برلين.. حكاية مدينة

تحاول بصعوبة استعادة صورتها المشرقة القديمة

برلين.. حكاية مدينة
TT

برلين.. حكاية مدينة

برلين.. حكاية مدينة

عندما انتقل الكاتب الألماني المعروف غونتر غراس إلى برلين عام 1953، وكانت يومها مقسمة، مفضلا ترك ألمانيا الغربية التي بدأت فيها المعجزة الاقتصادية، قال عنها إنها المدينة التي ترفض أن تبرأ من عللها، إنها الجرح المفتوح باستمرار، هذا الجرح الذي تبرز عبره كل التصدعات التي عرفها التاريخ الألماني، ويخيل لي أن كل الأزمات ذات الإبعاد العالمية، التي يحيرنا تنوعها، متمركزة في برلين. كما أن هذه المدينة تريد أن تظهر لنا أنها مثالية من خلال تراكم المشكلات.
ولم يأت وصف غراس لبرلين من لا شيء، فمن يستعرض تاريخ برلين منذ تأسيسها يعثر فيها على كثير من الجراح والتشويهات والانتصارات والإنجازات تجعل المرء يشعر مرة بالاختناق ومرة أخرى بالارتياح الكامل.
فبرلين شهدت منذ تأسيسها في القرن الثالث عشر انقسامات وتغييرات في الحدود والمساحات وتصدعات لم تنعكس فقط على تاريخ ألمانيا. فالأزمات فيها كانت ذات إبعاد عالمية، والثورات التي فشلت معظمها قسمت البلاد، وانعكست على أوروبا أيضا، مع ذلك كانت تخرج في كل مرة من بين الدمار والأنقاض، في محاولة منها للبروز بوصفها مدينة ثقافية وحضارية وفنية وسياسية مهمة، لكنها تعود لتصبح مسرحا خطيرا يغير خريطة السياسة العالمية أو الأوروبية.
وفي القرن العشرين وصفها الكاتب الألماني كلاوس مان بأنها مدينة رقيقة الأحاسيس وقاسية القلب، وفي الوقت نفسه ضجرة، ومع ذلك فإنها شرهة طول الوقت إلى الرغبات والأحاسيس الجديدة.
ولقد شهد هذا الكاتب الحرب العالمية، ولم يشهد تقسيم ألمانيا، لأنه توفي عام 1949. بينما اعتبرها زميله البريطاني ألن بولوك أنها رمز القرن العشرين، وهو القرن الذي شهد حروبا وصراعات دموية وفواجع كثيرة منها تقسيم برلين وتقسيم ألمانيا.
* برلين وكولون
تشكلت برلين عام 1237 من اندماج منطقتي كولون وبرلين، مع ذلك شهدت صراعات دائمة بين أمراء المناطق المجاورة، وبسبب مطامعهم ومطامع قبائل مثل الإسكاز وعائلات أميرية مثل فيتلباخر بدأت سلسلة من الصراعات عليها لم تنته. كما قمعت ثورة البرلينيين عندما أرادوا الدفاع عن حقهم عبر ثورتهم عام 1448 ضد بناء الدوق فريدريك الثاني قصرا جديدا على أراضيهم، ففقدت برلين حريتها الاقتصادية والسياسية.
* حرب الثلاثين عامًا
في الفترة ما بين 1618 و1648 عاشت برلين أصعب فتراتها، وهي حرب الثلاثين عاما المشهورة، فهرب سكانها، ليصبح عددهم فقط 6 آلاف، مما اضطر الملك فريدريش فيلهم يومها السماح لكثير من الأجانب والمنفيين خصوصا من اليهود ومن الهوغنوت بالاستقرار فيها، مما جعلها أول مدينة أوروبية تقريبا تستقبل أجانب ومهاجرين بأعداد كبيرة.
هذا الخليط جعلها تتطور في كثير من المجالات، ومع الثورة الصناعية في ألمانيا عام 1815 أصبحت برلين المدينة الصناعية الأولى في أوروبا، ولهذا جلبت كثيرا من الباحثين عن فرص عمل، ولم تمض أربعون عاما حتى ارتفع عدد سكانها إلى ما فوق الـ400 ألف نسمة، وفي عام 1871 تضاعف العدد. إلا أن هذا التزايد غير المنظم سبب انفجارا سكانيا وصراعات اجتماعية وسياسية أدت إلى ثورة مارس (آذار) 1848 التي أسقطت الحكم ووضعت البلاد على كف عفريت، لأن الصراع كان داميا، إلى أن أتى بسمارك فجعل برلين عاصمة الإمبراطورية الألمانية، مع ذلك لم تحل عقدة برلين، بل تحولت إلى مكان تتمركز فيه كل التناقضات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. هذا السبب جعل الصراعات والتناقضات أكثر احتداما، مما أدى إلى قيام ثورة 1918 - 1919 التي قادتها روزا لوكسمبورغ، لكن ما لبثت أن سقطت السلطة لتبرز جهورية فايمار، مع ذلك لم تتمكن من معالجة المشكلات الاقتصادية والسياسية المتفاقمة الذي سرعت في تدهور الأوضاع خصوصا بعد اشتداد الأزمة الاقتصادية العالمية عام 1929، فتحولت برلين إلى مدينة الإرهاب والقتل والفوضى، فاستغل النازيون الوضع، لكي يفككوا السلطة عام 1932.
ومع أنه ليس برلينيا، بل أتى إلى برلين عام 1920، فضل أدولف هتلر هذه المدينة عن ميونيخ التي عاش فيها، وتمكن من تسلق سلم المسؤوليات في حزب العمال الألماني الاشتراكي الديمقراطي، إلى أن أصبح مستشارا ومن ثم زعيما، وأعلن من برلين الحرب على الدول التي هزمت ألمانيا خلال الحرب العالمية الأولى.
وكان هتلر ينظر إلى برلين نظرة خاصة، لذا خطط ومهندسه المعماري ألبرت شبري بناءها، لتكون صورة عن الإمبراطورية الرومانية ولتصبح «جرمانيا» تيمنا بالشعب الجرماني، إلا أن أحلامه لم تتحقق، بل اندلعت الحرب العالمية الثانية.
* برلين الجزيرة
كانت برلين بالنسبة لمدن أوروبية كثيرة مثل الشوكة في الخاصرة، فهي كبيرة ويمكنها بسرعة نفض غبار الحرب لتبرز بوصفها مركزا ثقافيا وفنيا، ومن أجل نزع كل هذه الآثار من جذورها سلط جيوش الحلفاء فوهات مدافعهم وطائراتهم عليها، إلى أن تحولت مع نهاية الحرب واستسلام ألمانيا عام 1945 إلى دمار تام مرعب.
ولا يعرف حتى اليوم سبب تركيز الطيران البريطاني بهذه الحدة على برلين، حيث دمر معظم البنى التحتية فيها، وقتل عشرات الآلاف من سكانها، لكنه لم يصب أي مركز من مراكز القيادة النازية، وزاد من تدمير برلين ما سمي «معركة برلين» عام 1945، فدمرت معظم الجسور ويقال إنه لو استعمل ركام هذا الدمار لكان بالإمكان بناء جسر بين برلين ومدينة دورتموند بعرض 35 مترا وطول 492 كيلومترا.
وأول هدف للحلفاء المنتصرين (روسيا، وبريطانيا، وفرنسا، والولايات المتحدة) عند دخولهم برلين كان إخماد روح هذه المدينة كي لا تحيا من جديد، لذا كان لا بد من تجزئتها، وبالفعل استولى كل جيش من جيوش الاحتلال على قسم منها، وكانت وضعية برلين لافتة للنظر. إذ أصبح هناك برلين شرقية وأخرى غربية.
* برلين الوجه الحضاري
ولبرلين وجهان، الوجه البشع الملوث بدمار المعارك والصراعات الدامية، والوجه الآخر الثقافي والحضاري، لذا قال عنها أحد الكتاب إنها رقيقة الإحساس وقاسية القلب في الوقت نفسه.
فهذه المدينة التي أحرقت في الـ10 من شهر مايو (أيار) عام 1933 أعمال 24 كاتبا وشاعرا ألمانيا أمام جامعتها كانت محطة مهمة للعلم ومركز استلهام لكثير من الشعراء والكتاب والفلاسفة.
ففي عام 1700 أسس العالم غوتفريد فيلهلم لايبزيغ أكاديمية العلوم البروسية، وكانت أول أكاديمية ألمانية والأهم في أوروبا، ورغم العداوة بين فرنسا والإمبراطورية الألمانية استقبلت برلين في عام 1740 الفيلسوف الفرنسي فولتير بدعوة من فريدريك الكبير. غير أن مجد برلين الثقافي تألق خلال القرن 18 بفضل المستنيرين الجدد من أمثال غوتهولد أفرام ليسنغ وفريدريك نيكولاي فتحولت إلى مدينة التنوير المدني. وخلال القرن التاسع عشر أصبحت مركزا للرومنطقيين الألمان، وفيها تجمع علماء وأدباء كبار من بينهم الإخوة هومبولت والإخوة سليغيل وهانيريش فون كليست وغيرهم، وتأسست فيها مراكز ثقافية وعملية ومسارح ومتاحف.
* برلين اليوم
وتحاول برلين اليوم بصعوبة استعادة صورتها المشرقة القديمة، لأنها وبعكس المدن الألمانية الكبيرة مثل ميونيخ وفرنكفورت ودوسلدوف تعاني من مشكلات اقتصادية ومالية ضخمة، فهي ترزخ تحت ديون تتجاوز الـ76 مليار يورو. فبعد الحرب والدمار والتقسيم اختفت تماما المصانع والحركة الصناعية الكبيرة التي سادتها مطلع الثلاثينيات من القرن الماضي، حتى إنها وصفت بشيكاغو أوروبا، كما تحولت إلى حلقة وصل بين باريس وبودابست وموسكو ولندن، ثم جاء الانحدار الكبير الذي قضى على كل هذا الإنجازات. كما أنها تحولت إلى ملاذ للهاربين من القانون أو الحروب، فخلال الحرب في لبنان كانت برلين الشرقية مركز تجمع للاجئين الهاربين، ومن هناك كانت سلطات ألمانيا الشرقية ترسلهم عبر محطة فريدريش شتراسه إلى برلين الغربية، فتكونت على أثر ذلك تجمعات بشرية لها أنماط حياتية معينة، وبالتالي تشكلت مجتمعات موازية، وهذا النمط في المجتمعات يظهر واضحا لكل من يتجول في برلين.
وعدد سكان برلين الألمان نحو 3 ملايين، ومليون شخص من جنسيات مختلفة، وأكبر جالية هي التركية (نحو 220 ألفا). كما أن هناك جاليات فرنسية وبريطانية وإيطالية وأميركية ويقال إنها أكبر تجمع أميركي (22 ألفا) خارج الولايات المتحدة، و20 ألف فرنسي، و26 ألف لبناني، و50 ألف فلسطيني من لبنان وفلسطين المحتلة ومائة ألف روسي. والمشكلة التي لا تجد حكومة برلين حلا لها هي وجود أكثر من ربع مليون إنسان يعيشون بشكل غير قانوني أو غير مسجل.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».