حلب.. حرب إبادة الهوية والتاريخ

تقلص عدد سكان ثاني مدن سوريا من 3.5 مليون إلى مليون معظمهم في أحياء النظام ويتنوعون طائفيًا وإثنيًا

حلب.. حرب إبادة الهوية والتاريخ
TT

حلب.. حرب إبادة الهوية والتاريخ

حلب.. حرب إبادة الهوية والتاريخ

لم تكن العملية العسكرية التي ينفذها النظام السوري في مدينة حلب، مجرد حلقة في سياق الحرب التي يشنها مع حلفائه على ما يسمى «التنظيمات الإرهابية» كما يزعم، بقدر ما هي حرب تدمير ممنجهة للعاصمة الثانية برمزيتها وتاريخها وعراقتها، وضرب لتنوعها وتعددها الطائفي والثقافي الذي يعود إلى قرون. وحلب هي العاصمة الثانية بعد دمشق، والعاصمة الاقتصادية الأولى ليس في سوريا فحسب، بل ربما في المنطقة، بالاستناد إلى رمزيتها التاريخية والعمرانية. وتعد حلب ثاني المدن بعد الفاتيكان المدرجة على قائمة الاهتمام الفرنسي، بالنظر إلى الحضور المسيحي المميز فيها، والدور التنويري والنهضوي الذي لعبه المسيحيون في المدينة وجوارها، وكانوا رواد نهضتها منذ مطلع القرن السابع عشر.
يقف أهالي مدينة حلب، حاضرة الشمال السوري، بحسرة أمام مشاهد تدمير مدينتهم إحدى أعرق مدن الشرق الأوسط - بل العالم - وأغناها من حيث الإرث الثقافي. وهم من فاخر دومًا بأن «الشهباء» كانت موطئ أول سفارة أوروبية في المنطقة حتى قبل البندقية (فينيسيا). وهي احتضنت أول قنصلية أميركية في العالم العربي وتحديدًا في العام 1836 (منذ 220 سنة)، قبل أن تفتتح الولايات المتحدة سفارتها بدمشق في العام 1942. عدا عن أنها كانت أهم مدن إمبراطورية السلطنة العثمانية من الناحية الاقتصادية.
وإذا كان بديهيًا طرح السؤال المنطقي، لماذا هذه الحرب على حلب؟ لا يتأخر الجواب كثيرًا من قبل معارضين سوريين يؤكدون أن الأسباب تعود إلى أكثر من 35 سنة، عندما تعرضت حلب في العام 1980 لأول عملية قمع دموية على يد نظام البعث، إثر حركة الاحتجاج التي قادها نخبويو المدينة على مستوى نقابات الأطباء والمحامين والمهندسين والصيادلة وفعاليات المدينة وشبابها، في وجه الطغيان وعمليات تكميم الأفواه.
كل هؤلاء أجمعوا يومها على المطالبة بالديمقراطية وبنظام ليبرالي بعيدًا كل البعد عن حكم البعث والإخوان المسلمين، وقد أدت تلك الأحداث إلى إضراب شامل في كل سوريا، ما عدا العاصمة دمشق، الممسوكة والمحاصرة أمنيًا.
يومذاك اكتشف الرئيس السابق حافظ الأسد مبكرًا، أهمية المحافظة على دمشق وحلب في آن، وفق ما يكشف المعارضون لـ«الشرق الأوسط»، الذين قالوا: «إن الأسد الأب عمل على بقائهما تحت سيطرته، باعتبار أن الحضور السوري سياسيًا واقتصاديًا وتاريخيًا وثقافيًا كله موجود في هاتين المدينتين العريقتين، وهذا ما كان السبب الجوهري في تأخر انطلاقة الثورة فيهما؛ لأن النظام بنى في المدينتين تحالفات اقتصادية ومالية، وأخضعهما لقوانين جديدة هيمنت عليها المخابرات وأجهزة السلطة؛ مما أسهم في تأخر الانتفاضة الشعبية في كل من دمشق وحلب».
* حلب.. والثورة
لا يخفي ناشطون من حلب عتبهم على من اتهم مدينتهم بـ«التآمر» حينًا، وبأحسن الأحوال بالتقاعس عن الالتحاق بركب الثورة، ويتحدث هؤلاء لـ«الشرق الأوسط» عن «ظلم كبير أصابهم؛ لأن البعض غفل سهوًا أو أَغفَل عن قصد حقيقة، أن جامعة حلب كانت السبَّاقة في إطلاق شرارة التحركات الطلابية، وهي الجامعة الأولى وربما الوحيدة التي سقط فيها عشرات الطلاب الشهداء، وتعرضت لحصار خانق».
وفي الوقت الذي كان أشد المدافعين عن نظام الأسد، يعدون أن مقياس نجاح الثورة أو فشلها يتوقف على ما ستقوله حلب، جاءت انتفاضتها كـ«القشّة التي قسمت ظهر البعير»، فهي برأي معارضين حلبيين «وضعت حكم الأسد على شفير السقوط؛ مما جعل قوات النظام وأجهزة الاستخبارات سباقة إلى ارتكاب المجازر فيها، فكانت أولى المدن التي اختبر فيها سلاح الجوي، وقصف الأحياء المدنية التي ثارت وطالبت بالحرية وبسقوط النظام».
انطلاقًا من هذه المقاربة، وضع نظام بشار الأسد وحلفاؤه الروس والإيرانيون، خطة لاسترجاع حلب بأي ثمن، باعتبار أن استعادتها وبقاء دمشق في قبضته، يجعل النظام قويًا جدًا، وعندها تبقى كل المحافظات الأخرى هامشية. صحيح أن الحلبيين لم يكونوا جميعًا مع هذه الانتفاضة، خصوصًا بعض الرأسماليين بحكم الشراكة مع النظام في التجارة والصناعة والمشاريع الضخمة، لكن كان من الصعب على هؤلاء تغيير بوصلة التحاق أبناء المدينة بالثورة توقًا إلى الحرية التي تراودهم منذ عقود.
ولكن اليوم، بعد خمس سنوات على الثورة، ماذا تغير في حلب بعد كل ما جرى ويجري على أرضها؟
من الواضح أن الثورة التي انطلقت من جامعة حلب، لقيت الصدى المطلوب في الأوساط الشعبية الفقيرة وشبه المعدمة. واللافت أن هذه الطبقة من الناس تقيم في المناطق الشرقية، في وقت كان الأثرياء والمقربون من النظام يقطنون المنطقة الغربية التي لا تزال حتى الآن تحت سيطرة قوات النظام، وفق ما أوضح عضو «الائتلاف السوري لقوى الثورة والمعارضة السورية» سمير النشار، الذي لم يخف وجود أحياء فقيرة حتى في المنطقة الغربية، مشيرًا إلى أن «الأحياء الشرقية لحلب توسعت في السنوات التي سبقت الحرب، نتيجة النزوح من الأرياف إلى المدينة، والسكن في أطراف المنطقة الشرقية، باعتبار أن النازحين هم من الفقراء الذي قصدوا المدينة للعمل وكسب الرزق».
* صورة للمدينة
ويؤكد النشَّار، ابن مدينة حلب، لـ«الشرق الأوسط»، أن «المكوِّن السني هو الغالب في المدينة، لكن في الوقت نفسه تتميز بالحضور المسيحي الذي لا يقارن بالحضور الكردي أو التركماني أو الأرمني». ويتابع: «إن أهمية الحضور المسيحي في حلب، لا يكمن في كونه أصيلاً في المدينة فحسب، بل لأنه لعب الدور النهضوي والتنويري فيها، وهو يكاد ينافس الحضور المسيحي في بيروت»، لافتًا إلى أن «الحي الذي يغلب عليه الحضور المسيحي هو حي العزيزية، بينما الحضور الأرمني المتوطد منذ مائة سنة هو في حي الميدان، وهذان الحيان يقعان في القسم الغربي من المدينة».
وطالما أن الفوارق الطبقية والاجتماعية واضحة بفعل الامتيازات المالية والتجارية التي منحها النظام لحلفائه، فإن الطبقة النخبوية بحسب ما يشير النشار «تقيم في حي الحمدانية حيث الفيلات الفخمة جدًا، العائدة لأشخاص من الطائفتين الإسلامية والمسيحية، المعروف أنهم مرتاحون اقتصاديًا وماليًا». ويؤكد في الوقت عينه أن «نسبة كبيرة من المكونين المسيحي والأرمني موجودة في منطقة السبيل وفي حي السبيل المتجاورين أيضًا».
من الطبيعي أن ما كان الواقع عليه قبل الحرب لم يبق قائمًا الآن، فحركة النزوح شملت كل مناطق حلب سواء تلك الواقعة تحت سيطرة النظام أو المعارضة، وإن كانت نسبة الهجرة من مناطق المعارضة أكبر بكثير، خصوصًا بعد إحراق وتدمير الأسواق القديمة والعريقة في الأشهر الأولى للمواجهات العسكرية، باعتبار أن هذه الأسواق كانت مجرد خطوط تماس، لكونها تقع في الخط الجغرافي الفاصل بين القسمين الغربي والشرقي.
ويشدد النشار على أن «الفئات الميسورة ماديًا، خصوصًا التجار والرأسماليين سواء كانوا سنة أو مسيحيين أو أرمنيين انتقلوا إلى بيروت، حتى أن البعض منهم سافروا مع عائلاتهم إلى مصر أيضًا. أما الصناعيون فانتقلوا إلى تركيا ونقلوا معهم معاملهم ومصانعهم لسببين: الأول القرب الجغرافي والثاني لأن السوق التركية واسعة وقادرة على استيعابهم وتصريف إنتاجهم». مشيرًا إلى أن تركيا «كانت أيضًا وجهة المهاجرين من أبناء الطبقات الفقيرة، بحثًا عن ملجأ آمن وسعيًا إلى العمل وكسب لقمة العيش».
* بالأرقام..
وما دامت الهجرة سمة السوريين الهاربين من الموت، فإن حلب كانت نسخة عن باقي المدن والقرى السورية التي هشمتها الحرب، وفتكت بأبنائها قوات الأسد وحلفاؤها، وقطعت الطائرات والصواريخ والمدافع أوصالها.
وفي غياب الإحصاءات الدقيقة لنسبة المهاجرين من حلب، يقول عضو «الائتلاف السوري»: «إن التقديرات القريبة من الواقع تشير إلى أن حلب لم يبق فيها أكثر من مليون مواطن، من أصل ثلاثة ملايين ونصف أو أربعة ملايين»، مضيفًا: «إن ما بين 700 و800 ألف مواطن ما زالوا يقيمون في القسم الغربي، أي في مناطق سيطرة النظام، فيما يوجد في المنطقة الشرقية ما بين 150 و200 ألف نسمة، لم يكن بمقدورهم النزوح أو الفرار إلى أي مكان».
ولم يكن خافيًا على أحد أن أحياء حلب الغربية الواقعة تحت سيطرة النظام ما زالت تتلقى الخدمات من السلطة القائمة، وهي سهلة المنال إلى حد ما بسبب وجود خطوط الإمداد مع الخارج، لكن الوضع المنطقة الشرقية مختلف، كما يقول النشار، الذي يفيد بأن «الخدمات في مناطق سيطرة المعارضة تقدمها منظمات المجتمع المدني المدعومة من هيئات الأمم المتحدة، ومؤسسات إنسانية أوروبية، تتخذ من مدينة غازي عنتاب التركية المتاخمة للحدود السورية مقرًا لها. وهذه الهيئات تقدم خدماتها إلى الجزء الشرقي من حلب وإلى الأرياف في شرق وشمال حلب، وصولاً إلى مدينة إدلب وريفها وأطراف حمص». ويلفت إلى أن «خدمات الحكومة المؤقتة محدودة؛ لأن مواردها ضئيلة جدًا ويصعب عليها الدخول والخروج من وإلى المدينة». مشيرًا إلى أن «مشفى القدس الذي قصفته ودمرته طائرات النظام في الأيام الأخيرة، ممول من مؤسسة (أطباء بلا حدود) التي كانت تزودها بالمعدات الطبية والأدوية اللازمة والمستلزمات الأولية».
أما على صعيد الإدارة المحلية، فيتابع النشَّار: «كانت ثمة محاولة لبناء جهاز شرطة تابع للفصائل، في المناطق الشرقية، يتولى تنظيم أمور الناس، ممولة من منظمات غربية، لكن فرصها لم تنجح؛ لأن تعدد الفصائل المسلحة لم يسمح بتطبيق سلطة القانون في هذه المناطق».
* المعارك والمجازر
بعد خلط الأوراق من الناحية العسكرية، خصوصًا غداة المجازر التي ارتكبها النظام السوري، وقصفه بالطائرات لمستشفى القدس، وتدميره على رؤوس من فيه، لم يبق للعملية السياسية أي معنى برأي قادة المعارضة، وبات واضحًا أن الكلمة أصبحت للميدان، بحيث تحاول فصائل المعارضة المسلحة تعزيز مواقعها من الناحيتين البشرية والتسليحية. ولا ينكر مصدر عسكري في الجيش الحر أن «الثوار باتوا يتحسبون للأسوأ بعدما شهدته حلب في الأيام الأخيرة». ويؤكد أنهم «يتهيأون لحرب عصابات لن يكون للنظام فيها الكلمة العليا».
ويكشف المصدر لـ«الشرق الأوسط»، أن «الفصائل المسلحة المنتشرة في المناطق والأحياء الشرقية لحلب، تتحضر لمواجهة وحرب استنزاف طويلة»، لافتًا إلى أن «المجموعات القتالية المنضوية في صفوف (الجبهة الشامية)، وتضم كتائب نور الدين الزنكي و(جيش الإسلام) و(أحرار الشام) وغرفة عمليات (فتح حلب) وغيرها من الفصائل وضعت نفسها في جهوزية لقتال طويل الأمد».
وإذا كان الاستنفار والتعزيزات العسكرية حال المعارضة المسلحة، فمن باب أولى أن يكون النظام ماضيًا في تعزيزاته أيضًا؛ حيث أكد المصدر العسكري أن «قوات الأسد والميليشيات الموالية لها مثل ميليشيا (قوات الدفاع الوطني) ومقاتلي الحرس الثوري الإيراني وما يسمى (حزب الله) اللبناني و(لواء القدس) الفلسطيني وبعض المرتزقة، تتخذ أقصى الاحتياطات في مناطق وجودها». وأشار المصدر إلى أن «الهجوم المعاكس الذي شنَّه الثوار على مواقع النظام بعد مجزرة مشفى القدس، والخسائر التي تكبدها النظام وأتباعه، تؤكد أن الثورة ليست ضعيفة في حلب، وهي اكتسبت خبرة قتالية عالية تجعلها قادرة على خوض حرب استنزاف طويلة وإن بإمكانيات محدودة».
ويرى خبراء عسكريون، أن روسيا «تحاول استغلال الصمت الأميركي لفرض سيطرة النظام على سوريا، وتعد حلب مدخلا لهذه الاستراتيجية الروسية التي تسعى لزعزعة سيطرة المعارضة على شمال سوريا». ويقول الخبراء: «إن المعارضة المسلحة المعتدلة في سوريا باتت أمام تحدي وضع استراتيجية دفاعية واسعة النطاق للصيف والخريف القادمين يشارك فيها الجميع، وتثبت قدرتها على تخطي بعض الخلافات التي تعصف بها بين الحين والآخر».
ووفق قراءة هؤلاء الخبراء، فإن المعارضة بحاجة إلى «إعادة هيكلة عمليات، بما يمكنها من قلب الموازين ليس في حلب وريفها فقط، بل على امتداد جبهاتها مع النظام، لدفع الأخير إلى تقديم تنازلات وليس العكس». وقلَّلوا من إمكانية الوصول إلى هدنة في حلب؛ لأن «الولايات المتحدة غير جادة لفعل شيء في سوريا، وهو ما يدركه الروس ويحضهم على استغلال هذه المرحلة»، مؤكدين في الوقت نفسه أن «مصداقية المجتمع الدولي أصبحت في مهب الريح».
* تنوع ديموغرافي وريادة صناعية
- قلصت الحرب عدد سكان حلب إلى نحو مليون شخص، يتوزعون في الأحياء الشرقية للمدينة حيث مناطق سيطرة المعارضة، وفي الأحياء الجنوبية والغربية حيث منطقة سيطرة النظام. وبينما تعيش في مناطق المعارضة أغلبية إسلامية، يسكن في مناطق النظام خليط من المسيحيين والمسلمين والأكراد والأرمن الذي تدنى عددهم بنسبة كبيرة بعد اشتعال الحرب؛ حيث غادر عدد كبير من الأرمن إلى خارج البلاد.
وبينما كان عدد سكان المسيحيين في حلب قبل الحرب العالمية الأولى يقارب الربع في أقصى تقدير، ازداد عددهم بشكل كبير إثر هجرة الأرمن إلى المدينة. فإن هؤلاء كانوا العامل الأبرز في ازدهار المدينة صناعيًا؛ حيث بلغ عدد المصانع في حلب قبل الأزمة السورية في العام 2011 نحو ألفي مصنع للنسيج والصناعات التعدينية والحرفية وغيرها، مثل: الصناعات الكيميائية، والصناعات الدوائية، والصناعات الغذائية الخفيفة، والصناعات الكهربائية، والصناعات الهندسية، والسياحة.
ويعد حي الشيخ نجار المنطقة الصناعية الأساسية في المدينة، ويحتل مساحة 4412 هكتارًا ليكون أحد أضخم الأحياء الصناعية في المنطقة، يقدر حجم الاستثمارات بأكثر من ملياري دولار حتى نهاية عام 2009. وأدى ازدهار الصناعة فيها إلى اطراد في الصادرات، بلغت 50 في المائة من مجمل الصادرات الصناعية السورية قبل الأزمة.
وخلال أحداث الثورة السورية، تضررت حلب بشكل كبير إنسانيًا واقتصاديًا بفعل القتال والقصف، واتهم النظام قوات المعارضة بتفكيك المصانع الضخمة وبيع ألف منها لتركيا، بينما توقفت عجلة الاقتصاد في المدينة، وتعرض الكثير من معالمها الأثرية للدمار مثل قلعة حلب.



أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)

تعد العملية الدراماتيكية التي نفّذتها الولايات المتحدة لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وزوجته سيليا فلوريس، وإزاحتهما من السلطة على يد قوات عسكرية أميركية خاصة، واحدة من أهم الأحداث الجيوسياسية في حقبة ما بعد «الحرب الباردة». ومع أن «مسرح» العملية كان في أميركا اللاتينية، فإن تداعياتها تمتد إلى ما هو أبعد من المنطقة. أيضاً يشير الواقع إلى أن الهدف من العملية لم يكن مجرد إسقاط نظام مادورو، بل أيضاً العرض المتعمد للقوة الأميركية، من أجل تعطيل الشبكات الاستراتيجية لأبرز منافسي واشنطن على الساحة العالمية.

يرى مراقبون استراتيجيون أن الولايات المتحدة، عبر عملية اختطاف نيكولاس مادورو واعتقاله، لم تكتفِ بتحييد نظام معادٍ، بل أظهرت كذلك قدرتها على اختراق قيادة حاكمة، وإسقاطها من السلطة، داخل دولة لطالما حظيت بحماية دبلوماسية واقتصادية وعسكرية من منافسي واشنطن الكبار. وبذا، لم تتحدَّ واشنطن حكومة مادورو فحسب، بل تحدّت أيضاً الفرضيات التي يقوم عليها التخطيط الاستراتيجي الصيني والروسي والكوري الشمالي.

في هذا السياق، يعرب المحلل الجيوسياسي الهندي مانيش تشيبر عن اعتقاده بأن العملية الأميركية «ما كانت تهدف إلى تغيير النظام في كاراكاس، بقدر ما كانت تهدف إلى إعادة تأكيد الهيمنة الأميركية... وعموماً سعت العملية إلى تعطيل قدرة الدول المنافسة على بسط نفوذها وتعزيز التسلسل الهرمي في النظام الدولي. وجاءت الرسالة واضحة لا لبس فيها: التحالف مع خصوم الولايات المتحدة لا يضمن الحماية». ويضيف تشيبر: «من وجهة نظر واشنطن، مثّلت فنزويلا نقطة ضغط مثالية؛ إذ كانت متجذّرة بعمق في البنية الاستراتيجية لكل من الصين وروسيا، وتعتمد بشدة على دعمهما الاقتصادي والعسكري، ناهيك من أنها تقع جغرافياً في منطقة تُعتبر تاريخياً حيوية للأمن الوطني الأميركي. وبالتالي، فالضربة في فنزويلا مكّنت واشنطن في آن معاً من تعطيل شبكات منافسة متعددة». وحقاً، كان كل من الصين وروسيا قد استثمرتا بكثافة في فنزويلا ضمن مساعيهما لتحدي النفوذ الأميركي في ما تعتبره واشنطن منذ فترة طويلة «فناءها الخلفي» الاستراتيجي.

انتكاسة استراتيجية لبكين

بالنسبة للصين، يأتي إسقاط مادورو بمثابة ضربة قاسية. إذ إن فنزويلا لم تكُن مجرد شريك آخر في جهود بكين المتنامية للانخراط داخل دول «الجنوب»، بل كانت محوراً استراتيجياً لها في أميركا اللاتينية، واختباراً حاسماً لقدرتها على حماية مصالحها وتحدّي هيمنة واشنطن خارج شرق آسيا.

وحقاً، طيلة عقدين، رسّخت بكين مكانتها كشريك لا غنى عنه لفنزويلا - بلداً وسلطةً - بفضل القروض المدعومة بالنفط، والتعاون في مجال الطاقة، وتمويل البنية التحتية، والدعم الدبلوماسي. وكثيراً ما وصف المحلّلون الصينيون هذه الشراكة بأنها تقوم على «المنفعة المتبادلة»، إذ تلقت كاراكاس دعماً مالياً ودعماً سياسياً. وفي المقابل، أمّنت بكين إمدادات الطاقة ونفوذاً إقليمياً.

أيضاً، برزت الصين كأكبر مستورد للنفط الخام الفنزويلي، وتكشف الأرقام أنها استوردت ما يقارب 400 ألف برميل يومياً عام 2025، أي أكثر من نصف إجمالي صادرات فنزويلا. وكانت هذه التدفّقات النفطية «شريان حياة» لحكومة مادورو، إذ حافظت على إيرادات الدولة تحت وطأة عقوبات وانهيار اقتصادي واضطرابات داخلية مستمرة.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن فنزويلا تهدّدت بأزمات مالية هائلة. ومنذ مطلع العقد الأول من الألفية الثانية، قدّمت لها بكين قروضاً تجاوزت قيمتها 100 مليار دولار، أي ما يقارب 39 في المائة من إجمالي القروض الصينية المقدمة لمجمل دول أميركا اللاتينية. ومع أنها سددت جزءاً من هذه الديون، لا تزال فنزويلا مدينة للصين بما يُقدّر بما بين 10 و12 مليار دولار، معظمها مُرتبط بترتيبات تتعلق بالسلع الأساسية. وبجانب النفط، استثمرت الشركات الصينية بكثافة في التعدين، (بالذات) الذهب والاتصالات والبنية التحتية.

نقاط الضعف الصينية

بالتوازي، وبينما ركّزت التحركات الأميركية الأخيرة في فنزويلا علناً على النفط والنفوذ السياسي، يرى محللون أن «تقييد» المصالح الصينية شكّل هدفاً رئيسياً. إذ لطالما كانت الصين مشترياً أساسياً للنفط الخام الفنزويلي، واستثمرت بكثافة عبر صفقات «قروض مقابل النفط»، التي ربطت التمويل بضمانات إمدادات النفط. ويُبرز تعطيل هذا الترتيب هشاشة أصول الطاقة الصينية في الخارج، ولا سيما المناطق الهشّة سياسياً، وتلك التي تقع خارج نطاق سيطرتها العسكرية. وربما يدفع هذا الانكشاف بكين إلى إعادة تقييم استثماراتها في أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا الوسطى.

الواقع أن فنزويلا تمثّل معضلة في الاستراتيجية الصينية تجاه الموارد الخارجية. فغالباً ما يؤدي تأمين أصول الطاقة والمعادن البعيدة من دون التزامات أمنية مقابلة إلى انكشافها، بدلاً من تعزيز قدرتها على الصمود. وقد تتحوّل الأصول التي كانت تُعدّ في السابق حواجز استراتيجية إلى أعباء في المناطق المتنازع عليها، خاصةً في ظل اشتداد المنافسة الجيوسياسية وقدرة الخصوم على إعادة رسم النتائج بالقوة أو الدبلوماسية.

الثروات الأرضية النادرة

وهنا يتناقض ضعف الصين بشكل حادّ مع موقعها في مجال الثروات الأرضية النادرة والمعادن الحيوية. ولقد وصف مسؤولون ومحللون أميركيون المتطلبات الصينية المتعلقة بتراخيص التصدير التي أقرّت أواخر عام 2025 بأنها محاولات «لاستغلال» قدرتها التصنيعية شبه المهيمنة، خاصة في مجال المعادن النادرة المتوسطة والثقيلة التي تتسم بأهمية بالغة لأنظمة الدفاع والإلكترونيات المتقدمة والمركبات الكهربائية وتقنيات الطاقة المتجددة. وجاءت هذه الإجراءات عقب فرض واشنطن قيوداً على أشباه الموصلات وغيرها من التقنيات ذات الاستخدام المزدوج للشركات الصينية. ومع أن بكين حافظت لاحقاً على الصادرات بموجب ترتيبات محدودة ومؤقتة، عزّزت هذه العملية المخاوف من جاهزيتها لتحويل هيمنتها التصنيعية إلى نفوذ جيوسياسي.

في هذا الإطار، يرى المحلل الهندي راجا موهان أن الضغط الأميركي على فنزويلا «قد يُستخدم كورقة ضغط مضادة غير مباشرة في مواجهة السيطرة الصينية على المعادن النادرة وغيرها من المواد الاستراتيجية». وعبر تهديد مصدر طاقة رئيس واحتياطيات معدنية محتملة، «تضغط واشنطن على بكين في مجالات استراتيجية متعدّدة»... وبالتالي، يمكن اعتبار تشديد بكين اللاحق على «ضوابط» تصدير المعادن النادرة خطوة دفاعية أو انتقامية في خضم صراع جيوسياسي متصاعد، لا مجرّد إجراء اقتصادي معزول.

من جهة ثانية، لا تقتصر الأهمية الاستراتيجية لفنزويلا على النفط وحده، إذ تختزن أرضها أيضاً احتياطيات غير مستغلة من المعادن النادرة البالغة الأهمية للتخطيط الصناعي والتكنولوجي والدفاعي الطويل الأجل. وفي هذا الإطار، رأى المحلل الهندي سوشانت سارين أن قضية المعادن النادرة «تُسلط الضوء على حدود جهود الإكراه الاقتصادي من دون وجود نفوذ أمني مُكمّل. فالهيمنة على سلاسل التوريد قد تُوفر قوة تفاوضية قصيرة الأجل، لكنها لا تستطيع منع الخصوم من إعادة تشكيل المشهد الاستراتيجي بالوسائل السياسية أو العسكرية». وهكذا، تحمل فنزويلا درساً مهماً لبكين: فالسيطرة على نقاط الاختناق في عمليات المعالجة لا تعني بالضرورة السيطرة على نتائجها داخل المساحات الجيوسياسية، التي تحركها الأزمات.

انكشاف فجوة الصدقية

وللعلم، في أعقاب العملية مباشرة، أصدرت بكين إدانة دبلوماسية شديدة اللهجة، متهمة واشنطن بانتهاك القانون الدولي وتهديد الاستقرار الإقليمي. واستنكر المسؤولون الصينيون ما وصفوه بـ«السلوك الساعي لفرض الهيمنة»، وحذّروا من الإجراءات أحادية الجانب. لكن، بخلاف الخطابات والتصريحات، لم تُقدّم القيادة الصينية أي ردّ ملموس. إذ لم تكن هناك أي إشارة عسكرية، ولا أي نشر وقائي، ولا أي إجراء مضاد لحماية مصالحها أو أفرادها على الأرض. وأكثر من هذا، تشير تقارير إلى أن الاستخبارات الصينية بوغتت بالعملية الأميركية، في حين أثبتت أنظمة الدفاع الجوي الصينية في فنزويلا انعدام فاعليتها خلال العملية.

بخلاف التداعيات الدبلوماسية المباشرة، قد تجبر الأزمة الفنزويلية بكين على مواجهة تناقضات هيكلية أعمق في استراتيجيتها العالمية؛ فقد بنت الصين نفوذها الخارجي أصلاً على المهارة الاقتصادية للدولة كالقروض، والبنية التحتية، وشراكات الطاقة، والإحجام عن فرض شروط سياسية. لكن أزمة فنزويلا الأخيرة كشفت أن العمق الاقتصادي لا يُترجم تلقائياً إلى قدرة على الصمود في وجه الأزمات. وهنا يحلّل راجا موهان المسألة على النحو الآتي: «تكشف هذه الحادثة عن فجوة في مصداقية الاستراتيجية الصينية العالمية. إذ بمقدور بكين تقديم الاستثمار والتجارة والدعم السياسي، لكنها عاجزة حتى الآن عن تقديم ضمانات أمنية قاطعة بمواجهة قوة أحادية حاسمة».

ويتابع المحلل الهندي: «بما يخص حكومات أميركا اللاتينية، تثير التداعيات القلق، فالتقارب مع الصين يُحقق فوائد اقتصادية، لكنه لا يُترجم بالضرورة إلى حماية عند مواجهة ضغوط واشنطن. بل قد يتبع ذلك إعادة تقييم هادئة للتوجّه نحو واشنطن للحصول على ضمانات أمنية... ما يُبطئ وتيرة التوسع الصيني إقليمياً».

أما المحلل الاستراتيجي الهندي أماليندو ميسرا، فيوضح: «إن أمام صانعي السياسة الصينيين الآن مراجعة صعبة. فحماية الاستثمارات الخارجية بالوسائل العسكرية تتطلب تمركزاً متقدماً، واختراقاً استخباراتياً، وتأهباً للتصعيد... وهذه خطوات تتناقض في مجملها مع تركيز بكين المُستمر على تجنّب التدخل. ومع ذلك، فإن استمرار ضبط النفس يُهدد بمزيد من تآكل المصداقية بين الدول الشريكة».

هذه الفجوة في الصدقية لا تنطبق على فنزويلا وحدها، بل يتردد صداها في جميع أنحاء منطقة «مبادرة الحزام والطريق» الصينية الأوسع، حيث يجري عدد من الدول المستفيدة من «المبادرة» تقييماً هادئاً لمدى ضمان الشراكات الاقتصادية مع الصين، أي حماية أمنية فعّالة خلال فترات الأزمات الحادة. وعليه، فمثال انعدام الحماية الصينية في فنزويلا قد يؤثر على المفاوضات المستقبلية، وتقييمات المخاطر، والتوقعات السياسية في مناطق بعيدة عن أميركا اللاتينية.

هل تُشكّل فنزويلا نموذجاً لتايوان؟

على صعيد آخر، بين القراءات الأكثر جدية لعواقب العملية الأميركية القراءة الخاصة بمصير تايوان. فهل تعتبر بكين العملية نموذجاً لمعاملة تايوان؟

ظاهرياً، استغلّ المسؤولون الصينيون العملية للتشكيك في صدقية الولايات المتحدة حيال الالتزام بمبادئ السيادة والقانون الدولي. لكن ثمة محللين عقدوا مقارنات مباشرة بين فنزويلا وتايوان. وكمثال، وصف ستيف تسانغ، مدير معهد الدراسات الصينية في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية (سواس) بجامعة لندن، هذا بأنه «فخّ نفاق» يسمح لبكين بالزعم أن المعايير الدولية تُطبّق بشكل انتقائي، وبالتالي فهي قابلة للتفاوض.

وفي المقابل، يرفض آخرون فكرة أن فنزويلا تُقدّم نموذجاً تكتيكياً لتايوان. ووفق واي كيه سينها، السفير الهندي السابق لدى فنزويلا: «ثمة فوارق واضحة... فنزويلا تفتقر إلى حلفاء موثوقين مستعدين للقتال، ولم تكن لديها ضمانات أمنية مُلزمة، كما كانت قدراتها الردعية ضئيلة. أما تايوان فتشكل النقيض تماماً، إذ تتميّز بدعم أميركي عميق، وتكامل عسكري كثيف، ومخاطر تصعيد عالية للغاية، الأمر الذي تدركه بكين بوضوح».

ولكن رغم استبعاد أن تُشكّل فنزويلا نموذجاً عسكرياً لتايوان، فإنها تُزوّد بكين بذخيرة خطابية في بحر الصين الجنوبي. وعبر تسليط الضوء على الأحادية الأميركية، تستطيع بكين أن تُجادل بأن الأعراف السائدة تتبع القوة، بدلاً من أن تُقيّدها. ويدعم هذا التأطير ادعاء بكين القديم بأن أفعالها في المياه المتنازع عليها لا تختلف عن التدخلات الأميركية في أماكن أخرى.

كوريا الشمالية...وتعزيز خطاب الردع

في اتجاه آخر، إلى جانب الصين، وجّهت عملية فنزويلا رسالة ردع إلى كوريا الشمالية. وجاء ردّ فعل قيادتها أقوى وأكثر حدة من كثير من الردود الدولية الأخرى. وبعكس بعض حلفاء واشنطن، الذين أعربوا عن قلقهم، لكنهم لم يصلوا إلى حد الإدانة الصريحة، كان ردّ بيونغ يانغ قاسياً وذا طابع آيديولوجي، متسقاً مع معارضتها التاريخية للعمليات العسكرية الأميركية.

إذ أدانت وزارة خارجية بيونغ يانغ، عبر وكالة الأنباء المركزية الكورية الرسمية، العملية، ووصفتها بأنها «أخطر شكل من أشكال التعدي على السيادة»، واصفةً الولايات المتحدة بأنها «مارقة ووحشية». وأعقب هذه الإدانة إطلاق صواريخ باليستية - الأولى منذ عدة أسابيع – ما فُسِّر على نطاق واسع بأنه إشارة متعمدة.

ومن ثم، يرى محللون أن العملية الفنزويلية تعزز الاعتقاد الاستراتيجي الأساسي لدى كوريا الشمالية بأن الأسلحة النووية لا تزال الضمانة النهائية لبقاء النظام. ووفق المحلل الهندي سوشانت سارين: «فيما يخص يونغ يانغ، تُعزز فنزويلا قناعة راسخة مفادها أن الأنظمة التي تفتقر إلى رادع موثوق، تظل عرضة للخطر بغضّ النظر عن التحالفات الدبلوماسية. وتُعزز هذه الحادثة مبررات كوريا الشمالية للاحتفاظ بترسانتها النووية وتوسيعها، وتُصعّد مقاومتها لنزع السلاح النووي، وتُرسّخ فكرة أن القوة العسكرية الضمانة الوحيدة ضد التدخل الخارجي».

نمط استراتيجي أوسع

في نهاية المطاف، تُبرز عملية فنزويلا سمة أساسية للجغرافيا السياسية المعاصرة: أن القوة تُمارس بشكل متزايد من خلال السرعة والدقة والتأثير النفسي، بدلاً من المواجهة المطولة. وفي ما يخص الصين وكوريا الشمالية، بل روسيا أيضاً، تُذكّر هذه الحادثة بأن النفوذ دون حماية قابلة للتنفيذ يبقى مشروطاً. وفي نظام تكون فيه مصداقية الردع أهم من التحالفات القائمة على التصريحات والبيانات، من المرجح أن يشكل التوازن بين النطاق الاقتصادي والقدرة الأمنية النتائج الاستراتيجية في السنوات المقبلة.


مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
TT

مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع

في قلب غرب أفريقيا، تبرز قصة الرئيس الغيني مامادي دومبويا، كواحدة من أكثر التحولات السياسية دراماتيكية، المشحونة بالتناقضات خلال العقد الأخير. إذ نجح العسكري الذي أمضى معظم حياته برتبة عريف أوَّل في الجيش الفرنسي، خلال 4 سنوات فقط في التدرّج من قائد انقلاب عسكري إلى رئيس منتخب أخيراً، في مشهد يعكس تعقيدات السلطة والسياسة في «القارة السمراء». ما يجعل رحلة دومبويا أكثر إثارة للجدل هو التناقض العميق في شخصيته وسياساته، فهو يحكم بلداً غنياً بالثروات المعدنية، لكن البلاد تعاني تحت وطأة الفقر. ثم إن دومبويا، الذي تلقى إعداداً عسكرياً مبكّراً في إسرائيل، يقف في قلب مفارقة تاريخية وسياسية، فقيادته جاءت في بلد عرف بدعمه لحركات التحرّر الوطني الأفريقي وبتوتراته مع إسرائيل، لكنه اليوم يسعى لإعادة تشكيل الدولة وفق رؤيته الخاصة.

مامادي دومبويا، البالغ من العمر 42 سنة، لم يتردّد في استخدام سرعته العسكرية لتحقيق السلطة، لكنه لم يكتفِ بذلك، بل مضى نحو كسب شرعية انتخابية لإعادة إنتاج قيادته وإضفاء طابع قانوني على حكمه، في قارة شهدت عشر انقلابات خلال 5 سنوات.

تحيط أستار السرّية بنشأة دومبويا، المولود يوم 5 ديسمبر (كانون الأول) 1984 في مدينة كانكان بشرق غينيا، لكن المعروف أنه ينتمي إلى شعب «المالينكي»، وهو مجتمع تاريخياً محافظ، وقيادي، ومتماسك اجتماعياً، له تأثير سياسي واضح، ما يفسّر حضور شخصيات مثل دومبويا في المشهد العسكري والسياسي لغينيا وأفريقيا الغربية.

زوجة فرنسية

هذا الانتماء العرقي الأصيل لم يمنع دومبويا من الزواج من سيدة فرنسية بيضاء، اسمها لوريان داربو، وسط شحِ في المعلومات عن «سيدة غينيا الأولى» المرتقبة. ومن ناحية ثانية، يُنظر إلى الرئيس الغيني كقائد عسكري استثنائي، تميَّز عن نظرائه من قادة الانقلابات في القارة الأفريقية، إذ جمع بين التدريب التكتيكي التقليدي والخبرة في الأمن السيبراني والإدارة الاستراتيجية. ولقد صُقلت هذه المهارات عبر مسار مهني طويل، تميّز بالتدريب الدولي والعمل الميداني في عدة دول، أبرزها فرنسا حيث أمضى 15 سنة ضمن صفوف الجيش و«الفيلق الأجنبي» الفرنسي، مكتسباً خبرة لا تقتصر على التكتيكات العسكرية التقليدية فحسب، بل شملت أيضاً مهارات القيادة في بيئات معقّدة ومتعدِّدة الأبعاد.

خلال مسيرته، شارك دومبويا في عدة مهام عملياتية في مناطق النزاعات حول العالم، من أفغانستان وكوت ديفوار إلى جيبوتي وجمهورية أفريقيا الوسطى، كما تولّى حماية شخصيات دولية في إسرائيل وقبرص وبريطانيا وغينيا، وفق تقارير «إنتليجنس أونلاين». كلّ هذه التجارب أكسبته رؤية شاملة لمفاهيم الأمن وإدارة الأزمات، جعلته قادراً على التحرّك بسرعة وكفاءة في مواجهة التحدّيات السياسية والعسكرية على حد سواء.

وبدت مفارقة الأقدار متجسّدة بوضوح في المسار الذي أوصل دومبويا إلى قمة السلطة، بتناغم لافت مع مقولة الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه «مَن يرفعكَ إلى القمة قد يكون أول مَن يدفعك منها». إذ في عام 2018، لم يكُن الرئيس السابق ألفا كوندي يتوقّع أن قراره بتكليف دومبويا بقيادة مجموعة «القوات الخاصة» النخبوية (GFS) سيؤسس، بعد ثلاث سنوات فقط، لانقلاب عسكري أطاح به في سبتمبر (أيلول) 2021 على يد «الوحدة» ذاتها التي أوكل إليها حمايته وترسيخ نفوذه.

نموذج معقّد للقادة الانتقاليين

بعد هذا الانقلاب، الذي لحق بموجة انقلابات اجتاحت «القارة السمراء» منذ مطلع هذا العقد، جسَّد مامادي دومبويا نموذجاً معقداً لقائد انتقالي يجمع بين خطاب الاستقرار والتنمية وطموح تثبيت السلطة، في ظل مسار سياسي يثير جدلاً واسعاً حول الالتزام بالديمقراطية والحرّيات.

ذلك أنه بينما قدّم نفسه منقذاً للدولة من «حكم الفرد» التسلّطي في أول ظهور تليفزيوني له عقب الانقلاب، تلازمت سلطته مع تضييق غير مسبوق على المعارضة، شمل حلّ عشرات الأحزاب وإقصاء المنافسين المحتملين، ما أفرغ الانتخابات الرئاسية من مضمون التعدّدية.

وفي الاتجاه نفسه، حمل تحوّل الرجل من «قائد انقلاب» إلى «رئيس منتخب» تناقضات صارخة، أبرزها تراجعه عن تعهدات سابقة بالامتناع عن الترشح، عقب تعديل دستوري أزال القيود المفروضة على أعضاء المجلس العسكري. وفي مقابل خطابه الذي بشّر بإنهاء الحكم الفردي، تتهمه تقارير دولية ومحلية اليوم بتقييد الحرّيات وقمع الاحتجاجات وتهميش الخصوم السياسيين.

وحقاً، بين تثبيت الشرعية والتضييق على المعارضين داخلياً، يخضع مسار مامادي دومبويا لاختبار دقيق بين السلطة والحقوق. ففوزه الرئاسي بنسبة 86.72 في المائة بيَّن دعماً شعبياً شكلياً، خاصة بين الشباب والعمال، وهو ما كشفته شهادات بثتها وكالات أنباء عالمية. وفي المقابل، حاول ترسيخ صورة انتقاله من قائد عسكري إلى صاحب شرعية انتخابية مدنية وسياسية جديدة كاملة، بكلامه عن «غينيا للجميع».

من جهة أخرى، ركَّز دومبويا اقتصادياً، على قطاع التعدين ومشروع «سيماندو» للحديد، الذي تملك الصين 75 في المائة منه، مع استثمارات البوكسيت والبنية التحتية. وهنا نشير إلى أنه، على الرغم من برامج تدريب الشباب الرقمية، يواجه نصف سكان غينيا فقراً، وأمناً غذائياً هشّاً، وسط انتقادات ترى الإصلاحات تكريساً للسلطة واستمرار التحديات الاجتماعية الكبرى.

اختبار السياسة... إقليمياً ودولياً

على الصعيد السياسي، يأتي الاختبار التقليدي لمسار دومبويا على المستوى القاري الأفريقي، ضمن موجة الانقلابات التي وقعت منذ عام 2020 في غرب أفريقيا والساحل. وهذه الانقلابات تجسّد توتر علاقة الجيوش بالسلطة المدنية، مع سعي قادتها «إنتاج» شرعيتهم انتخابياً. وكما هو معروف، تشهد أفريقيا جنوبي الصحراء عدة حالات لقادة عسكريين شرعنوا بقاءهم حتى 2029 تقريباً، مع إمكانية إجراء انتخابات فقط إذا تحسّنت الظروف الأمنية.

أما لجهة السياسة الدولية العليا، فلم توضع علاقات دومبويا مع واشنطن على محك التجربة بعد بشكل مباشر ومعلن. إلا أن فوزه حظي بلهجة معتدلة من جانب واشنطن، عبر سفارتها، التي أعربت عن دعمها الرسمي للرئيس المنتخب، مع التركيز على العلاقات الاقتصادية والاستقرار. واللافت أن الصين، الشريك الاقتصادي الرئيسي لدومبويا، لم تكن بمنأى عن المشهد، إذ سارع رئيسها شي جينبينغ برسالة تهنئة، مشدّداً على تطوير الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين.

دور إسرائيل الموعود... والمتعاظم مستقبلاً

ولكن بجانب هذه المفارقة، ثمة مفارقة مهمة أخرى لا تبدو اليوم لافتة بقدر ما هي دالة تاريخياً. ففي بلدٍ، كغينيا ارتبط اسمه طويلاً بموقف عدائي صريح من إسرائيل إبان عهد زعيمه الاستقلالي التاريخي أحمد سيكوتوري، تبدو الأمور إلى تغيّر جذري.

سيكوتوري كان قد قطع العلاقات مع الدولة العبرية تضامناً مع الدول العربية عقب نكسة الخامس من يونيو (حزيران) 1967، إلا أن المشهد السياسي الراهن يسير في مسار مغاير تماماً، ولعل الترحيب الأميركي بانتخاب دومبويا ينمّ عن التغيّر المرجح. ذلك أنه سبق لدومبويا، أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع، بعدما أوفدته فرنسا ضمن برامج ذات طابع أمني، فيما يوحي بوجود تحوّل عميق في بوصلة العلاقات الخارجية لكوناكري.

أيضاً، إبان عهد دومبويا، أبدت إسرائيل اهتماماً خاصاً بتعزيز حضورها في قطاع الأمن السيبراني الغيني، وفق ما أورده موقع «إنتليجنس أونلاين» الاستخباراتي، وهذه خطوة تعكس استمرارية العلاقات الدبلوماسية التي أُعيد إحياؤها عام 2016 بعد قطيعة دامت قرابة خمسة عقود. وكذلك يشير هذا التطور إلى فتح صفحة جديدة من التعاون تتجاوز الطابع الدبلوماسي التقليدي إلى شراكات أمنية وتقنية أكثر عمقاً. ويرى خبراء أن هذا المسار مرشّح لمزيد من التوسّع.

تطبيع واستخبارات

وفي تقدير للدكتور يسري العزباوي، الباحث السياسي في «مركز تريندز للبحوث والاستشارات» في أبوظبي، فإن دومبويا، سواءً استمر في السلطة أو خلفه غيره، «سيمضي بخطوات أوسع على طريق التطبيع مع إسرائيل، لا سيما في مجالي التعاون العسكري والتسليح». ويضيف العزباوي أن مجموعة كبيرة من الدول الأفريقية التي تشهد انقلابات عسكرية تبقى عملياً رهينة للرضى الأميركي، مذكّراً بأن «المدخل إلى هذا الرضى يمر غالباً عبر إسرائيل».

ويستند العزباوي في تحليله، إلى ما يصفه بـ«التوغّل الإسرائيلي المتنامي في أفريقيا طيلة السنوات الأخيرة، في مقابل غياب تنسيق عربي فاعل». ويلفت في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن السلاح الإسرائيلي لم يعُد حاضراً في دول أفريقيا جنوبي الصحراء ووسطها فحسب، بل امتد أيضاً إلى شمال القارة.

ووفق العزباوي، يكتسب هذا التوجّه زخماً إضافياً، من «التأييد الكامل الذي وفّرته إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب لإسرائيل»، ما يمنحها هامش حركة أوسع في الساحة الأفريقية.وإجمالاً، فإن نجاح دومبويا في الانتقال من قائد انقلاب إلى رئيس منتخب يمثل اختباراً نادراً في أفريقيا، حيث لا تتيح الانقلابات العسكرية عادةً فرصة للتحوّل إلى قيادة مدنية شرعية، بما يفتح باب التساؤل... هل تكون تناقضات دومبويا هي «كلمة السرّ» التي ستجعله استثناءً في «القارة السمراء»؟


في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
TT

في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo

تقف غينيا، الواقعة في قلب غرب أفريقيا، عند مفترق طرق اقتصادي وسياسي حاسم وبالغ الحساسية. فالبلد الذي يزخر بواحدة من أغنى الثروات الطبيعية في القارة، يجد نفسه أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في تحويل هذه الموارد الهائلة إلى نمو اقتصادي شامل ومستدام، بالتوازي مع مساعٍ لتحقيق استقرار سياسي بعد عقود من الاضطرابات والانقلابات العسكرية التي ألقت بظلالها الثقيلة على مسار التنمية.

منذ الاستقلال عن فرنسا عام 1958، شهدت غينيا ثلاثة انقلابات عسكرية بارزة أعوام 1984 و2008 و2021، أطاحت برؤساء مدنيين أو عسكريين، ورسّخت صورة بلد يعاني من هشاشة سياسية مزمنة.

هذا الإرث الانقلابي أسهم في إضعاف ثقة المستثمرين، وعرقل في فترات كثيرة الاستفادة الكاملة من الثروات الطبيعية، وبالتالي الإمكانات الاقتصادية الكبيرة التي تمتلكها غينيا.

وأيضاً رغم هذا السياق السياسي المعقَّد، شهد الاقتصاد الغيني خلال السنوات الأخيرة نمواً ملحوظاً، مدفوعاً أساساً بقطاع التعدين. إذ أعادت الطفرة في صادرات المعادن غينيا إلى واجهة الاهتمام الدولي، لا سيما مع امتلاكها أكثر من 25 في المائة من احتياطيات البوكسيت العالمية، ما يجعل منها واحدة من أكبر مصدّري هذه المادة الخام الأساسية لصناعة الألمنيوم. وبالإضافة إلى البوكسيت، تزخر البلاد باحتياطيات معتبرة من الذهب والألماس ومعادن أخرى، ما يمنحها موقعاً استراتيجياً في خريطة الموارد الطبيعية الأفريقية.

في نهاية عام 2025، خطت الحكومة الغينية خطوة وُصفت بالتاريخية عبر تدشينها استغلال منجم سيماندو العملاق للحديد في جنوب البلاد، وهو أحد أكبر مكامن الحديد غير المستغلة في العالم. ولقد رُوّج للمشروع رسمياً بأنه «حلم أجيال»، نظراً لما يُنتظر أن يوفره من عائدات مالية وفرص عمل، إضافة إلى دوره في تعزيز البنية التحتية عبر إنشاء خطوط سكك حديدية وموانئ مرتبطة به. بيد أن المشروع، على ضخامته، يضع غينيا قبالة تحديات كبيرة تتعلق بالحوكمة والشفافية، بالذات في قطاع التعدين الذي لطالما كان بؤرة نزاعات سياسية وقانونية.

بيانات البنك الدولي تفيد بأن الناتج المحلي الإجمالي لغينيا سجل نمواً ثابتاً في السنوات الأخيرة، مستفيداً من توسع أنشطة التعدين وارتفاع الإنتاج الزراعي. ومع هذا، لا يزال الاقتصاد الغيني يعاني من اختلالات هيكلية، في مقدمتها الاعتماد المُفرط على الموارد الطبيعية وضعف تنويع القطاعات الاقتصادية، إلى جانب محدودية الإيرادات الضريبية، ما يقيّد قدرة الدولة على تمويل الخدمات الاجتماعية الأساسية.

من ناحية أخرى، تظل الزراعة، التي تشغّل أكثر من نصف القوى العاملة، قطاعاً حيوياً، لكنه يعاني من ضعف الإنتاجية واعتماد أساليب تقليدية، الأمر الذي يقلص مساهمته في الصادرات والنمو الاقتصادي. ويرى خبراء أن تحديث هذا القطاع يمكن أن يشكل رافعة حقيقية للتنمية، خصوصاً في المناطق الريفية الأكثر فقراً.

إلى جانب التعدين والزراعة، تمتلك غينيا إمكانات هيدروليكية كبيرة تؤهلها لأن تغدو مصدراً رئيساً للطاقة في غرب أفريقيا. وراهناً تسعى السلطات إلى استثمار هذه الموارد عبر مشاريع لتوسيع إنتاج الكهرباء، وتحديث الموانئ، وتطوير شبكات السكك الحديدية، من بينها خط سيماندو – موريبايا الذي يمتد لأكثر من 650 كيلومتراً، بما يعزّز ربط البلاد بالأسواق العالمية ويسهل حركة التجارة.

ولكن، رغم هذه الآفاق الواعدة، تبقى التحديات الاجتماعية والاقتصادية حاضرة بقوة. فالفقر ما زال واسع الانتشار، وإمكانات الدولة المالية محدودة، في حين يواصل ضعف الشفافية في قطاع التعدين إثارة مخاوف المستثمرين الدوليين. وبالطبع يبقى الاستقرار السياسي عاملاً حاسماً وضرورياً في مستقبل البلاد، في ظل تاريخ طويل من الانقلابات والحكم المدني المتعثر.

وبالتالي، يرجّح مراقبون أن نجاح غينيا في تحويل ثرواتها الطبيعية إلى تنمية حقيقية يتوقف على تنفيذ تغييرات بنيوية عميقة، تشمل تعزيز الإدارة المالية والاستثمار في رأس المال البشري وتنويع الاقتصاد بدلاً من الاعتماد الأحادي على التعدين، وقبل كل ذلك بيئة سياسية دون انقلابات عسكرية أو توترات سياسية.