باسل بن جابر.. السعودي الذي يريد تعطير العالم بالـ«ثمين» والعود المعتق

سعر بعض عطوره يقدر بـ2750 جنيها إسترلينيا.. والإقبال لا يتراجع

باسل بن جابر.. السعودي الذي يريد تعطير العالم بالـ«ثمين» والعود المعتق
TT

باسل بن جابر.. السعودي الذي يريد تعطير العالم بالـ«ثمين» والعود المعتق

باسل بن جابر.. السعودي الذي يريد تعطير العالم بالـ«ثمين» والعود المعتق

* هناك عطور يدخل فيها العود وأجدها مدهشة وهناك أخرى أجدها أقل من عادية ولا تفهم معناه وطبيعته
* مهما كانت وصفتك رائعة فإنها تفقد الكثير من سحرها ولذتها إذا افتقدت مكونا واحدا وأساسيا

«ثمين»، (Thameen) اسم ماركة عطور يتردد صداها بقوة هذه الأيام في لندن، خصوصا بعد أن خصصت لها محلات «سيلفريدجز» ركنا بارزا. أسعار بعضها قد تصيب البعض برجفة، إذ قد تصل إلى 2750 جنيها إسترلينيا مثل عطر «بالاس عود»، (Palace Oud)، لكنها في الوقت ذاته تزيد من جاذبيتها في عيون الذواقة الذين يعشقون كل ما هو فريد ونادر. وهذا ما يعرفه جيدا السعودي الشاب، باسل بن جابر، صاحب هذه الماركة. منذ البداية كان يريدها أن تكون نخبوية تتوجه إلى الذواقة، وهو أمر لن يغيره أو يعتذر عنه. ويشرح بأن اسم الماركة نفسها يعني كل ما هو غال ونفيس، ومشتق من الأحجار الثمينة التي كان والده يطلق أسماءها على زيوته الخاصة، واصفا إياها بـ«كنز ثمين». وربما هذه العلاقة الحميمية بين العطر والجواهر هي أكثر ما يلفت النظر في الخلاصات التي يستعملها والتسميات التي أطلقها على كل عطر في مجموعته الأخيرة.
عطر «نور العين» مثلا يستوحي اسمه من تاج مرصع بالماس الوردي معروض في متحف طهران، وبالتالي كان مهما أن تدخل فيه مكونات وردية. عطر «بيكوك ثرون» (عرش الطاووس) مستوحى من كرسي صنع من أجل أباطرة الفرس في الهند، وكان أغلى قطعة أثاث على الإطلاق وقتها، إذ رصع بآلاف الأحجار من الماس والزمرد والياقوت واللؤلؤ، مما حتم استعمال خلاصات مترفة وغنية فيها الكثير من القوة والتحدي. كذلك عطر «مون أوف بارودا»، الذي تغلب عليه خلاصات شجر الأرز، واستوحاه من قلادة مرصعة بماسة صفراء ظهرت بها النجمة الراحلة مارلين مونرو في فيلم «الرجال يفضلون الشقراوات». وهكذا من الأسماء التي لم تأت من فراغ، بل لكل منها قصة وسر. عن البدايات وسر المهنة، حدثنا باسل بن جابر قائلا إنه ورث عشقه هذا عن والده، الذي كان يرافقه منذ الطفولة في زياراته إلى العطارين لشراء الورد، ويقف مشدوها وهو يراقبه يختار الجيد منها، وكيف يتعامل مع العطارين. يقول: «كان والدي يعشق كل الخلاصات المترفة والنادرة، خصوصا ورد الطائف، وهذا ما جعلني أحلم بأن أطلق يوما عطورا فاخرة تميز صاحبها وتعلن قدومه قبل أن تراه. فمن الذكريات التي لا يمكنني أن أنساها أبدا، بحثي عن والدي في شوارع الرياض الخلفية مستدلا عليه برائحته. كان عطره يميزه عن الكل، يمتزج فيه ورد الطائف بورد تركيا، مما كان يجعلني أقتفي أثره بسهولة». ويضيف مبتسما: «ثم إن الرياض في ذلك الوقت كانت لا تزال صغيرة».
يعترف باسل بأن علاقته بالعطور علاقة عاطفية أولا وأخيرا، يعتمد فيها على رؤيته وقناعته مهما كلفه الأمر من جهد ووقت. والفضل يعود إلى أنه يتمتع بترف الاستقلالية وليس خاضعا لإملاءات السوق أو متطلبات مساهمين، وما شابه. هذا يعني أنه بإمكانه أخذ الوقت الكافي حتى يأتي العطر بالمواصفات التي ترضيه، ويختزل فيه فكرة العطر الكامل الأوصاف والمواصفات. يقول إن مجموعة «ثمين» الأخيرة استغرقت منه عامين من التجارب والبحث عن المكونات النادرة والفريدة، مثل خشب الأرز اللبناني، الذي استعمله في عطر «مون أوف بارودا» مثلا. فهذه المكونات المترفة، هي الأساس الذي ينطلق منه، وكل واحد منها يكمل الآخر، وحسب قوله: «إنها توازي في أهميتها مكونات طبق شهي. فمهما كانت وصفتك رائعة فإنها تفقد الكثير من سحرها ولذتها إذا افتقدت مكونا واحدا وأساسيا».
واللافت في كل عطوره حتى الآن تكرر ورد الطائف فيها لأنه برأيه: «من أجمل أنواع الورود في العالم، رغم أنه لم يأخذ حقه بالكامل في صناعة العطور». ويتابع: «بين الفترة والأخرى، أقع في حب رائحة معينة، وفي هذه الفترة، أنا مدمن عطر (نور العين) الذي يمتزج فيه ورد تركيا بورد الطائف، ربما لأنه يذكرني بخلطة والدي وذكرياتي معه بسوق العطارين في الرياض القديمة. والحقيقة أن المجموعة كلها، مستلهمة من الأحجار الثمينة لأنها أيضا تذكرني به وهو يصف زيوته بـ(كنز ثمين)، موحيا لي بأنها جواهر تضج بالألوان وبالبريق. وبالفعل، كان غوصي في تاريخ بعض هذه الجواهر، ملهما لي، ووجدت في ترجمة جمالياتها في عطر، رحلة فكرية وعاطفية في الوقت ذاته. خذي مثلا الماسة (ذي كوهي نور)، أشهر ماسة في التاريخ لا تزال ترصع التاج البريطاني، فقد جعلتني أفكر في نغمات تبرق وتلمع وتخطف الأنفاس لترجمة روعتها في رائحة تخلف نفس الإحساس.. كانت العملية تحديا كبيرا». لكن عندما يتطرق الحديث إلى العود، فإنه يتحمس بنفس القدر، ويبدو ملما بكل أسراره وخباياه، ويشرح: «إنه يأتي في أشكال كثيرة، لكل واحدة منها خصوصيتها، ويكمن غلاؤه في ندرته. ولا بد من الإشارة هنا إلى أنه عنصر جديد في الغرب، مما يجعل صناع العطور متحمسين له كثيرا. وبالفعل، هناك عطور يدخل فيها وأجدها مدهشة، وهناك أخرى أجدها أقل من عادية ولا تفهم معنى العود. والسبب أن الكثير من الأنوف أو صناع العطور ليست لديهم خلفية ثقافية كافية لكي يفهموه ويحسنوا استعماله، لهذا تأتي النتيجة غير جيدة. أنوي طرح مجموعة محدودة من العود قبل نهاية العام الحالي، كما لدينا (كارفد عود) الذي يستعمل بطريقة راقية وأيقونية، لأنه معتق، وأنا فخور به». ما لم يقله باسل بن جابر إن كل عطور العود التي طرحت في العقد الأخير من قبل المصممين والشركات الغربية، لقيت نجاحا كبيرا في سوق الشرق الأوسط أكثر من غيرها، لأنها أكثر الأسواق عشقا له، كما أنه كان متعطشا لعطور تضج بعبق الشرق ودفئه، لكن بأسلوب فرنسي عصري وبطريقة غير تقليدية.
هل هذا ما جعل العطار الشاب يصر على أن يطلق ماركته في لندن تحديدا وينوي افتتاح محلات جديدة في عواصم أوروبية أخرى؟ يرد بأن السبب الأساسي يعود إلى طبيعة عطوره، فهي نخبوية وليست محلية: «فأنا لا أضع نصب عيني جنسيات بعينها عند ابتكارها، بل زبائن يتذوقون كل ما هو رفيع، وأنا واثق بأن هذا يشمل عارفين ومتذوقين من كل أنحاء العالم. أما لندن، فلا يختلف اثنان على أنها عاصمة رائعة، تعانق الكثير من الثقافات ومفتوحة على العالم بكل اختلافاته. الجميل فيها أيضا أنها تستقبل كل جديد بالأحضان وبحرارة. وبما أن العرب القادمين إليها يبحثون عن كل ما هو جديد، فإنني لاحظت أن (ثمين) لمس وترا حساسا لديهم، وكأنه كان عز الطلب. أملي أن يتذوق الأنف الغربي كل العناصر التي تدخل في صلب هذه العطور، لأننا تربينا عليها وتعودنا عليها، من العود الدافئ إلى ورد الطائف، مرورا بخشب الصندل والأرز والبهارات والمسك. كذلك لأنها عطور تثير العاطفة وتخاطب الحواس بشكل مباشر، وهذا جزء من الرسالة التي أريد أن أوصلها لزبائني. فقد حرصت منذ البداية، على أن أمزج مكونات وعناصر من الشرق الأوسط بأسلوب أوروبي تقليدي في صناعة العطر حتى أجمع الأفضل. ويمكنني القول إن ما طرحته حتى الآن، يأخذ أي واحد في رحلة مثيرة، دائما بنغمات شرقية بارزة. خذي مثلا عطر (مون أوف بارودا)، فهو يفتتح بنغمة بسيطة تتطور لعدة نغمات في الوسط، وهو ما يعتبر تقنية صعبة جدا لا يمكن لأي كان أن يتقنها». ومع ذلك لا ينكر أن دخول المنافسة في سوق تعج بالعطارين الغربيين الذين يزورون كل الثقافات ويستقون منها، لم يكن مفروشا بالورد، إلا أنه كان مستعدا للمنافسة، انطلاقا من قناعته بأنه يملك سلاحين لا يخيبان يتمثلان في جودة المنتج وعشق المهنة. أما المقارنة بما يطرحه الآخرون، فهي بعيدة عن باله ولا يوليها أي اهتمام: «لأنني لو فعلت، سأكون تابعا لا رائدا»، حسب قوله. لكن يبقى أهم ما يفرق باسل بن جابر عن غيره من الأنوف والعطارين الذين أسهبوا في استعمال الأخشاب الشرقية والعود لجذب أكبر سوق مستهلكة للعطور في العالم، ألا وهي سوق الشرق الأوسط، إلمامه بكل صغيرة وكبيرة في هذه الصناعة، بدءا من الخلطات وأنواع الزيوت والورود والأخشاب وغيرها إلى تاريخها ودور العرب في تطويرها وتصديرها للعالم، حتى إنه يمكن أن يعطي دروسا في هذا التاريخ. يقول إن المسلمين «استخدموا العطور النباتية والحيوانية وبرعوا في مزجها وتركيبها منذ العصر العباسي، واستخلصوا منها أصنافا من الدهون والبخور والمياه العطرية التي لها روائح زكية لم تكن معروفة من قبل. وأنشئت للعطور بمختلف أنواعها في مدن العالم الإسلامي أسواق خاصة بها سميت أسواق العطارين، كان أشهرها سوق العطارين في بغداد»، كما يقول.
ويتابع: «تظهر أهمية صناعة العطور وتجارتها في تلك الفترة من عدد المصنفات التي ألفت في تلك الفترة، والتي تتحدث عن أنواعها الكثيرة والأطياب المتداولة عند العرب المسلمين وكيفية مزجها وتركيبها وأهم المواد المستخدمة في تحضيرها والأجهزة والأدوات المختبرية المستعملة. كما ازدهرت في هذا العصر صناعة تقطير الزهور واستخلاص الماء المعطر وبيعه وتصديره إلى الخارج، لا سيما أن زراعة الأزهار والورود، وانتشار الحدائق والبساتين في بغداد والبصرة والكوفة وغيرها من المدن الإسلامية، أسهمت في ازدهار هذه الصناعة وتطورها». لهذا كله يبدو أن غزوه أسواق العالم بعطوره الخاصة ما هو إلا تطور طبيعي لهذه الصناعة التي أتقنها العرب وأبدعوا فيها، قبل أن يسحب الغرب السجاد من تحت أقدامهم.

* تتوفر عطوره حصريا في محلات «سيلفريدجز» (Selfridges).



أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟
TT

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

في ظل إيقاع الحياة المتسارع، وتبدّل الفصول، تجد كثيرٌ من النساء أنفسهنّ أمام سؤال يتكرر كل صباح: ماذا أرتدي اليوم؟ وتزيد الحيرة في ظل ضغوطات العمل وما يحتاجه من أزياء، وإكسسوارات تُوازن العملي بالأنيق. ورغم أن هذه الأسئلة تبدو بسيطة، فإنها تختصر حالة من الحيرة تتكرر كل يوم، وتزيد تعقيداً في المواسم الانتقالية. أي حين يتقلب الطقس بين برودة الشتاء واعتدال الربيع.

تحتاج المرأة بعد الأربعين للتعبير عن ثقتها ونجاحها من خلال أزياء متوازنة (هوكرتي)

كل هذا يجعل الحاجة إلى خزانة تجمع بين الأناقة والراحة من دون عناء أمراً مهماً في الحياة المعاصرة. وربما تكون المرأة الأربعينية أكثر ما يحتاج إلى هذه الخزانة. فبعد الأربعين تتغير متطلباتها كما تتغيَر نظرة الناس إليها، وبالتالي تحتاج إلى مظهرٍ متوازنٍ يجمع بين النضج والأناقة المعاصرة، وفي الوقت نفسه يعكس الثقة التي اكتسبتها، وتريد التعبير عنها من خلال إطلالاتها.

الخبراء حلّوا هذه الحيرة ولخصوها لها في قطع أساسية يمكنها تنسيقها مع بعض بسهولة. في هذا السياق، تشير خبيرة تنسيق الأزياء جيما روز بريجر إلى أن التحضير المسبق هو الخطوة الأولى لصباحٍ هادئٍ ومنظم، موضحةً أن ترك الأمور للحظات الأخيرة غالباً ما يخلق توتراً، وتأخيراً.

بعد الأربعين تحتاج المرأة إلى خلق توازن بين الأناقة المعاصرة والراحة (هوكرتي-زارا-ماسيمو دوتي)

وتنصح بريجر بتخصيص وقتٍ لتنظيم خزانة الملابس، إذ إن الاكتظاظ يُعيق رؤية الخيارات المتاحة. وتشير إلى أن القاعدة الأساسية بسيطة: الاحتفاظ فقط بما يُستخدم فعلاً، وما يمنح شعوراً بالثقة. كما تنصح بتقسيم الملابس إلى فئات واضحة، فساتين، سراويل، تنانير، وقطع محبوكة، ما يسهّل عملية الاختيار اليومي.

أما التخطيط المسبق للإطلالات، سواء لليوم التالي أو لأسبوعٍ كاملٍ، فيُعدّ، بحسبها، وسيلةً فعالةً للتخفيف من حيرة كل صباح، وذلك بتنسيق القطع مع الإكسسوارات، والأحذية، والحقائب مسبقاً، بما يتيح ارتداءها سريعاً عند ضيق الوقت.

تنسيق الألوان الداكنة مع ألوان صارخة في الإكسسوارات من النصائح التي أدلى بها الخبراء (فيرساتشي_نوماساي- ماسيمو دوتي)

التنسيق اللوني أيضاً يعد حلاً عملياً آخر يمنح الإطلالة تماسكاً وأناقةً؛ فاختيار درجات متقاربة من لونٍ واحد، كالبني والبيج والجملي، يخلق مظهراً متناغماً أقرب إلى الفخامة. أما في الحالات الطارئة، فالإطلالة السوداء تظل خياراً آمناً وسريعاً، يمكن إضافة بعض الحيوية على اللون بإكسسوارات ملونة، أو أحمر شفاه جريء.

راحة وأناقة... لمختلف البيئات والميزانيات

عند اختيار إطلالات العمل، لا تقل الراحة أهميةً عن المظهر. فالملابس الضيقة أو الأحذية غير المريحة لا مكان لها في يوم عمل طويل. لذلك تبرز السراويل الواسعة والأحذية ذات الكعب المتوسط كخياراتٍ عمليةٍ تجمع بين الأناقة والراحة.

كما أن تنوّع بيئات العمل بين مكاتب رسمية وأخرى مرنة يفرض تنوعاً في الخيارات، يجب أن يُناسب مختلف الأذواق. ويشمل ذلك أيضاً اختلاف الميزانيات؛ فبعض النساء يفضلن التسوق بأسلوبٍ اقتصاديٍ ذكي، فيما تميل أخريات إلى الاستثمار في قطعٍ عالية الجودة تدوم طويلاً.

خزانة مصغّرة... فكرة رائجة لتنظيم الخيارات

أسلوب الطبقات مناسب لكل الأعمار (مانغو)

ومن بين الأفكار التي لاقت رواجاً واسعاً أخيراً، تبرز قاعدة 3-3-3 لخزانة عمل مصغّرة يُمكن ارتداؤها على مدى ثلاثة أشهر. وتهدف هذه القاعدة إلى تبسيط القرارات اليومية، وتعزيز الاستدامة، وتشجيع اعتماد أسلوبٍ أكثر وعياً في اختيار الملابس.

وقد انتشرت هذه الفكرة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث وجدت صدىً لدى كثيرٍ من النساء الباحثات عن حلولٍ عمليةٍ تُخفف عبء الاختيار اليومي.

التصاميم الكلاسيكية أصبحت عصرية تناسب كل الأعمار (هوكرتي)

في نهاية المطاف، تبقى الأناقة الحقيقية في البساطة، والقدرة على اختيار ما يعكس الشخصية دون تكلّف. فسواء كانت بيئة العمل رسميةً أو مرنةً، يمكن لكل امرأة أن تبني خزانةً ذكيةً تمنحها إطلالاتٍ متجددةً، وتبدأ يومها بثقةٍ وهدوءٍ، وهو ما يُعد، في حد ذاته، استثماراً يومياً في الراحة النفسية قبل المظهر الخارجي.


نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
TT

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)

شوارع الموضة والمحال في كل أنحاء العالم تصرخ هذه الأيام بأن طبول الغابة تدق عالياً. فطبعات الفهد والنمر وخطوط الحمار الوحشي وجلود الثعابين، تتصدر المشهد. نقوش قوية وجريئة، لافتة ومثيرة، لكنها في الوقت ذاته امتحان دقيق للذوق العام، فبين الأناقة والابتذال خيط رفيع، وبيدك أنت أن تخلقي المعادلة الصعبة بين إثارتها ورسالتها، من خلال طريقة تنسيقك، ونوعية الأقمشة التي تختارينها بما يتناغم مع أسلوبك الشخصي.

كل المحال تقريباً توفر تصاميم متنوعة من هذه النقشات يمكن تنسيقها حسب أسلوبك بسهولة (موقعا «مانغو» و«زارا»)

المهم أن تنتبهي؛ فطريقة تنسيقها سيف ذو حدين. فبينما تضفي هذه النقشات طاقة وقوة، هناك أيضاً اعتقاد قديم بأنها تنقل شيئاً من خصائص الحيوان الذي تُمثِّله إلى من ترتديها. وربما هنا تكمن جاذبيتها التي تلمس شيئاً بدائياً بداخلنا.

تطورها الفني والجمالي

رغم إجماع الأغلبية على أن هذه النقشات واحدة من أهم توجهات الموضة لهذا الموسم، فإنها لم تغب عن الرادار منذ أكثر من قرن، بل إن جذورها بالنسبة للبعض، ومنهم الكاتبة جو ويلدون، مؤلفة كتاب بعنوان Fierce: The History of Leopard Print تمتد إلى العصر الفرعوني؛ حيث تستشهد الكاتبة برسمة على جدران المعابد لـ«سشات»، إلهة الحكمة والمعرفة والكتابة في مصر القديمة، وهي ترتدي ثوباً بنقوش النمر في دلالة مبكرة على ارتباط القوة بالأنوثة.

وفي القرن الثامن عشر ظهرت في ملابس الطبقات الأرستقراطية رمزاً للفخامة، وأيضاً السلطة، قبل أن تنتعش أكثر في عشرينات القرن الماضي. أما حضورها الرسمي على منصات عروض الأزياء فجاء في عام 1947 في مجموعة المصمم كريستيان ديور لربيع وصيف ذلك العام. كان من خلال فستان سهرة وحيد إلا أنه كان مفعماً بالأنوثة والترف. فالطريف أن السيد ديور كان يرى أن نقشة النمر تتمتع بجاذبية حسية لا تقاوم، وبالتالي لا يناسب امرأة تتسم بالهدوء والنعومة، حسب ما كتبه في «القاموس الصغير للموضة» الذي أصدره عام 1954.

من اقتراحات دار «سيلين» لخريف 2025 (سيلين)

بيد أنها وقبل أن تدخل عالم الموضة وعروض الأزياء الباريسية والإيطالية في منتصف القرن الماضي، حملت في طياتها كثيراً من الرموز في ثقافات بعيدة. في أفريقيا مثلاً، ارتبط جلد الفهد بالقوة والسلطة، وفي آسيا، كان الحمار الوحشي رمزاً للتفرد، أما في الموضة، فإن لكل نقشة حيوان تأثيرها، فخطوط الحمار الوحشي مثلاً أقل قوة وأسهل من ناحية تنسيقها من نقشات النمر أو الفهد، ربما لأنها غالباً بالأبيض والأسود.

الثمانينات... زمن الماكسيماليزم

الثمانينات كانت بلا شك العصر الذهبي لهذه النقشات. في هذه الحقبة وجدت مساحتها وفرصتها للتوسع مع تبني الموضة حينها شعار «الكثير قليل»، التي احتفت بكل ما هو صارخ وجريء. عشقها مصممون كبار مثل روبرتو كافالي، والثنائي دولتشي آند غابانا وجياني فيرساتشي وغيرهم، ممن قدموها بلمسات حسية وإثارة أنثوية. وكانت تلك الفترة ترجمة حرفية للجمال الوحشي بمعناه الإيجابي؛ حيث تلتقي الثقة بالإثارة في توازن دقيق. فتحت المجال للمرأة أيضاً أن تتعامل معها حسب ذوقها الخاص، وما تريد أن تعبر عنه من خلال إطلالاتها.

من عرض «فندي» لخريف وشتاء 2025 (فندي)

وكون ثقافة الموضة تقوم على مفهوم التغيير، جعل أسهم هذه النقشات تنخفض تارة وترتفع تارة أخرى. لكنها لم تختفِ تماماً في أي حقبة تلت الثمانينات، فحتى الآن لا تزال لصيقة بدار «روبرتو كافالي»، وتدخل في جيناتها مثلاً.

كانت دائماً تنتظر في الظل مَن يبث فيها الحياة من جديد لتعود أكثر قوة وجمالاً. في عروض الأزياء الأخيرة، ظهر هذا التوجه أكثر إثارة من الناحية البصرية، ولا سيما بعد أن نجح المصممون في تخليصها من أي إيحاءات سلبية يمكن أن ترتبط بها. استعملوها في الجلود كما في أقمشة خفيفة وناعمة مثل الموسلين والمخمل والحرير. كان طبيعياً أن تباركها نجمات وشخصيات لهن تأثير، اعتمدنها في حياتهن اليومية ومناسباتهن الخاصة، وفي كل إطلالة يقدمن لنا صورة معاصرة مفعمة بالجاذبية.

دار «سالفاتوري فيراغامو» خففت من صراخ هذه النقشات في أقمشة منسدلة في عرضها لخريف وشتاء 2025 (سالفاتوري فيراغامو)

ومع تصاعد الوعي البيئي وارتفاع أصوات المعارضين لاستخدام الجلود الطبيعية، اتجهت دور الأزياء العالمية نحو البدائل الصناعية وأبدعت في تصميمها، حتى باتت تتمتع بجاذبية لا تُقاوَم بسهولة. فهي اليوم تمثل موضةً وموقفاً أخلاقياً في آنٍ واحد، ما يؤكد أن المشكلة لا تكمن فيها بحد ذاتها، بل في ذلك الخيط الرفيع الذي يفصلها عن الابتذال، والذي يظهر جلياً في الأسواق الشعبية التي تطرحها بخامات رديئة وتصاميم متدنية لا تخدم الذوق العام بقدر ما تُؤذي العين.

كيف تحققين التناغم؟

من هذا المنظور، يبقى أهم عنصر يجب الانتباه له عند اختيارها، جودة خامتها قبل التصميم، فالقماش الرديء يعكس مظهراً رخيصاً، والعكس صحيح. بعد ذلك تأتي عملية التنسيق الذكي مع الألوان؛ إما لتُهدئها وتخفف من صراخها، وإما لتبث فيها الحياة، سواء جاءت في معطف أو حذاء أو حقيبة اليد، أو حتى فستان سهرة. يفضل دائماً تنسيقها مع ألوان حيادية وداكنة، وإن كان العديد من الخبراء يقولون إنها تتناغم أيضاً مع الأزرق والأحمر، لكن على شرط أن تكون بجرعات خفيفة.

أكسسوارات بهذه النقشات يمكن أن تكون الحل بالنسبة للمرأة المترددة من هذه الموضة (موقع «زارا»)

أما إذا كنت ما زلت مترددة وتخافين من قوتها، فإن الأكسسوارات قد تكون طريقك لمواكبة هذه الموضة من دون أن تغرقي فيها، وذلك بالاكتفاء بحزام أو إيشارب أو حذاء أو حقيبة يد.


جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
TT

جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)

في عالم الأناقة، ظلّت الإكسسوارات والمجوهرات تلعب دوراً أشبه بالكومبارس في مسرح الأزياء. لكن في عروض الأزياء الأخير، يبدو أنها اقتنصت لنفسها دوراً أكبر. لم تعد مجرد تفصيلة نهائية تضاف إلى الإطلالة، بل عنصر أساسي قادر على تغييرها بالكامل، سواء كانت من خلال قلادة أو أقراط أو أساور. المثير فيها أنها ازدادت جرأة ووضوحاً بفضل أحجامها الكبيرة وألوانها الزاهية. حتى إن بعضها بات يلامس الأكتاف أحياناً. فضل كبير في هذا التصدر يعود إلى دار «سكياباريلي» التي تواصل إتحافنا بأشكال مبتكرة منها، ليلتقط خيطها باقي المصممين من «برادا» و«ميوميو» إلى «فالنتينو» و«إيترو» وغيرهم.

ماكياج شاحب وشعر أبيض مع أقراط نابضة وغير متناظرة (أ.ف.ب)

وما يزيد من جاذبيتها أنها لم تعد حكراً على السهرات والمناسبات المسائية، فارتداؤها مع فستان بسيط، أو كنزة بياقة عالية أو مع قميص أبيض من القطن في النهار لا يجعلها تبدو نشازاً أو خارج إطار الأناقة المتعارف عليه. الشرط الوحيد أن تتم عملية التنسيق بقدر من الحذر، بحيث يُستغنى عن أي من التفاصيل الأخرى كالقلادة أو التطريزات المبالغ فيها، لتبقى هي المحور.

إلى جانب الأحجام الكبيرة، ظهرت على منصات العرض صيحات أخرى لا تقل إثارة، مثل الأقراط غير المتناظرة، أو الاكتفاء بقرط واحد يمنح الإطلالة طابعاً معاصراً وشبابياً.

يمكن لقلادة مبتكرة أن تُغني عن كل الإكسسوارات والارتقاء بأي إطلالة مهما كانت بساطتها (أ.ف.ب)

وينطبق الشيء نفسه على القلادات التي أخذت هذا الموسم أشكالاً هندسية ونحتية، من شأنها أن ترتقي بأبسط الأزياء إلى مستوى أكثر أناقة. ولم تقتصر هذه الموجة على بيوت الأزياء الكبيرة ودور المجوهرات الفاخرة، فقد سارعت العلامات التجارية المتوسطة والمحال الشعبية إلى تبنيها، مقدمة تصاميم مبتكرة بأسعار مُغرية تتيح لعدد أكبر من النساء مواكبة هذه الصيحة.

تباينت الإكسسوارات بين الطويلة والهندسية هذا الموسم (أ.ف.ب)

في نهاية المطاف، ورغم أن هذا الاتجاه يبدو جريئاً، فإن القاعدة التي يكررها الخبراء تقضي بالحفاظ على بساطة الأزياء، حتى تنال المجوهرات والإكسسوارات حقها من البروز. ويزداد هذا التأثير عندما تأتي الألوان نابضة بالحيوية، وكأنها تعويض عن سنوات طويلة من الدرجات الترابية التي سادت عالم الأزياء والمجوهرات على حد سواء. فألوان مثل الأخضر والأزرق والأصفر والأحمر وغيرها قادرة دائماً على ضخ المظهر بجرعة من الديناميكية. وعندما تتجسد هذه الألوان في أحجار كريمة مثل البيريدوت والياقوت والسفير والتوباز أو الزمرد، فإنها لا تكتفي بإضفاء الانتعاش على المظهر، بل تمنحه أيضًا قدراً من الرقي ونوعاً من الطاقة الإيجابية.