عندما انتقل الكاتب الألماني المعروف غونتر غراس إلى برلين عام 1953، وكانت يومها مقسمة، مفضلا ترك ألمانيا الغربية التي بدأت فيها المعجزة الاقتصادية، قال عنها إنها المدينة التي ترفض أن تبرأ من عللها، إنها الجرح المفتوح باستمرار، هذا الجرح الذي تبرز عبره كل التصدعات التي عرفها التاريخ الألماني، ويخيل لي أن كل الأزمات ذات الإبعاد العالمية، التي يحيرنا تنوعها، متمركزة في برلين. كما أن هذه المدينة تريد أن تظهر لنا أنها مثالية من خلال تراكم المشكلات.
ولم يأت وصف غراس لبرلين من لا شيء، فمن يستعرض تاريخ برلين منذ تأسيسها يعثر فيها على كثير من الجراح والتشويهات والانتصارات والإنجازات تجعل المرء يشعر مرة بالاختناق ومرة أخرى بالارتياح الكامل.
فبرلين شهدت منذ تأسيسها في القرن الثالث عشر انقسامات وتغييرات في الحدود والمساحات وتصدعات لم تنعكس فقط على تاريخ ألمانيا. فالأزمات فيها كانت ذات إبعاد عالمية، والثورات التي فشلت معظمها قسمت البلاد، وانعكست على أوروبا أيضا، مع ذلك كانت تخرج في كل مرة من بين الدمار والأنقاض، في محاولة منها للبروز بوصفها مدينة ثقافية وحضارية وفنية وسياسية مهمة، لكنها تعود لتصبح مسرحا خطيرا يغير خريطة السياسة العالمية أو الأوروبية.
وفي القرن العشرين وصفها الكاتب الألماني كلاوس مان بأنها مدينة رقيقة الأحاسيس وقاسية القلب، وفي الوقت نفسه ضجرة، ومع ذلك فإنها شرهة طول الوقت إلى الرغبات والأحاسيس الجديدة.
ولقد شهد هذا الكاتب الحرب العالمية، ولم يشهد تقسيم ألمانيا، لأنه توفي عام 1949. بينما اعتبرها زميله البريطاني ألن بولوك أنها رمز القرن العشرين، وهو القرن الذي شهد حروبا وصراعات دموية وفواجع كثيرة منها تقسيم برلين وتقسيم ألمانيا.
* برلين وكولون
تشكلت برلين عام 1237 من اندماج منطقتي كولون وبرلين، مع ذلك شهدت صراعات دائمة بين أمراء المناطق المجاورة، وبسبب مطامعهم ومطامع قبائل مثل الإسكاز وعائلات أميرية مثل فيتلباخر بدأت سلسلة من الصراعات عليها لم تنته. كما قمعت ثورة البرلينيين عندما أرادوا الدفاع عن حقهم عبر ثورتهم عام 1448 ضد بناء الدوق فريدريك الثاني قصرا جديدا على أراضيهم، ففقدت برلين حريتها الاقتصادية والسياسية.
* حرب الثلاثين عامًا
في الفترة ما بين 1618 و1648 عاشت برلين أصعب فتراتها، وهي حرب الثلاثين عاما المشهورة، فهرب سكانها، ليصبح عددهم فقط 6 آلاف، مما اضطر الملك فريدريش فيلهم يومها السماح لكثير من الأجانب والمنفيين خصوصا من اليهود ومن الهوغنوت بالاستقرار فيها، مما جعلها أول مدينة أوروبية تقريبا تستقبل أجانب ومهاجرين بأعداد كبيرة.
هذا الخليط جعلها تتطور في كثير من المجالات، ومع الثورة الصناعية في ألمانيا عام 1815 أصبحت برلين المدينة الصناعية الأولى في أوروبا، ولهذا جلبت كثيرا من الباحثين عن فرص عمل، ولم تمض أربعون عاما حتى ارتفع عدد سكانها إلى ما فوق الـ400 ألف نسمة، وفي عام 1871 تضاعف العدد. إلا أن هذا التزايد غير المنظم سبب انفجارا سكانيا وصراعات اجتماعية وسياسية أدت إلى ثورة مارس (آذار) 1848 التي أسقطت الحكم ووضعت البلاد على كف عفريت، لأن الصراع كان داميا، إلى أن أتى بسمارك فجعل برلين عاصمة الإمبراطورية الألمانية، مع ذلك لم تحل عقدة برلين، بل تحولت إلى مكان تتمركز فيه كل التناقضات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. هذا السبب جعل الصراعات والتناقضات أكثر احتداما، مما أدى إلى قيام ثورة 1918 - 1919 التي قادتها روزا لوكسمبورغ، لكن ما لبثت أن سقطت السلطة لتبرز جهورية فايمار، مع ذلك لم تتمكن من معالجة المشكلات الاقتصادية والسياسية المتفاقمة الذي سرعت في تدهور الأوضاع خصوصا بعد اشتداد الأزمة الاقتصادية العالمية عام 1929، فتحولت برلين إلى مدينة الإرهاب والقتل والفوضى، فاستغل النازيون الوضع، لكي يفككوا السلطة عام 1932.
ومع أنه ليس برلينيا، بل أتى إلى برلين عام 1920، فضل أدولف هتلر هذه المدينة عن ميونيخ التي عاش فيها، وتمكن من تسلق سلم المسؤوليات في حزب العمال الألماني الاشتراكي الديمقراطي، إلى أن أصبح مستشارا ومن ثم زعيما، وأعلن من برلين الحرب على الدول التي هزمت ألمانيا خلال الحرب العالمية الأولى.
وكان هتلر ينظر إلى برلين نظرة خاصة، لذا خطط ومهندسه المعماري ألبرت شبري بناءها، لتكون صورة عن الإمبراطورية الرومانية ولتصبح «جرمانيا» تيمنا بالشعب الجرماني، إلا أن أحلامه لم تتحقق، بل اندلعت الحرب العالمية الثانية.
* برلين الجزيرة
كانت برلين بالنسبة لمدن أوروبية كثيرة مثل الشوكة في الخاصرة، فهي كبيرة ويمكنها بسرعة نفض غبار الحرب لتبرز بوصفها مركزا ثقافيا وفنيا، ومن أجل نزع كل هذه الآثار من جذورها سلط جيوش الحلفاء فوهات مدافعهم وطائراتهم عليها، إلى أن تحولت مع نهاية الحرب واستسلام ألمانيا عام 1945 إلى دمار تام مرعب.
ولا يعرف حتى اليوم سبب تركيز الطيران البريطاني بهذه الحدة على برلين، حيث دمر معظم البنى التحتية فيها، وقتل عشرات الآلاف من سكانها، لكنه لم يصب أي مركز من مراكز القيادة النازية، وزاد من تدمير برلين ما سمي «معركة برلين» عام 1945، فدمرت معظم الجسور ويقال إنه لو استعمل ركام هذا الدمار لكان بالإمكان بناء جسر بين برلين ومدينة دورتموند بعرض 35 مترا وطول 492 كيلومترا.
وأول هدف للحلفاء المنتصرين (روسيا، وبريطانيا، وفرنسا، والولايات المتحدة) عند دخولهم برلين كان إخماد روح هذه المدينة كي لا تحيا من جديد، لذا كان لا بد من تجزئتها، وبالفعل استولى كل جيش من جيوش الاحتلال على قسم منها، وكانت وضعية برلين لافتة للنظر. إذ أصبح هناك برلين شرقية وأخرى غربية.
* برلين الوجه الحضاري
ولبرلين وجهان، الوجه البشع الملوث بدمار المعارك والصراعات الدامية، والوجه الآخر الثقافي والحضاري، لذا قال عنها أحد الكتاب إنها رقيقة الإحساس وقاسية القلب في الوقت نفسه.
فهذه المدينة التي أحرقت في الـ10 من شهر مايو (أيار) عام 1933 أعمال 24 كاتبا وشاعرا ألمانيا أمام جامعتها كانت محطة مهمة للعلم ومركز استلهام لكثير من الشعراء والكتاب والفلاسفة.
ففي عام 1700 أسس العالم غوتفريد فيلهلم لايبزيغ أكاديمية العلوم البروسية، وكانت أول أكاديمية ألمانية والأهم في أوروبا، ورغم العداوة بين فرنسا والإمبراطورية الألمانية استقبلت برلين في عام 1740 الفيلسوف الفرنسي فولتير بدعوة من فريدريك الكبير. غير أن مجد برلين الثقافي تألق خلال القرن 18 بفضل المستنيرين الجدد من أمثال غوتهولد أفرام ليسنغ وفريدريك نيكولاي فتحولت إلى مدينة التنوير المدني. وخلال القرن التاسع عشر أصبحت مركزا للرومنطقيين الألمان، وفيها تجمع علماء وأدباء كبار من بينهم الإخوة هومبولت والإخوة سليغيل وهانيريش فون كليست وغيرهم، وتأسست فيها مراكز ثقافية وعملية ومسارح ومتاحف.
* برلين اليوم
وتحاول برلين اليوم بصعوبة استعادة صورتها المشرقة القديمة، لأنها وبعكس المدن الألمانية الكبيرة مثل ميونيخ وفرنكفورت ودوسلدوف تعاني من مشكلات اقتصادية ومالية ضخمة، فهي ترزخ تحت ديون تتجاوز الـ76 مليار يورو. فبعد الحرب والدمار والتقسيم اختفت تماما المصانع والحركة الصناعية الكبيرة التي سادتها مطلع الثلاثينيات من القرن الماضي، حتى إنها وصفت بشيكاغو أوروبا، كما تحولت إلى حلقة وصل بين باريس وبودابست وموسكو ولندن، ثم جاء الانحدار الكبير الذي قضى على كل هذا الإنجازات. كما أنها تحولت إلى ملاذ للهاربين من القانون أو الحروب، فخلال الحرب في لبنان كانت برلين الشرقية مركز تجمع للاجئين الهاربين، ومن هناك كانت سلطات ألمانيا الشرقية ترسلهم عبر محطة فريدريش شتراسه إلى برلين الغربية، فتكونت على أثر ذلك تجمعات بشرية لها أنماط حياتية معينة، وبالتالي تشكلت مجتمعات موازية، وهذا النمط في المجتمعات يظهر واضحا لكل من يتجول في برلين.
وعدد سكان برلين الألمان نحو 3 ملايين، ومليون شخص من جنسيات مختلفة، وأكبر جالية هي التركية (نحو 220 ألفا). كما أن هناك جاليات فرنسية وبريطانية وإيطالية وأميركية ويقال إنها أكبر تجمع أميركي (22 ألفا) خارج الولايات المتحدة، و20 ألف فرنسي، و26 ألف لبناني، و50 ألف فلسطيني من لبنان وفلسطين المحتلة ومائة ألف روسي. والمشكلة التي لا تجد حكومة برلين حلا لها هي وجود أكثر من ربع مليون إنسان يعيشون بشكل غير قانوني أو غير مسجل.
برلين.. حكاية مدينة
تحاول بصعوبة استعادة صورتها المشرقة القديمة
برلين.. حكاية مدينة
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

