الحكومة المصرية تحاول وقف ارتفاع الأسعار الناتج عن خططها للإصلاح

أجلت تخفيض قيمة الجنيه.. وحجمت الضرائب الجديدة.. والتضخم فوق 14 %

90 % من السلع الغذائية والنقل وخدمات التعليم - باستثناء الدولية - معفاة من الضرائب (رويترز)
90 % من السلع الغذائية والنقل وخدمات التعليم - باستثناء الدولية - معفاة من الضرائب (رويترز)
TT

الحكومة المصرية تحاول وقف ارتفاع الأسعار الناتج عن خططها للإصلاح

90 % من السلع الغذائية والنقل وخدمات التعليم - باستثناء الدولية - معفاة من الضرائب (رويترز)
90 % من السلع الغذائية والنقل وخدمات التعليم - باستثناء الدولية - معفاة من الضرائب (رويترز)

لا تكاد تخلو الصحف اليومية الصادرة في القاهرة من أخبار وتقارير عن ارتفاع الأسعار الحالي والمرتقب، حيث تجاوزت معدلات التضخم السنوية حاجز الـ14 في المائة، في حين وجدت الحكومة المصرية نفسها بين ناري ارتفاع الأسعار، وضرورة الإسراع في قرارات الإصلاح الاقتصادي الصعبة.
وشدد رئيس الوزراء شريف إسماعيل على أن ضبط الأسواق وتوفير السلع الأساسية والحفاظ على الأسعار أهداف لا تحيد عنها الحكومة، نافيا ما تردد عن موجة غلاء قادمة، في تصريحات صحافية أول من أمس.
وتقترب الحكومة من تطبيق ضريبة القيمة المضافة، التي تم تعديلها أكثر من مرة من حيث سعر الضريبة والسلع والخدمات المعفاة منها.
ويشتكي مواطنون من ارتفاع أسعار السلع الأساسية، ويشدد الرئيس عبد الفتاح السيسي مرارا على ضرورة توفير السلع للمواطنين بأسعار مناسبة في الأسواق ومنافذ البيع.
وقررت الحكومة تخفيض الأثر التضخمي لقانون القيمة المضافة، من 3.5 في المائة في مشروع القانون السابق إلى 1.3 في المائة فقط في مشروع القانون الجديد الذي يُعرض الآن على البرلمان المصري بغرض إقراره. وفسر أحمد كوجك، نائب وزير المالية للسياسات المالية، في مؤتمر صحافي، أول من أمس، هذا الخفض المتوقع في الأثر التضخمي للضريبة بأنه ناتج عن تقليص نسبة الضريبة على بعض السلع والخدمات وإعفاء سلع أخرى في مشروع القانون الحالي مقارنة بالنسخة السابقة له.
وقال كوجك: «على سبيل المثال تم إعفاء القطاع الصحي بالكامل من الضريبة، على عكس النسخة السابقة من مشروع القانون».
وقال عمرو الجارحي، وزير المالية، إن 90 في المائة من السلع الغذائية والنقل وخدمات التعليم «باستثناء الدولية» معفاة، وأضاف أن أفقر 10٪ من المواطنين سيعانون من ارتفاع في الأسعار بنحو 0.5 في المائة فقط، لترتفع هذه النسبة إلى ما بين 1٪ إلى 1.25 في المائة لأفقر 40 في المائة، ويرتفع المعدل إلى 2.3 في المائة للشريحة الأغنى من السكان: «كلما تستهلك أكثر ستدفع ضريبة أكثر»، كما قال الجارحي.
وأشار الوزير إلى أن سعر ضريبة القيمة المضافة عالميا يتراوح بين 18 و20 في المائة، «نريد أن نكون قريبين من هذه المعدلات، لهذا اقترحنا 14 في المائة كمتوسط في مصر إلى جانب الإعفاءات التي تشمل مجموعة كبيرة من السلع، مقارنة بمتوسط معدل الضريبة في قانون ضريبة المبيعات البالغ 10 في المائة».
وقال عمرو المنير، نائب وزير المالية للسياسات الضريبية: «لا بد من توضيح مقدار الزيادة على كل السلع، وما هي السلع المفترض زيادتها، حتى لا يستغل البعض الظروف، ولا بد أن تقوم الجهات الرقابية بدورها أيضا». ووفقا لوزير المالية، لم يتم تحديد الزيادة في الضريبة على السجائر والتبغ حتى الآن، «لسه بنتناقش مع الشركات، دورنا أن نوازن التأثير على كل أطراف المعادلة».
وأثارت مناقشة مشروع القانون الجديد للضرائب المخاوف من أثره على ميزانيات المواطنين المثقلة بالأعباء في ظل الأزمة التي يمر بها الاقتصاد، وأدرجت الحكومة هدف التحول من ضريبة المبيعات إلى ضريبة القيمة المضافة في الموازنتين السابقتين، 2014 - 2015 و2015 – 2016، إلا أن التطبيق كان يتم تأجيله، فيما يرجعه محللون إلى التخوف من الآثار الاجتماعية والسياسية المترتبة على ارتفاع مستويات الأسعار المتوقع بعد تطبيق تلك الضريبة.
وكانت الحكومة أعلنت بعد سنوات قليلة من التطبيق الكامل للضريبة على المبيعات في العام المالي 2001 – 2002، أنها بصدد دراسة تحويل هذه الضريبة إلى ضريبة على القيمة المضافة، وقد تجدد الحديث بعد فترة وجيزة من قيام ثورة يناير 2011 عن وجوب الانتقال إلى نظام الضريبة على القيمة المضافة باعتبارها باب مهم لزيادة الإيرادات العامة.
وتعتبر «القيمة المضافة» ضريبة غير المباشرة، لأنها لا تُجبى مباشرة من المستهلك، لكنها تُدفع مجزأة على مراحل، على عكس ضريبة المبيعات التي تحصل مرة واحدة كنسبة أو مبلغ مالي محدد محسوب على القيمة النهائية للمنتج.
وتُفرض ضريبة القيمة المضافة على السلعة في مختلف مراحل إنتاجها وتداولها خلال انتقالها من المنتج إلى المستهلك، ويدفع المكلف بها في كل مرحلة ضريبة على القيمة التي تضيفها تلك المرحلة للقيمة النهائية للسلعة أو الخدمة، وتنعكس الزيادة في النهاية على سعر بيع السلعة أو تأدية الخدمة للمستهلك النهائي، والذي يكون فعليا هو المتحمل لتلك الضريبة بشكل غير مباشر.
وتُفرض ضريبة القيمة المضافة على جميع السلع والخدمات، سواء كانت محلية الصنع أم مستوردة، ولا يعفى منها إلا ما استثنى بنص خاص في القانون، ويشمل مشروع القانون المحال إلى مجلس النواب لمناقشته إعفاءات لعدد كبير من السلع، كما هو الحال في قانون ضريبة المبيعات المطبق حاليا، مثل ألبان الأطفال ومنتجات صناعة الألبان، والخبز بجميع أنواعه، ومنتجات المطاحن، والحيوانات والطيور الحية أو المذبوحة الطازجة أو المبردة أو المجمدة، والأسماك، والمنتجات الزراعية التي تباع بحالتها الطبيعية.
ورغم اتجاه عدد كبير من بلاد العالم لتطبيق ضريبة القيمة المضافة، وضغط المؤسسات المالية الدولية على مصر للإسراع في تبنيها باعتبارها إحدى الأدوات التي توفر لها إيرادات تقلل من العجز المالي الذي تعانيه، فإن النقد الأساسي الذي يوجه للتوسع في هذه الضريبة، وفي الضرائب على الاستهلاك بشكل عام، هو أن عبئها يقع على الأقل دخلا.
وتقول ورقة بحثية صادرة عن معهد التخطيط القومي بعنوان «الانتقال من الضريبة العامة على المبيعات إلى الضريبة على القيمة المضافة في مصر»، إنه من المعروف أن ميل الفرد للاستهلاك يتجه للانخفاض مع ارتفاع مستوى دخله: «بمعنى أن الأقل دخلاً ينفقون على الاستهلاك نسبة أكبر من دخولهم بالقياس إلى الأعلى دخلاً»، لذلك يقع عبء ضريبة القيمة المضافة كنسبة من الدخل بدرجة أكبر على أصحاب الدخول المنخفضة.
بينما يُنظر إلى الضرائب على الدخل، وخاصة التصاعدية منها، على أنها أدوات لإعادة توزيع الدخل في المجتمع، وبالتالي فالتوسع فيها يحقق درجة أكبر من العدالة الاجتماعية.
من ناحية أخرى أبقى البنك المركزي على سعر الصرف الرسمي للدولار عند 8.78 جنيه، أول من أمس الثلاثاء، في ثاني عطاء لبيع العملة الصعبة للبنوك، بعد انتهاء إجازة عيد الفطر، وهذا رغم الضغوط الكبيرة الدافعة لتخفيض الجنيه، فمصر تعاني من نقص شديد في العملة الأجنبية، ووصل سعر الدولار في السوق الموازية إلى 11.65 جنيه.
وكانت توقعات تشير إلى خفض وشيك في قيمة الجنيه، بعد تصريحات أدلى بها محافظ البنك المركزي طارق عامر قبل نحو أسبوعين، تحمل إشارة إلى تبنيه سياسة صرف أكثر مرونة قد تنعكس في صورة خفض جديد لقيمة الجنيه خلال الفترة المقبلة.
وخفض البنك المركزي الجنيه بنحو 14 في المائة في مارس (آذار) الماضي في محاولة للقضاء على السوق السوداء للدولار، التي ازدهرت ونمت وسط نقص شديد في العملة الأجنبية أضر بالأنشطة التجارية والاستثمار، ولكن هذا الخفض تسبب في نقص عدد كبير من السلع بالإضافة إلى موجة تضخم عالية.
وقال عامر، قبل أسبوعين، إن محاولات المركزي السابقة للحفاظ على قيمة الجنيه في مواجهة الدولار كانت خطأ كبيرا، «مصر حصلت على قروض ومساعدات وودائع بنحو 22.5 مليار دولار منذ ثورة يناير، أغلبها ضاع بسبب استهداف سعر الصرف».. وفقا لعامر.
واعتبر محافظ المركزي أن سياسة الحفاظ على قيمة الجنيه لا تعكس قوته الحقيقية في مواجهة الدولار، وتعتبر دعما لاستهلاك المواطنين للمنتجات المستوردة، وأنها «خطأ فادح».
وأضاف: «شخصيا لن أفرح باستقرار سعر الصرف والمصانع متوقفة».
وكان محافظ البنك المركزي السابق، هشام رامز، قد بدأ في تطبيق سياسة للتخفيض المتدرج للجنيه مقابل الدولار، منذ نهاية 2012، وذلك بتحديد سعر العملة الأميركية من خلال طرحها في مزادات للبنوك، لكن السوق السوداء كانت ترفع سعر الدولار بأكثر من الزيادات التي كان يمررها المركزي للسوق الرسمي.
واعتبر عامر أن تحرير سعر الصرف له جوانب إيجابية على الاقتصاد، «حيث يرفع تنافسية المنتج المصري ويزيد قدرته على النفاذ للأسواق الخارجية، وبالتالي زيادة الصادرات وتقليل الاستيراد».
ورغم هذه القناعات فإن الجهاز المصرفي ما زال يؤخر رفع أسعار صرف العملات الأجنبية أمام الجنيه حتى الآن، واستبدل ذلك بتقييد محدود لتداول الدولار، حيث خفضت عدة بنوك عاملة في مصر «مجددا» حدود سحب العملة الأجنبية، سواء نقدا أو على بطاقات الخصم والائتمان للمسافرين، مع تزايد أزمة نقص العملة الصعبة في البلاد.
وتعاني مصر نقصا حادا في مواردها من العملة الصعبة وسط تراجع إيرادات السياحة وقناة السويس وتحويلات المصريين في الخارج والاستثمارات الأجنبية المباشرة.
وقال طارق عامر وقتها إن المركزي أصدر توجيهات للبنوك للانتباه لبعض التجار الذين أساءوا استخدام كروت الخصم المباشر في الخارج للمضاربة في العملة، وأضاف أنه «حدث تلاعب كبير من قبل بعض عملاء البنوك خلال الفترة الأخيرة، حيث استخدموا بطاقات (الدين) في الخارج للحصول على مبالغ كبيرة من الدولارات وصلت إلى عدة مليارات».
من ناحية أخرى تحاول وزارة التموين والتجارة الداخلية السيطرة على الأسعار عن طريق طرح الكثير من السلع «مُخفضة السعر» في منافذها المنتشرة على مستوى الجمهورية.
كما قامت الحكومة بتخفيض سعر توريد الغاز لبعض المصانع، للتأثير على الأسعار، وكانت النتيجة انخفاض الحد الأقصى لأسعار الحديد بمقدار 100 جنيه لخمس شركات في مطلع الشهر الحالي، فيما استمر ثبات أسعار باقي الشركات خلال شهر يوليو (تموز) الحالي، والحديد سلعة استراتيجية تحظى بوزن مهم في سلة استهلاك المصريين، الذين يعتمدون على العقارات كمخزن مهم للقيمة.
ورغم كل هذه الإجراءات فإن استمرار الأسعار في الارتفاع يبقى الاحتمال الأكبر في الحالة المصرية مع اضطرار الحكومة للاستمرار في خطط الإصلاح الاقتصادي.



صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر، إثر الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) 2026، موضحاً أن هذا النزاع لم يمثل مجرد أزمة حدودية، بل تحول إلى زلزال ضرب قلب الممرات الاقتصادية الاستراتيجية، مخلفاً صدمة طاقة عالمية وشللاً في سلاسل الإمداد. وفي خضم هذه التحديات، برز اقتصاد السعودية بوصفه نموذجاً للصمود؛ حيث أظهر «متانة استثنائية» مكنته من امتصاص تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتراجع الإنتاج الإقليمي، بفضل ركائز «رؤية 2030» التي عززت السياسات المالية القوية والقدرة اللوجيستية على التكيف مع أعنف المتغيرات الجيوسياسية.

وصف مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، خلال عرضه لتحديث «تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي» في واشنطن، على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، الحرب الحالية بأنها تعيد رسم خريطة النمو الإقليمي بنسب لم تشهدها الأسواق منذ عقود، حيث أدى توقف الملاحة في مضيق هرمز إلى تعطل تدفق 21 مليون برميل نفط يومياً، ما دفع بأسعار خام برنت لتجاوز حاجز 100 دولار. ولم تقف الصدمة عند النفط، بل طالت إمدادات الغاز الطبيعي، حيث قفزت أسعاره في أوروبا بنسبة 40 في المائة، متخطية المستويات القياسية التي سجلتها إبان أزمة أوكرانيا عام 2022، مما وضع أمن الطاقة العالمي في مهب الريح.

وقال إن اضطرابات الطاقة الناجمة عن الحرب الإيرانية ستؤثر بشدة على اقتصادات الدول الخليجية المصدرة للنفط والغاز، بينما تواجه الدول المستوردة للنفط في الشرق الأوسط، مثل مصر والأردن، صدمات من ارتفاع أسعار السلع الأساسية واحتمال انخفاض دخل تحويلات العاملين في دول الخليج.

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (رويترز)

وبشكل عام، من المتوقع أن تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تباطؤاً ملحوظاً في النمو هذا العام، حيث يُتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 1.1 في المائة، أي أقل بنسبة 2.8 نقطة مئوية من التوقعات قبل الحرب، قبل أن تشهد انتعاشاً في عام 2027، وفقاً لأحدث تقرير للتوقعات الإقليمية الصادر عن صندوق النقد الدولي.

قال أزعور: «إنها ليست مجرد قصة نفط وغاز، بل هي أيضاً تأثير هذه الحرب على جميع المنتجات الأخرى التي تُنتج في المنطقة، والتي تتمتع فيها المنطقة بموقع استراتيجي»، بما في ذلك صادرات الأسمدة والعديد من المنتجات الكيميائية وغيرها من المنتجات المتخصصة التي تجعلها ممراً اقتصادياً استراتيجياً عالمياً. وحذر من أن ارتفاع تكاليف الغذاء بات يهدد الفئات الضعيفة في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا بشكل مباشر، خصوصاً مع تأثر الصادرات الخليجية الحيوية؛ حيث تورد دول المنطقة 40 في المائة من صادرات الكبريت و20 في المائة من أسمدة النيتروجين عالمياً. وأشار إلى أن أي اضطراب طويل الأمد في هذه الإمدادات يعني تهديداً مباشراً للمواسم الزراعية العالمية والقدرة الشرائية لملايين البشر.

وأضاف: «علاوة على ذلك، أثر الصراع على القطاع غير النفطي، حيث تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بموقع استراتيجي عالمي، لا سيما في مجال الطيران والخدمات اللوجيستية».

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن بعض الدول المستوردة للنفط في المنطقة تعتمد اعتماداً كبيراً على اقتصادات الخليج في استيراد الطاقة والتدفقات المالية، مما يجعلها عرضة للخطر في حال اشتدت الحرب أو طالت مدتها.

تجربة السعودية

أكد أزعور أن أحد أبرز الدروس القاسية والملهمة التي استخلصها الاقتصاد العالمي من الحرب وإغلاق مضيق هرمز، يكمن في ضرورة «تنويع طرق التجارة» بوصفها ضمانة وجودية لاستمرار تدفق السلع والطاقة.

وفي هذا السياق، اعتبر أزعور أن النهج الذي سلكته السعودية ضمن رؤيتها الاستراتيجية لم يكن مجرد تطوير للبنية التحتية، بل كان إعادة رسم شاملة لخريطة العبور اللوجيستي؛ حيث نجحت المملكة من خلال تطوير الموانئ البديلة على البحر الأحمر، وتوسيع شبكات الربط البري والسككي، في تقليل حالة «الهشاشة» التقليدية الناتجة عن الارتباط بممر مائي واحد وضيق.

ويرى أزعور أن هذه «الرشاقة السيادية» في خلق مسارات تجارية موازية هي التي مكنت التجارة السعودية من الاستمرار بفاعلية رغم الشلل الذي أصاب ممرات إقليمية أخرى، مما حول المملكة إلى نموذج عالمي في كيفية حماية الأمن الاقتصادي عبر فك الارتباط بالممرات البحرية القابلة للتعطل الجيوسياسي، وضمان وصول الإمدادات الحيوية إلى الأسواق المحلية والدولية دون انقطاع، وهو ما يجسد نجاح المرحلة الثانية من الرؤية في تحصين الاقتصاد الوطني ضد أعنف الصدمات الجيوسياسية.

مصر

وقال أزعور إن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها مصر وتعزيزها لهوامش الأمان يمكّنان البلاد من التعامل بشكل أفضل مع الصدمات الخارجية.

وأضاف: «لقد سمحوا لسعر الصرف بأن يكون أكثر مرونة، لامتصاص أي صدمة خارجية، كما أنهم قاموا بزيادة وبناء مستوى مرتفع من الاحتياطيات بما يتيح لهم توفير مزيد من الطمأنينة للسوق».

تفاوت إقليمي

رصد التقرير تفاوتاً حاداً في القدرة على امتصاص الصدمة؛ فبينما واجهت قطر خفضاً تاريخياً في توقعات النمو بواقع 15 نقطة مئوية نتيجة تضرر بنيتها التحتية للغاز، أظهرت سلطنة عُمان صموداً بفضل موقعها الجغرافي. وعلى صعيد آخر، تزايدت الضغوط التمويلية على مصر وباكستان والأردن نتيجة ارتفاع الفوارق السيادية، مما دفع أزعور للتأكيد على جاهزية الصندوق لتقديم الدعم الفني والمالي لمواكبة متطلبات المرحلة المقبلة.

وقال أزعور: «إذا شهدنا انتعاشاً في إنتاج النفط، وفتحاً كاملاً لمضيق هرمز، فسيعني ذلك أن الدول ستزيد إنتاجها بسرعة كبيرة. كما أن مستوى أسعار النفط، المتوقع أن يبقى مرتفعاً مقارنةً بمستويات ما قبل عام 2026، سيمكن الدول المنتجة للنفط من استعادة بعض المكاسب التي تتكبدها حالياً بسبب الأزمة».


ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
TT

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم، في وقت أكد فيه أن «البنك المركزي الأميركي» في موقع يسمح له بالاستجابة للتطورات الاقتصادية المحتملة.

وأوضح ويليامز، في كلمة ألقاها أمام ندوة أعضاء «بنك الإقراض العقاري الفيدرالي» في نيويورك لعام 2026، أن «التطورات في الشرق الأوسط تؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار الطاقة؛ مما ينعكس بالفعل في زيادة التضخم العام»، وفق «رويترز».

وأضاف أنه في حال انتهاء الاضطرابات سريعاً، فإن من المرجح أن تتراجع أسعار الطاقة، «إلا إن استمرار الصراع مدة أطول قد يؤدي إلى صدمة عرض كبيرة، تدفع التضخم إلى الارتفاع عبر زيادة تكاليف السلع الوسيطة والأسعار النهائية، وفي الوقت نفسه تُضعف النشاط الاقتصادي».

وحذّر ويليامز بأن هذه العملية «بدأت بالفعل»، مشيراً إلى مؤشرات متصاعدة على اضطرابات في سلاسل الإمداد، وإلى أن ارتفاع تكاليف الوقود بدأ ينعكس على أسعار تذاكر الطيران والمواد الغذائية والأسمدة وغيرها من السلع الاستهلاكية.

ورغم هذه الضغوط، فإن ويليامز جدّد تأكيده على «الالتزام الراسخ» بإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ اثنين في المائة. وقال إنه في ظل «ظروف استثنائية»، فإن السياسة النقدية الحالية في وضع جيد يسمح بالموازنة بين مخاطر تحقيق أقصى قدر من التوظيف والحفاظ على استقرار الأسعار، من دون تقديم توجيهات واضحة بشأن الخطوة المقبلة لأسعار الفائدة.

وتتسق تصريحاته مع نهج «الترقب والانتظار» الذي يتبناه مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» في تقييم تأثير الحرب وارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد. وكان «البنك المركزي» قد أبقى سعر الفائدة دون تغيير في اجتماعه بمنتصف مارس (آذار) الماضي عند نطاق يتراوح بين 3.5 و3.75 في المائة، مع توقعات بخفض إضافي خلال العام الحالي. ومن المقرر أن يعقد اجتماعه المقبل يومي 28 و29 أبريل (نيسان) الحالي، دون توقعات بتغيير فوري في السياسة النقدية.

وفي الأيام الأخيرة، تجنب مسؤولو «الفيدرالي» تقديم إشارات واضحة بشأن مسار الفائدة على المدى القريب، رغم أن بيث هاماك، رئيسة «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في كليفلاند، أشارت في مقابلة مع «سي إن بي سي» إلى احتمال تحرك السياسة في أي اتجاه؛ سواء بالخفض والرفع، تبعاً لتطورات الاقتصاد.

وأشار ويليامز إلى أن الصدمة النفطية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط، التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة؛ وإيران من جهة، أسهمت في رفع التضخم العام، الذي كان أصلاً عند مستويات مرتفعة نتيجة الزيادات الكبيرة في الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات.

ويترقب مسؤولو «الفيدرالي» ما إذا كانت هذه الضغوط السعرية ستستمر، وما إذا كانت ستنعكس على التضخم الأساسي، في ظل مخاوف من سيناريو معقد يجمع بين ارتفاع التضخم وضعف النشاط الاقتصادي؛ مما يضع «البنك المركزي» أمام معادلة صعبة: إما تشديد السياسة النقدية، وإما تخفيفها.

وتوقع ويليامز أن يرتفع معدل التضخم إلى ما بين 2.75 و3 في المائة خلال العام الحالي، قبل أن يتراجع تدريجياً ليصل إلى هدف اثنين في المائة بحلول عام 2027. كما رجّح أن يتراوح معدل البطالة بين 4.25 و4.5 في المائة هذا العام، مع نمو اقتصادي بين اثنين و2.5 في المائة.


تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
TT

تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)

سجّل الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة انخفاضاً غير متوقع خلال شهر مارس (آذار)، منهياً بذلك شهرين متتاليين من المكاسب القوية، ومتأثراً بشكل رئيسي بتراجع إنتاج السيارات وعدد من السلع الأخرى.

وأعلن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الخميس، أن الإنتاج الصناعي تراجع بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد تعديل بيانات فبراير (شباط) لتُظهر ارتفاعاً أقوى بلغ 0.4 في المائة. وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاعاً بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد زيادة سابقة قدرها 0.2 في المائة في فبراير.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.5 في المائة في مارس، فيما سجل نمواً بمعدل سنوي بلغ 3 في المائة خلال الربع الأول، متعافياً من انخفاض نسبته 3.2 في المائة في الربع الرابع. ويأتي هذا الأداء في وقت يُظهر فيه قطاع التصنيع، الذي يمثل نحو 10.1 في المائة من الاقتصاد الأميركي، مؤشرات تعافٍ تدريجي بعد الضغوط التي تعرض لها نتيجة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على الواردات.

غير أن تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران ساهم في دفع أسعار النفط إلى الارتفاع بأكثر من 35 في المائة، ما قد يضيف مزيداً من الضغوط على وتيرة التعافي الاقتصادي. وفي هذا السياق، أشار تقرير «الكتاب البيج» الصادر عن «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الأربعاء، إلى أن الصراع يُعد «مصدراً رئيسياً لعدم اليقين، بما يعقّد قرارات التوظيف والتسعير والاستثمار الرأسمالي»، حيث تبنّت العديد من الشركات نهج «الترقب والانتظار».

وسجّل إنتاج السيارات انخفاضاً حاداً بنسبة 3.7 في المائة، بعد ارتفاعه بنسبة 2.6 في المائة في فبراير، فيما تراجع إنتاج المعادن الأساسية والآلات، إضافة إلى الأثاث والمنتجات ذات الصلة. كما انخفض إنتاج السلع المعمرة بنسبة 0.2 في المائة، في حين تراجع إنتاج السلع غير المعمرة بنسبة 0.1 في المائة، رغم ارتفاع إنتاج البترول والفحم ومنتجات البلاستيك والمطاط.

وفي قطاع التعدين، انخفض الإنتاج بنسبة 1.2 في المائة بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 2.1 في المائة في فبراير، بينما تراجع إنتاج الطاقة بنسبة 1.6 في المائة مع انخفاض أنشطة حفر آبار النفط والغاز بنسبة 2.4 في المائة.

وأشار «الكتاب البيج» كذلك إلى أنه رغم تسجيل نشاط طفيف في قطاع الطاقة مطلع أبريل (نيسان)، فإن العديد من المنتجين ما زالوا متحفظين حيال توسيع عمليات الحفر، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن استدامة ارتفاع الأسعار.

أما إنتاج المرافق العامة فقد تراجع بنسبة 2.3 في المائة نتيجة انخفاض الطلب على التدفئة، بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 1.8 في المائة في فبراير. وبذلك، انخفض الإنتاج الصناعي الإجمالي بنسبة 0.5 في المائة بعد أن تم تعديل بيانات فبراير لتُظهر ارتفاعاً إلى 0.7 في المائة، مقارنة بتقدير سابق بلغ 0.2 في المائة.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.7 في المائة في مارس، وسجل نمواً قدره 2.4 في المائة خلال الربع الأول. في المقابل، تراجع معدل استغلال الطاقة الإنتاجية في القطاع الصناعي، وهو مؤشر يعكس مدى استخدام الشركات لمواردها، إلى 75.7 في المائة مقارنة بـ76.1 في المائة في فبراير، ليظل أقل بنحو 3.7 نقاط مئوية من متوسطه طويل الأجل للفترة 1972–2025.

كما انخفض معدل التشغيل في قطاع التصنيع بمقدار 0.2 نقطة مئوية ليصل إلى 75.3 في المائة، وهو أقل بنحو 2.9 نقطة مئوية من متوسطه التاريخي على المدى الطويل.