مجمع ملكي وأكاديمية للفنون تضخان الحياة في شريان الثقافة السعودية

ضمن حزمة مشاريع لمواكبة خطة التحول الوطني 2020

جانب من لقاء وزير الثقافة والإعلام السعودي الدكتور عادل الطريفي بالمثقفين في نادي جدة (واس)
جانب من لقاء وزير الثقافة والإعلام السعودي الدكتور عادل الطريفي بالمثقفين في نادي جدة (واس)
TT

مجمع ملكي وأكاديمية للفنون تضخان الحياة في شريان الثقافة السعودية

جانب من لقاء وزير الثقافة والإعلام السعودي الدكتور عادل الطريفي بالمثقفين في نادي جدة (واس)
جانب من لقاء وزير الثقافة والإعلام السعودي الدكتور عادل الطريفي بالمثقفين في نادي جدة (واس)

أعلن الدكتور عادل الطريفي، وزير الثقافة والإعلام السعودي، عن إنشاء مجمع ملكي وأكاديمية للفنون، ضمن حزمة مشاريع تستهدف تفعيل دور الثقافة في الحياة العامة، تواكب خطة التحول الوطني 2020.
وفي لقاء عقده وزير الثقافة والإعلام الدكتور عادل الطريفي، مع عدد من الأدباء والمثقفين والكتاب، مساء أول من أمس في النادي الأدبي الثقافي بجدة، بحضور ما يقارب 30 مثقفا ومثقفة وأعضاء مجلس إدارة النادي الأدبي الثقافي، ناقش الوزير مع الحضور جهود الوزارة التي تتماشى مع خطة التحول الوطني 2030. وأكد أن الوزارة بصدد إقامة ورشة موسعة يحضرها كل الأدباء لوضع الأطر ورسم الخطط لإنشاء هيئة الثقافة.
وأعلن وزير الثقافة والإعلام عن خطة تعدها وزارة الثقافة تستهدف إطلاق المجال للفنون التعبيرية والبصرية، بينها تأسيس مجمع ملكي للفنون، ومعهد ملكي للفنون، وتأسيس الفرقة الوطنية الموسيقية السعودية، ومسرح التلفزيون، ومسرح الطفل، مع فسح مجال أوسع لمشاركة المرأة.
وكان وزير الثقافة والإعلام قد كشف في عرضه عن دور وزارته في خطة التحول الوطني (يونيو/ حزيران الماضي) أن وزارة الثقافة تعمل على إيجاد مدينة إعلامية، معتبرًا أن ما ينقصنا هو «وجود بيئة إعلامية متكاملة»، وأشار إلى أن وزارة الثقافة والإعلام «وضعت لها تسع مبادرات ضمن البرنامج، وشكلت مجموعات إشرافية لقياس الأداء، كي تضمن خلال العام القادم، والأعوام الخمسة القادمة أن تكون الوزارة بشقيها الثقافي والإعلامي قد حققت هذه الأهداف الاستراتيجية بنجاح».
وقال: «إن وزارة الثقافة والإعلام حددت خمسة أهداف رئيسة ضمن برنامج التحول الوطني 2020، من أبرزها، تعزيز الهوية الوطنية الثقافية، وإيجاد بيئة عمل صالحة للنشاطات الثقافية وتعزيزها، والاهتمام بالصناعة الإعلامية بوصفها من أهم الأشياء في العمل الإعلامي بالمملكة، لذلك كان التركيز على إيجاد مدينة إعلامية ومدينة إنتاجية لزيادة مستوى العمل الإعلامي والمحتوى المحلي داخل المملكة».
وتحدث عن المجمع الملكي للفنون، مشيرًا إلى أنه من المؤسسات التي يراد منها تعزيز الثقافة والفن في السعودية، وأحد أبرز أهدافها تعزيز الثقافة الوطنية، وإعطاء صورة للأجيال الشابة عن تاريخ المملكة، وتكون قادرة على نقل ثقافة السعودية إلى العالم الخارجي.
وتتجه الوزارة في نوفمبر (تشرين الثاني) لعقد مؤتمر الأدباء السعوديين الخامس، الذي يقام في الرياض برعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، تحت عنوانه الرئيسي «الأدب السعودي ومؤسساته: مراجعات واستشراف ما بين (1400 - 1437هـ - 1980 - 2016م)».
وفي بيان صحافي أوضح الطريفي أن العنوان الرئيسي يشتمل على ستة محاور حول: الأدب السعودي في الدراسات الأكاديمية والمناهج الدراسية، والأدب السعودي والهوية والاستثمار الوطني، والأدب السعودي والأمن الفكري، وإبداع الشباب وقضاياه في الأدب السعودي، والأدب السعودي والطفل والمؤسسات الثقافية السعودية: الواقع والمستقبل.
وتعتبر الفنون عقدة البرامج الثقافية السعودية، وطالما واجهت ضغطًا اجتماعيًا عصيبًا للحّد منها وتقييد حركتها، ورسميًا فإن الاعتراف بالفنون بدأ متأخرًا حيث تأسست الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون في العام 1973. وحصلت على ترخيص مؤقت عمره عام واحد، قبل أن تحصل على ترخيص رسمي في العام 1975 من الأمير فيصل بن فهد، تحت اسم الإدارة العامة لرعاية الشباب، وتم تعديل اسمها في عام 1978 ليصبح «الجمعية العربية السعودية للفنون والثقافة»، ثم تقرر تقديم كلمة «الثقافة» على كلمة «الفنون»، ليصبح الاسم كما هو الآن «الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون».
وتضم الجمعية 12 فرعًا تنتشر في مختلف مناطق ومدن المملكة، وبدأت بسبع لجان، وفي مرحلة زمنية كانت تضم لجنة اسمها «لجنة الإنشاد»، إلى جانب لجان تضم الفنون المسرحية، والتشكيلية، والفنون الشعبية، والموسيقى والغناء، ومنذ العام 2006 تضم لجانا متنوعة هي: لجنة الفنون المسرحية، ولجنة الفنون التشكيلية، والخط العربي، ولجنة التراث والفنون الشعبية والموسيقية، ولجنة التصوير الضوئي واللجنة النسائية.
وفي صورة المشهد الثقافي السعودي فإن المسرح الذي يُعتبر «أبو الفنون» ظل يشتكي عقودًا من الضياع والافتقار إلى بنية تحتية، وإلى جحود اجتماعي، وتعامل الفرق المسرحية باعتبارها مناشط هامشية في الحياة الثقافية، وظلت الثقافة المسرحية تشتكي من فرز اجتماعي لا يتقبل الصورة التعبيرية للفن المسرحي، خاصة إذا اقترن المسرح بأدوات عرض تتناقض مع الثقافة السائدة، بل إن مفهوم المسرح الشعبي ظلّ محدودًا ومحصورًا، ونما هذا الفن ضمن النشاط المدرسي والجامعي، وداخل قاعات مغلقة لجمعيات الثقافة والفنون، كما لم يتصالح المسرح بعد مع المرأة.
ورغم أن المسرح العربي تأسس قبل نحو 150 عامًا على يد مارون النقاش (1817 ـ 1855) الذي قدم أول مسرحية عربية عام 1847 في بيروت حملت اسم «البخيل»، فإن هذا الفن احتاج لأكثر من قرن حتى يتبرعم وينمو ببطء في المملكة العربية السعودية.
فقد شهدت الخمسينات أول بوادر التجربة المسرحية السعودية، حين أسس أحمد السباعي مسرح قريش في مكة المكرمة، واختار مسرحية «صقر قريش» لتعرض في ليلة الافتتاح، وتعرضت هذه التجربة للإجهاض قبل أن ترى النور.
في السياق التاريخي التوثيقي بدأت ما يمكن اليوم تسميتها «مجازًا» الحركة المسرحية السعودية مع تأسيس المملكة، من خلال تقديم مسرحيات تاريخية ودينية، تعتمد في نصوصها على الكتب المدرسية مثل مسرحيات «صلاح الدين» و«عبد الرحمن الداخل»، و«القناعة»، و«عاقبة الطمع»، وهي المرحلة الأولى التي امتدت حتى عام 1373هـ.
ومر المسرح السعودي بمرحلة أخرى منذ عام 1384هـ ـ حتى 1391هـ، وهي الفترة التي شهدت مسرحيات للكبار والصغار وكانت تركز على الدروس الاجتماعية ذات التراكيب الدرامية الترويحية مثل مسرحيات «الغواص»، و«لك يوم يا ظالم»، و«حرام حرام»، وكانت تقدم عن طريق المدارس والأندية. وتمتاز هذه الفترة ببروز مسرحيات من تأليف الكتاب السعوديين.
المرحلة الثالثة، وتمتد من عام 1392هـ وحتى اليوم، وقد بدأت باحتفالات الأندية الرياضية والمدارس على مستوى مناطق المملكة واختيار المسرحيات الناجحة ودمج بعضها للدخول في مسابقات الفنون المسرحية، وتميزت بتركيز شديد من الأندية والمدارس على مسرح الطفل والشباب، وقد برز من كتاب تلك الفترة: عبد الله حسن ومحمد الحمد وإبراهيم خميس وعبد الرحمن المريخي ومحمد رجب وناصر المبارك وعلي المصطفى.
وفي هذا السياق ظّلت المدارس والأندية تمثل الانطلاقة الأولى للمسرح، واعتبر التمثيل وبعده الفنون الإبداعية المتعلقة به كالتأليف والإخراج من أدوات الأنشطة الطلابية أو أنشطة الفرق الفنية التابعة للأندية، ولم تكن هذه التجارب واهنة دائمًا فقد برزت عدة مسرحيات منها «سبع صنايع والبخت ضايع»، و«البحث عن الكنز» وهما لعبد الله حسن، و«ليلة النافلة»، و«قرية اسمها السلام» لعبد الرحمن المريخي.
وفي عام 1400هـ برزت الجمعية العربية للثقافة والفنون وعرضت مسرحية «بيت من ليف» لناصر المبارك، و«الحل المفقود» لعبد الرحمن المريخي، في المنطقة الشرقية، ومسرحية «كان هنا بيتنا» لمحمد خضر، و«حضارة الإسلام» لمحمد سليمان الشايقي، و«من يكمل الثاني» لمحمد عريف في المنطقة الغربية.
كذلك وقع الفن السابع (السينما) في سياق الجدل بين التيارات الاجتماعية والدينية في السعودية، مما أدى لتعثر ولادة تجربة سينمائية متكاملة رغم النشاط المحموم للفنانين والمثقفين، ولم تكن السينما غائبة كما هي عليه اليوم، فقد عرفها الناس حتى مطلع العام 1980 من القرن الماضي، حيث كانت تتخذ مكانا لها في المدن الكبيرة كالظهران وجدة والطائف، وكان أهالي الشرقية وخاصة موظفي شركة أرامكو يتعرفون على الأفلام الأجنبية والبوليسية عبر صالتين للسينما في راس تنورة والظهران، وعرف الناس في جدة وعلى امتداد سنوات طويلة تناهز الأربعين عامًا، العروض السينمائية التي كانت تقدم في أكثر من عشرة مواقع للعرض بعضها لا يتعدى أحواش أو صالات وسط الأحياء السكنية، وقيل إن فؤاد جمجوم كان لديه محل خاص لتأجير أجهزة السينما في حي البغدادية سنة 1960.
وقد تميزت التجارب السينمائية الشبابية في السعودية، وبرزت من خلال المشاركات في الخارج، وتم تنظيم ثلاثة مهرجات للأفلام السعودية هدفت لتوطين صناعة الفنّ السابع وإيجاد حاضنات فنية ورسمية للمواهب الشابة في التمثيل والإخراج وكتابة السيناريو، ففي الدورة الأولى (2008) بلغ عدد الأفلام المشاركة نحو 58 فيلما. وفي الدورة الثانية (فبراير/ شباط 2015) بلغ عدد الأفلام المشاركة 66 فيلما، و34 سيناريو، وكان لافتًا حضور الفتيات السعوديات في تلك المسابقة، حيث حصلت ثلاثة أعمال لشابات سعوديات على الجوائز. وفي الدورة الثالثة (24 مارس/ آذار 2016) تقدم 70 فيلما موافقة للشروط، من بينها 45 فيلما تعرض للمرة الأولى، ومن بين 55 سيناريو عرضت على لجنة تحكيم السيناريو؛ ترافعت اللجنة بحماس عن أكثر من 10 سيناريوهات تستحق الفوز بأكثر من جوائز ثلاث.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».