التيسير الكمي.. سياسة «طبع الأموال» غير مجدية لاقتصادات الدول

لم تأت بالنتائج المرجوة في أوروبا واليابان.. وتعافٍ متواضع في أميركا

آلة طبع النقود في اليابان (رويترز)
آلة طبع النقود في اليابان (رويترز)
TT

التيسير الكمي.. سياسة «طبع الأموال» غير مجدية لاقتصادات الدول

آلة طبع النقود في اليابان (رويترز)
آلة طبع النقود في اليابان (رويترز)

زاد المعروض النقدي في معظم الدول الكبرى، عن مثيله خلال السنوات الماضية، إلا أن نسب الإنفاق وبالتالي معدلات التضخم فيها ما زالت دون المستهدف وأقل مقارنة بمعدلات الأعوام السابقة، فيما كشفت حجم تأثيرات وتداعيات الأزمة المالية العالمية الأخيرة على الاقتصاد العالمي.
وجاء ارتفاع المعروض من النقود في دول مثل: الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي واليابان والصين، نتيجة التيسير الكمي أو التحفيز النقدي - طبع أموال لضخ سيولة في السوق مباشرة أو من خلال شراء أصول حكومية - في محاولة لإنعاش اقتصاداتها، بعد التباطؤ الاقتصادي الذي ضرب الأسواق العالمية، إلا أنها لم تأت بالنتائج المرجوة –منذ اتباعها في 2008 - حتى الآن، وإن اختلفت نتائجها العامة من دولة لأخرى.
فبينما حذت الولايات المتحدة الأميركية طريق التعافي الاقتصادي التدريجي (حققت معدل نمو 2.4 في المائة العام الماضي)، لم تفلح حتى الآن في تحقيق معدلات إنفاق تستطيع من خلالها ضبط معدل التضخم الذي يضمن معدل النمو المستهدف، وبالتالي تقل معه نسب البطالة.
أما الاتحاد الأوروبي الذي ينتهج سياسة التيسير الكمي أيضًا، ما زال يعاني من نسب نمو ضعيفة ومعدلات تضخم قليلة، وقد يكون السبب أن الاتحاد الأوروبي لديه سياسة نقدية واحدة - متمثلة في البنك المركزي الأوروبي - بينما تتعدد السياسات المالية للدول الأعضاء، مما يتطلب توحيد السياسة المالية لدول الاتحاد. وهناك بعض الجدل في أوروبا حول فعالية التيسير الكمي، بينما فشلت اليابان في تحقيق الأهداف التضخمية المنشودة من البرنامج.
والتسهيل الكمي هو سياسة نقدية غير تقليدية تستخدمها البنوك المركزية لتنشيط الاقتصاد عندما تصبح السياسة النقدية التقليدية غير فعالة. حيث يشتري البنك المركزي الأصول المالية لزيادة كمية الأموال المعروضة في الاقتصاد.
وقد ذكر رؤساء البنوك المركزية في اليابان والمملكة المتحدة وأوروبا - بعد أزمة 2008 - أن سياسات التيسير الكمي ستزيد من الإقراض والمعروض النقدي، وبالتالي تمكنهم من الوصول إلى أهداف التضخم الخاصة بهم.
وقال بول فيشر، وهو مسؤول في بنك إنجلترا، عندما كشفت إنجلترا عن برنامج التيسير الكمي في مارس (آذار) 2009، إن سياسة التيسير الكمي كان المقصود منها أن تؤدي إلى الانتعاش الاقتصادي عن طريق زيادة الإقراض المصرفي وزيادة المعروض من النقود. كذلك صرح هاروهيكو كورودا محافظ بنك اليابان - في 12 أبريل (نيسان) 2013 في أول خطاب له بعد أن أصبح محافظًا للبنك - بأن سياسة التيسير الكمي من شأنها أن تُزيد الإقراض، ومن ثم تسمح بالوصول لمعدل التضخم المستهدف عند 2 في المائة في غضون عامين. وبالمثل، قال ماريو دراغي، رئيس البنك المركزي الأوروبي، الذي تأخر حتى أعلن عن التيسير الكمي في 22 يناير (كانون الثاني) من عام 2015، إن هذه السياسة سوف «تدعم المعروض النقدي والنمو الائتماني، وبالتالي تسهم في عودة معدلات التضخم نحو 2 في المائة».
رغم ذلك لم تؤت سياسة التيسير الكمي التي انتهجها البنك المركزي الياباني على مدى ثلاثة أعوام، ثمارها المرجوة - يعتبر ثلاثة أضعاف برنامج التيسير الكمي لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي (نسبة إلى حجم الناتج المحلي الإجمالي) - ولا يزال المسؤولون لم يصلوا إلى النتائج المستهدفة؛ وفي موازاة للعمل بالبرنامج، ضعفت قيمة العملة المحلية «الين» من 80 ين مقابل الدولار إلى 125 ين مقابل الدولار في عام 2015.
وخفض البنك المركزي الياباني توقعاته للنمو الاقتصادي للعام المالي 2016، وسط مخاوف حول ارتفاع قيمة الين وتباطؤ النمو في الصين، ويتوقع البنك المركزي أن يشهد ثالث أكبر اقتصاد في العالم نموا بنسبة 1 في المائة حتى مارس 2017، متراجعًا عن تقييمات سابقة بمعدل نمو نسبته 1.2 في المائة في أبريل.
وأظهرت توقعات الحكومة اليابانية، أنها لن تتمكن من تحقيق هدفها المتمثل في الوصول إلى ناتج محلي إجمالي اسمي يبلغ 600 تريليون ين ياباني في السنة المالية 2020، وقد لا يتحقق ذلك حتى بحلول السنة المالية 2024، إذا بقي النمو البطيء مستمرًا على الوتيرة ذاتها، مما يزيد من الضغوط على صناع السياسات الذين يجاهدون لإنعاش الاقتصاد. ووفقًا لتقارير - تم نشرها من مكتب رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي - فإن الناتج المحلي الإجمالي الاسمي لليابان سيبلغ 551 تريليون ين في السنة المالية التي تبدأ في أبريل 2020 على افتراض الوتيرة الحالية للنمو.
وكان الناتج المحلي الإجمالي لليابان في عام 2015 نحو 500 تريليون ين ياباني، وهذا يعني أن اليابان لديها هدف بزيادة الناتج المحلي الإجمالي بنحو 100 تريليون ين على مدى السنوات الأربع المقبلة لتلبية هدف آبي. ويستتبع ذلك الحفاظ على معدل نمو سنوي قدره نحو 3 في المائة، ومع ذلك، في عام 2015، تمكنت اليابان فقط من زيادة الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.5 في المائة.
وتتوقع الحكومة أيضًا أن تحقق اليابان عجزًا أوليًا يبلغ 9.2 تريليون ين، إذا ظل النمو ضعيفًا، وبالتالي ستفشل في الوصول إلى هدفها المتمثل في تحقيق فائض أولي في الميزانية حتى في السنة المالية 2024. وعلى الرغم من انتهاج الحكومة اليابانية سياسة التيسير الكمي الضخم، والتحفيز المالي والإصلاحات الهيكلية، قامت الحكومة بتقليص توقعاتها للناتج المحلي الإجمالي الاسمي ثلاث مرات متتالية منذ أواخر عام 2012.
وقالت الحكومة اليابانية: «إن أسعار المستهلكين تراجعت بنسبة 0.5 في المائة خلال يونيو (حزيران) مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، في تراجع للشهر الرابع على التوالي على الرغم من إجراءات التيسير النقدي». وأظهرت قراءة يونيو مجددًا أن الاقتصاد الياباني عاد إلى الانكماش وسط تراجع أسعار الطاقة. كما كانت القراءة بعيدة عن المستوى المستهدف للتضخم الذي حدده بنك اليابان منذ أكثر من ثلاث سنوات.
وكانت اليابان قد اتخذت إجراءات التيسير النقدي للتغلب على الانكماش المزمن في أبريل 2013، بعد أربعة أشهر من تولي شينزو آبي رئاسة الحكومة، وقرر البنك المركزي الياباني في يناير الماضي اعتماد أسعار فائدة سلبية للمرة الأولى على الإطلاق لتنشيط ثالث أكبر اقتصاد في العالم.
وأظهر تقرير حكومي أيضًا أن معدل الإنفاق الاستهلاكي للأسر اليابانية، مؤشر رئيسي للإنفاق الاستهلاكي الخاص، تراجع بنسبة 2.2 في المائة في (يونيو) مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، في تراجع للشهر الرابع على التوالي. وأظهر تقرير حكومي أيضًا أن معدل الإنفاق الاستهلاكي للأسر اليابانية، مؤشر رئيسي للإنفاق الاستهلاكي الخاص، تراجع بنسبة 2.2 في المائة في يونيو مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، في تراجع للشهر الرابع على التوالي.
وفي ضوء البيانات الاقتصادية السلبية، تعهد بنك اليابان المركزي بمراجعة برنامجه للتحفيز النقدي في سبتمبر (أيلول) بالتوقعات بأن يتبنى أحد أشكال سياسة طبع النقود للإنفاق الحكومي، بما يقود إلى تحفيز التضخم. ويتوقع الاقتصاديون أن تصدر الحكومة سندات لأجل 50 عامًا، وإذا تعهد البنك المركزي بالاحتفاظ بها فترةً طويلة فسيكون ذلك شكلاً من أشكال طبع النقود، لكن بعض الاقتصاديين يخشون أن تقود هذه الخطوة إلى بلوغ التضخم مستويات مرتفعة جدًا، وبالتالي خفض غير محكوم لقيمة العملة. ووسع بنك اليابان المركزي برنامج التحفيز النقدي بزيادة طفيفة في مشتريات صناديق المؤشرات، في استجابة لضغوط من الحكومة وأسواق المال لاتخاذ إجراء أكثر جرأة، من أجل تحفيز النمو، وتسريع وتيرة التضخم صوب المستوى المستهدف البالغ 2 في المائة.
فمن المفترض اقتصاديًا أن يقوم البنك المركزي بطبع كميات من النقود تتوازى مع النمو في حجم المعاملات التي تتم في الاقتصاد المحلي، بحيث يحدث البنك المركزي التوازن المناسب بين النمو في عرض النقود والنمو في حجم المبادلات في الاقتصاد. بالتالي يُفترض طباعة النقود باعتبارها وسيلة لضمان عدم تأثر مستويات النشاط الاقتصادي، وحدوث ضغوط انكماشية نتيجة نقص العرض في السيولة عن احتياجات المبادلات. لكن في حال أصدر البنك المركزي مزيدًا من النقود دون أن تكون هناك حاجة حقيقية في الاقتصاد لها، فذلك يؤدي بالتبعية إلى انخفاض القوة الشرائية للعملة المحلية بفعل ارتفاع الأسعار.



استراتيجية الصين للطاقة تؤتي ثمارها مع اضطراب الإمدادات

مبانٍ سكنية ومكاتب في بكين (رويترز)
مبانٍ سكنية ومكاتب في بكين (رويترز)
TT

استراتيجية الصين للطاقة تؤتي ثمارها مع اضطراب الإمدادات

مبانٍ سكنية ومكاتب في بكين (رويترز)
مبانٍ سكنية ومكاتب في بكين (رويترز)

تُظهر استراتيجية الصين طويلة الأمد في تنويع مصادر الطاقة وبناء المخزونات قدرتها على التكيّف مع الاضطرابات الناجمة عن الحرب مع إيران، رغم أن بعض القطاعات لا تزال تواجه تحديات كبيرة، حسب محللين.

تُعد الصين مستورداً صافياً للنفط، وقد جاء أكثر من نصف وارداتها البحرية من الخام من الشرق الأوسط العام الماضي، وفقاً لشركة التحليلات «كبلر».

وقد أدى النزاع الذي أشعلته إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران إلى توقف شبه كامل للشحنات من منطقة الخليج لمدة ستة أسابيع حتى الآن، مع اتفاق هش لوقف إطلاق النار تم التوصل إليه هذا الأسبوع، ومن غير المرجح أن يؤدي إلى تعافٍ فوري.

ومع ذلك، فإن تركيز بكين المستمر منذ فترة طويلة على أمن الطاقة جعلها مستعدة بشكل جيد لمثل هذه الصدمات، حسبما قال محللون لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت مويو شو، كبيرة محللي النفط في «كبلر»، إن «القلق العام بشأن الوضع الجيوسياسي» في السنوات الأخيرة دفع القادة الصينيين إلى ضمان إنشاء مرافق تخزين كافية وبناء احتياطيات استراتيجية.

وأضافت أن هذه الجهود تعني أن الصين الآن في وضع أفضل بكثير مقارنة ببعض جيرانها في آسيا، مثل اليابان والفلبين. لكنها أشارت إلى أن بكين لم تكن «في عجلة» حتى الآن للبدء في استخدام احتياطياتها الاستراتيجية الكبيرة.

«تأكيد» الاستراتيجية

ويرجع ذلك جزئياً إلى أن مهمة الصين المستمرة منذ عقود لتقليل اعتمادها التقليدي على الفحم والوقود الأحفوري بدأت تؤتي ثمارها. فجهود التحول واسعة النطاق نحو الطاقة المتجددة تعني أن «الصين في وضع جيد نسبياً» للتعامل مع الوضع الحالي، وفقاً للوري ميلفيرتا، المؤسس المشارك لـ«مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف».

وقد تمت إضافة قدرات كبيرة من طاقة الرياح والطاقة الشمسية والطاقة النووية إلى المقاطعات الساحلية المكتظة بالسكان، إلى جانب تحسين البنية التحتية للشبكات التي تنقل الكهرباء إليها من المناطق الداخلية.

وقال ميلفيرتا إنه «كان سيتعين استيراد مزيد من النفط والغاز لتشغيل تلك المقاطعات» لولا هذه الجهود.

ورغم استمرار بعض الاعتماديات، بما في ذلك في قطاع التصنيع الضخم، فإن الطاقة المتجددة «تساعد كثيراً على الهامش»، حسب قوله.

كما قال لي شو، مدير «مركز الصين للمناخ في جمعية آسيا»، إن أزمة الطاقة الحالية «تؤكد صحة استراتيجية الصين طويلة الأمد القائمة على تنويع كل المصادر».

ويسعى الرئيس شي جينبينغ إلى الاستفادة من التوسع في الطاقة المتجددة بشكل أكبر مع تصاعد الاضطرابات الجيوسياسية. وقد بثت قناة «سي سي تي في» الرسمية تقريراً يوم الاثنين نقلت فيه عن شي دعوته إلى تسريع بناء «نظام طاقة جديد» لضمان أمن الطاقة، دون الإشارة إلى حرب الشرق الأوسط.

مشاكل تلوح في الأفق

بالنسبة لبكين، فإن «الخطر الأكثر جدية» لا يتمثل في الصدمات الفورية للطاقة، بل في احتمال حدوث تباطؤ اقتصادي عالمي بسبب النزاع، حسب لي من «جمعية آسيا». ومن المتوقع أن تتأثر بعض القطاعات حتماً، ما يخلق تحديات جديدة أمام القادة الذين يسعون إلى إنعاش النشاط الاقتصادي المتباطئ.

ومن بين هذه القطاعات «المصافي الصغيرة» الخاصة، التي استفادت تاريخياً من الوصول إلى النفط الإيراني والفنزويلي الخاضع للعقوبات بأسعار مخفضة.

وقد يكون فقدان النفط الإيراني بمثابة ضربة قاضية لكثير من هذه العمليات، التي تتركز بشكل رئيسي في مقاطعة شاندونغ الشرقية، التي تعاني بالفعل من تداعيات التدخل العسكري الأميركي في فنزويلا هذا العام.

وقالت شو من «كبلر» إن لدى بكين «مشاعر مختلطة» تجاه ذلك. فمن جهة، تمثل هذه المصافي نحو خُمس قدرة التكرير في الصين وتوفر فرص عمل كبيرة. ومن جهة أخرى، فإن معاييرها البيئية المتساهلة، وإيراداتها الضريبية الأقل استقراراً، ومنافستها للشركات الحكومية الكبرى، تعني أن إغلاقها «ليس بالضرورة خبراً سيئاً بالكامل للصين».

كما أن قطاع صناعة الرقائق، الذي عده شي أولوية استراتيجية، قد يواجه تحديات مع استمرار إغلاق مضيق هرمز. وتُعد قطر واحدة من الدول القليلة في العالم التي تنتج الهيليوم على نطاق واسع، وهو عنصر حيوي لصناعة أشباه الموصلات، وقد توقفت الإمدادات منذ بدء الحرب.

وقد يواجه قطاع الكيميائيات أيضاً «ضغوطاً كبيرة» بسبب الاضطرابات، حسب تقرير حديث لميخال ميدان من «معهد أكسفورد لدراسات الطاقة».

ومع ذلك، على المستوى الوطني، قالت إن «التأثيرات يمكن التخفيف منها». فبينما لن يكون الاقتصاد بمنأى عن ارتفاع الأسعار وتراجع النشاط الاقتصادي، فإن الجهات المعنية تتخذ بالفعل إجراءات استباقية في حال استمرار الاضطرابات.


الأسواق العالمية تترقب أثر «انسداد إسلام آباد» على افتتاح الاثنين

متداولون في بورصة نيويورك يعملون قبل إغلاق السوق في 8 أبريل (أ.ف.ب)
متداولون في بورصة نيويورك يعملون قبل إغلاق السوق في 8 أبريل (أ.ف.ب)
TT

الأسواق العالمية تترقب أثر «انسداد إسلام آباد» على افتتاح الاثنين

متداولون في بورصة نيويورك يعملون قبل إغلاق السوق في 8 أبريل (أ.ف.ب)
متداولون في بورصة نيويورك يعملون قبل إغلاق السوق في 8 أبريل (أ.ف.ب)

تترقب الأسواق العالمية افتتاح التداولات يوم الاثنين، وسط حالة من التوجس الموضوعي؛ حيث يواجه المستثمرون تقاطعاً حرجاً بين صدمة جيوسياسية غير متوقعة وموسم أرباح مصيري. وبينما كان «رالي» الأربعاء الماضي يستند إلى آمال وقف إطلاق النار، يأتي فشل مفاوضات إسلام آباد ليعيد رسم سيناريوهات التحوط بدلاً من المخاطرة.

انتهت محادثات إسلام آباد دون اتفاق، وهو ما يعني أن «علاوة المخاطر» الجيوسياسية ستعود لتسعير نفسها في العقود الآجلة منذ الدقائق الأولى للافتتاح. الأسواق التي احتفلت الأسبوع الماضي بـ«يوم المتابعة» وصعود مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 2.5 في المائة، قد تشهد عمليات جني أرباح سريعة أو حركات تصحيحية، حيث يخشى المتداولون من أن يؤدي استمرار الصراع إلى تقويض زخم النمو الذي بُني عليه التفاؤل الأخير.

خريطة توضح مضيق هرمز وخط أنابيب نفط مطبوع بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد (رويترز)

«النفط» و«الألمنيوم» تحت المجهر

تضع انتكاسة المفاوضات السياسية أسواق السلع الأساسية أمام اختبار حقيقي لمستويات الأسعار، حيث تبرز الطاقة والمعادن الصناعية كأكثر القطاعات حساسية لغياب الحلول الدبلوماسية.

ففي سوق النفط، يتوقع المحللون عودة «علاوة المخاطر الجيوسياسية» لتصدر المشهد عند افتتاح التداولات؛ إذ إن استمرار حالة الانسداد السياسي يعني بقاء التهديدات المحدقة بممرات الملاحة الدولية، وتحديداً مضيق هرمز، مما يدفع عقود خام برنت للتحرك في نطاقات سعرية تعكس مخاوف «تعطل الإمداد» بدلاً من «أساسيات الطلب». هذا المشهد يفرض ضغوطاً إضافية على معدلات التضخم العالمي، ويجعل من استقرار تدفقات الخام قضية أمن اقتصادي دولي تتجاوز مجرد تقلبات الأسعار اليومية.

أما في قطاع المعادن، فيبرز الألمنيوم كلاعب رئيسي في ظل التوترات الراهنة، خاصة بعد استهداف منشآت صهر كبرى في منطقة الشرق الأوسط التي تساهم بنحو 9 في المائة من الإنتاج العالمي. وتتجه الأنظار الآن إلى كيفية استجابة المصانع العالمية لنقص المعروض المحتمل، في وقت ترتفع فيه تكاليف الطاقة اللازمة للصهر، مما يخلق حلقة مفرغة من الضغوط السعرية التي قد تمتد لتشمل قطاعات التصنيع الثقيل والسيارات، مما يجعل من أداء هذه السلع «ترمومتراً» حقيقياً لمدى ثقة الأسواق في قدرة الاقتصاد العالمي على الصمود أمام حرب استنزاف جيوسياسية.

شاشة تعرض مؤشرات أسواق آسيا في غرفة تداول العملات الأجنبية في المقر الرئيسي لبنك هانا في سيول (أ.ب)

الذهب بين ضغوط السيولة والتحوط الجيوسياسي

على الرغم من فشل مفاوضات إسلام آباد وتصاعد نبرة التوتر العسكري، يواجه الذهب حالة من الترقب المشوب بالحذر؛ حيث يتوقع المحللون افتتاحاً يتسم بالتذبذب نتيجة تضارب القوى المحركة للسوق. فمن ناحية، يفرض الفشل الدبلوماسي طلباً طبيعياً على الذهب كـ«ملاذ آمن» تقليدي في أوقات الحروب، غير أن هذا الارتفاع قد يصطدم بما يعرف بـ «تسييل المراكز»؛ حيث يلجأ بعض كبار المستثمرين لبيع الذهب لتوفير السيولة اللازمة لتغطية خسائر محتملة في قطاعات أخرى، مثل الأسهم أو الأصول عالية المخاطر التي قد تتأثر سلباً بانتكاسة المفاوضات.

علاوة على ذلك، يراقب المتداولون أثر هذه التوترات على «توقعات التضخم»؛ إذ إن بقاء أسعار الطاقة عند مستويات مرتفعة نتيجة الانسداد السياسي قد يدفع البنوك المركزية الكبرى للتمسك بسياسات نقدية متشددة لفترة أطول. هذا السيناريو يضع الذهب تحت ضغط تقني، نظراً لارتفاع تكلفة الفرصة البديلة لحيازته أمام العوائد المرتفعة للسندات. ومع ذلك، يجمع المحللون في مؤسسات دولية مثل «غولدمان ساكس» على أن الاتجاه الصعودي الطويل الأمد للمعدن الأصفر يبقى قائماً، مدعوماً بمشتريات البنوك المركزية والبحث عن مخازن للقيمة بعيداً عن تقلبات العملات الورقية، مما يجعل من افتتاح الاثنين اختباراً حقيقياً لقدرة «المعدن النفيس» على امتصاص الصدمة الجيوسياسية الراهنة.

اختبار قطاع البنوك

تبدأ البنوك الكبرى مثل «غولدمان ساكس» و«جي بي مورغان» الإعلان عن نتائج الربع الأول يوم الاثنين والثلاثاء. تقتضي الموضوعية مراقبة «نظرة البنوك المستقبلية»؛ فالمشكلة ليست في أرباح الربع الماضي، بل في مدى تخوف رؤساء البنوك من تأثير الحرب على «شهية الإقراض» والاستثمارات الرأسمالية في النصف الثاني من العام.

أحد المارة يمر أمام لوحة مؤشرات سوق الأسهم في طوكيو (إ.ب.أ)

كسر «رالي» الأربعاء؟

تقنياً، يراقب المحللون ما إذا كان مؤشر «ناسداك» سيحافظ على مكاسبه فوق مستويات الأسبوع الماضي. فشل المفاوضات قد يختبر مستويات الدعم الفنية؛ فإذا افتتحت الأسواق على انخفاض كبير وتجاوزت أحجام التداول مستويات الجمعة الماضية، فقد نكون أمام «فشل للرالي» قبل أن يكتمل أسبوعه الأول.

في الخلاصة، لن يكون افتتاح الاثنين مجرد رد فعل على فشل دبلوماسي، بل هو «إعادة تقييم» شاملة لقدرة الاقتصاد العالمي على تحمل «حرب طويلة» في الشرق الأوسط. المستثمرون الآن لا يبحثون عن أرقام النمو بقدر بحثهم عن «رسائل الطمأنة» التي قد تصدر عن اجتماعات واشنطن برئاسة الجدعان، لضبط إيقاع الأسواق المضطربة.


ناقلات نفط غادرت الخليج عبر مضيق هرمز مع بدء المحادثات بين أميركا وإيران

ناقلة النفط «لوجياشان» راسية قبالة مسقط مع تعهّد إيران بإغلاق مضيق هرمز وسط الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل مع طهران خلال فبراير ومارس 2026 (رويترز)
ناقلة النفط «لوجياشان» راسية قبالة مسقط مع تعهّد إيران بإغلاق مضيق هرمز وسط الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل مع طهران خلال فبراير ومارس 2026 (رويترز)
TT

ناقلات نفط غادرت الخليج عبر مضيق هرمز مع بدء المحادثات بين أميركا وإيران

ناقلة النفط «لوجياشان» راسية قبالة مسقط مع تعهّد إيران بإغلاق مضيق هرمز وسط الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل مع طهران خلال فبراير ومارس 2026 (رويترز)
ناقلة النفط «لوجياشان» راسية قبالة مسقط مع تعهّد إيران بإغلاق مضيق هرمز وسط الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل مع طهران خلال فبراير ومارس 2026 (رويترز)

أظهرت بيانات الشحن أن 3 ناقلات نفط عملاقة محمّلة بالكامل عبرت مضيق هرمز يوم السبت، في ما يبدو أنه أول خروج لسفن من الخليج منذ اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران. وكانت طهران قد فرضت حصاراً على المضيق، وهو ممر حيوي يمر عبره نحو 20 في المائة من شحنات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً، مما أدى إلى اضطراب إمدادات الطاقة العالمية ودفع أسعار النفط إلى الارتفاع منذ اندلاع الحرب الإيرانية في أواخر فبراير (شباط) الماضي.

وأظهرت بيانات «إل إس إي جي» أن ناقلة النفط العملاقة «سيريفوس» التي ترفع علم ليبيريا، وناقلتي «كوسبيرل ليك» و«هي رونغ هاي» اللتين ترفعان العلم الصيني، دخلت وخرجت من «مرسى عبور هرمز التجريبي» الذي يتجاوز جزيرة لارك الإيرانية يوم السبت. وتستطيع كل ناقلة حمل مليوني برميل من النفط.

«سيريفوس» تتجه إلى ماليزيا

تشير بيانات «إل إس إي جي» و«كبلر» إلى أن الناقلة «سيريفوس»، المستأجرة من قبل شركة الطاقة التايلاندية الحكومية «بي تي تي (PTT)»، واحدة من 7 سفن طلبت ماليزيا موافقة إيران لعبورها المضيق، وفقاً لمصدرين مطلعين. والناقلة، التي تحمل نفطاً خاماً جرى تحميله من السعودية والإمارات في أوائل مارس (آذار) الماضي، من المتوقع أن تصل إلى ميناء ملقا الماليزي في 21 أبريل (نيسان) الحالي. ولم ترد وزارة الخارجية الماليزية ولا شركتا «بتروناس» و«بي تي تي (PTT)» على طلبات التعليق خارج ساعات العمل يوم الأحد.

وكانت ناقلة أخرى، هي «أوشن ثاندر»، المحمّلة بالنفط العراقي والمستأجرة من وحدة تابعة لـ«بتروناس»، قد عبرت الممر الأسبوع الماضي، وفق وكالة «رويترز».

ناقلتان صينيتان تعبران هرمز

ومن المتوقع أن تصل ناقلة «كوسبيرل ليك»، المحمّلة بالنفط العراقي، إلى ميناء تشوشان شرق الصين في 1 مايو (أيار) المقبل، وفق بيانات «إل إس إي جي». ولم يتضح بعد مكان تفريغ ناقلة «هي رونغ هاي» التي تحمل نفطاً سعودياً. وتشير البيانات إلى أن الناقلتين مستأجرتان من قبل «يونيبك»، الذراع التجارية لعملاق الطاقة الصيني «سينوبك». ولم ترد الشركة على طلب التعليق خارج ساعات العمل. ولا تزال مئات الناقلات عالقة في الخليج، في انتظار المغادرة خلال فترة وقف إطلاق النار التي تمتد أسبوعين.

سفن فارغة تدخل الخليج

كما أظهرت البيانات أن 3 ناقلات أخرى فارغة؛ هي «مومباسا بي» و«أجيوس فانوريوس1» و«شالامار»، كانت تبحر في مضيق هرمز يوم الأحد متجهة إلى داخل الخليج لتحميل النفط. وأشارت بيانات الناقلة «أجيوس فانوريوس1»، التي ترفع علم مالطا، إلى أنها في طريقها إلى العراق لتحميل «خام البصرة» المتجه إلى فيتنام.