لجنة مستقلة تبرئ التحالف العربي من ادعاءات بانتهاكات لقواعد العمل العسكري في اليمن

كشفت زيف تعرض حفل زفاف في ذمار لغارات أو استهداف مستشفى في صعدة.. وأقرت خطأ غير مقصود بناء على معلومة غير دقيقة

المنصور خلال المؤتمر الصحافي في الرياض أمس («الشرق الأوسط»)
المنصور خلال المؤتمر الصحافي في الرياض أمس («الشرق الأوسط»)
TT

لجنة مستقلة تبرئ التحالف العربي من ادعاءات بانتهاكات لقواعد العمل العسكري في اليمن

المنصور خلال المؤتمر الصحافي في الرياض أمس («الشرق الأوسط»)
المنصور خلال المؤتمر الصحافي في الرياض أمس («الشرق الأوسط»)

أعلن الفريق المشترك المستقل الذي شكل أواخر يناير (كانون الثاني) الماضي لتقييم الادعاءات من قبل جمعيات إنسانية إغاثية دولية، بانتهاك قواعد العمل العسكري أثناء عمليات «عاصفة الحزم» و«إعادة الأمل» المساندة للحكومة اليمنية الشرعية، نتائج التحقيقات «المستقلة» في 8 ادعاءات، وذلك خلال مؤتمر صحافي في العاصمة السعودية الرياض أمس.
وأظهرت نتائج التحقيق في الادعاءات سلامة الإجراءات التي اتبعتها قوات التحالف العربي، وعدم الخطأ في 6 ادعاءات تقدمت بها منظمات إغاثية وإنسانية، كما أظهرت وجود خطأ غير مقصود بناء على معلومات استخباراتية غير دقيقة في عملية قصف مجمع سكني بمدينة المخا بتاريخ 24 يوليو (تموز) الماضي، إضافة إلى عدم تنسيق منظمة «برنامج الأغذية العالمي» بشكل مباشر مع الجهات ذات العلاقة في قيادة التحالف، مما يعد إخلالاً بالاتفاقات الدولية من قبل «برنامج الأغذية العالمي»، وهو ما أدى إلى استهداف 4 شاحنات تابعة للبرنامج.
وأكد منصور المنصور، المستشار القانوني البحريني المتحدث الإعلامي باسم الفريق المشترك لتقييم الحوادث العسكرية، استمرار الفريق في المهام الموكلة إليه، وأنه يعمل بمبدأ الشفافية والاستقلال، كما أشار إلى إعلان النتائج التي يتوصل إليها الفريق لكل حالة على حدة للرأي العام؛ وذلك حال الانتهاء من إجراءات التحقيق في الحادث.
وأشار المنصور إلى أنه نظرًا لما ورد من ادعاءات بخصوص انتهاكات من قبل قوات التحالف أثناء العمليات العسكرية في «عاصفة الحزم» و«إعادة الأمل» المساندة للحكومة الشرعية اليمنية، فقد تم تشكيل فريق مشترك مستقل يتولى تقييم هذه الادعاءات والحوادث، يتكون من 14 عضوًا من ذوي الخبرة والاختصاص في الجوانب العسكرية والقانونية، ويضم في عضويته أعضاء من كل من: السعودية والكويت واليمن وقطر والبحرين والإمارات.
وأفاد المنصور بأن فريق التحقيق باشر البحث في الادعاءات المشار إليها بعد إعداد لائحة داخلية تنظم عمله، تتضمن الإجراءات المتعارف عليها، ومن ذلك تقييم الحوادث التي تقع في مثل هذه العمليات، وأن الفريق استند إلى الإجراءات المتعارف عليها، ومن ذلك التحقيق في الوقائع وجمع الأدلة والبراهين والمسندات وقوائم الأهداف، وإلى قواعد القانون الدولي الإنساني والأعراف الدولية، وقواعد الاشتباك وتقييم الحوادث، وآلية الاستهداف، وكذلك عبر استدعاء من يراهم الفريق والاستماع إلى أقوالهم، وأن الفريق المشترك يمارس عمله باستقلالية وحيادية كاملة.
وأوضح المستشار القانوني في الفريق المشترك، أن الفريق يعتمد في عمله لتقييم الحوادث على التأكد من الجوانب القانونية لعمليات الاستهداف المتوافقة مع القانون الدولي، والاستفادة من الآلية الأميركية والبريطانية لتقييم الحوادث، وقانون النزاعات المسلحة (إل أو آي سي)، وأن الفريق يعد تقريرًا لكل حالة على حدة، متضمنًا الحقائق والظروف والملابسات المحيطة بكل حادثة، والخلفيات والتسلسل الزمني، والدروس المستفادة، والتوصيات والإجراءات المستقبلية الواجب اتخاذها، وأنه يعتمد في ذلك على تحليل المعلومات الواردة في تقرير المهام واستعراض الصور الجوية، والاطلاع على تقارير ما بعد المهمة للطائرة، وتسجيل الفيديو، وجدول المهام اليومية، وإفادة ضابط فريق السيطرة الجوية، وأمر المهام اليومي «آي تي أو».
وكشف المتحدث الإعلامي باسم الفريق المشترك لتقييم الحوادث في اليمن، عن نتائج التحقيقات في 8 ادعاءات؛ جاء في أولها ادعاء من منظمة «هيومان رايتس ووتش» بقصف قوات التحالف مجمعًا سكنيًا في مديرية المخا بتاريخ 24 يوليو (تموز) 2015، وتبين للفريق بعد مراجعة الوقائع توفر معلومات استخباراتية عن وجود 4 أهداف في المناطق التي تسيطر عليها ميليشيا الحوثي المسلحة وقوات الرئيس المخلوع، كان ضمنها صواريخ دفاع ساحلية تشكل خطر حال «فوري» على القطع والسفن البحرية لقوات التحالف الموجودة بالقرب من الساحل وعلى سلامة الملاحة البحرية في البحر الأحمر، وتبين للفريق أن الهدف المذكور عبارة عن مجمع سكني تأثر بقصف جزء منه عن طريق الخطأ (غير مقصود)، وذلك بناءً على معلومة استخباراتية (غير دقيقة). وعليه، رأى الفريق تقديم التعويض المناسب لذوي الضحايا بعد تقدمهم بطلباتهم الرسمية والموثقة إلى لجنة «جبر الضرر».
وجاء في الادعاء الثاني الذي ورد من منظمة «أطباء بلا حدود» تعرض مستشفى «حيدان» في محافظة «صعدة» بتاريخ 26 يناير 2015 لقصف جوي، وتبين للفريق أن الاستهداف تم بناءً على معلومات استخباراتية مؤكدة لقوات التحالف عن وجود هدف عسكري (تجميع لميليشيا الحوثي المسلحة) في مديرية «حيدان»، وبعد التحقق اتضح أن المبنى عبارة عن منشأة طبية خصصت لاستخدام ميليشيا الحوثي المسلحة بغرض الاحتماء العسكري بها، بما يخالف قواعد القانون الدولي الإنساني، مع العلم بأنه لم تقع أي أضرار بشرية نتيجة القصف، ورغم قصف قوات التحالف المنشأة الطبية بوصفها هدفًا عسكريًا، فإنه كان يتحتم إنذار المنظمة بسقوط الحماية الدولية عن تلك المنشأة قبل القيام بعمليات القصف.
والادعاء الثالث جاء من منظمة «أطباء بلا حدود» عن تعرض عيادة متنقلة في محافظة تعز بتاريخ 2 ديسمبر (كانون الأول) 2015، لآثار عرضية نتيجة قصف قامت به قوات التحالف، و«تبين للفريق استهداف تجمعات مسلحة تابعة لميليشيات الحوثي في محافظة تعز، والتي تعتبر هدفًا عسكريًا ذا قيمة عالية يحقق ميزة عسكرية باعتباره هدفًا مشروعًا، وذلك بناءً على طلب القوات اليمنية الموالية للشرعية والمقاومة الشعبية الموجودة في حوبان التابعة لمحافظة تعز، ولم يتم قصف العيادة المتنقلة بشكل مباشر، وإنما تأثرت جراء القصف بصورة عرضية، حيث كانت قريبة من التجمع الذي تم استهدافه دون وقوع أي أضرار بشرية، مع الإشارة إلى ضرورة إبعاد العيادة المتنقلة عن الأهداف العسكرية حتى لا تتعرض لأي آثار عرضية. وبناءً عليه، تبين سلامة الإجراء المتبع من قوات التحالف بما يتفق مع القوانين الدولية».
ولفت المتحدث الإعلامي للفريق المشترك لتقييم الحوادث، في إطار نتائج التحقيق في الادعاء الرابع، إلى أنه ادعاء ورد من الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون عن مقتل 32 شخصا وإصابة 41 مدنيًا في سوق شعبية بمديرية نهم في محافظة صنعاء بتاريخ 27 فبراير (شباط) الماضي، واتضح للفريق بعد الرجوع إلى الوقائع أن إحدى طائرات قوات التحالف كانت تؤدي مهمة إسناد جوي قريب للمقاومة الشعبية والجيش الموالي للشرعية، حيث رصدت عربتي نقل محملتين بأفراد وذخائر وأسلحة تابعة لميليشيا الحوثي المسلحة متوقفتين قرب سوق شعبية صغيرة مجاورة لمبان صغيرة وخيام قماشية على طريق يربط مديرية نهم بالعاصمة صنعاء، وعليه تم التعامل مع الهدف العسكري الذي يعتبر ذا قيمة وفعالية عالية، باعتباره هدفًا مشروعًا ويحقق ميزة عسكرية بإسقاط قنبلة دقيقة الإصابة (موجهة بالليزر)، علمًا بأن تلك التجمعات كانت متوقفة في منطقة صحراوية غير مأهولة بالسكان تقع تحت سيطرة ميليشيا الحوثي المسلحة، وهي نقطة إمداد وتموين، كما اتضح من خلال التسجيلات المهمة وجود 7 أشخاص فقط في الموقع، الأمر الذي يفند سقوط عدد 73 شخصًا بين مصاب وقتيل، وتبين للفريق «عدم وقوع أي خطأ من قوات التحالف» باستهداف أشخاص مدنيين، والتزامها بقواعد القانون الدولي الإنساني، وبالذات بشأن الاعتداء المباشر على المدنيين.
وقال المنصور إن نتائج التحقيقات التي وردت في الادعاء الخامس أظهرت «عدم ثبوت أي خطأ من قوات التحالف» وذلك في الادعاء المقدم من «مركز أنباء الأمم المتحدة» عن قيام قوات التحالف بقصف سوق «خميس مستبأ» في مديرية حجة بتاريخ 15 مارس (آذار) الماضي، والادعاء بالتسبب في مقتل نحو 106 من المدنيين. وأكد المتحدث باسم الفريق المستقل أنه تم قصف الهدف بناءً على معلومات استخباراتية، مضيفًا: «يشير الفريق إلى تجمع كبير لميليشيا الحوثي المسلحة (مجندون)، وكانت تلك التجمعات قرب أحد الأسواق الأسبوعية التي لا يكون فيها أي نشاط إلا يوم الخميس من كل أسبوع، علما بأن العملية تمت يوم الثلاثاء، وهو هدف عسكري مشروع وذو قيمة عالية ويحقق ميزة عسكرية كونه يبعد 34 كيلومترا عن الحدود السعودية، ما يهدد القوات الموجودة على الحدود، كما أن جهة الادعاء لم تقدم ما يثبت صحة وقوع ضحايا من المدنيين».
وأكد أنه تبين للفريق عدم ثبوت أي خطأ من قوات التحالف في هذه العملية، وأن قوات التحالف التزمت بقواعد القانون الدولي الإنساني.
وأشار إلى ورود ادعاء سادس من «المقرر الخاص لحالات الإعدام خارج نطاق القانون أو الإعدام بإجراءات موجزة والإعدام تعسفيًا» بخصوص شن غارة جوية نتج عنها مقتل 47 مدنيا على الأقل وإصابة 58 بينهم نساء وأطفال، أثناء حضور حفل زفاف بتاريخ 6 أكتوبر (تشرين الأول) 2015 في محافظة ذمار، و«بالرجوع إلى السجلات المتعلقة بالطلعات الجوية، تبين أنه لم يتم قصف أي هدف بمحافظة ذمار في تاريخ الادعاء»، إلا أن فريق التقييم ولأهمية التأكد من الادعاء إنسانيًا وتحسبًا لوقوع خطأ في تاريخ الادعاء، بحث في موضوع العمليات الجوية التي استهدفت المنطقة ذاتها في تواريخ قريبة، واتضح «وجود غارة جوية بتاريخ 7 أكتوبر 2015 على طريق ذمار – رداع – البيضاء، حيث تم استهداف تجمع لعربات مسلحة على ذات الطريق على (الأحداثي المحدد) بدقة على الطريق الإسفلتي، وأنه لم يكن هناك أي استهداف من الأعيان المدنية في ذات المنطقة، وتبين للفريق سلامة الإجراء المتبع لقوات التحالف والتزامها بقواعد القانون الدولي الإنساني».
وأبان المنصور في إطار إيضاح نتائج التحقيقات في السابع الادعاء الوارد من «رئيسة برنامج الأغذية العالمي» عن تعرض 4 شاحنات تحمل مواد غذائية تابعة لبرنامج الأغذية العالمي بتاريخ 9 نوفمبر (تشرين الثاني) 2015 عند الساعة العاشرة ليلاً في مديرية حريب التابعة لمحافظة مأرب، لقصف من قوات التحالف، نتج عنه إصابة 4 سائقين، وتدمير كلي لشاحنتين، وجزئي للشاحنتين الأخريين، وأبان المنصور أنه «بالرجوع إلى الوقائع، تبين للفريق أنه تم استهداف الشاحنات المذكورة في الادعاء بناءً على معلومات استخباراتية تفيد بتحرك شاحنات تابعة لميليشيا الحوثي المسلحة وقوات الرئيس السابق، تحمل صواريخ لاستهداف مواقع قوات التحالف والمقاومة الموالية للشرعية في محافظة مأرب، وتشكل خطر حال (فوري)، والتي تعتبر منطقة إمدادات رئيسية لميليشيا الحوثي المسلحة. وفي ضوء ما تم الاطلاع عليه من الحقائق والبراهين، ثبت للفريق أن الشاحنات المشار إليها هي عبارة عن قافلة تابعة لبرنامج الأغذية العالمي، وأن قوات التحالف لم تكن تعلم بتوقيتات وإحداثيات حركة القوافل التابعة لبرنامج الأغذية العالمية، حيث إن المسؤولين عن هذا البرنامج لم يزودوا قوات التحالف بمذكرة تبين تواريخ وتوقيتات وإحداثيات تحرك تلك القافلة (الشاحنات)، وهو ما يعد إخلالاً بالاتفاقيات الدولية، كما ثبت لفريق التقييم أن الشاحنات لم تستخدم إشارات الحماية الدولية على الشاحنات كي يستدل من خلال الرؤيا قبل قصفها بأنها شاحنات تابعة لهم، وتبين للفريق أن الاستهداف كان بسبب عدم تنسيق المنظمة المباشر مع الجهات ذات العلاقة بقيادة قوات التحالف».
وأشار المتحدث باسم الفريق المشترك، في إطار توضيح نتائج التحقيقات في الادعاء الثامن والأخير الوارد من منظمة «أطباء بلا حدود» بشأن تعرض محيط المستشفى الجمهوري في صعدة بتاريخ 23 يناير الماضي لتطاير شظايا نتيجة لضربات جوية عسكرية، إلى أنه «بالاطلاع على الوقائع، تبين للفريق أن قيادة قوات التحالف استهدفت في ذات المنطقة مجموعة مستودعات تحتوي على أسلحة وذخائر تستخدمها ميليشيات الحوثي المسلحة، بواسطة قنابل موجهة بالليزر (دقيقة الإصابة) تبعد نحو 1300 متر، ولم يكن هناك أي استهداف مباشر للمستشفى المذكور أو للأعيان المدنية الواقعة حول هذا المستودع. وما يعزز هذا الأمر، الصور الجوية المتعلقة بهذه العملية، والتي تبين عدم تأثر المباني والأعيان المدنية المجاورة والقريبة للمستودع بأية أضرار؛ لا بصورة مباشرة ولا بصورة عرضية، علما بأن قوات التحالف كانت تعلم بوجود المستشفى الجمهوري في تلك المنطقة، باعتباره من الأماكن المحظور استهدافها، كونها منشأة طبية محمية بموجب الاتفاقيات الدولية، وهو ما يلزم تجنب استهدافه عند الإعداد والتخطيط لأي عملية عسكرية، واتضح للفريق عدم وجود أي خطأ من قبل قوات التحالف في هذه العملية، والتزامها بقواعد القانون الدولي والإنساني المتضمن الحماية المنصوص عليها للمنشآت الطبية».



إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)

وسّع الجيش الإسرائيلي موجة إنذارات الإخلاء إلى السفح الغربي لجبل الشيخ، في تمدد غير مسبوق باتجاه منطقة حدودية مع سوريا لم تكن محتلة منذ العام 1985 في جنوب شرقي لبنان، وهو ما أثار موجة أسئلة عن خريطة الحركة الجديدة التي لا تقتصر على تقييد عودة السكان فحسب، بل تعيد توجيه ثقلها العملياتي نحو الشرق.

ويشير ضم الجيش الإسرائيلي لبلدة عين عطا ضمن تمددها إلى جبل كريستوباني، وهي تسمية إسرائيلية مستحدثة للمنطقة، إلى أن المعركة لم تعد محصورة في الجبهة الجنوبية التقليدية، بل تتجه تدريجياً إلى اختبار محاور بديلة باتجاه الحدود مع سوريا، قد تعيد رسم خطوط الاشتباك. وبدل أن تتحول الهدنة إلى مساحة استقرار، تبدو مرحلة لإعادة التموضع، وتقوم على ضبط الأرض جنوباً، وفتح احتمالات التصعيد شرقاً.

خريطة نشرها الجيش الإسرائيلي للمنطقة الحدودية مع لبنان (الجيش الإسرائيلي)

وعين عطا، تتبع إدارياً قضاء راشيا في محافظة البقاع، وتقع على مرتفع استراتيجي على الجانب اللبناني من سفح جبل حرمون، وهي منطقة اتصال بين الأراضي اللبنانية والأراضي السورية التي احتلتها إسرائيل في العام الماضي في شمال القنيطرة، وتشرف في لبنان على عمق استراتيجي يربط البقاع بالجنوب.

محررة منذ 1985

ويضع مصدر نيابي لبناني هذا التصعيد بالتحذيرات في إطار مختلف، معتبراً في حديثه إلى «الشرق الأوسط» أنّها «تندرج ضمن الضغط الذي يستهدف كل اللبنانيين، عبر توسيع رقعة القلق، وزرع حالة دائمة من الترقّب، والخوف»، مضيفاً: «إنّ المشروع التوسعي الإسرائيلي لا يستثني أحداً من حيث الاستهداف».

ويوضح المصدر أنّ إدراج عين عطا ضمن هذه التحذيرات «يثير تساؤلات جدية، لا سيما أنّ البلدة ليست من القرى التي خضعت للاحتلال في مراحل التسعينات، بل تُعدّ محرّرة منذ عام 1985»، مشدداً على أنّ «الحديث عنها بهذا الشكل يفتقر إلى الدقة، سواء من الناحية التاريخية، أو الميدانية».

أطفال يلهون في سيارة مدمرة بجنوب لبنان العام 1983 (متداول)

تبدّل في التفكير العملياتي

في قراءة أوسع لهذه المؤشرات، يضع رئيس «مركز الشرق الأوسط للدراسات» العميد الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر هذا التصعيد ضمن سياق تحوّل في المقاربة العسكرية الإسرائيلية. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنّ «الحديث عن منطقة جنوب عين عطا لا يمكن فصله عن القراءة العسكرية لطبيعة السيطرة النارية والاستكشافية التي يؤمّنها جبل الشيخ»، موضحاً أنّ «جبل الشيخ يوفّر إشرافاً بالنار والاستطلاع يمتد إلى البقاع الغربي، ومناطق واسعة من الجنوب».

ويشير إلى أنّ «إسرائيل بعدما لم تنجح في تحقيق تقدّم حاسم في الجنوب، بدأت تبحث عن محاور بديلة، من بينها البقاع الغربي، ومنطقة عين عطا تحديداً، لما لهذه المنطقة من أهمية عملياتية»، لافتاً إلى أنّ «هذا المحور كان مطروحاً سابقاً كخيار لهجوم بري محتمل، خصوصاً أنّ التقدّم من الجنوب أثبت تعقيداته الميدانية».

جرافات إسرائيلية معززة بدبابات عسكرية تنفذ أعمال هدم داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)

ويضيف أنّ «السيناريو الأكثر ترجيحاً كان، ولا يزال، يعتمد على اختراق من جهة البقاع الغربي، نظراً لخصوصية هذه المنطقة من حيث الطبيعة الجغرافية والديموغرافية، فهي أقل تعقيداً من الجنوب، وأرضها أكثر انفتاحاً، ما يسهّل العمليات العسكرية».

توسعة بالتحذيرات

وتتزامن التحذيرات مع استمرار تمركز القوات الإسرائيلية خلال فترة وقف إطلاق النار، وتشمل طيفاً واسعاً من القرى، من الناقورة في جنوب غربي لبنان، إلى مرجعيون وكفرشوبا وعين عطا شرقاً، مروراً ببلدات محورية، مثل بنت جبيل، والخيام، وميس الجبل، إضافة إلى مناطق حيوية كنهر الليطاني ووادي السلوقي. وعلى الأرض، تتقاطع هذه الإنذارات مع معطيات ميدانية تشير إلى استمرار تمركز القوات الإسرائيلية داخل بعض النقاط، ما يحوّل الهدنة عملياً إلى مساحة ضبابية بين وقف النار واستمرار السيطرة.

وتتقدم منطقة عين عطا في هذه القراءة بوصفها نقطة مفصلية في أي سيناريو عسكري محتمل. ويشدّد جابر على أنّ «منطقة جنوب عين عطا تشكّل نقطة مفصلية في أي حسابات عسكرية، كونها مفرق طرق يربط بين البقاع الغربي وراشيا وحاصبيا والجنوب، وبالتالي فإن السيطرة عليها تفتح مسارات متعددة لأي تقدّم عسكري»، معتبراً أنّ «أهميتها تكمن في كونها عقدة مواصلات تتيح الانتقال نحو عدة اتجاهات في وقت واحد».

نازحون يعبرون جسراً مدمراً في طريق العودة إلى منازلهم في قرية طير فلسيه في جنوب لبنان (أ.ب)

ويشير إلى أنّ السيطرة عليها تتيح التحرك شرقاً نحو عمق البقاع، وجنوباً نحو حاصبيا والعرقوب، وغرباً باتجاه القرى الأساسية في البقاع الغربي، ما يمنح أي قوة مهاجمة مرونة عالية في المناورة، والتحكم بخطوط الإمداد». ويقول إنّ «التركيبة الديموغرافية المختلطة في هذه المنطقة تجعلها، عسكرياً، أكثر رخاوة من بيئة الجنوب».

ويرى أنّ «هذا السيناريو، في حال تحقّق، قد يؤدي إلى فصل البقاع الشمالي عن الجنوب، ما يغيّر موازين المعركة بشكل جذري، ويضع القوى المدافعة أمام تحديات لوجستية وميدانية أكثر تعقيداً».

الأهداف تتجاوز الميدان

لا يقتصر هذا التحوّل، وفق جابر، على البعد العسكري، بل يتعداه إلى أهداف سياسية واضحة. ويرى أنّ «إسرائيل، في حال دخلت واحتلت نقاطاً في هذه المنطقة، قد تتكبّد خسائر، لكنها تراهن على استخدام هذا التقدّم ليكون ورقة ضغط، ولفرض شروطها السياسية على لبنان، خصوصاً فيما يتعلق بسلاح (حزب الله) وترسيم الحدود». ويضيف أنّ «الهدف من أي تحرّك عسكري إسرائيلي لا يقتصر على المكاسب الميدانية، بل يتجاوزها إلى تحقيق أهداف سياسية، أبرزها الضغط على الدولة اللبنانية لفرض وقائع جديدة، سواء لجهة سلاح (حزب الله)، أو إعادة ترتيب الحدود الجنوبية».


ضياء العوضي... طبيب مصري أثار الجدل في حياته وبعد مماته

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
TT

ضياء العوضي... طبيب مصري أثار الجدل في حياته وبعد مماته

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)

لم تمر وفاة الطبيب المصري ضياء العوضي في دولة الإمارات قبل بضعة أيام مرور الكرام، فالجدل دائر منذ أشهر حول شخصيته و«نظريته» التي يروج لها برفض العلاج عبر الأدوية التقليدية والاعتماد على نظام غذائي أطلق عليه «الطيبات».

ورغم تأكيد محاميه أن الوفاة «طبيعية»، وصدور بيان من وزارة الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، الثلاثاء، ذكر أن الوفاة التي حدثت في أحد فنادق مدينة دبي «جاءت طبيعية، ولا توجد أي شبهات جنائية، وجاءت بسبب جلطة مفاجئة بالقلب»، فإن ملابسات الواقعة تحولت إلى مادة جدل واسع على منصات التواصل الاجتماعي.

فالعوضي عُرف بآرائه المثيرة للجدل، مثل التحذير من تناول الأطفال الذكور الدواجن بزعم تأثيرها على «الرجولة»، وتفضيل الإفطار بـ«النوتيلا» على الأطعمة التقليدية مثل الفول، والدعوة إلى استهلاك كميات كبيرة من السكر يومياً، إلى جانب التحذير من الخضراوات رغم قيمتها الغذائية المعروفة.

العوضي عُرف بالترويج لما سمّاه «نظام الطيبات» رافضاً العلاج بالأدوية التقليدية (لقطة من لقاء تلفزيوني أجراه معه الإعلامي محمود سعد)

ولا تزال صفحات مؤيدة له تضم آلاف المتابعين تعيد نشر مقاطع له وتدافع عن منهجه في التغذية، ومن بين هؤلاء مدوِّنة تُدعى رشا حجازي، قالت إن الطبيب الراحل طوّر ما يُعرف بـ«دايت الأرز» الذي وضعه الطبيب الألماني - الأميركي والتر كيمبنر.

غير أن الطبيب والإعلامي المصري الدكتور خالد منتصر روى تفاصيل موقف وحيد جمعه مع العوضي، عبر منشور على «فيسبوك»، حين علّق الراحل بشكل عدّه منتصر «غير طبيعي» وحذره من «أكل البطيخ» مظهراً «ثقة زائدة»، ولفت منتصر إلى أن «تحويل الطبيب العوضي إلى تريند» على مواقع التواصل أسهم في «زيادة حضوره الإعلامي».

وشدد منتصر على أن الوفاة لا تنفي حق نقد «الآراء الطبية غير العلمية»، مؤكداً أن «توصية الطبيب الراحل بوقف الإنسولين أو مثبطات المناعة أو الكورتيزون بشكل مفاجئ يُعد جريمة طبية»، محذراً من أن ذلك يكرّس الجهل ويغذي من وصفهم بـ«سماسرة الوهم».

اتهامات وشطب عضوية

في السياق ذاته، أشار الدكتور أسامة حمدي، أستاذ الباطنة والسكر بجامعة هارفارد الأميركية، إلى ما وصفها بـ«أخطاء طبية جسيمة» نُسبت إلى الطبيب الراحل، تمثلت في الترويج لعلاج مرض السكري بزيادة تناول السكر، والدعوة إلى وقف الإنسولين حتى لمرضى النوع الأول، إضافةً إلى وقف الكورتيزون عن مرضى يعتمدون عليه.

وأوضح أن هذه الممارسات، وفق روايات طبية، أدت إلى مضاعفات خطيرة بينها حالات تسمم كيتوني ووفاة سيدة، محذراً من خطورة تجاهل الأسس العلمية في علاج الأمراض المزمنة، حسب منشور عبر صفحته على «فيسبوك».

وفي مارس (آذار) الماضي، قررت نقابة الأطباء المصرية شطب عضوية العوضي، بعد اتهامه بنشر معلومات طبية مضللة وغير مدعومة علمياً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدةً أن هذه الممارسات قد تمثل تهديداً مباشراً لصحة المواطنين.

كما شملت الاتهامات الترويج لأساليب علاجية غير معتمدة علمياً في التعامل مع بعض الأمراض المزمنة، وهو ما عدّته لجنة التأديب بالنقابة إخلالاً جسيماً بأصول المهنة وقواعدها الأخلاقية والمهنية.

ويعتقد الدكتور وسام إبراهيم حمودة، استشاري ورئيس قسم جراحات التجميل والحروق بجامعة بنها، أن «الأدوية العشبية والمنتجات الطبيعية قد تلعب دوراً في الوقاية من بعض الأمراض، إلا أن فاعليتها في العلاج أو تسريع التعافي لا تزال بحاجة إلى أدلة علمية حاسمة».

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «حسم هذا الجدل يتطلب جهوداً بحثية جادة تقودها مؤسسات علمية وشركات دواء عربية، لإنتاج دراسات موثوقة قادرة على الفصل في هذا الملف، في ظل غياب يقين علمي نهائي حتى الآن».

«منظومة مصالح» أم «منظومة تغذية»؟

ووسط الجدل الدائر حول منهجه، قال مصطفى ماجد، محامي العوضي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن ملابسات وفاة موكله تواكبت مع انقطاع التواصل مع أسرته قبل أيام. لكنه أكد أن سبب الوفاة «لا تتوفر به أي شبهة جنائية»، مشيراً إلى أنه تلقى إخطاراً هاتفياً من السلطات المصرية يفيد بأن «التحقيقات الجارية في الإمارات عزت سبب الحقيقي للوفاة إلى أزمة قلبية». وهو ما أوضحته وزارة الخارجية في بيان الثلاثاء.

وسبق أن وجّه وزير الخارجية، بدر عبد العاطي، القنصلية المصرية في دبي بـ«التواصل المستمر مع السلطات الإماراتية المختصة للوقوف على ملابسات الواقعة، ومتابعة الإجراءات ذات الصلة»، إلى جانب سرعة إنهاء الإجراءات اللازمة لنقل الجثمان إلى مصر.

المحامي مصطفى ماجد (صفحته الرسمية)

ورغم الإعلان لم ينقطع الجدل، إذ كتب أحد متابعيه، ويدعى علي محمد، معبّراً عن قناعته بأن العوضي واجه ما وصفها بـ«منظومة مصالح» داخل القطاع الطبي تشمل أطباء ومعامل وشركات أدوية. وزعم أن هذه المنظومة تستفيد من المرضى عبر الإكثار من الوصفات الطبية والفحوص، وترتبط بعلاقات دعائية وتسويقية مع شركات الأدوية.

غير أن هذه الفرضية يرفضها الدكتور أسامة حمدي الذي رأى أن وقوع الوفاة نتيجة «جلطة قلبية مفاجئة» كان «أمراً متوقعاً»، وكتب في منشور عبر حسابه في «فيسبوك»: «مع الأسف، لقد توقعت تماماً ما حدث له حين رأيت نحافته الشديدة والمستمرة، وفقدانه الشديد لعضلات فخذيه، وشحوب وجهه وتوتره، نتيجة لنظام غذائي صارم ينتهجه، ويمنع عنه -عن عمد- كثيراً من الفيتامينات والأملاح المعدنية، وكثيراً من الأحماض الأمينية المهمة للعمليات الحيوية في الجسم، مع استمراره في التدخين بشراهة رغم التحذيرات المعروفة والمثبتة علمياً».

رأي خبراء الاجتماع

ويُبدي علماء اجتماع شكوكاً في أن هذا الجدل يحمل قدراً مما يُعرف بـ«الافتعال الإعلامي»، وهي أيضاً رؤية الدكتور سعيد صادق، أستاذ الاجتماع السياسي بالجامعة الأميركية، الذي لفت إلى أن العوضي «لم يكن لديه منتج علمي أو طبي ملموس يبرر فرضيات الاستهداف أو المؤامرة، مثل حالات شهيرة لعلماء في عالمنا العربي».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «الانشغال الواسع بالقضية يعكس خللاً في ترتيب أولويات النقاش العام، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية التي يواجهها المواطن المصري»، مضيفاً أن «تضخم مثل هذه القضايا يرتبط بطبيعة الإعلام الرقمي وسعي بعض الصفحات وراء (التريند) لما يحققه من عوائد سريعة».

وانتهى إلى أن «ثورة السوشيال ميديا أعادت تشكيل بيئة الإعلام، وأصبح البحث عن الانتشار هدفاً رئيسياً لدى كثير من المنصات»، مؤكداً أن ذلك يؤدي إلى تضخيم قضايا هامشية على حساب ملفات أكثر أهمية وتأثيراً في المجتمع.


قمع حوثي متصاعد في إب... واستحداث سجون سرية

حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
TT

قمع حوثي متصاعد في إب... واستحداث سجون سرية

حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

صعّدت الجماعة الحوثية من حملات القمع والاعتقالات في محافظة إب، في تطور يعكس تشديداً في القبضة الأمنية على واحدة من أعلى المحافظات اكتظاظاً بالسكان وأكبرها رفضاً لسلطة الجماعة الانقلابية، وذلك بالتزامن مع تحويل منشآت مدنية سجوناً سرية.

في هذا السياق، كشفت مصادر حقوقية عن استحداث الجماعة ما لا يقل عن 14 سجناً سرياً داخل منشآت مدنية وعسكرية في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، بينها مرافق رياضية وثقافية، في وقت ارتفع فيه عدد المعتقلين إلى أكثر من 150 شخصاً، بينهم ناشطون وتربويون وشباب، في سياق حملة تستهدف كبح أي تحرك مجتمعي معارض.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن هذه الحملة تأتي ضمن استراتيجية أمنية أوسع تهدف إلى إحكام السيطرة على المحافظة التي ظلت، خلال السنوات الماضية، بؤرة احتجاجات صامتة ومفتوحة ضد ممارسات الجماعة، خصوصاً في ظل تدهور الأوضاع المعيشية وغياب الخدمات الأساسية.

وتفيد مصادر حقوقية بأن ما يسمى «جهاز استخبارات الشرطة»، الذي يقوده علي الحوثي، نجل مؤسس الجماعة، يقف وراء موجة اعتقالات جديدة طالت أكثر من 40 شاباً في مركز المحافظة وأريافها خلال الأسابيع الأخيرة. وبذلك يرتفع عدد المعتقلين إلى أكثر من 150 شخصاً، في ظل اتهامات فضفاضة تتعلق بدعم الحكومة الشرعية أو معارضة سلطة الجماعة.

أكثر من مائة معتقل يمني في إب دون تهم واضحة خلال العام الماضي (إعلام محلي)

وأكدت منصة «ضمير»، المعنية بتوثيق قضايا المعتقلين والمُخفَين قسراً، أنها رصدت نحو 150 حالة اختطاف خلال العام الماضي والربع الأول من العام الحالي، «ضمن خطة أمنية منظمة تستهدف وأد أي نشاط مجتمعي مناهض».

ولفتت إلى أن هذه العمليات لا تجري عشوائياً، بل وفق آلية تبدأ بـ«الرصد والمتابعة، ثم تنفيذ مداهمات ليلية، تنتهي باقتياد المستهدفين إلى أماكن احتجاز سرية، دون أوامر قضائية».

وتركز الحملة، وفق تقرير المنصة، على فئات محددة في المجتمع، في مقدمتها المدرسون والناشطون المجتمعيون، «خصوصاً في فترات تشهد تصاعداً في الغضب الشعبي أو قبيل المناسبات الوطنية، حيث يُخشى من تحول هذا السخط احتجاجاتٍ ميدانية».

سجون سرية

من أبرز ما كشفت عنه المصادر الحقوقية استخدام الجماعة الحوثية منشآتٍ مدنيةً، بينها مرافق رياضية وثقافية، مراكزَ احتجاز سرية، في خطوة تعكس توسعاً في البنية الأمنية غير الرسمية.

وتشمل هذه المواقع أجزاء من معسكرات، مثل «معسكر الحمزة» في منطقة ميتم، و«معسكر القوات الخاصة» بمنطقة شبان، و«معسكر اللواء55» في مديرية يريم، إلى جانب مبانٍ أخرى توصف بأنها «بيوت آمنة».

كما جرى توسيع سجن المخابرات المعروف باسم «الأمن السياسي»، ليضم أعداداً متصاعدة من المعتقلين، وسط تقارير عن استخدام أساليب تعذيب لانتزاع اعترافات، في ظل غياب أي رقابة قضائية أو حقوقية.

تحويل منشآت رياضية في إب سجوناً حوثية سرية للنشطاء (إعلام محلي)

ويثير تحويلُ المنشآت المدنية أماكنَ احتجازٍ مخاوفَ واسعة من تآكل ما تبقى من البنية المدنية في المحافظة، فضلاً عن تداعيات ذلك على الحياة الاجتماعية والثقافية، إذ كانت إب تُعرف قبل سنوات بأنها «عاصمة السياحة» في اليمن.

على وقع هذه التطورات، أعلنت منصة «ضمير» ما سمتها «قائمة العار»، التي تضم قيادات حوثية قالت إنها مسؤولة بشكل مباشر عن إدارة السجون السرية وحملات القمع في إب. وتهدف هذه الخطوة، وفق المنصة، إلى وضع هؤلاء تحت طائلة المساءلة القانونية مستقبلاً.

وتضم القائمة هادي الكحلاني، المعين مديراً لأمن المحافظة، ونائبه حميد الرازحي، ورئيس فرع ما يسمى «جهاز الأمن والمخابرات»، زيد المؤيد، إضافة إلى عدد من القيادات المحلية المتهمة بتنفيذ الاعتقالات والتغطية على الانتهاكات، من بينهم بكيل غلاب ويحيى القاسمي وعبد الباري الطالبي وأشرف الصلاحي.

وتشير المصادر إلى أن بعض هؤلاء يلعبون أدواراً مزدوجة، تجمع بين العمل الأمني والاستفادة المالية من ملف المعتقلين، عبر شبكات وساطة تبتزّ أسر الضحايا مقابل وعود بالإفراج، غالباً ما يتبين لاحقاً أنها زائفة.

اقتصاد الابتزاز

وفق شهادات حقوقية، تحوّل ملف المعتقلين في إب مصدرَ دخلٍ غير مشروع لبعض المتنفذين، حيث تُفرض على الأسر مبالغ مالية كبيرة مقابل تسهيلات مزعومة أو وعود بالإفراج. وفي كثير من الحالات، يُشترط على الأسر عدم التواصل مع وسائل الإعلام أو المنظمات الحقوقية.

ويرى ناشطون أن هذه الممارسات تعكس ما يصفونه بـ«نظام رهائن»، حيث يُعتقل الأفراد ليس فقط لأسباب سياسية، بل أيضاً لأغراض مالية أو نتيجة وشايات كاذبة. ويشمل ذلك مدرسين يطالبون برواتبهم، وشباباً يشاركون في فعاليات وطنية، وحتى أطباء وناشطين مدنيين.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك رشاشاً على متن عربة عسكرية (إ.ب.أ)

وفي ظل هذه التطورات، تتصاعد الدعوات من قبل ناشطين ومنظمات حقوقية إلى ضرورة تحرك عاجل من المجتمع الدولي لمحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات. ويؤكد هؤلاء أن تحويل المنشآت المدنية سجوناً سرية، وممارسة التعذيب، والإخفاء القسري، كلها تشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني.

كما يطالبون بفتح تحقيقات مستقلة، وضمان وصول المنظمات الدولية إلى أماكن الاحتجاز، والإفراج الفوري عن جميع المعتقلين دون تهم واضحة، ووضع حد لسياسات القمع التي تستهدف المجتمع المحلي في إب.

ويرى مراقبون أن ما يجري في محافظة إب يمثل نموذجاً مصغراً لسياسات أوسع تتبعها الجماعة في مناطق سيطرتها، حيث تُستخدم الأدوات الأمنية لإدارة المجتمع بالقوة، في ظل غياب مؤسساتِ الدولة وسيادةِ القانون.