول اختبار حقيقي للمشروع خارج المكسيك. ولم تكن اختياراً اعتباطياً. كانت المحطة الأولى، فمنذ أن زارتها كراقصة وهي في الخامسة عشرة من عمرها وهي تتطلع للعيش فيها. وبعد عقد عادت إليها ليست كراقصة تبحث عن مستقبلها، وإنما كصاحبة مشروع له مكانة دولية، واستقطب راقصين من مؤسسات عالمية كان لديهم استعداد لدعم مواهب شابة. ففي عروضها اجتمعت أسماء من «رويال باليه» و«باريس أوبرا باليه» و«نيويورك سيتي باليه» مع موسيقيين، ومغنين، وراقصين معاصرين، جمعتهم أماكن ثقافية وفنية مهمة.

من لندن إلى القاهرة

سيلفي وين سيندلار وتدريبات تستبق الحفل الكبير (تصوير: ميلودي باتونتييه)

لكن رحلة «غالا دو دانزا» خارج المكسيك لم تتوقف عند لندن. ففي نوفمبر المقبل ستنتقل التجربة إلى القاهرة، حيث تضع ليون مشروعها للمرة الأولى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أمام أحد أكثر الأماكن رمزية في المنطقة: المتحف المصري الكبير.

لقطة تجمع الراقصين سيزار كوراليس وفرانشيسكا هايوارد والأهرامات (تصوير: منار جاد)

تقول ليون إنها لا ترى المتحف المصري الكبير بوصفه مجرد مبنى يمكن استئجاره لإقامة حفل عالمي، بل إنه مؤسسة تختزن آلاف السنين من التاريخ، ولذلك يخلق وضع راقصين معاصرين في هذا المعلمة نوعاً من الحوار بين زمنين: حضارة تركت آثاراً صامدة، وفن يعتمد على الحركة، ليتغير المفهوم التقليدي لأي عرض يتم تقديمه. فهو يتحوَل إلى جزء من التجربة التاريخية نفسها، وذلك بتماهيه مع المكان.

سيلفي وين سيندلار واحدة من الراقصات اللواتي سيشاركن في الحفل الكبير (تصوير: ميلودي باتونتييه)

هل ستكتفي كريستينا بالقاهرة بعد تجربة المتحف المصري الكبير؟ وهل العُلا السعودية يمكن أن تكون محطة أخرى؟ تردَ بحماس: «كأنك قرأت أفكاري، ففكرة التوسع حول العالم جزء من طبيعة المشروع، وإحضار (غالا دو دانزا) إلى العُلا حلم شخصي يراودني منذ فترة، لا سيما أن السعودية أصبحت تغلي بالحراك الثقافي، والفني». وتُضيف أن العُلا، إلى جانب كونها موقعاً استثنائياً لإقامة حفل من أي نوع، تتيح فرصة للوصول إلى جيل جديد، وتعريفه بمختلف أشكال الفنون، من خلال تجربة فنية مباشرة، وغامرة، «فأنا أعرف من خلال تجاربي كيف يمكن لفرصة واحدة، أو صُدفة، أن تُغير مسيرة فنان».

الراقص المصري لوقا عبد النور وتدريبات استباقية (تصوير ميلودي باتونتييه)

ثم تضحك، وتتابع: «في نوفمبر سنضع أقدامنا للمرة الأولى في المتحف المصري الكبير، وهذه خطوة عظيمة. أما العُلا فهي الآن حلم نأمل أن يتحقق قريباً».


غاليانو... عودة لم تكتمل وماضٍ لا يرحم

ما يُحسب لغاليانو أنه انسحب بأناقة ولم يحاول الالتفاف على ماضيه أو انتقاد معارضيه (أ.ب)
ما يُحسب لغاليانو أنه انسحب بأناقة ولم يحاول الالتفاف على ماضيه أو انتقاد معارضيه (أ.ب)
TT

غاليانو... عودة لم تكتمل وماضٍ لا يرحم

ما يُحسب لغاليانو أنه انسحب بأناقة ولم يحاول الالتفاف على ماضيه أو انتقاد معارضيه (أ.ب)
ما يُحسب لغاليانو أنه انسحب بأناقة ولم يحاول الالتفاف على ماضيه أو انتقاد معارضيه (أ.ب)

كان من المفترض أن معرض الميتروبوليتان السنوي لعام 2027 لحظة تتويج لجون غاليانو، تضيف فيها آنا وينتور، عرابة الموضة، فصلاً لواحدة من أكثر القصص نجاحاً في تاريخ الموضة المعاصرة. لكن فجأة انهار كل شيء. ما كان مقرراً أن يكون احتفاءً بأحد أهم مصممي جيله، تطوّر إلى أزمة تمس متحف الميتروبوليتان، ومعهد الأزياء وحفل الميت. والأهم صورة مصمم لا يرحمه ماضيه، ومكانة امرأة ارتبط اسمها بهذه المنظومة وكانت إلى الأمس القريب تُلقب بالمرأة الحديدية وأحياناً الجليدية: آنا وينتور.

جون غاليانو عام 1997 محاطاً بمجموعة من العارضات السوبر (غيتي)

في 31 يوليو (تموز) الماضي، أعلن متحف الميتروبوليتان أن غاليانو سيكون محور معرض بعنوان «John Galliano: Horizons» المرتقب في مايو (أيار) 2027. وفي 31 أغسطس (آب)، أعلن أن المعرض لن يمضي قُدماً.

اصطدام الموهبة بالذاكرة

فاجأ الخبر أوساط الموضة لأنه جاء بعد شهر فقط من الإعلان عن المشروع، وبعد أن اعتقد الجميع أن الاعتراضات الواسعة، التي شنّها البعض عليه خفّت نوعاً ما. لكن برهن منتقدوه أنهم أكثر قوة وتأثيراً من آنا وينتور، داعمته الأولى. هؤلاء لم ينسوا تصريحات المصمم المعادية للسامية في تلك الليلة المشؤومة من عام 2011، التي أدّت إلى إقالته من منصبه في دار «ديور» وإدانته قضائياً في فرنسا.

لم يشفع له اعتذاره لكل المجتمعات المعنية، ودخوله مصحة للتعافي من الإدمان. بقيت تلك الواقعة جزءاً لا يمكن فصله من إرثه.

وفي بيان أصدره المتحف، قال ماكس هولين، المدير التنفيذي للمتحف: «بعد نقاشات متأنية مع جون غاليانو، قررنا معاً عدم المضي قدماً في إقامة المعرض».

المصمم جون غاليانو في إحدى الفعاليات التي تثبت أنه لا يزال حاضراً في وجدان الموضة رغم حملات إلغائه (أ.ف.ب)

كما نشر المصمم بياناً، قال فيه: «بعد كثير من التفكير والنقاش مع متحف متروبوليتان وجميع الأطراف المعنية، قررت، بحزن شديد، أنه من الأفضل ألا يقام المعرض في الوقت الحالي. لا أزال أتحمل المسؤولية الكاملة عن الألم الذي سببته كلماتي في الماضي، ولا سيما الأذى الذي ألحقته بالمجتمعين اليهودي والآسيوي، وأنا أكرر أسفي العميق لذلك».

المتحف كان يدرك حساسية المسألة وحاول استيعاب تبعاتها، حيث أجرى، بحسب التقارير، مشاورات مع شخصيات وحاخامات من المجتمع اليهودي، لتمهيد الطريق للمعرض. بل تم الاتفاق أن تناول مسيرته وعبقريته الفنية لن يتجاهل ماضيه، أو بالأحرى تلك النقطة السوداء التي أثارت غضبهم عليه.

تصميم من إبداعه معروض في متحف اللوفر بباريس (رويترز)

لكن بموازاة جمعيات رأت أنه يستحق العودة بعد أن اعترف بأخطائه، انتقدت شخصيات سياسية ومجتمعية أخرى في نيويورك، مثل رئيسة مجلس المدينة جولي مينين، ومانحون وشخصيات من المجتمع اليهودي قرار تكريمه بهذا الحجم. ومما زاد من حساسية الأمر وجعل القرار أكثر إيلاماً واستفزازاً لهذه الفئة، توقيت المناسبة. فموعد الحفل المقرر في 3 مايو 2027 يتزامن مع بداية ذكرى المحرقة، وفي وقت تشهد فيه قضية معاداة السامية نقاشات كثيرة هذا العام. ومن هناك تحولت القضية من نقاش حول مصمم إلى اختبار لمؤسسة ثقافية تحتاج إلى ممولين ورعاة، وليست لديها الإمكانات الكافية لتجاهل تأثيرهم.

تأثير آنا وينتور تحت المجهر

ما يُحسب لغاليانو أنه لم يحاول الالتفاف على ماضيه أو انتقاد معارضيه. أقرّ في بيانه بمسؤوليته عن الألم الذي سبّبته كلماته، قائلاً إنه لا يريد للجدل المحيط به أن يضع المتحف في موقف صعب، أو أن يصرف الانتباه عن عمل معهد الأزياء والجهود التي يقوم بها.

أما آنا وينتور، فبقيت إلى النهاية في صفّه. وصفت انسحابه بأنه قرار شجاع، وأكدت دعمها له وللمتحف، مشيدة بموهبته الاستثنائية وحرفيته وتأثيره الممتد على أجيال من المصممين.

أحد تصاميمه في مجموعته لخريف 2024 (ميزون مارجيلا)

حتى الآن لم يتم الإعلان عن تفاصيل معرض الربيع المقبل، ومن سيحل محل جون غاليانو. لكن هناك إجماعاً أن ملء الفراغ سيكون معقداً وصعباً، لأن المعرض لم يكن مجرد حدث عادي، بل هو مشروع كبير لمعهد الأزياء، كما كان سيمنح حفل الميت قصة واضحة ومحوراً ثقافياً يلتف حوله عالم الموضة. الآن على المتحف أن يجد معرضاً بديلاً بفكرة قوية تُساعده على تجاوز الأزمة في وقت قصير نسبياً.

ويبقى سؤال مُلحّ، لكن لا يُعبر عنه بصوت عالٍ؛ هل ما زالت آنا وينتور قادرة على فرض القرارات الصعبة، أم أن العالم الذي بنته بدأ يتغيَر؟!