حلب.. حرب إبادة الهوية والتاريخ

تقلص عدد سكان ثاني مدن سوريا من 3.5 مليون إلى مليون معظمهم في أحياء النظام ويتنوعون طائفيًا وإثنيًا

حلب.. حرب إبادة الهوية والتاريخ
TT

حلب.. حرب إبادة الهوية والتاريخ

حلب.. حرب إبادة الهوية والتاريخ

لم تكن العملية العسكرية التي ينفذها النظام السوري في مدينة حلب، مجرد حلقة في سياق الحرب التي يشنها مع حلفائه على ما يسمى «التنظيمات الإرهابية» كما يزعم، بقدر ما هي حرب تدمير ممنجهة للعاصمة الثانية برمزيتها وتاريخها وعراقتها، وضرب لتنوعها وتعددها الطائفي والثقافي الذي يعود إلى قرون. وحلب هي العاصمة الثانية بعد دمشق، والعاصمة الاقتصادية الأولى ليس في سوريا فحسب، بل ربما في المنطقة، بالاستناد إلى رمزيتها التاريخية والعمرانية. وتعد حلب ثاني المدن بعد الفاتيكان المدرجة على قائمة الاهتمام الفرنسي، بالنظر إلى الحضور المسيحي المميز فيها، والدور التنويري والنهضوي الذي لعبه المسيحيون في المدينة وجوارها، وكانوا رواد نهضتها منذ مطلع القرن السابع عشر.
يقف أهالي مدينة حلب، حاضرة الشمال السوري، بحسرة أمام مشاهد تدمير مدينتهم إحدى أعرق مدن الشرق الأوسط - بل العالم - وأغناها من حيث الإرث الثقافي. وهم من فاخر دومًا بأن «الشهباء» كانت موطئ أول سفارة أوروبية في المنطقة حتى قبل البندقية (فينيسيا). وهي احتضنت أول قنصلية أميركية في العالم العربي وتحديدًا في العام 1836 (منذ 220 سنة)، قبل أن تفتتح الولايات المتحدة سفارتها بدمشق في العام 1942. عدا عن أنها كانت أهم مدن إمبراطورية السلطنة العثمانية من الناحية الاقتصادية.
وإذا كان بديهيًا طرح السؤال المنطقي، لماذا هذه الحرب على حلب؟ لا يتأخر الجواب كثيرًا من قبل معارضين سوريين يؤكدون أن الأسباب تعود إلى أكثر من 35 سنة، عندما تعرضت حلب في العام 1980 لأول عملية قمع دموية على يد نظام البعث، إثر حركة الاحتجاج التي قادها نخبويو المدينة على مستوى نقابات الأطباء والمحامين والمهندسين والصيادلة وفعاليات المدينة وشبابها، في وجه الطغيان وعمليات تكميم الأفواه.
كل هؤلاء أجمعوا يومها على المطالبة بالديمقراطية وبنظام ليبرالي بعيدًا كل البعد عن حكم البعث والإخوان المسلمين، وقد أدت تلك الأحداث إلى إضراب شامل في كل سوريا، ما عدا العاصمة دمشق، الممسوكة والمحاصرة أمنيًا.
يومذاك اكتشف الرئيس السابق حافظ الأسد مبكرًا، أهمية المحافظة على دمشق وحلب في آن، وفق ما يكشف المعارضون لـ«الشرق الأوسط»، الذين قالوا: «إن الأسد الأب عمل على بقائهما تحت سيطرته، باعتبار أن الحضور السوري سياسيًا واقتصاديًا وتاريخيًا وثقافيًا كله موجود في هاتين المدينتين العريقتين، وهذا ما كان السبب الجوهري في تأخر انطلاقة الثورة فيهما؛ لأن النظام بنى في المدينتين تحالفات اقتصادية ومالية، وأخضعهما لقوانين جديدة هيمنت عليها المخابرات وأجهزة السلطة؛ مما أسهم في تأخر الانتفاضة الشعبية في كل من دمشق وحلب».
* حلب.. والثورة
لا يخفي ناشطون من حلب عتبهم على من اتهم مدينتهم بـ«التآمر» حينًا، وبأحسن الأحوال بالتقاعس عن الالتحاق بركب الثورة، ويتحدث هؤلاء لـ«الشرق الأوسط» عن «ظلم كبير أصابهم؛ لأن البعض غفل سهوًا أو أَغفَل عن قصد حقيقة، أن جامعة حلب كانت السبَّاقة في إطلاق شرارة التحركات الطلابية، وهي الجامعة الأولى وربما الوحيدة التي سقط فيها عشرات الطلاب الشهداء، وتعرضت لحصار خانق».
وفي الوقت الذي كان أشد المدافعين عن نظام الأسد، يعدون أن مقياس نجاح الثورة أو فشلها يتوقف على ما ستقوله حلب، جاءت انتفاضتها كـ«القشّة التي قسمت ظهر البعير»، فهي برأي معارضين حلبيين «وضعت حكم الأسد على شفير السقوط؛ مما جعل قوات النظام وأجهزة الاستخبارات سباقة إلى ارتكاب المجازر فيها، فكانت أولى المدن التي اختبر فيها سلاح الجوي، وقصف الأحياء المدنية التي ثارت وطالبت بالحرية وبسقوط النظام».
انطلاقًا من هذه المقاربة، وضع نظام بشار الأسد وحلفاؤه الروس والإيرانيون، خطة لاسترجاع حلب بأي ثمن، باعتبار أن استعادتها وبقاء دمشق في قبضته، يجعل النظام قويًا جدًا، وعندها تبقى كل المحافظات الأخرى هامشية. صحيح أن الحلبيين لم يكونوا جميعًا مع هذه الانتفاضة، خصوصًا بعض الرأسماليين بحكم الشراكة مع النظام في التجارة والصناعة والمشاريع الضخمة، لكن كان من الصعب على هؤلاء تغيير بوصلة التحاق أبناء المدينة بالثورة توقًا إلى الحرية التي تراودهم منذ عقود.
ولكن اليوم، بعد خمس سنوات على الثورة، ماذا تغير في حلب بعد كل ما جرى ويجري على أرضها؟
من الواضح أن الثورة التي انطلقت من جامعة حلب، لقيت الصدى المطلوب في الأوساط الشعبية الفقيرة وشبه المعدمة. واللافت أن هذه الطبقة من الناس تقيم في المناطق الشرقية، في وقت كان الأثرياء والمقربون من النظام يقطنون المنطقة الغربية التي لا تزال حتى الآن تحت سيطرة قوات النظام، وفق ما أوضح عضو «الائتلاف السوري لقوى الثورة والمعارضة السورية» سمير النشار، الذي لم يخف وجود أحياء فقيرة حتى في المنطقة الغربية، مشيرًا إلى أن «الأحياء الشرقية لحلب توسعت في السنوات التي سبقت الحرب، نتيجة النزوح من الأرياف إلى المدينة، والسكن في أطراف المنطقة الشرقية، باعتبار أن النازحين هم من الفقراء الذي قصدوا المدينة للعمل وكسب الرزق».
* صورة للمدينة
ويؤكد النشَّار، ابن مدينة حلب، لـ«الشرق الأوسط»، أن «المكوِّن السني هو الغالب في المدينة، لكن في الوقت نفسه تتميز بالحضور المسيحي الذي لا يقارن بالحضور الكردي أو التركماني أو الأرمني». ويتابع: «إن أهمية الحضور المسيحي في حلب، لا يكمن في كونه أصيلاً في المدينة فحسب، بل لأنه لعب الدور النهضوي والتنويري فيها، وهو يكاد ينافس الحضور المسيحي في بيروت»، لافتًا إلى أن «الحي الذي يغلب عليه الحضور المسيحي هو حي العزيزية، بينما الحضور الأرمني المتوطد منذ مائة سنة هو في حي الميدان، وهذان الحيان يقعان في القسم الغربي من المدينة».
وطالما أن الفوارق الطبقية والاجتماعية واضحة بفعل الامتيازات المالية والتجارية التي منحها النظام لحلفائه، فإن الطبقة النخبوية بحسب ما يشير النشار «تقيم في حي الحمدانية حيث الفيلات الفخمة جدًا، العائدة لأشخاص من الطائفتين الإسلامية والمسيحية، المعروف أنهم مرتاحون اقتصاديًا وماليًا». ويؤكد في الوقت عينه أن «نسبة كبيرة من المكونين المسيحي والأرمني موجودة في منطقة السبيل وفي حي السبيل المتجاورين أيضًا».
من الطبيعي أن ما كان الواقع عليه قبل الحرب لم يبق قائمًا الآن، فحركة النزوح شملت كل مناطق حلب سواء تلك الواقعة تحت سيطرة النظام أو المعارضة، وإن كانت نسبة الهجرة من مناطق المعارضة أكبر بكثير، خصوصًا بعد إحراق وتدمير الأسواق القديمة والعريقة في الأشهر الأولى للمواجهات العسكرية، باعتبار أن هذه الأسواق كانت مجرد خطوط تماس، لكونها تقع في الخط الجغرافي الفاصل بين القسمين الغربي والشرقي.
ويشدد النشار على أن «الفئات الميسورة ماديًا، خصوصًا التجار والرأسماليين سواء كانوا سنة أو مسيحيين أو أرمنيين انتقلوا إلى بيروت، حتى أن البعض منهم سافروا مع عائلاتهم إلى مصر أيضًا. أما الصناعيون فانتقلوا إلى تركيا ونقلوا معهم معاملهم ومصانعهم لسببين: الأول القرب الجغرافي والثاني لأن السوق التركية واسعة وقادرة على استيعابهم وتصريف إنتاجهم». مشيرًا إلى أن تركيا «كانت أيضًا وجهة المهاجرين من أبناء الطبقات الفقيرة، بحثًا عن ملجأ آمن وسعيًا إلى العمل وكسب لقمة العيش».
* بالأرقام..
وما دامت الهجرة سمة السوريين الهاربين من الموت، فإن حلب كانت نسخة عن باقي المدن والقرى السورية التي هشمتها الحرب، وفتكت بأبنائها قوات الأسد وحلفاؤها، وقطعت الطائرات والصواريخ والمدافع أوصالها.
وفي غياب الإحصاءات الدقيقة لنسبة المهاجرين من حلب، يقول عضو «الائتلاف السوري»: «إن التقديرات القريبة من الواقع تشير إلى أن حلب لم يبق فيها أكثر من مليون مواطن، من أصل ثلاثة ملايين ونصف أو أربعة ملايين»، مضيفًا: «إن ما بين 700 و800 ألف مواطن ما زالوا يقيمون في القسم الغربي، أي في مناطق سيطرة النظام، فيما يوجد في المنطقة الشرقية ما بين 150 و200 ألف نسمة، لم يكن بمقدورهم النزوح أو الفرار إلى أي مكان».
ولم يكن خافيًا على أحد أن أحياء حلب الغربية الواقعة تحت سيطرة النظام ما زالت تتلقى الخدمات من السلطة القائمة، وهي سهلة المنال إلى حد ما بسبب وجود خطوط الإمداد مع الخارج، لكن الوضع المنطقة الشرقية مختلف، كما يقول النشار، الذي يفيد بأن «الخدمات في مناطق سيطرة المعارضة تقدمها منظمات المجتمع المدني المدعومة من هيئات الأمم المتحدة، ومؤسسات إنسانية أوروبية، تتخذ من مدينة غازي عنتاب التركية المتاخمة للحدود السورية مقرًا لها. وهذه الهيئات تقدم خدماتها إلى الجزء الشرقي من حلب وإلى الأرياف في شرق وشمال حلب، وصولاً إلى مدينة إدلب وريفها وأطراف حمص». ويلفت إلى أن «خدمات الحكومة المؤقتة محدودة؛ لأن مواردها ضئيلة جدًا ويصعب عليها الدخول والخروج من وإلى المدينة». مشيرًا إلى أن «مشفى القدس الذي قصفته ودمرته طائرات النظام في الأيام الأخيرة، ممول من مؤسسة (أطباء بلا حدود) التي كانت تزودها بالمعدات الطبية والأدوية اللازمة والمستلزمات الأولية».
أما على صعيد الإدارة المحلية، فيتابع النشَّار: «كانت ثمة محاولة لبناء جهاز شرطة تابع للفصائل، في المناطق الشرقية، يتولى تنظيم أمور الناس، ممولة من منظمات غربية، لكن فرصها لم تنجح؛ لأن تعدد الفصائل المسلحة لم يسمح بتطبيق سلطة القانون في هذه المناطق».
* المعارك والمجازر
بعد خلط الأوراق من الناحية العسكرية، خصوصًا غداة المجازر التي ارتكبها النظام السوري، وقصفه بالطائرات لمستشفى القدس، وتدميره على رؤوس من فيه، لم يبق للعملية السياسية أي معنى برأي قادة المعارضة، وبات واضحًا أن الكلمة أصبحت للميدان، بحيث تحاول فصائل المعارضة المسلحة تعزيز مواقعها من الناحيتين البشرية والتسليحية. ولا ينكر مصدر عسكري في الجيش الحر أن «الثوار باتوا يتحسبون للأسوأ بعدما شهدته حلب في الأيام الأخيرة». ويؤكد أنهم «يتهيأون لحرب عصابات لن يكون للنظام فيها الكلمة العليا».
ويكشف المصدر لـ«الشرق الأوسط»، أن «الفصائل المسلحة المنتشرة في المناطق والأحياء الشرقية لحلب، تتحضر لمواجهة وحرب استنزاف طويلة»، لافتًا إلى أن «المجموعات القتالية المنضوية في صفوف (الجبهة الشامية)، وتضم كتائب نور الدين الزنكي و(جيش الإسلام) و(أحرار الشام) وغرفة عمليات (فتح حلب) وغيرها من الفصائل وضعت نفسها في جهوزية لقتال طويل الأمد».
وإذا كان الاستنفار والتعزيزات العسكرية حال المعارضة المسلحة، فمن باب أولى أن يكون النظام ماضيًا في تعزيزاته أيضًا؛ حيث أكد المصدر العسكري أن «قوات الأسد والميليشيات الموالية لها مثل ميليشيا (قوات الدفاع الوطني) ومقاتلي الحرس الثوري الإيراني وما يسمى (حزب الله) اللبناني و(لواء القدس) الفلسطيني وبعض المرتزقة، تتخذ أقصى الاحتياطات في مناطق وجودها». وأشار المصدر إلى أن «الهجوم المعاكس الذي شنَّه الثوار على مواقع النظام بعد مجزرة مشفى القدس، والخسائر التي تكبدها النظام وأتباعه، تؤكد أن الثورة ليست ضعيفة في حلب، وهي اكتسبت خبرة قتالية عالية تجعلها قادرة على خوض حرب استنزاف طويلة وإن بإمكانيات محدودة».
ويرى خبراء عسكريون، أن روسيا «تحاول استغلال الصمت الأميركي لفرض سيطرة النظام على سوريا، وتعد حلب مدخلا لهذه الاستراتيجية الروسية التي تسعى لزعزعة سيطرة المعارضة على شمال سوريا». ويقول الخبراء: «إن المعارضة المسلحة المعتدلة في سوريا باتت أمام تحدي وضع استراتيجية دفاعية واسعة النطاق للصيف والخريف القادمين يشارك فيها الجميع، وتثبت قدرتها على تخطي بعض الخلافات التي تعصف بها بين الحين والآخر».
ووفق قراءة هؤلاء الخبراء، فإن المعارضة بحاجة إلى «إعادة هيكلة عمليات، بما يمكنها من قلب الموازين ليس في حلب وريفها فقط، بل على امتداد جبهاتها مع النظام، لدفع الأخير إلى تقديم تنازلات وليس العكس». وقلَّلوا من إمكانية الوصول إلى هدنة في حلب؛ لأن «الولايات المتحدة غير جادة لفعل شيء في سوريا، وهو ما يدركه الروس ويحضهم على استغلال هذه المرحلة»، مؤكدين في الوقت نفسه أن «مصداقية المجتمع الدولي أصبحت في مهب الريح».
* تنوع ديموغرافي وريادة صناعية
- قلصت الحرب عدد سكان حلب إلى نحو مليون شخص، يتوزعون في الأحياء الشرقية للمدينة حيث مناطق سيطرة المعارضة، وفي الأحياء الجنوبية والغربية حيث منطقة سيطرة النظام. وبينما تعيش في مناطق المعارضة أغلبية إسلامية، يسكن في مناطق النظام خليط من المسيحيين والمسلمين والأكراد والأرمن الذي تدنى عددهم بنسبة كبيرة بعد اشتعال الحرب؛ حيث غادر عدد كبير من الأرمن إلى خارج البلاد.
وبينما كان عدد سكان المسيحيين في حلب قبل الحرب العالمية الأولى يقارب الربع في أقصى تقدير، ازداد عددهم بشكل كبير إثر هجرة الأرمن إلى المدينة. فإن هؤلاء كانوا العامل الأبرز في ازدهار المدينة صناعيًا؛ حيث بلغ عدد المصانع في حلب قبل الأزمة السورية في العام 2011 نحو ألفي مصنع للنسيج والصناعات التعدينية والحرفية وغيرها، مثل: الصناعات الكيميائية، والصناعات الدوائية، والصناعات الغذائية الخفيفة، والصناعات الكهربائية، والصناعات الهندسية، والسياحة.
ويعد حي الشيخ نجار المنطقة الصناعية الأساسية في المدينة، ويحتل مساحة 4412 هكتارًا ليكون أحد أضخم الأحياء الصناعية في المنطقة، يقدر حجم الاستثمارات بأكثر من ملياري دولار حتى نهاية عام 2009. وأدى ازدهار الصناعة فيها إلى اطراد في الصادرات، بلغت 50 في المائة من مجمل الصادرات الصناعية السورية قبل الأزمة.
وخلال أحداث الثورة السورية، تضررت حلب بشكل كبير إنسانيًا واقتصاديًا بفعل القتال والقصف، واتهم النظام قوات المعارضة بتفكيك المصانع الضخمة وبيع ألف منها لتركيا، بينما توقفت عجلة الاقتصاد في المدينة، وتعرض الكثير من معالمها الأثرية للدمار مثل قلعة حلب.



«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس
TT

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة من احتياطيها النفطي، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب من البيت الأبيض، بأن الظروف الراهنة لا تسمح بإجراء الانتخابات الموعودة في فنزويلا. rnوأضاف أنه ورودريغيز يرغبان في إجرائها «عندما تتوافر الأجواء المناسبة». في غضون ذلك، كانت تتوالى الانتقادات لهذا الاتفاق، وهو الأكبر في العالم، بما في ذلك بين أوساط المعارضة الفنزويلية التي كانت قد هللت من قبل للتدخل العسكري الأميركي الذي أطاح نيكولاس مادورو، والتي بدأ التصدّع يظهر في صفوفها بعد إصرار واشنطن على تهميشها وفتح قنوات الحوار مع النظام.

تصريحات الرئيس دونالد ترمب جاءت بعد الكشف عن بعض تفاصيل الاتفاق التي بيّنت أن سيطرة واشنطن على خُمس احتياط النفط الفنزويلي لفترة مائة سنة، ستكون عبر مساهمتها في شركة خاصة فنزويلية يملكها صديق لترمب هو المليونير أليخاندرو بيتانكور. وبالمناسبة، هذا الأخير ملاحق قضائياً في كل من سويسرا وإسبانيا بتهم تبيض الأموال.

في المقابل، أعربت أوساط المعارضة الفنزويلية عن مخاوفها من أن يشكّل هذا الاتفاق حافزاً لإبقاء الحكومة المؤقتة في السلطة، وتأجيل عملية الانتقال الديمقراطي، او حتى صرف النظر عنها كلياً.

ديلسي رودريغيز (آ فب/يونهاب)

فنزويلا ليست جاهزة للانتخابات

ترمب قال في تصريحاته حول الموضوع: «لا أعتقد أن فنزويلا جاهزة للانتخابات... إنها حكومة جديدة أنقذناها من النظام السابق ونقيم معها الآن علاقات جيدة، والرئيسة ديلسي رودريغيز تقوم بعمل ممتاز وتحظى باحترام الجميع، وهذا ما نريده».

الرئيس الأميركي امتنع أيضاً عن تحديد موعد لإجراء الانتخابات الموعودة، أو الشروط التي ينبغي أن تتوافر لإجرائها، مكتفياً بالقول إنها «قد تحصل قريباً». وبالتالي، يؤكد هذا الموقف المعلن لإدارة ترمب منذ العملية العسكرية الخاطفة التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو واقتياده إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهمة الاتجار بالمخدّرات.

إذ يستند موقف واشنطن، التي تمارس عملياً الوصاية على فنزويلا، إلى «خارطة طريق» من ثلاث مراحل: إعادة بناء قطاع النفط الذي يشكّل المحرك الأساسي للاقتصاد الفنزويلي، و«تحقيق الاستقرار» (وفق واشنطن)، وبعد ذلك انتقال السلطة إلى حكومة جديدة «عبر انتخابات حرة».

وفي هذا الاتجاه، يشدّد المسؤولون عن الملف الفنزويلي في واشنطن على أن الهدف ليس إجراء الانتخابات لمجرد إجرائها، بل لكي تؤدي إلى قيام «نظام سياسي ثابت ومستقر»، عبر حوار صريح وجدّي بين الحكومة المؤقتة وممثلين عن المعارضة، من المفترض أن ينطلق أواسط الشهر الجاري. وللعلم، كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد ردّ أخيراً على استفسار صحافي حول الانتخابات التي وعدت واشنطن بإجرائها في فنزويلا بالقول: «لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات. إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها. الاستقرار هو الذي يسمح بترسيخ هذا النظام اقتصادياً وقانونياً، وأن تكون هناك صحافة حرة، وأحزاب سياسية أُتيحت لها الظروف والوقت الكافي لتنظيم صفوفها، وأن تُجرى الانتخابات على أساس نظام قانوني يبعث على الثقة ولا يُقصي احداً».

اعتراف من المعارضة... وانتقادات بالجملة

في المقابل، تعترف المعارضة الفنزويلية ذاتها بأن المؤسّسات الفنزويلية الضامنة للنظام الديمقراطي «تعطّلت وأُفرغت من صلاحياتها» إبان الحقبة السابقة. وبناءً عليه، لا بد من إعادة بنائها قبل الانتقال إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة. بيد أن معظم قيادات هذه المعارضة بدأت تساورها شكوك حول نيّات واشنطن الحقيقية بعدما لمست مدى التناغم والتقارب بين إدارة ترمب والرئيسة المؤقتة التي كانت لسنوات طويلة من الركائز الأساسية في نظام مادورو، وقبله في نظام هوغو تشافيز.

الرئيس ترمب وصف الاتفاق بـ«التاريخي». وقال إنه «هديّة من الشعب الفنزويلي إلى الولايات المتحدة». وأردف أنه لن يكلّف بلاده فلساً واحداً، بل سيساعد على تجديد احتياطي النفط الأميركي الاستراتيجي الذي وصل حالياً إلى أدنى مستوياته منذ أربعة عقود.

ولكن، منذ أن بدأت ترشح المعلومات الأولى عن بنود هذا الاتفاق -الذي جرى التفاوض والموافقة عليه سرّاً- حتى سارعت جميع أطياف المشهد السياسي الفنزويلي، من أركان النظام السابق وأنصاره إلى المعارضة، إلى انتقاده بشدة لكونه يجعل من الحكومة الاميركية الشريك الرئيس في مؤسسة تسيطر على 17 من آبار النفط الفنزويلية طيلة 25 سنة قابلة للتجديد ثلاث مرات، كما أعلنت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز.

يضاف إلى ما تقدّم، أن كل التفاصيل الأخرى في الاتفاق ما زالت طي الكتمان، سوى أنه سيجعل الاقتصاد الفنزويلي في قبضة الولايات المتحدة، وعملية الانتقال السياسي رهينة مزاج الرئيس الأميركي وحساباته السياسية الداخلية.

اقرأ أيضاً

لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات... إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها

روبيو

تطابُق مصالح مرحلي

لويس فيسنتي ليون، الخبير الاقتصادي المحاضر في جامعة كاراكاس، قال معلّقاً إن هذا الاتفاق هو «ثمرة تطابق المصالح الاميركية والفنزويلية في هذه المرحلة. فهو يفتح امام واشنطن نافذة لتجديد احتياطيها الاستراتيجي من النفط الذي وصل إلى أدنى مستوياته، بينما تواصل أسعار المحروقات ارتفاعها على أبواب استحقاق الانتخابات النصفية، فضلاً عن أن الحرب مع إيران ما زالت بعيدة عن الحسم ويرجَّح أن تطول أكثر مما كان متوقعاً. أما الحكومة الفنزويلية، فهي بحاجة ماسة إلى الموارد، وليس لديها أي هامش للمناورة مع واشنطن».

وأردف: «... والحماسة التي أبداها الرئيس الأميركي، عند إعلانه الاتفاق، تدعم مواقف الذين سبق أن ندّدوا بالعملية العسكرية التي أطاحت مادورو تحت عنوان مكافحة تجارة المخدرات، واتهامهم واشنطن بأن الهدف منها هو السيطرة على موارد النفط وليس تسهيل العودة إلى النظام الديمقراطي... التي كلفت المعارضة سنوات من النضال ومئات الضحايا وملايين المهاجرين».

وتابع فيسنتي ليون، في حوار هاتفي مع «الشرق الأوسط»، أن هذا الاتفاق «يضرّ بصورة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، إذ يدحض بشكل نهائي المزاعم بأن التدخل العسكري الأميركي مطلع هذا العام كان دفاعاً عن الديمقراطية في وجه نظام مستبد، ويبيّن أن سياسة واشنطن لا تقيم أي وزن للقيم والمبادئ التي تتشدّق بها».

من جهة ثانية، يرى آخرون أن شركات النفط الأميركية التي تجاوبت مع دعوة ترمب إلى الاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي «إنما فعلت ذلك مكرهة بفعل الضغوط التي تعرّضت لها... وأنها كانت مترددة للإقدام على هذه الخطوة بسبب المخاطر التي تلمسها في بلد تحكمه رئيسة غير منتخبة، ويحتاج قطاعه النفطي إلى استثمارات ضخمة قبل أن يستعيد مستويات الإنتاج السابقة». ويبدو أن ذلك التردد هو الذي دفع الرئيس ترمب إلى اتخاذ قرار يجعل من حكومته المستثمر في هذه الصفقة، بواسطة مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الحرب (البنتاغون).

ترمب (آ ف ب/غيتي)

تأثير الاتفاق على فرص ترمب

مع هذا، فإن المعارضين لهذا الاتفاق يراهنون على الانتخابات النصفية الأميركية أواسط الخريف المقبل التي يرجح كثيرون أن تكون حاسمة بالنسبة لمستقبل ترمب وخططه. فالرئيس الأميركي يعرف أن أسعار المحروقات لن تنخفض بموجب هذا الاتفاق قبل مرور فترة طويلة، لكنه يريد استخدام هذه الورقة لإطلاق وعود بأن الأنباء السارة قادمة، لا سيما أن التوقعات تشير إلى أن الجمهوريين قد يخسرون الغالبية في مجلس النواب، وربما في مجلس الشيوخ أيضاً.

المعارضة المنقسمة

في هذه الأثناء، على الجبهة الفنزويلية يشكّل هذا الاتفاق «رافعة» أساسية لتحسين الوضع الاقتصادي المتردي، وخوض الانتخابات المقبلة تحت شعاره. ولقد كان لافتاً كيف أن اركان النظام سوّقوا الاتفاق في تصريحاتهم وتغريداتهم على منصّات التواصل الاجتماعي، حتى إن نجل نيكولاس مادورو نشره على حسابه، مؤكداً أن تيّار والده سيفوز في الانتخابات المقبلة.

وحقاً، ليس مستغرباً أن يسود التفاؤل أوساط أنصار النظام بعد التصدّع الذي بدأ يظهر في صفوف المعارضة التي لم تنجح في توحيد مواقفها طيلة سنوات. إذ سارع اثنان من الأحزاب الرئيسية في المعارضة، هما «العدالة أولاً» و«الإرادة الشعبية»، إلى التجاوب مع دعوة واشنطن لاستئناف جولات التفاوض مع النظام حول الانتقال الديمقراطي، في حين كانت الأحزاب اليمينية المنضوية تحت زعامة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة «جائزة نوبل للسلام» والتي ما زالت واشنطن تقصيها عن الدور التي كانت موعودة به، تتكلّم عن «خيانة» الحلفاء في المعسكر المعارض.

هذا، ووعدت ماتشادو، التي ما زالت خارج فنزويلا، بأنها ستعود قريباً لتستأنف التواصل مع أنصارها، رافضةً «الاكتفاء بالفُتات الذي ربما أثمرته المفاوضات مع النظام»، الأمر الذي يؤكد أنها لم تعُد الورقة التي كانت تراهن عليها واشنطن للتغيير في فنزويلا.


رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
TT

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات الرأي وتموضع المرشحين الذين يزيد عددهم على الثلاثين وبرامجهم، تبدو قراءة المشهد بالغة التعقيد. وما يميزه أن هناك وجوهاً معروفة سبق لها أن ترشحت العديد من المرات مثل مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، أو مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلونشون. لكن هناك سياسيين يخوضون غمارها للمرة الأولى. هم جُدد في هذه «المهنة» رغم خبراتهم السابقة وزراء أو نواباً في البرلمان الفرنسي أو الأوروبي. وأبرز هؤلاء، في الوقت الحاضر، رافاييل غلوكسمان الذي أعلن ترشّحه أواخر الشهر الماضي ويحلم بأن يكون مرشح الحزب الاشتراكي ومرشح حزبه الصغير المسمّى «الساحة العامة».

الأمور بالنسبة للمرشح رافاييل غلوكسمان يتوقع أن تحسم في اقتراع إلكتروني لأعضاء الحزبين، الشهر المقبل. مع العلم أن غلوكسمان رغم خوضه الانتخابات الأوروبية على رأس اللائحة الاشتراكية مرتين (2019 و2024)، يجهل الفرنسيون الكثير من تفاصيل حياته. بل، ربما أكثر ما يعرفه العديد منهم أنه «رفيق درب» الصحافية ليا سلامة، ابنة وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة.

ولقد أسهمت الصور التي نشرتها «باري ماتش»، مجلة المشاهير، على غلافها أخيراً وهي تُظهر الاثنين معاً بملابس البحر خلال عطلتهما الصيفية في جزيرة كورسيكا، في تقريب السياسي والصحافي السابق من الجمهور الفرنسي. بيد أن ذلك لا يكفي؛ إذ لا يمكن فهم انخراط رافاييل في العمل السياسي خارج سيرة عائلته، وانخراط والده أندريه في معمعة الجدل الفكري والسياسي طيلة عقود طويلة.

الإرث العائلي: من الجد إلى الأب

مساء يوم 31 يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، بثت قناة التلفزيون التابعة لمجلس الشيوخ الفرنسي فيلماً وثائقياً عن عائلة غلوكسمان بأجيالها الثلاثة التي بدأت قصتها مع الجدّ روبين غلوكسمان، المولود عام 1889، في مدينة تشرنيفستي التابعة حينذاك للإمبراطورية النمساوية ــ المجرية (قائمة حالياً في أوكرانيا)، في عائلة يهودية أشكنازية (يهود أوروبا الوسطى والشرقية)، وتواصلت مع ابنه المفكّر والفيلسوف الفرنسي الماركسي - الماوي أندريه، ثم الآن مع حفيده رافاييل.

رافاييل كان قد خاض منذ بضع سنوات الحقل السياسي، وهو اليوم مرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجرىَ نهاية شهر أبريل (نيسان) وبداية شهر مايو (أيار) من العام المقبل. لكن لا بد من القول إن قصة هذه العائلة مشوّقة.

فالجد روبين، الذي تبنى لاحقاً اسم روفين غيدوني، وخدم جندياً في الجيش الإمبراطوري، هاجر في عام 1920 إلى فلسطين مع زوجته مارتا كيسلر، بعدما اعتنق كلاهما العقيدة الصهيونية عندما أصبحت بريطانيا السلطة المَنتدَبة على فلسطين عقب انهيار الخلافة العثمانية.

«تحوّل» فكري في فلسطين

الطريف في القصة أن روبين ومارتا انتميا هناك إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي كان يضم في حينه بضع عشرات من الأعضاء. بل يمكن القول إن روبين توجّه إلى فلسطين «صهيونياً» وعاد منها «شيوعياً»؛ إذ إنه انتمى لاحقاً إلى تنظيم «الكومنترن» الذي أنشأه لينين عام 1919، وكانت مهمته بث الفكر الشيوعي عبر العالم والتعجيل باندلاع الثورة الشيوعية العالمية.

ثم، بعد فلسطين، استقر روبين مع عائلته في مدينة هامبورغ الألمانية. وهناك كان، من الناحية الرسمية، موظفاً في شركة تأمين بينما كان في الحقيقة عميلاً لـ«الكومنترن» والاستخبارات السوفياتية، يشمل إطار مهمته العديد من البلدان الأوروبية. إلا أن هذا الوضع لم يَدُم؛ لأن صعود النازية في ألمانيا دفعه إلى الانتقال إلى فرنسا عام 1935، وبالأخص بعدما علم أن الشرطة السياسية الألمانية «الغستابو» تراقبه. وفي فرنسا، رسا خياره مع زوجته على العيش في ضاحية بولوني بييانكور الواقعة على مدخل باريس الغربي. وفي هذه المدينة ولد ابنه أندريه.

من باريس إلى لندن

أيضاً، لم يبق روبين طويلاً في باريس؛ إذ انتقل منها إلى لندن في عام 1937 حيث استقر وحيداً بغطاء مهني، مديراً لشركة تجارية «فار إيسترن فور تريدينغ كومباني» تتعاطى تجارة الفرو. لكن الشرطة البريطانية ساورتها الظنون سريعاً حول طبيعة عمله، وانتهى بها الأمر إلى أن ألقت القبض عليه مرتين في عام 1940.

وفي المرة الثانية، توافرت لها معلومات موثّقة عن حقيقة مهمته عميلاً استخباراتياً لصالح الاتحاد السوفياتي فاعتقل ثم صدر أمر بترحيله إلى كندا. غير أن الباخرة التي وضع على متنها، وكانت تحمل اسم «إس إس أراندورا ستار» أصيبت يوم 2 يوليو (تموز) من العام نفسه بمقذوف غواصة ألمانية دمّرها وأغرقها على بعد 140 كلم من الشواطئ الآيرلندية، وبذا انتهت حياة جد رافاييل غلوكسمان في مياه الأطلسي.

صحافي ومنتج أفلام وثائقية

قبل أن يغوص رافاييل غلوكسمان في بحر السياسة، جرّب الصحافة والإنتاج السينمائي والكتابة. وكان ينظر إليه على أنه مثقّف وكاتب ومفكّر، وأنه سار على درب والده أندريه صاحب الثلاثين كتاباً... تدور غالبيتها حول التوتاليتارية والحرب والسلم وحقوق الإنسان. والواقع أن أندريه تنقّل ما بين الماركسية اللينينية والماركسية الماوية لينهي رحلته الفكرية والسياسية يمينياً - وأحياناً يمينياً متطرفاً - يبرّر حرب جورج بوش «الابن» على العراق، ويدعم وصول نيكولا ساركوزي إلى قصر الإليزيه.

وبالفعل، دار الكثير من الجدل حول مواقفه السياسية ومواقف أقران له من مجموعة «الفلاسفة الجدد»، مثل برنار هنري ليفي وباسكال بروكنير.

النشأة والمسيرة

ولد رافاييل غلوكسمان في عام 1979، ودرس في باريس في ثانويتين معروفتين هما «لامارتين» و«هنري4». وبعدها دخل إلى «معهد العلوم السياسية» (سيانس بو) وتخرّج فيه في عام 2003. إلا أنه لم يَسِر على درب النخبة الفرنسية التي تتوجّه عادة إلى «معهد الإدارة الوطني» (إينا)، بل انصرف سريعاً إلى العمل الصحافي. وهنا كانت بداية غلوكسمان مع صحيفة جزائرية هي «لو سوار» بالتوازي مع عمله منتجاً لأفلام وثائقية أبرزها: وثائقي بعنوان «اقتلوهم جميعاً» عن مجازر التوتسي في رواندا وعن مسؤولية فرنسا فيها، ووثائقي آخر بعنوان «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا. وخلال سنواتٍ عمل لمجلات ثقافية منها مجلات أميركية الهوى، لا بل من تيار «المحافظين الجدد».

بعدها، في عام 2017، عيّن غلوكسمان رئيساً لتحرير «المجلة الأدبية الجديدة». وكذلك تعاون مع عدة إذاعات وقنوات تلفزيونية، الأمر الذي جعله وجهاً معروفاً لدى الفرنسيين. غير أن دخوله المعترك السياسي، مباشرة، انطلق مع تأسيس حزب «الساحة العامة» عام 2018 برئاسة مشتركة بينه وبين أورور لالوك، وكان الهدف منه توحيد اليسار الداعم للاندماج الأوروبي والوقوف بوجه حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد الذي يتزعمه جان لوك ميلونشون.

المخاض السياسي في الخارج والداخل

من جهة ثانية، تعود أول تجربة سياسية - انتخابية لغلوكسمان في فرنسا إلى عام 2019 عندما اقترح عليه الحزب الاشتراكي ترؤس لائحة مشتركة للانتخابات الأوروبية تضم الاشتراكيين و«الساحة العامة» وحزباً صغيراً آخر غير معروف اسمه «المُعطىَ الجديد». بيد أن هذه المحاولة فشلت عندما رفض «البيئويون» بتشكيلتيهم السياسيتين السير بمشروعه، وكذلك رفض الحزب الشيوعي، بينما اقتصر تجاوب الحزب الاشتراكي معه على الصعيد الانتخابي. وفي الحصيلة، أدى التحالف الانتخابي إلى انقسامات داخل الحزب الناشئ ودفع عدداً من كبار مؤسّسيه إلى الابتعاد عنه.

التجربة تجددت في انتخابات عام 2024، حين حصلت لائحة غلوكسمان على نحو 14 في المائة من الأصوات فحلت في المرتبة الثالثة. لكن قبل فرنسا، جرّب غلوكسمان السياسة في شرق أوروبا، وتحديداً في أوكرانيا وجورجيا.

ففي «عزّ» الحرب في جورجيا، سافر السياسي الطموح إلى عاصمتها تبيليسي، صيف عام 2008، ووضع نفسه في خدمة رئيسها ميكاييل سكاشفيلي ذي التوجّهات اليمينية الليبرالية الغربية، وأصبح في عام 2009 مستشاره الرسمي للشؤون الأوروبية، وكُلّف، من ثم، التفاوض مع بروكسل لانضمام جورجيا إلى النادي الأوروبي.

أيضاً لعب غلوكسمان دور الوسيط بينه وبين ساركوزي، وكذلك ساعد سكاشفيلي على كتابة خطاباته. وأكثر من ذلك، تزوّج غلوكسمان وزيرة الداخلية الجورجية إيكا زغولادزه في عام 2009 وأنجب منها صبياً اسمه ألكسندر. ولكن، بعد هزيمة سكاشفيلي في انتخابات عام 2013 الرئاسية، غادر غلوكسمان تبيليسي مع عائلته وانتقل إلى أوكرانيا، حيث انطلقت الحركة الاحتجاجية المعروفة بـ«يوروميدان»، وحيث تحمل زوجته جنسيتها، والتي عُيّنت لاحقاً نائبة لوزير الداخلية في أوكرانيا.

«مستشار» سياسي ذو تموضعات لافتة

في أوكرانيا، أصبح غلوكسمان مستشاراً للمرشح الرئاسي فيتالي كليتشكو. ومنذ سنوات، يُعدّ دعم أوكرانيا المطلق أحد أهم خياراته والتزاماته السياسية الأساسية. بالتوازي، شكّلت نتائج الانتخابات الأوروبية لعام 2024 «الرافعة» السياسية الأساسية لغلوكسمان الذي وضع لنهجه السياسي خطين عريضين: الأول مواجهة اليسار المتشدد ... والثاني مواجهة اليمين المتطرف.

وفي المعركة الرئاسية المقبلة، يجد الرجل نفسه بمواجهة جان لوك ميلونشون على تزعّم اليسار، علماً بأنه من دعاة الانفصال التام عن «فرنسا الأبيّة» ومن المروّجين لقدرة اليسار غير الميلونشوني على الفوز في الانتخابات. ولكن - كعادة غلوكسمان - لهذه «القاعدة استثناءات»؛ إذ سبق له دعم الجبهة اليسارية التي تشكلت بمناسبة الانتخابات التشريعية في عام 2024 من أجل قطع الطريق على وصول حزب «التجمع الوطني» بزعامة مارين لوبان إلى السلطة.

لكنه، في الانتخابات المحلية البلدية التي أجريت هذا العام، أعلن أنه لن يدعم أي قائمة مشتركة مع اليسار المتشدّد، على الرغم من احتمال الفشل وفوز اليمين المتطرّف في البلديات المعنيّة.

في الحقيقة، يصعب أحياناً تتبع انعطافات غلوكسمان السياسية. وحقاً، بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردّد في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات». ومع هذا، لم تمنعه هذه «الوفاة» من أن يخوض المنافسة الراهنة لتسميته مرشحاً عن الحزب «المتوفى» وعن حزبه الصغير «الساحة العامة».بالتالي، في غياب التسمية المشتركة، يفقد غلوكسمان أي أمل في الانتخابات الرئاسية العام المقبل. ومعلوم، أنه حتى اليوم، ووفق استطلاعات الرأي، يهيمن على هذه الانتخابات مرشحان رئيسان: اليمينية مارين لوبان، واليساري جان لوك ميلونشون؛ أي: ممثلَيْ التيارين اللذين يحاربهما غلوكسمان.


عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)
TT

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

غلوكسمان أعلن ترشحه لهذه الانتخابات يوم 26 أغسطس (آب) الماضي، لينضم بذلك إلى عدد كبير من المرشحين يتجاوز الثلاثين مرشحاً، يميناً ويساراً. ولكن سيتعيّن عليه اجتياز عقبة أولى تتمثّل بالانتخابات الداخلية التي ستجرى خلال الأسبوعين الأولين من الشهر المقبل للفوز بترشيح التيار الاشتراكي - الديمقراطي الممثل بالحزب الاشتراكي وبحزب «الساحة العامة» الذي أطلقه غلوكسمان في عام 2018، والحزب الآخر الصغير المسمى «اليسار الاشتراكي الجمهوري».

عددياً، المقترعون في هذه المنافسة قلة قليلة؛ إذ لا يتجاوز عديدهم 39 ألف مقترع في بلد يضم 67 مليون نسمة. ثم إن درب غلوكسمان ليس مفروشاً بالورود؛ إذ ينافسه، من الداخل، مرشحون أبرزهم: أمين عام الحزب الاشتراكي أوليفيه فور، والمرشحة الرئاسية السابقة سيغولين رويال، ويتربص به من الخارج الرئيس الاشتراكي الأسبق فرنسوا أولاند ورئيس الوزراء الأسبق برنار كازنوف.

لو بن (آ ف ب)

حتى اليوم، تبين استطلاعات الرأي أن غلوكسمان سيجتاز بنجاح العقبة الأولى. لكن بعدها عليه فرض نفسه في معسكر اليسار، حيث سيواجه المرشح العنيد جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد، والخبير في المعارك الرئاسية؛ إذ يخوض منافسته الرابعة، ولقد كاد يتأهل عام 2022 للجولة الثانية الحاسمة بحصوله على نحو 22 في المائة من الأصوات. ولليوم، تبدو حملته الأكثر ديناميكية، كما أن استطلاعات الرأي ترجّح أن يتمكّن في الربيع المقبل من «السقف الزجاجي» الذي حال دوماً دون ولوجه المنافسة النهائية.

في المقابل، تبدو مارين لوبان، ابنة جان ماري لوبان، مؤسس «الجبهة الوطنية» التي تغيّر اسمها إلى «التجمّع الوطني» ووريثته السياسية، هي الوحيدة الواثقة من تأهلها للجولة الانتخابية الثانية، وفق نتائج استطلاعات الرأي التي تمنحها ما بين 33 و35 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى، بينما أقرب منافسيها، ميلونشون، يلهث وراءها لكنه لا يزال بعيداً عنها بما لا يقل عن 15 إلى 18 في المائة من الأصوات.

أيضاً، تبين هذه الاستطلاعات أن لوبان ستفوز بفوارق كبيرة في الجولة الثانية الحاسمة، خصوصاً إذا كان منافسها ميلونشون.

حقيقة الأمر أن الموعد الرئاسي ما زال بعيداً، والرأي العام متحول، والمعركة الانتخابية ما زالت في بداياتها. ورهان غلوكسمان، أن تستمر «حرب» مرشحي «الكتلة المركزية»، بينما يتمكن هو من تجاوز ميلونشون، وعندها يجد الناخب الفرنسي نفسه ملزماً بالاختيار بينه وبين لوبان.