قصص الكنوز الغارقة لها سحر لا يقاوم، تفتح عالما من الخيال والقصص حول مدن وشخصيات وثروات وسفن غاصت في الأعماق تحمل أسرارا وألغازا. وهو تحديدا ما نجح معرض المتحف البريطاني الحالي حول مدينتين مصريتين غارقتين، في نقله للزائر. فالمعرض وعنوانه «مدن غارقة.. عوالم مصر الضائعة»، الذي ينقل لنا بالصورة وبالقطع الثمينة تماثيل وأدوات ومعادن نفيسة، ويعرض نتاج رحلات كشفية بحرية قام بها فريق من الأثريين من المعهد الأوروبي للآثار الغارقة بالتعاون مع السلطات المصرية، وكشفت الرحلات التي انطلقت في عام 1999، وما زالت مستمرة، عن كم هائل من الآثار التي تلقي الضوء على العلاقات المصرية اليونانية من النواحي الثقافية والسياسية والدينية والتجارية أيضا.
نعبر للمعرض عبر بوابة مضاءة باللون الأزرق الهادئ وهو ما يهيئ أذهاننا لرحلة في أعماق البحر المتوسط. تستقبلنا لوحة تشير إلى تاريخ مدينتي هرقليون وكانوبوس شمال الإسكندرية اللتين غرقتا منذ أكثر من 1300 عام بالقرب من خليج أبو قير. ومن خلال شريط مصور لعمليات التنقيب التي قام بها الغواص الفرنسي فرانك غوديو ضمن فريق من المعهد الأوروبي للآثار الغارقة، نرى تماثيل ضخمة قد اختفى نصفها أو أكثر تحت رمال قاع البحر، وصناديق وجرات وحليا قد اختفت تحت طبقات من الطحالب والأعشاب البحرية. مع كل مرة يزيح فيها الغواص الرمال عن تمثال أو قطعة ثمينة نحس بقيمة الكشف الأثري المهم، الذي يُعرض أمامنا فقط جزء منه.
يضم المعرض 300 قطعة من المكتشفات، إلى جانب بعض القطع من مجموعة المتحف البريطاني، وعددا من القطع المذهلة استعارها المعرض من المتحف المصري بالقاهرة.
يعود تاريخ بناء «هرقليون» و«كانوبوس» للقرن السابع قبل الميلاد، وبطبيعة موقعهما الحيوي وقربهما من الدلتا المصرية تميزتا بالتنوع الحضاري والثقافي. وبحلول القرن الثامن بعد الميلاد غرقت «هرقليون» و«كانوبوس» وخابت كل محاولات تحديد مكانهما، على الرغم من أن هناك كثيرا من التفصيلات والمعلومات التي حملتها الآثار الفرعونية واليونانية عنهما.
وبمساعدة أحدث وسائل التكنولوجيا في العصر الحالي، تمكن فرانك غوديو بالتعاون مع وزارة الآثار المصرية من الوصول إلى مكان المدينتين الغارقتين، وبالتالي انتشال بعض آثارهما.
المدهش في القطع المعروضة في «مدن غارقة» هو الحجم المهول لبعض القطع المنتشلة، مثل التماثيل والقطع الحجرية التي نراها على الطبيعة، وإلى جانبها، نراها من خلال شاشات صغيرة وهي مغمورة بمياه البحر أثناء عملية التنقيب. من تلك التماثيل، نرى في بداية المعرض تمثال «حابي» إله النيل عند الفراعنة ويبلغ طوله 5.4 متر ووزنه 6 أطنان، يقف التمثال شاغلا ارتفاع حجرة العرض حاملا لوحا من الحجر (مائدة القرابين)، يشير الدليل الصوتي للمعرض أنه من الصعب معرفة محتويات أو هوية الحجر، ولكن أحد قيّمي المعرض يقول إن هناك علامات دائرية على سطح الحجر دلالة على أنه كان يحمل جرارا بها قرابين للآلهة. بعض التماثيل المعروضة هنا تعد من أضخم القطع التي استعارها المتحف البريطاني. هناك أيضا في قاعة منفصلة تمثالان آخران لفرعون من عصر البطالمة مع زوجته الملكة.
وإلى جانب القطع التي انتشلت من قاع خليج أبو قير يقدم المعرض عددا من القطع المستعارة من المتحف المصري بالقاهرة، مثل عجل أبيس الضخم، وضع بجانب مجسم أصغر له من الآثار المنتشلة، وتماثيل بديعة لإيزيس وأوزوريس. وتتنوع القطع الأصغر ما بين المجوهرات والتماثيل الصغيرة وألواح حملت مراسيم وقوانين فرعونية.
ينقسم المعرض إلى خمسة أقسام، بدءا من قصة «هرقليون» و«كانوبوس»، ثم قسم حول وجود اليونانيين في مصر ويسرد التبادل بين البلدين، مرورا بأسطورة الإسكندر الأكبر والبطالمة، وصولا لأسطورة أوزوريس وإيزيس وابنهما حورس، وانتهاء بقسم حول مصر وروما يستكشف غزو الإسكندرية من قبل الرومان في عام 30 قبل الميلاد.
من جانبها، تعلق أوريليا ماسون بيرغوف منسقة المعرض: «يظن الناس أحيانا أن اختلاط حضارتين قد ينتج عن تحللهما وذوبانهما في بعضهما، والنتيجة المحتومة هي إضعافهما. ولكن هذا المعرض يثبت لنا العكس، فأمامنا فرصة نادرة لعرض قوة وجمال الفن والثقافة الفرعونية المتأخرة إلى جانب التمازج بين المجتمعات المصرية واليونانية في مصر في ذلك الوقت. وعبر الأعمال الفنية النادرة التي تعرض جنبا إلى جنب، نرى أن الحضارة المصرية لم تكن منعزلة بل كانت منفتحة على الآخرين».
أما السفير ناصر كامل، سفير مصر في بريطانيا، فيعلق بقوله: «تبحث مصر دائما عن شركاء لاستكشاف تراثها وكنوزها، التي لا تزال مخفية تحت الرمال وفي قيعان البحار. يكشف لنا هذا المعرض أنه على الرغم من معرفتنا بالتاريخ العريض للثقافة والحضارة المصرية، فإن مصر لديها مزيد لتقدمه للعالم».
10:43 دقيقه
آثار مصر الغارقة في معرض استثنائي بالمتحف البريطاني
https://aawsat.com/home/article/643576/%D8%A2%D8%AB%D8%A7%D8%B1-%D9%85%D8%B5%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%A7%D8%B1%D9%82%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%B9%D8%B1%D8%B6-%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%AB%D9%86%D8%A7%D8%A6%D9%8A-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D8%AD%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%86%D9%8A
آثار مصر الغارقة في معرض استثنائي بالمتحف البريطاني
«مدن غارقة.. عوالم مصر الضائعة» يضم 300 قطعة أثرية
تماثيل بديعة لإيزيس وأوزوريس في معرض «مدن غارقة» بالمتحف البريطاني (تصوير جيمس حنا)
- لندن: عبير مشخص
- لندن: عبير مشخص
آثار مصر الغارقة في معرض استثنائي بالمتحف البريطاني
تماثيل بديعة لإيزيس وأوزوريس في معرض «مدن غارقة» بالمتحف البريطاني (تصوير جيمس حنا)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

