هو «أبو هاشم»، صالح بن عواد المغامسي، الشيخ والداعية وإمام وخطيب مسجد «قباء» في المدينة المنورة، الذي أصبح نجمًا في الفضاء السعودي منذ أطلق فتواه الشهيرة بجواز الموسيقى والغناء، الفتوى التي طار بها الركبان عبر وسائل الإعلام الجديد والقديم، وأصبح الشيخ حديث المجالس الواقعية والافتراضية.
لقد فجّر الشيخ المغامسي مفاجأة من الطراز الثقيل، ليس لأنه قدّم اجتهادًا حديثًا يتماشى مع روح العصر كما يرّدد مريدوه، ولكن لأنه غامر بمخالفة «المشهور»، وهي مغامرة قد تودي بفطاحل العلماء فضلاً عن الفقهاء الشباب. فمن يمكنه من المجتهدين أن يقدم قراءة جديدة للنصّ تتماشى وحاجة الإنسان المسلم المعاصر، وتمكنه من الاندماج في العالم الحديث دون أن يصطدم معه أو يصبح عبئًا عليه؟
للحقيقة، فإن هناك الكثير مما يُبْهِر السعوديين في شخصية الشيخ المغامسي، فهو خطيب مفوه، ولكنه في عصر الخطباء المتحمسين يقدم خطابًا ممزوجًا باللين والرفق والسماحة والسكينة والمثل الأخلاقية. خطاباته مزيج من التسامي الروحي والالتصاق بالمثل الأخلاقية، والحثّ على التسامح والمحبة. هو أيضًا يجيد توظيف القصة والسيرة والحكاية لتؤدي جميعًا دورًا محفزًا للإخاء والتصالح مع الذات ومع المحيط. يختلف الشيخ المغامسي في أنه لا يريد من جمهوره العريض أن يموت بل أن يحيا، وأن يحيا حياة طيبة مليئة بالسكون النفسي والروحي. لا يطلب منهم أن يعادوا أحدًا أو أن يعتدوا على أحدٍ، وليس مهمومًا بتحريضهم على كراهية أحدٍ. خطاباته تتجه لتعميق الإحساس بالإنسان، وبالقيم التي تجعله إنسانيًا، كالرحمة، والمودة، والإخاء، والعطاء. وبالقيم التي تربطه بالسماء، كالدعاء، والإحسان، والوفاء.
إعجاب السعوديين بالشيخ المغامسي ليس لأنه أكد جواز دخول غير المسلمين إلى المدينة المنورة، أو لأنه أباح الموسيقى والغناء، واعتبر أنه لا يوجد نصّ صريح على حرمتهما، فالعدد الأكبر من هؤلاء أعجبوا بالشيخ لأنه صوت مختلف قريب من قلوبهم، مشحون باللين في وقت ارتفعت الأصوات الخشنة المبحوحة بالتحريض والكراهية.
في التاسع من فبراير (شباط) 2005، أجريتُ في هذه الصحيفة، حوارًا مع الشيخ العلامة عبد الله الجديع المحقق المعروف، دافع فيه بصراحة عن آرائه في إباحة الغناء والموسيقى، وكذلك في جواز حلق اللحية. أحدث الجديع ضجة هائلة في الوسط الإسلامي التقليدي حين نشر كتابه «أحاديث ذم الغناء والمعازف في الميزان» الذي طبع سنة 1986 في الكويت، وكتاب «اللحية دراسة حديثية فقهية»، وكتاب «الموسيقى والغناء في ميزان الإسلام» وطبع في بريطانيا 2004.
قال لي إنه خلص في كتابه الأخير، الذي يقع في (635 صفحة)، إلى أن الموسيقى والغناء «لا إجماع على تحريمهما، إنما هي دعوى ادعتها طائفة وردّتها النقول الثابتة بالرأي الآخر، ولا نص من القرآن فيها إلا لمن أراد أن يحمل نصوص القرآن ما لا تحتمل»، وهو شبيه بما قاله الشيخ المغامسي. سألتُ الشيخ الجديع المقيم في بريطانيا، هل كان لوجودك في «ليدز» بإنجلترا خارج التأثير الأصولي دورٌ في تحرير فتواك في موضوع الموسيقى أو موضوع حلق اللحية؟
وعلى الرغم من أنه قال: «لا، ليس وجودي في الغرب سببًا في ذلك»، فإنه استدرك قائلاً: «لا شك أن لإقامتي هنا في بلاد الغرب تأثيرًا في تهذيب الفكر وفسح أفق النظر، بسبب ما يعتبر به من طبائع الشعوب وتغير الطبيعة. فكثير مما يتصل بفهم الواقع لم يتهيأ لي معرفته على الوجه حتى صرت إلى هذه البلاد، وكذلك قد يكتم الرأي في بعض البلاد بسبب ضغوط البيئة، وهذا لا تخلو منه بيئة في واقع الحال، ولكن الحرية المتاحة هنا في الغرب تعطي مجالاً أوسع لإظهار الرأي الآخر».
9:33 دقيقه
«المغامسي» ظاهرة سعودية!
https://aawsat.com/home/article/654446/%C2%AB%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%A7%D9%85%D8%B3%D9%8A%C2%BB-%D8%B8%D8%A7%D9%87%D8%B1%D8%A9-%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%A9
«المغامسي» ظاهرة سعودية!
«المغامسي» ظاهرة سعودية!
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

