حكومة البنجاب تزيد الضرائب لتوفير المال لإنشاء ملاجئ للأبقار الضالة

الحزب الهندوسي الحاكم يسعى لوقف الأساليب الطبية التقليدية باستخدام بول البقر كعلاج لمرض السكري

حكومة البنجاب تزيد الضرائب لتوفير المال لإنشاء ملاجئ للأبقار الضالة
TT

حكومة البنجاب تزيد الضرائب لتوفير المال لإنشاء ملاجئ للأبقار الضالة

حكومة البنجاب تزيد الضرائب لتوفير المال لإنشاء ملاجئ للأبقار الضالة

يهيم حزب بهاراتيا جاناتا الهندوسي الحاكم عشقا بالبقر، وهي الحيوانات المقدسة في علم الكونيات الهندوسية. ولقد حظرت أغلب الولايات الهندية في الوقت الحاضر ذبح البقر. وتريد حكومة ولاية البنجاب فرض الضرائب على الكحوليات، من أجل توفير الأموال لإنشاء ملاجئ للأبقار الضالة. وفي العام الماضي، وبعد مقتل رجل مسلم في ولاية أوتار براديش على أيدي الدهماء من الهندوس بسبب أكل لحوم البقر، طالب أحد أعضاء مجلس الوزراء من حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم بفتح التحقيقات لمعرفة «المشاركين الآخرين في الجريمة»، وهو يعني جريمة أكل لحوم البقر بكل تأكيد وليس مقتل المواطن المسلم.
ولا ينبغي أن يكون ذلك من قبيل المفاجأة، أن يحاول الحزب الهندوسي الحاكم وقف الأساليب الطبية التقليدية المستهلكة لبول الأبقار. وذلك العلاج موصوف في الأيورفيدا، وهو نظام العلاج التقليدي القديم والمذكور في النصوص التأسيسية الهندوسية. وفي أوائل عام 2000، عندما قاد حزب بهاراتيا جاناتا الهندوسي الائتلاف الذي يحكم البلاد اليوم، بدأ مجلس البحوث العلمية والصناعية، وهو شبكة من مختبرات الأبحاث العلمية التي تمولها الدولة، في العمل على تعزيز تكنولوجيا بول البقر كعلاج لمرض السكري، والالتهابات، والسرطان، وتلف الحمض النووي.
واليوم، تملك الحكومة الهندية أكثر من عشر براءات اختراع تتعلق ببول الأبقار، ولقد قدمت طلبات للحصول على تلك البراءات في أكثر من 150 دولة. والكثير من الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة الأميركية، وفرنسا، وكوريا الجنوبية، قد اعترفت ببراءات الاختراع تلك، إلا الهند، التي تعاني من معايير أشد صرامة بالنسبة لبراءات الاختراع حتى الآن.
أصدرت حكومة حزب بهاراتيا جاناتا الهندوسي أول سياسة معنية بحقوق الملكية الفكرية في البلاد خلال الشهر الماضي، وهي سياسة مضللة بشكل خطير. وعلى الرغم من أن مشروع القانون يؤكد على المبادئ الأساسية لقوانين براءات الاختراع الهندية الجديرة بعيدة النظر والجديرة بالإعجاب، فإنه يطالب في الوقت ذاته بحماية أساليب العلاج التقليدية مثل العلاج ببول البقر. ومن الزاوية المنطقية لهذه السياسة فإنها يمكنها فتح الأبواب أمام الكثير من الاستثناءات الأخرى، وتتحول إلى لعبة في أيدي شركات الأدوية والعقاقير الدولية التي تسعدها براءات الاختراع كثيرًا.
تبرر شركة «بيج فارما» للأدوية براءات الاختراع القاسية من خلال الزعم بأن جني الأرباح هو المحرك الرئيسي للاختراع، من خلال منح المختبرات والشركات الحافز للاستثمار في المزيد من الأبحاث. ولكن القوانين الهندية تتبنى وجهة النظر المعاكسة: وهي أن المعايير العالية للحماية القانونية تفسح المجال أمام الابتكار. وعلى العكس من الكثير من البلدان الأخرى، لا تسمح الهند بمنح براءات الاختراع للمواد الطبيعية، والعلاجات التقليدية، والاختراعات التافهة، أو الابتكارات الهامشية.
وهذا من الأمور الجدية - بل إنه شيء عظيم في واقع الأمر. حيث إن وجود القليل من براءات الاختراع يعني المزيد من المنافسة لمزيد من العقاقير الطبية، مما يعني المزيد من الأدوية بأسعار معقولة للكثير من المواطنين. يتوافر عقار «إيماتينيب»، وهو العقار المستخدم في علاج أحد أنواع سرطان الدم، في الهند بنحو عُشر الثمن المتاح به في أغلب دول العالم. وفي عام 2000، في الوقت الذي كان إنتاج الأدوية المضادة لفيروسات نقص المناعة البشرية «HIV / AIDS» مقصورا على الشركات الغربية، كانت التكلفة السنوية للعلاج تبلغ 10 آلاف دولار. ولقد انخفض الثمن إلى نحو 350 دولارًا، في الدول النامية على الأقل، بفضل الأدوية المكافئة التي كانت تُنتج في الهند.
وبطبيعة الحال، دفع كل ذلك بشركة «بيج فارما» إلى حافة الجنون، حيث يعتمد نموذج الأعمال لديها إلى حد كبير على تسجيل براءات الاختراع بتعديلات بسيطة على التكنولوجيات القائمة، مما يضاعف من العوائد المادية عبر الحد الأدنى فقط من الاستثمار في الأبحاث الدوائية. ولقد خلصت دراسة أجريت مؤخرًا لدى مؤسسة «بلوس وان» إلى أن ما يقرب من 36 في المائة من كل الأدوية الجديدة المصادق عليها في الولايات المتحدة بين عام 1988 وعام 2005 كانت تخضع فقط للحماية من قبل براءات الاختراع الثانوية أو التافهة.
وهذا بالتحديد ما تجرمه القوانين الهندية، ولقد جعل من الهند لاعبًا أساسيًا على قائمة أولويات المراقبة الدولية بالنسبة للتقرير 301 الخاص بممثلي التجارة في الولايات المتحدة، وهو نوع من قوائم المطلوبين للمنحرفين عن قوانين الملكية الفكرية الدولية. وقبيل زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى الولايات المتحدة الأسبوع الماضي، كانت هناك 17 رابطة صناعية أميركية، بما في ذلك رابطة الأبحاث الدوائية والمصنعين الأميركيين، قد أرسلت خطابا إلى الرئيس باراك أوباما تشكو من بيئة الأعمال الهندية، وخصوصًا من قوانين براءات الاختراع هناك.
في عام 1970، سحبت الهند براءات اختراع الأدوية من أجل دعم صناعة الأدوية الناشئة. ثم أعيد تقديم براءات الاختراع، مع قدر معتبر من المحاذير، في عام 2005 عندما تم تحديث نظام الملكية الفكرية بأكمله في البلاد حتى يتسق مع قواعد منظمة التجارة العالمية. وبناء على توصية من الناشطين في مجال الصحة العامة، فإن مجموعة من الأحزاب الشيوعية والتي شكلت أقلية لا يمكن الاستغناء عنها من الائتلاف الحاكم قد أجبرت حزب المؤتمر الهندي للتماشي مع القيود الودية المفروضة على الابتكار، والتي لا يزال معمولا بها حتى اليوم.
وفي الشهر الماضي، عندما أعلن حزب بهاراتيا جاناتا الهندوسي عن السياسة الجديدة للملكية الفكرية في البلاد، لم يكن في الواقع إلا مكررا لطريقة التعامل الهندية طويلة الأمد مع منتقديها: الحظ العاثر، وامتثال قوانين براءة الاختراع لدينا مع معايير منظمة التجارة العالمية، وذلك هو كل شيء. أو، كما أوضح الأمر السيد مودي بنفسه في خطابه إلى الكونغرس الأميركي الأسبوع الماضي: «يمارس 30 مليون مواطن أميركي اليوغا، والتي هي من التراث الهندي القديم. وتقول التقديرات إن المزيد من الأميركيين يميلون لممارسة اليوغا أكثر من استخدام الكرات الرياضية المنحنية. وكلا، سيدي الرئيس، لم نطالب بعد بحقوق الملكية الفكرية على اليوغا».
ولكن هناك اليوغا ثم هناك بول البقر. حتى مع تأكيد ورقة السياسة الجديدة الصادرة عن حكومة مودي على الحاجة للحد من براءات الاختراع باسم الصحة العامة، فإنها تدعو مرارا وتكرارا لاجتثاث «المعارف التقليدية» خارج القواسم الثقافية للألفيات المتعددة وتسجيل براءات الاختراع لأجلها.
مع هذه الخطوة يلتقط حزب بهاراتيا جاناتا الأعمال غير المكتملة من رحلته السابقة في عالم السلطة، عندما قاد حكومة التحالف الوطني الديمقراطي بين عامي 1998 و2004. وكانت تلك المرة الأولى التي حاول مجلس البحوث العلمية والصناعية ومركز أبحاث علوم البقر، وهو ثمرة من ثمرات الجماعات القومية الهندوسية في البلاد، تسجيل براءة الاختراع لتكنولوجيا بول الأبقار في الهند.
ووفقًا لصحيفة هندوستان تايمز، أنفق مجلس البحوث العلمية والصناعية عبر العقد الماضي ما يقرب من 50 مليون دولار على طلبات براءات الاختراع، بما في ذلك استخدام بول الأبقار في المقويات الصحية، ومشروبات الطاقة، والشيكولاته. ولقد تحولت الإدارة الخاصة للمعارف التقليدية التابعة لوزارة الصحة - والمعروفة في الهند باسم إدارة «أيوش» تبعا للأيورفيدا، واليوغا، والعلاج الطبيعي، والطب اليوناني، والسيدا، والمعالجة المثلية - إلى وزارة قائمة بذاتها بعد فوز حزب بهاراتيا جاناتا بالانتخابات العامة في عام 2014.
يعد تسجيل براءة اختراع بول الأبقار امتدادا طبيعيا للهوس الهندوسي الأصيل بالأبقار. وهو يؤصل للمنطق الآيديولوجي للحزب القومي الذي يلعب على أوتار النفسية الهندوسية الجريحة للزعم بأن العلوم الهندية كانت تسبق مثيلتها الغربية. ولكن هذا التاريخ سيء للغاية. فجزء كبير مما تزعم الهند بأنه إرثها التاريخي الأصلي ليس إرثا هنديا في المقام الأول: فالطب اليوناني يرجع بأصوله الأولى إلى بلاد فارس، وأصول المعالجة المثلية تعود إلى الألمان.
إن القومية التي يتذرع بها حزب بهاراتيا جاناتا، والمقاربة الهندوسية الفخرية حيال براءات الاختراع تعتبر أيضا من قبيل الاقتصادات السيئة. فهي تخدم وعن دون قصد مصالح كبريات شركات الأدوية الحكومية الهندية، وسوف يؤدي ذلك بمرور الوقت إلى تقويض صناعة الأدوية الخاصة الهندية، والتي تضيف ما يقرب من 15 مليار دولار من الإيرادات السنوية حتى في الوقت الذي تنتج فيه الأدوية بأسعار معقولة والتي تعود بالنفع العام على الجمهور.
إن قوانين براءات الاختراع الهندية، والتي هي الآن قيد الدراسة والنظر كنموذج في جنوب أفريقيا والبرازيل، تعد من الابتكارات ذات المعايير العالمية، وتكنولوجيا بول الأبقار خاصتنا، والتي لا تزال تتخذ أولى خطواتها لاكتساب الاهتمام العالمي في الخارج، ليست كذلك. إن منح براءة الاختراع لبول الأبقار ليس أمرًا سخيفًا فحسب، إنه يهدد نظام براءات الاختراع المبتكر الذي خدم الشعب الهندي بشكل ملحوظ وغيرهم الكثيرين حول العالم كذلك.
* خدمة «نيويورك تايمز»



الهند تستدعي سفير إيران بعد تعرض سفينتين لإطلاق نار بمضيق هرمز

ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
TT

الهند تستدعي سفير إيران بعد تعرض سفينتين لإطلاق نار بمضيق هرمز

ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)

أعلنت وزارة الخارجية الهندية، السبت، أنَّه جرى استدعاء سفير إيران لاجتماع مع الوزير مساء اليوم، بعد إطلاق النار على سفينتين ترفعان علم الهند في مضيق هرمز.

وأفاد بيان للحكومة الهندية، أن وزير الخارجية الهندي فيكرام ⁠ميسري، عبَّر خلال اجتماع مع السفير الإيراني، عن قلق ​الهند ‌البالغ إزاء ‌حادث إطلاق النار الذي وقع في وقت سابق اليوم، وشمل سفينتين ترفعان العلم الهندي في مضيق هرمز، وفق وكالة «رويترز».

وحثَّ وزير الخارجية الهندي سفير إيران على نقل وجهة نظر الهند إلى السلطات الإيرانية، واستئناف عملية تسهيل عبور السفن.

وكان مصدر حكومي هندي قد ذكر، في وقت سابق اليوم، أنَّ سفينة ترفع العلم الهندي وتحمل شحنةً من النفط الخام تعرَّضت لهجوم، اليوم (السبت)، في أثناء محاولتها عبور مضيق هرمز. وأضاف المصدر أنَّ اسم السفينة «سانمار هيرالد»، مشيراً إلى أنَّ السفينة وطاقمها بخير.

وذكرت «رويترز»، في وقت سابق اليوم، أن سفينتين تجاريتين على الأقل أبلغتا عن تعرُّضهما لإطلاق نار في أثناء محاولتهما عبور مضيق هرمز، اليوم (السبت).

وأوضح المصدر الحكومي الهندي أنَّ نيودلهي استدعت سفير إيران لدى الهند بشأن الواقعة ذاتها.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس (الجمعة)، إنَّ إيران وافقت على فتح المضيق، بينما قال مسؤولون إيرانيون إنهم يريدون من الولايات المتحدة رفع الحصار المفروض على ناقلات النفط الإيرانية بشكل كامل.

وأظهرت بيانات شحن أنَّ أكثر من 12 ناقلة نفط، من بينها 3 سفن خاضعة لعقوبات، عبرت مضيق هرمز بعد رفع الحصار الذي ظلَّ مفروضاً عليه لمدة 50 يوماً أمس (الجمعة)، قبل أن تعيد إيران فرض قيود، اليوم (السبت)، وتطلق النار على بعض السفن.


متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
TT

متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)

صار مألوفاً بين المحللين القول إننا دخلنا نظاماً عالمياً جديداً، حلّ فيه منطق «حق القوة» بدل «قوة الحق»، وأفل نجم النظام الدولي القديم القائم على القواعد الراسخة. هكذا بتنا نرى أن العلاقات الدولية تُدار بمنطق القوة والنفوذ بدلاً من التوافق والتعددية. ولا شك في أن هذا النظام يتشكل من خلال إمبراطوريات متفاوتة الأحجام، تسعى إلى توسيع دوائر النفوذ ومصادر الثروة باستخدام القوة، بدلاً من الاعتماد على الاتفاقات الدولية التي تجمع بين الدول الكبرى والصغرى على أساس المساواة.

وغني عن القول أن الهدف الأول لأي نظام عالمي تشاركي هو البحث عن السلام المستدام. وعن ذلك قال الفيلسوف الهولندي (البرتغالي الأصل) باروخ سبينوزا (1632 - 1677)، إن «السلام فضيلة وحالة ذهنية تقوم على الإحسان والثقة والعدالة». فيما أكد ألبرت آينشتاين (1879 - 1955)، أن «السلام لا يمكن فرضه بالقوة؛ بل يتحقق بالتفاهم». ومنذ القدم، أدرك أفلاطون أن «إقامة السلام والصداقة هي أسمى واجبات المواطن والمشترع»، ورأى أرسطو أن «الانتصار في الحرب لا يكفي، بل الأهم هو إرساء السلام». أما غاندي (1869 - 1948)، فجزم بأن «السلام لا يولد من الصدام المسلّح؛ بل من عدالة تُمارَس حتى في وجه التحديات».

سلام الاستثناء

في مقابل هذه الرؤى الحكيمة، تكشف التجربة التاريخية أن السلام كان الاستثناء لا القاعدة؛ فخلال ما بين 3500 و5000 عام من التاريخ البشري المدوّن، لم يعرف العالم سوى نحو من 230 إلى 268 عاماً خالية تماماً من الحروب الكبرى؛ أي أقل من 10 في المائة من تاريخه. وهذا يعني أن الصراع هو السمة الغالبة على العلاقات الإنسانية على المستويين الفردي والجماعي.

مضيق هرمز مسرح لصراع كبير (رويترز)

ولا بدّ من التمييز في هذا السياق بين «النظام الدولي» و«النظام العالمي»؛ فالنظام الدولي يصف آليات «عمل» العالم من حيث الفاعلين والقوى والدوافع والقيود، بينما يُعدّ النظام العالمي بناءً سياسياً ومؤسساتياً وثقافياً يتشكّل عبر التفاوض أو التعاون أو حتى الإكراه (كما حصل بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين انتهى كل منهما بغالب ومغلوب). والنظام العالمي ليس معطًى ثابتاً؛ بل هو نتيجة خيارات واعية تتخذها القوى الفاعلة لتنظيم العالم وإدارته.

ومن المنصف القول إن النظام العالمي الذي تبلور بعد الحرب العالمية الثانية حقق نجاحات؛ إذ تراجعت احتمالات الحروب العالمية الشاملة، وانتهت الإمبراطوريات التقليدية ذات المدى الجغرافي الواسع، وازداد مستوى الرفاه والازدهار بشكل غير مسبوق، وأُرسيت دعائم السيادة الوطنية لدول عديدة بناءً على مفاهيم «صلح وستفاليا». غير أن هذا النظام لم يعد يلبّي متطلبات التحولات العميقة التي يشهدها العالم اليوم، وهو ما يفسر الإحساس المتزايد بالأزمة وذلك الشعور بالضيق العام على المستوى العالمي، والقلق الجدّي من نشوب حرب عالمية ثالثة محفوفة بأخطار «الجنون النووي».

 

تحوّلات ونماذج بديلة

 

في العقود الأخيرة، شهدنا إعادة توزيع للنفوذ في الكرة الأرضية، مع صعود قوى جديدة تتحدى الهيمنة الغربية التي قامت على الثروة المادية والتقدّم العلمي - التكنولوجي؛ مثل دول مجموعة «بريكس» التي باتت تؤدي دوراً متزايد التأثير اقتصادياً وسياسياً. ولا يقتصر هذا التحول على انتقال عناصر القوة؛ بل يمتد إلى تغيّرات فكرية وثقافية عميقة، مع سعي ملموس من الدول غير الغربية إلى تأكيد هوياتها الخاصة وتقديم نماذج بديلة للحكم والتنمية.

وتشهد هذه المرحلة، التي توصف أحياناً بـ«ما بعد الغرب»، تحديات كبرى وجودية للغرب نفسه ولمنافسيه، تتطلب تعاوناً دولياً أوسع، خصوصاً في مواجهة قضايا عابرة للحدود مثل التغير المناخي، والأمن السيبراني، والهجرة، والجريمة المنظمة، والإرهاب... غير أن هذا التحول لا يخلو من التوترات؛ إذ تسعى القوى الصاعدة إلى تعزيز مصالحها، الأمر الذي يؤدي إلى احتكاكات مع القوى التقليدية، خصوصاً في العلاقات التجارية وأحياناً في مواجهات ميدانية، ويعقّد المساعي إلى بناء توازن عالمي مستقر.

مصنع للسيارات الكهربائية في مدينة جينهوا الصينية... قوة صاعدة بسرعة كبيرة (رويترز)

ويُضاف إلى ذلك أن صعود النزعات القومية والشعبوية يشكّل سبباً آخر من أسباب الاضطراب، لأن هذه التيارات المتطرفة تنحو بطبيعتها المشكِّكة إلى تقويض التعاون الدولي وتغليب المصالح الضيقة، مما يضعف المؤسسات الدولية ويهدد الاستقرار العالمي. وتزيد النزاعات الإقليمية والتنافس بين القوى الكبرى؛ مثل التوترات بين الولايات المتحدة والصين، هذا التفكك حدةً.

ومن أبرز التحديات أيضاً ضرورة إيجاد توازن بين القيم العالمية والخصوصيات الوطنية؛ إذ لا يمكن فرض معايير دولية بشكل أحادي دون مراعاة التنوع الثقافي والسياسي. ولذلك، يصبح الحوار البنّاء والدبلوماسية الشبكية المرنة (لا الهرمية الجامدة) أمرين ضروريين لإيجاد أرض صلبة مشتركة لتشييد «مبنى» السلام.

 

امتحان التكيّف والتعاون

 

خلاصة القول؛ إن النظام الدولي الحالي يمرّ بمرحلة تحول عميقة، تتداخل فيها عوامل صعود قوى جديدة، وتراجع النفوذ الغربي، وتصاعد النزاعات، وتزايد التحديات العالمية، والسعي المحموم إلى الحصول على «غنائم» اقتصادية تعزّز الموقع وتحصّن السيادة. ويعتمد مستقبل هذا النظام على قدرة الفاعلين الدوليين على التكيف والتعاون، وبناء شراكات جديدة، والانفتاح على رؤى متعددة لفهم تعقيدات العالم.

وفي هذا السياق، لا يجوز النظر إلى بروز سرديات بديلة بوصفه تهديداً؛ بل فرصة لفهم أعمق لعالم متعدد الأقطاب. فالنظام الدولي الذي يتشكل اليوم يعكس انتقالاً تاريخياً مهماً، حيث لم يعد الغرب مركز القوة الوحيد؛ بل بات واحداً من عدة مراكز.

إن الطريق نحو نظام عالمي أكثر تعقيداً وتداخلاً، تتعايش فيه نماذج مختلفة من الحوكمة العالمية، ارتسم بالفعل. غير أن التعامل في هذا الواقع الجديد وسلوك دروبه الوعرة يتطلبان فكراً مبتكراً ومنفتحاً على التغيير، مع الحفاظ في الوقت ذاته، على ما أثبتت التجربة أهميته من هياكل ومؤسسات قائمة؛ في مقدّمتها الأمم المتحدة التي تحتاج إلى إصلاح هيكلي يجنبها التداعي والسقوط. وفي النهاية، يبقى بناء عالم أكثر عدلاً وسلاماً واستدامة مرهوناً بإرادة جماعية قادرة على التوفيق بين الاختلاف والتعاون.

اقرأ أيضاً


حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
TT

حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)

لم تفلح 7 أسابيع من الحرب في إسقاط حكام إيران، أو إجبارهم على تلبية جميع مطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكنها بالنسبة لخصوم الولايات المتحدة وحلفائها، كشفت واحدة من نقاط ضعفه الرئيسية؛ وهي الضغط الاقتصادي، وفق تحليل لوكالة «رويترز».

وحتى مع إعلان إيران أمس (الجمعة)، أنها ستعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، ​فقد كشفت أزمة الشرق الأوسط حدود استعداد ترمب لتحمل الألم الاقتصادي الداخلي.

وانضم ترمب إلى إسرائيل في مهاجمة إيران في 28 فبراير (شباط)، مستنداً إلى ما وصفه بتهديدات أمنية وشيكة، لا سيما بخصوص ما يتعلق ببرنامجها النووي. لكن الآن، ومع ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة وتزايد التضخم وانخفاض شعبيته، يسابق ترمب الزمن لإبرام اتفاق دبلوماسي من شأنه أن يخفف من حدة التداعيات في الداخل.

ناقلة نفط ترفع علم مالطا تقترب من العراق بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

ويقول محللون إن إيران تلقت ضربة عسكرية قاسية، لكنها أثبتت قدرتها على فرض تكاليف اقتصادية استخف بها ترمب ومساعدوه، مما أدى إلى أسوأ صدمة طاقة عالمية على الإطلاق.

* تكاليف الطاقة وخطر الركود

كثيراً ما تجاهل ترمب علناً المخاوف الاقتصادية المحلية الناجمة عن الحرب، خصوصاً أن الولايات المتحدة لا تعتمد على خُمس شحنات النفط العالمية التي حُجبت فعلياً بسبب سيطرة إيران على مضيق هرمز، غير أن ارتفاع أسعار الطاقة قد أثر سلباً على المستهلكين الأميركيين. ويزيد تحذير صندوق النقد الدولي من خطر حدوث ركود عالمي من حدة هذا الوضع القاتم.

وهكذا، تزايدت الضغوط لإيجاد مخرج من هذه الحرب التي لا تحظى بتأييد في الولايات المتحدة؛ إذ يدافع المنتمون إلى حزب ترمب الجمهوري، عن أغلبيتهم ‌الضئيلة بالكونغرس في ‌انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

ولا يخفى أي شيء من هذا عن قادة إيران الذين استغلوا السيطرة على مضيق ​هرمز ‌لدفع ⁠فريق ترمب ​إلى ⁠الجلوس على طاولة المفاوضات.

ويقول المحللون إن الصين وروسيا قد يستخلصان درساً مماثلاً؛ إذ إنه بينما أظهر ترمب رغبة في استخدام القوة العسكرية في ولايته الثانية، فإنه يبحث عن مخرج دبلوماسي بمجرد أن يصبح الوضع الاقتصادي مؤرقاً في الداخل.

وقال بريت بروين، وهو مستشار سابق للسياسة الخارجية في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، ويترأس حالياً شركة «غلوبال سيتويشن روم» الاستشارية: «يشعر ترمب بالضائقة الاقتصادية، وهي نقطة ضعف في هذه الحرب».

وذكر المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي، أنه فيما تعمل الإدارة على التوصل إلى اتفاق مع إيران لحل مشاكل سوق الطاقة «المؤقتة»، فإنها «لم تفقد تركيزها أبداً على تنفيذ أجندة الرئيس المتعلقة بالقدرة على تحمل التكاليف والنمو».

* التحوّل

جاء تحول ترمب المفاجئ في 8 أبريل (نيسان)؛ من الغارات الجوية إلى الدبلوماسية، بعد ضغوط من الأسواق المالية وبعض المؤيدين لسياساته.

ويقع جزء من المعاناة الاقتصادية على عاتق المزارعين الأميركيين، وهم قاعدة انتخابية رئيسية لترمب، بسبب تعطل شحنات الأسمدة. وينعكس ذلك أيضاً في ارتفاع أسعار تذاكر الطيران نتيجة لزيادة أسعار وقود الطائرات.

ومع اقتراب انتهاء ⁠أسبوعَي وقف إطلاق النار، يبقى أن نرى ما إذا كان الرئيس الأميركي الذي يتبنى نهجاً لا يمكن توقعه، سيتوصل ‌إلى اتفاق يلبي أهدافه من الحرب، أو يمدد الهدنة إلى ما بعد 21 أبريل أو يجدد حملة القصف.

لكن أسعار ‌النفط العالمية انخفضت بشكل حاد في حين ازدهرت الأسواق المالية، التي غالباً ما يعدّها ترمب مقياساً لنجاحه، أمس (الجمعة)، ​بعد أن قالت إيران إن المضيق سيظل مفتوحاً للفترة المتبقية من هدنة منفصلة مدتها ‌10 أيام بين إسرائيل ولبنان بوساطة أميركية.

مزارعان يجهّزان أسمدة لاستخدامها في حقل قمح بمقاطعة هينان الصينية (رويترز)

وسارع ترمب إلى إعلان أن مضيق هرمز آمن، مشيداً باتفاق قيد الإعداد مع إيران قال إنه سيُبرم قريباً وبمعظم شروطه. لكن ‌مصادر إيرانية صرّحت لـ«رويترز»، بأن بعض الثغرات لا يزال بحاجة إلى حل.

وحذر خبراء من أنه حتى لو انتهت الحرب قريباً، فإن إزالة الأضرار الاقتصادية قد تستغرق أشهراً إن لم تكن سنوات.

ويبقى السؤال الرئيسي حول ما إذا كان أي اتفاق سيحقق الأهداف التي حددها ترمب، بما في ذلك إغلاق الطريق أمام إيران نحو امتلاك سلاح نووي، وهو ما تنفي طهران منذ فترة طويلة سعيها إليه.

وتمتلك إيران مخزوناً من اليورانيوم عالي التخصيب يُعتقد أنه دُفن بعد غارات أميركية إسرائيلية في يونيو (حزيران). وصرح ترمب لـ«رويترز» أمس (الجمعة)، بأن الاتفاق الذي يجري إعداده يدعو الولايات المتحدة إلى التعاون مع إيران لاستعادة هذه ‌المواد ونقلها إلى الولايات المتحدة. ونفت إيران الموافقة على نقل اليورانيوم إلى أي مكان في الخارج.

وقال مسؤول كبير في إدارة ترمب إن الولايات المتحدة تحافظ على «عدة خطوط حمراء» في المفاوضات مع إيران.

وفي الوقت نفسه، لم يلقَ النداء الذي وجهه ⁠ترمب في بداية الحرب للإيرانيين للإطاحة بحكومتهم، أي ⁠استجابة.

وفي البداية، صُدم حلفاء للولايات المتحدة من أوروبا إلى آسيا بقرار ترمب خوض الحرب دون استشارتهم، أو مراعاة الأخطار التي قد يتعرضون لها بسبب إغلاق إيران للمضيق.

وقال غريغوري بولينغ، خبير الشؤون الآسيوية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن: «جرس الإنذار الذي يدق للحلفاء الآن هو كيف أبرزت الحرب أن الإدارة (الأميركية) يمكن أن تتصرف بشكل غير منتظم، دون مراعاة كبيرة للعواقب».

وبعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، كان الرئيس الأميركي السابق المنتمي للحزب الديمقراطي جو بايدن، حذراً في فرض عقوبات على قطاع الطاقة في موسكو خشية تقليل إمدادات النفط وتضخيم أسعار الغاز في الولايات المتحدة.

لكن ترمب، الذي تعهد عند الترشح لولاية ثانية بتوفير بنزين بتكلفة منخفضة وتقليل التضخم، أبدى أنه يتأثر بالاتهامات الموجهة إليه بأن سياساته ترفع الأسعار. ومن الأمثلة على ذلك خفض الرسوم الجمركية على الصين العام الماضي، بعد أن ردت على الرسوم المرتفعة بالمثل.

* أخطاء في التقدير

مثلما أخطأ ترمب في تقدير رد بكين في الحرب التجارية، يبدو أنه أخطأ في تقدير رد إيران اقتصادياً من خلال مهاجمة البنية التحتية للطاقة في المنطقة، وإغلاق الممر المائي الاستراتيجي في المنطقة.

رجل يملأ سيارته وقوداً في لوس أنجليس (أ.ب)

وقال مسؤولون أميركيون في مناقشات مغلقة، إن ترمب اعتقد خطأ أن الحرب ستكون عملية محدودة؛ مثل الغارة الخاطفة التي شنها على فنزويلا في 3 يناير (كانون الثاني)، والضربات التي استهدفت المواقع النووية الإيرانية في يونيو. لكن هذه المرة، جاءت التداعيات أوسع نطاقاً.

وقد تكون الرسالة الموجهة إلى الحلفاء الآسيويين؛ مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، أنه من الممكن توقع أن يسعى ترمب، الذي يتطلع إلى علاقات أكثر وديةً مع الصين، ​إلى تحقيق أهدافه الإقليمية مع إيلاء اهتمام أقل بأمنهم الجيوسياسي والاقتصادي.

ويعتقد المحللون أن ​تلك الحكومات ستتكيف مع أي شيء يطرأ؛ مثل محاولة الصين الاستيلاء على تايوان، بدافع القلق إزاء مصداقية ترمب.

والأمر نفسه ينطبق على الشرق الأوسط؛ حيث يريد الجميع حلاً دبلوماسياً إنما مع ضمانات أمنية تحفظ استقرار المنطقة بشكل مستدام.