المعارضة السورية تُشعل حلب لتخفيف الضغط عن فصائلها في الشمال

الهجوم شمل 4 محاور وعشرات القذائف على الأحياء الغربية التي يسيطر عليها النظام

سكان حي يسيطر عليه النظام في حلب يتفحصون الدمار في أعقاب سقوط قذائف من المعارضة أمس على المدينة (أ.ف.ب)
سكان حي يسيطر عليه النظام في حلب يتفحصون الدمار في أعقاب سقوط قذائف من المعارضة أمس على المدينة (أ.ف.ب)
TT

المعارضة السورية تُشعل حلب لتخفيف الضغط عن فصائلها في الشمال

سكان حي يسيطر عليه النظام في حلب يتفحصون الدمار في أعقاب سقوط قذائف من المعارضة أمس على المدينة (أ.ف.ب)
سكان حي يسيطر عليه النظام في حلب يتفحصون الدمار في أعقاب سقوط قذائف من المعارضة أمس على المدينة (أ.ف.ب)

بدأت فصائل المعارضة في حلب هجوما كبيرا وغير مسبوق في المدينة الواقعة شمال سوريا ردا على التقدم الذي تحققه قوات النظام والمجموعات الموالية لها على طريق الكاستيلو، وهو المنفذ الأخير لها باتجاه الريف والحدود التركية. وأمطرت هذه الفصائل الأحياء التي يسيطر عليها النظام بمئات القذائف، ونفذت مجموعات منها عمليات تسلل وفجرت أنفاقا، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى من جنود النظام، فيما أفيد عن مشاركة الطيران الروسي بالعمليات المحتدمة على أكثر من جبهة.
وقال مدير المكتب الإعلامي في «تجمع فاستقم كما أمرت»، ورد فراتي لـ«الشرق الأوسط»، إن ما يحصل داخل حلب «عملية عكسية ينفذها الثوار لإشعال كل جبهات حلب ردا على المحاولات المتكررة للنظام لحصار المدينة من 4 جبهات، جبهة مخيم حندرات، الكاستيلو، الملاح، والشيخ مقصود»، لافتا إلى أنه وبعدما تمت محاصرة طريق الكاستيلو ناريا «ارتأت المعارضة شن عملية واسعة ضمن المدينة تقودها وبشكل أساسي غرفة عمليات حلب». وأضاف: «هناك حظر إعلامي بالتعاطي مع المعركة، وبالتالي لا يمكن الحديث عن أهدافها وتفاصيلها».
وأوضح فراتي أن «جبهة النصرة» موجودة في المعركة في منطقة الملاح، ولكن بنسب غير كبيرة، تماما كما في المعركة داخل المدينة.
وترافق الهجوم الذي بدأته المعارضة فجر الاثنين، وشمل 4 محاور مع إطلاق عشرات القذائف على الأحياء الغربية التي تسيطر عليها قوات النظام، ما أسفر، وفق التلفزيون الرسمي السوري، عن سقوط ثمانية قتلى وأكثر من 80 جريحا. وأفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بأن فصائل المعارضة أطلقت «نحو 300 قذيفة على الأحياء الغربية، وبينها السريان والميريديان والمشارقة وغيرها»، لافتا إلى أن المعارك شملت منطقتي سيف الدولة وبستان القصر، وهما خطا تماس في الجزء الجنوبي من المدينة.
وشهدت منطقة حلب القديمة التي تتقاسم قوات النظام والفصائل المعارضة السيطرة عليها اشتباكات عنيفة. وذكر بيان نشرته «الجبهة الشامية» أن مجموعة من عناصرها نفذوا «عملية نوعية، وذلك بتسللهم إلى داخل قلعة حلب التي تتحصن بها قوات النظام، واستهداف المنطقة المحيطة بها». وأكدت الجبهة مقتل عدد من عناصر قوات النظام خلال العملية، كما أحد عناصر المجموعة المتسللة.
وعلق المسؤول الأمني في «الجبهة الشامية» عمار عارف على العملية، وقال لوكالة «آرا نيوز» إن العملية «تم تخطيطها منذ احتدام المعارك والاشتباكات في ريف حلب الشمالي، وأنها جاءت لتخفيف الضغط عن فصائل المعارضة في الشمال».
من جهتها، قالت وكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا»، إن «وحدة من الجيش العربي السوري فجرت نفقا في مدينة حلب القديمة أدى إلى مقتل وجرح العشرات من الإرهابيين الذين حاولوا التسلل إلى قلعة حلب».
وأعلنت «غرفة عمليات فتح حلب» تفجير مقاتلي المعارضة «نفق تحت مقرات عصابات الأسد على جبهة (العقبة) في مدينة حلب ومقتل العشرات منهم وسط انهيارات في صفوفهم». وأكد مسلم أبو سلوم، أحد مقاتلي المعارضة في حلب، أنهم تمكنوا من تفجير النفق بعد حفره تحت مجموعة من الأبنية في منطقة العقبة بحلب القديمة: «ما تسبب بمقتل وجرح العشرات من عناصر قوات النظام»، لافتا إلى أنه «تخلل التفجير دخول عشرات المقاتلين إلى منطقة ساحة الحطب التي حولتها قوات النظام إلى ثكنة عسكرية، لتدور فيها معارك طاحنة بين الجانبين».
وتحدث مدير المرصد رامي عبد الرحمن عن عدم تحقيق المعارضة أي خرق يُذكر لـ«القصف الجوي لقوات النظام على مناطق الاشتباك» وعلى أحياء أخرى في الجهة الشرقية.
وقال أحمد، أحد سكان حي السريان، بعدما تعرض منزله للقصف ولم يعد صالحا للسكن، لوكالة الصحافة الفرنسية: «انهالت القذائف على الأحياء الغربية منذ الساعة الرابعة والنصف فجر الاثنين»، ووصف الوضع بـ«المحزن».
وأكد محمود أبو مالك، من المكتب الإعلامي لحركة نور الدين الزنكي المقاتلة المعارضة في حلب، أن «كتائب الثوار استخدمت في هجومها على وسط مدينة حلب كل أنواع المدفعية الثقيلة والرشاشات»، مشيرا إلى أن الهدف من الهجوم «تخفيف الضغط عن جبهة الملاح وحندرات»، في إشارة إلى المعارك الدائرة في منطقة الكاستيلو. وأغلقت قوات النظام الخميس طريق الكاستيلو بعدما تمكنت من السيطرة عليه ناريا، وواصلت التقدم باتجاهه لتصبح حاليا على بعد نحو 500 متر منه.
وبدأت أزمة النقص في المواد الغذائية كما في المحروقات تتفاقم داخل مناطق سيطرة المعارضة في حلب. وأظهرت صور التقطها مراسل وكالة الصحافة الفرنسية أسواقا فارغة بمعظمها من المواد الغذائية والخضار. ويعيش نحو 300 ألف شخص في أحياء حلب الشرقية، وتسعى قوات النظام إلى تطبيق حصار كامل عليها.
وقالت المعارضة إن الطائرات الروسية شنت غارتين على حيي العامرية والأنصاري بمدينة حلب، في حين «قصفت طائرات حربية أماكن في منطقة آسيا بريف حلب الشمالي، كما استهدفت الطائرات الحربية مناطق في حي بني زيد وسيف الدولة».
في هذا الوقت، لفتت التهديدات التي أطلقها عبد الله المحيسني، أحد قضاة «جيش الفتح» والقيادي في «جبهة النصرة»، متوعدا بـ«حرب طاحنة» داخل مدينة حلب، مهددًا بإفشال مخططات قوات النظام الساعية لقطع خطوط إمداد فصائل المعارضة وحصارها داخل مدينة حلب.
وذكر الناشط الإعلامي وائل محمد، من مدينة حلب، لوكالة «آرا نيوز» أن المحيسني أرسل رسالة صوتية لأهالي حلب، وقال فيها: «يا أهالي حلب الشهباء لسنا من يخذلكم والله لو تعلمون آلاف المجاهدين والانغماسيين الذين يستعدون الآن لاقتحام جبهات مدينة حلب وريفها الشمالي. لن تحاصر حلب بإذن الله، ألا تعرفون ما هي حلب؟».



اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
TT

اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)

تتصاعد المخاوف الإنسانية في محافظة الحديدة الساحلية غرب اليمن، مع استمرار قطع التيار الكهربائي عن مراكز الغسيل الكلوي، في خطوة تُنذر بعواقب كارثية على حياة مئات المرضى الذين يعتمدون بشكل كامل على هذه الخدمات للبقاء على قيد الحياة.

وأثار هذا الإجراء، الذي تنفذه الجهة الحوثية المسيطرة على قطاع الكهرباء في المحافظة، موجة واسعة من الاستياء في الأوساط الطبية والإنسانية، وسط تحذيرات من ارتفاع وشيك في معدلات الوفيات.

تأتي هذه التطورات في ظل أوضاع صحية ومعيشية بالغة التعقيد، تعيشها الحديدة وبقية المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث يواجه القطاع الصحي انهياراً كبيراً نتيجة نقص التمويل وشح الموارد، مما يجعل أي خلل إضافي، مثل انقطاع الكهرباء، عاملاً مباشراً في تهديد حياة المرضى، خصوصاً أولئك المصابين بالفشل الكلوي.

طفلة يمنية مريضة بفشل كلوي بمركز خاضع للحوثيين في الحديدة (إكس)

وأفادت مصادر طبية بأن استمرار انقطاع الكهرباء أدى إلى تعطيل عدد كبير من جلسات الغسيل الكلوي، وتأجيل أخرى، في وقت يعجز فيه الطاقم الطبي عن توفير بدائل مناسبة لتشغيل الأجهزة الحيوية.

وتزداد خطورة الوضع مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، مما يضاعف من معاناة المرضى ويزيد من احتمالات تدهور حالتهم الصحية.

نقص حاد

أكدت المصادر الصحية أن مراكز الغسيل في الحديدة تعاني أصلاً من نقص حاد في الإمكانات، سواء من حيث عدد الأجهزة أو توفر المحاليل الطبية، فضلاً عن غياب مولدات كهربائية كافية أو توفر الوقود اللازم لتشغيلها بشكل مستمر.

ويُعد التيار الكهربائي عنصراً أساسياً لا غنى عنه لتشغيل أجهزة الغسيل، حيث تستغرق الجلسة الواحدة ما بين ثلاث إلى خمس ساعات، ويحتاج كل مريض إلى ثلاث جلسات أسبوعياً على الأقل.

صالة مركز الغسيل الكلوي في مدينة الحديدة خلال توقفه عن العمل (إكس)

في المقابل، تبرر الجهة الحوثية المسؤولة عن الكهرباء قرارها بتراكم فواتير الاستهلاك وعدم سدادها من إدارات المراكز الطبية، وهو ما يرفضه العاملون في القطاع الصحي، مؤكدين أن هذه المرافق تقدم خدمات إنسانية منقذة للحياة، ولا ينبغي إخضاعها لمثل هذه الإجراءات التي تتجاهل طبيعة عملها الحساسة.

كما كشف عاملون في أحد مراكز الغسيل عن توافد أعداد كبيرة من المرضى يومياً من مختلف مديريات الحديدة، إضافةً إلى مناطق مجاورة، مثل حجة والمحويت وريمة وذمار، مما يؤدي إلى ازدحام شديد أمام المراكز، في ظل محدودية القدرة الاستيعابية وتراجع مستوى الخدمات.

معاناة إنسانية

في ظل هذه الظروف، عبّر مرضى وأهاليهم عن استيائهم الشديد من استمرار انقطاع الكهرباء، مؤكدين أن هذا الإجراء يفاقم معاناتهم اليومية ويضع حياة ذويهم في دائرة الخطر المباشر.

وأوضحت المصادر أن المرضى يواجهون آلاماً متزايدة نتيجة تأخر جلسات الغسيل أو توقفها، وهو ما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، تصل في بعض الحالات إلى الوفاة.

وأشار الأهالي إلى أن فرض تحصيل الفواتير بهذه الطريقة لا يراعي الأوضاع الإنسانية الصعبة، ولا يأخذ في الاعتبار طبيعة الخدمات التي تقدمها هذه المراكز، مطالبين بتدخل عاجل لإعادة التيار الكهربائي وضمان استمرارية العمل دون انقطاع.

من جهتهم، حذر ناشطون في المجال الإنساني من خطورة استخدام الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء، وسيلةَ ضغط، معتبرين أن ذلك يمثل انتهاكاً واضحاً للحقوق الإنسانية، ويزيد من تعقيد الأزمة التي تعيشها المحافظة.

وأكد الناشطون أن استهداف مراكز الغسيل الكلوي، التي تقدم خدمات حيوية، يعكس غياب الاعتبارات الإنسانية، وينذر بتداعيات خطيرة على حياة مئات المرضى.


العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.