«كتاب الغابة» يستلهم الأدباء ويُلهم المخرجين لإنجاز أفلام مشوقة

غابات مخيفة وحكايات من المخاطر غير المحسوبة

من «كتاب الغابة» النسخة الحديثة ({الشرق الأوسط})
من «كتاب الغابة» النسخة الحديثة ({الشرق الأوسط})
TT

«كتاب الغابة» يستلهم الأدباء ويُلهم المخرجين لإنجاز أفلام مشوقة

من «كتاب الغابة» النسخة الحديثة ({الشرق الأوسط})
من «كتاب الغابة» النسخة الحديثة ({الشرق الأوسط})

الغابة التي يستخدمها فيلم «كتاب الغابة» لا مكان لها في الواقع. لم يسافر فريق العمل إلى الهند أو إلى أفريقيا ولا حتى للبرازيل. كله مصنوع على الكومبيوتر والنتيجة، على شبهها ببعض ما في الغابة الأفريقية من تضاريس وطبيعة، إلا أن أشكال أشجارها ودكانة مواقعها مختلفة عن أي موقع معروف والغاية هي تضخيم المكان للإيحاء بحدة المخاطر التي تحيط ببطله، وبما أن الغابة هي كل ما في الفيلم من مواقع، فإنها تلعب دورًا أساسيًا وفاعلاً لا يقل أهمية عن دور الغابة في أفلام طرزان مثلاً.
بطل الفيلم هو صبي موغلي (يقوم به صبي بخلفية تلفزيونية محدودة اسمه نيل سَثي) الذي فقد طريقه طفلاً في الغابة فتبناه قطيع من الذئاب حتى إذا أصبح صبيًا عايش المغامرات التي يسردها الفيلم هنا وقوامها أن الفهد الفتّاك شري خان (صوت إدريس ألبا) الذي كان قتل والد موغلي يبحث عنه في كل مكان لكي يقتله. حيوانات الغابة الأخرى، في معظمها، تحب موغلي ولا تتمنّى له الموت لذا تنصحه بأن يترك الغابة، لكن موغلي لا يستجيب لذلك. أحد الحيوانات القليلة الأخرى التي تكن العداء للصبي هو الأفعى الضخمة كا (صوت سكارلت جوهانسن). مما يمنع الصبي من مغادرة الغابة التي باتت تشكل خطرًا عليه، هو أنه لا يعرف شيئًا عن البشر. لمؤازرته هناك الفهد الأسود باغيرا (بن كينغسلي) الذي يتابع تحركاته وينصحه لما هو خير له.
في جلّها، هي ذات الحكاية التي شاهدها الجيل السابق في عام 1967 في فيلم من الرسوم المتحركة أنتجته ديزني أيضًا بالعنوان ذاته. لكن إذا كانت الحكاية متقاربة فإن الفيلم الجديد ينضح بآخر التطوّرات الكومبيوغرافيكية الباهرة. لم تعد المسألة هنا رسمًا أو حتى مؤثرات خاصة. حيوانات هذا الفيلم تتحرك على نحو طبيعي بأحجام أغلبها واقعي، وحين تتكلم فإن الناتج ليس كوميديًا بل مرتبطًا بالرغبة في إبقاء كل شخصياتها واقعية، حتى وإن كان من البدهي جدًا أن كل شيء نراه هنا هو فانتازيا خيالية كبيرة.
بجانب أن كل الأحداث تقع في الغابة، فإن الإنسان الوحيد في هذا الفيلم هو موغلي نفسه. الباقون حيوانات متعددة. هذا لم يكن شأن رواية جوزيف روديارد كيبلينغ الذي وُلد في الهند سنة 1865 وتوفي في موطن والديه، بريطانيا، سنة 1936 على الرغم من أن الفيلم الحالي مقتبس من تلك الرواية. فالحكاية الأصلية تشمل شخصيات بشرية أخرى كثيرة، وموغلي يقود الأحداث لكن ليس وحيدًا في ذلك، والحيوانات المحيطة به تفهم عليه لكنها لا تتحدّث إليه. إلى ذلك، فإن الموقع ليس حكرًا على الغابة وحدها، بل تتوزّع بين الغابة وبين إحدى قراها.
في الرواية التي صدرت كسلسلة بدءًا من عام 1891 تنقسم الأحداث ما بين القرية والصبي. يظهر لنا الكتاب الأول كيف أن موغلي الذي يعيش في قرية هندية يمشي صوب عمق الغابة مسافة طويلة قبل أن يجده ذئب ويضمّه إلى جروه. في ذلك الحين كان النمر شري خان قد قتل والده الذي انطلق يبحث عنه ولم تبق سوى الأم الثكلى.
بعد سنوات سيلقي أهل القرية القبض على الصبي وتتدخل الأم لكي تحميه من شرور رجال القرية الذين اعتبروه شيطانًا. لكن موغلي لا يستطيع أن يتأقلم كبشر ويهرب مجددًا إلى الغابة، حيث يكتشف كنزًا من الذهب يثير جشع ثلاثة رجال (شقيق المرأة التي تبنته وحلاق وزبونه) فيحصلون على موقع الذهب ثم يبدأ كل بقتل الآخر للانفراد بالثروة، مع ما في ذلك من مفادات أخلاقية.
في عام 1942 عندما قرر المخرج سلطان كوردا وشقيقه ألكسندر تحقيق فيلم عن تلك الرواية اختارا الالتزام بالأصل، قدر الإمكان طبعًا، وإنجاز فيلم يُمتع الصغار والكبار على حد سواء. النتيجة كانت «كتاب الغابة» الذي اختير لبطولته الممثل الهندي سابو واختير لكونه ظهر بنجاح في فيلم أدغال آخر هو «صبي الفيل» (1937) ثم في فيلم أخرجه كوردا سنة 1938 بعنوان «طبول». وكان لسابو ظهور بالغ النجاح في «لص بغداد» سنة 1940 ومنه دلف إلى «كتاب الغابة».
كل أفلامه بعد ذلك (وعددها الإجمالي 25 فيلمًا) دارت إما حول شخصية عربية أو هندية أو أفريقية أو في كنه مغامرات عربية أو هندية غالبًا ومنها «ليالٍ عربية» (1942) و«امرأة كوبرا» (1944) و«أغنية الهند» (1949) ثم «بغداد» (1952) وهو مات في الحادية والعشرين من عمره سنة 1963، وهو العام الذي صوّر فيه آخر أفلامه «نمر يمشي».
سابو لم يكن ممثلاً جيّدًا، لكن باقي ممثلي «كتاب الغابة» كانوا مقبولين ومنهم فرانك بوليا وجون كوالِن وباتريشيا أو رورك وجوزيف كاليا. في الواقع لم يكن هناك أي ممثل هندي سوى سابو. باقي الممثلين كانوا بريطانيين. لكن من أكثر المسائل طرافة هي أنه في مطلع الفيلم نسمع أسماء شخصيات ثانوية مسلمة. ذلك عندما ينادي أحدهم على من يساعده في البحث عن الطفل المفقود فيصيح «عبد الله، محمد، علي انطلقوا»، لكن في منتصف الفيلم نلحظ أن أهالي القرية من الهندوس الذين، علاوة على ذلك، يعبدون أصنامًا بوذية!
الملاحظة الأخرى التي تكشفها نسخة سلطان كوردا تلك هي استلهامها في مشاهد من أفلام مختلفة.
المشهد الذي نرى فيه اكتشاف القرويين الثلاثة لحفرة كبيرة من الذهب تبدو ملهمة لما مرّ على شاشة «ذا هوبيت» في فصليه الأخيرين عندما يدخل أبطال الفيلم إلى قلب جبل مليء بالذهب أيضًا.
الطفل الذي ترعرع في الغابة مساق في روايات وأفلام طرزان الكثيرة. وكل «كتاب الغابة» هو الأرضية التي قامت عليها أفلام مثل «جومانجي» و«مدغشقر» ونسخ ديزني من «كتاب الغابة» على حد سواء.
لقد حلم بالغابة الأميركي إدغار رايس بورو. عاش 75 سنة ما بين 1875 و1950 والذي وإن وضع روايات تدور في المستقبل وأخرى في حقبة رعاة البقر، إلا أنه اشتهر بروايات طرزان التي وضع منها نحو 21 مؤلّفًا أكثر مما اشتهر بأي من رواياته الأخرى.
مثل موغلي في «كتاب الغابة»، تربّى طرزان في الغابة (الأفريقية هذه المرّة) منذ طفولته. موغلي تاه في الأدغال. طرزان نجا من الموت عندما تحطمت الطائرة التي كانت تقل والديه. موغلي رعاه الذئب وطرزان رعته الغوريلا. سلسلة «كتاب الغابة» حملت أحداثًا وصراعات اجتماعية أكثر مما كانت كناية عن مغامرات بطولية، لكن «طرزان» التحم في الصراعات وحدها وقليلاً ما كان لدى رايس بورو النيّة في الحديث عن مسائل أخلاقية أو مفادات فلسفية.
بالنسبة للمؤلف رايس بورو، فإن الخلفية المعنية بالمحاولة الفاشلة لإعادة تأهيل طرزان في عالم متمدن باءت بالفشل. بالنسبة إلى طرزان لا يستطيع أن يخضع لقانون العادات والتقاليد الاجتماعية الأوروبية. القانون الوحيد الذي يخضع له ويمارسه هو قانون الغابة.
إنها ليست حكرًا على نمر أو أفعى، بل تشمل كل حيوان ضار فهو ملك الغابة، وحتى يثبت ذلك عليه مقارعة الأسود والتصدي لكل عائلة القطط من فهود ونمور وحيوانات شيتا وجاكوار وسواها. كذلك هو لا يقهر عندما يواجه التماسيح بل يمزقها إربًا. أصدقاؤه الفيلة والقردة في الأساس. ومنذ أن التقى بجين (المرأة التي جاءت لأفريقيا مع أبيها وقررت البقاء لجانب طرزان بعدما أنقذها من مختطفين) وهي أيضًا صديقته (ولاحقًا أم ابنه الصغير).
في حكايات طرزان المتعددة سنجد التوضيب ذاته: هو سعيد في ملاذه. هناك صيادون بيض ينوون بالغابة شرًّا أو لديهم خريطة لكنز ما يريدون استخراجه بأي ثمن، ثم هناك قبائل غالبها معاد يهددون سلامة البيض المسالمين الذين لا بد من وجودهم أيضًا. هذا ما جعل النقاد يرون في طرزان الأبيض نموذجًا عنصريًا، خصوصًا وأن تصوير القبائل السوداء لم يكن إيجابيًا إلا في حدود ضيقة وعلى نطاق بضعة أفراد فقط. أما العرب في بعض قصص طرزان، فهم شخصيات شرسة. تجار رقيق قساة يتصدى لهم طرزان ويكيل لهم على نحو من يريد إشفاء غليله أكثر من مجرد إحلال عدالة الغابة. نجد مثالاً غير نادر على ذلك في «طرزان الذي لا يخاف» (Fearless Tarzan) الذي أخرجه روبرت هيل وقام ببطولته باستر كراب سنة 1933.
فهناك ذلك المشهد نسمع فيه رجلاً ينادي «عبدل» (اختصار ما لكلمتي عبد الله). تنتقل اللقطة إلى عبدل هذا فإذا به يحمل السوط يلهب به أجساد الأفارقة السود الذين سُيساقون إلى سوق النخاسة.
عدا «كتاب الغابة» و«طرزان»، شهدت السينما الكثير من أفلام الأدغال الأخرى. في عام 1933 ذاته خرج «كينغ كونغ» لأول مرّة. الحكاية هذه المرّة كانت من مؤلف آخر هو إدغار والاس الذي اكتفى بوضع الفكرة وانطلق لتنفيذها مريان س. كوبر وإرنست ب. شووينساك. هناك باخرة صغيرة تقل فريق عمل سينمائيًا تابعًا لمنتج اسمه كارل بنهام تقترب من جزيرة مجهولة. ينزل معظم الركاب منها ومن بينهم الشقراء الجميلة آن. إذ يصلون إليها يكتشفون أنها جزيرة من جزر ما قبل التاريخ، يعيش فيها قوم من ذوي البشرة السوداء. حين تخرج آن من القرية إلى الغابة يصطادها غوريلا ضخم ويقع في حبها. يواجه في سبيلها كل الحيوانات الديناصورية الأخرى لكنها تهرب منه بمساعدة بعض المسافرين الذين يفرّون إلى الشاطئ. كينغ كونغ يطاردهم ويهدم القرية المسيّجة بحثًا عنها. لكنه يسقط مغشيًا عليه ويتم نقله إلى نيويورك حيث يتحول إلى نمرة استعراضية إلى أن يثور فيتحرر من قيوده. يدوس المشاهدين (وهؤلاء يدوسون بعضهم بعضًا حين هروبهم) ويجد آن من جديد فيخطفها إلى قمة برج «إمباير ستايت»، حيث يواجه الطائرات الحربية (موديل الفترة) قبل أن يستسلم للموت. لقد قتله الحب.
كان هذا «كينغ كونغ» الأول الذي غزلت السينما منه عدة أفلام أخرى من بطولة غوريلات ضخمة، كما تم إعادة صنعه مرّتين من دون أن تسطو على تأثير الفيلم الأبيض والأسود الأول. أدغال ما قبل التاريخ هي أيضًا في «العالم المفقود» الذي كتبه مؤلف شارلوك هولمز، آرثر كونان دويل وتم تحقيقه لأول مرّة سنة 1925 صامتًا ثم أعيد إنتاجه بضع مرّات وكان المسودّة لفيلم ستيفن سبيلبرغ «جوراسيك بارك».
في هذه الأفلام، فإن الغابة هي آخر ملجأ باق لحيوانات ما قبل التاريخ والإنسان (الأبيض) يطأ هذه الغابات بحثًا وتنقيبًا ثم يهرب منها بعد مغامرات ضد أقوى الوحوش.
لكن للغابات أغراضًا أخرى في الأفلام. ففي حين هي مرتع لمغامرات مع وضد الحيوانات، كما الحال في النسخ المختلفة من «كتاب الغابة» وهي مكمن وحوش ما قبل التاريخ في «العالم المفقود» و«جيروسيك بارك»، قد تكون مواقع حرب الإنسان ضد الإنسان كما في «سترة معدنية كاملة» لستانلي كوبريك (1987) وفي ثلة كبيرة من الأفلام التي تم تحقيقها عن الحرب الأميركية - الفيتنامية وتلك التي خاضتها أميركا في الفلبين وتايلاند وكوريا (يكفينا هنا «سفر الرؤيا الآن» لفرنسيس فورد كوبولا، 1979).
كذلك قد تأتي في غمار مواقع غير محسوبة تعيش فيها أرواح وأشباح ومخلوقات غير محسوبة مثلما شاهدنا في «مفترس» لجون ماكتيرنن حول أرنولد شوارتزنيغر يقود فريقًا من المحاربين في غابة مسكونة بوحش جاء من عالم آخر. وهي مرتبطة بحرب العصابات في «وحوش بلا أمّة» (لغاري فوكوناغا، 2015) وملجأ بعيد عن المخاطر والحضارات معًا في «الشاطئ» (لبيتر بويل، 2000) ثم مجرد ديكور من المخاوف الميثالوجية والسياسية كما في فيلم «متاهة بان» لغويليرمو دل تورو (2006).
على الرغم من هذا التنوّع الذي يمكن الاستطراد فيه إلى ما لانهاية، فإن الغابة تبقى المعقل الذي لا تود دخوله إلا في الأفلام.
«كتاب الغابة» الأول، ذاك الذي أخرجه سنة 1942 المجري المهاجر إلى بريطانيا سلطان كوردا، لا يشبه النسخة الجديدة من «كتاب الغابة» الذي خرج قبل أيام بتوقيع المخرج جون فافريو وسجل للآن قرابة 700 مليون دولار حول العالم، ولا النسخة الكرتونية التي حققتها شركة ديزني سنة 1967.
كل هذه الأفلام مرجعها واحد: رواية لكن الاختلافات الأساسية والتفصيلية كثيرة.
«كتاب الغابة»، الفيلم الجديد من ديزني حول الطفل موغلي الذي ضاع في الغابة فتبنّاه ذئب وأسرته ثم ترعرع وسط حيوانات الغابة الأليفة والصديقة منها والشريرة، مأخوذ بتصرف عن فيلم كان المجري سلطان كوردا حققه سنة 1942 كفيلم بريطاني وتم توزيعه (عبر شركة يونايتد أرتستس) الأميركية.
والتصرّف شديد بالفعل. في حين أن أحداث «كتابة الغابة» الجديد تقع كلها في الغابة ومع حيواناتها وحدها، على غرار النسخة الكرتونية التي أنتجتها ديزني أيضًا سنة 1967، فإن الفيلم الأصلي، المأخوذ مباشرة عن رواية يقع في إحدى القرى الكامنة في الغابة كما في الغابة ذاتها. كذلك فإن النسخة المذكورة تحتوي على شخصيات بشرية وليس فقط حيوانات كما فعلت نسختا ديزني.
كذلك تختلف الأحداث، لأنه بإحلال الصبي موغلي في الغابة وحدها تم إلغاء ما ورد في الرواية وفي الكتاب من أحداث سابقة. «كتاب الغابة» الأول قدّم حكاية ضمن حكاية إذ يبدأ الفيلم براو هندي يسرد ما حدث قبل، حين حول المزارعين الهنود الذين كانوا يقومون بأعمالهم عندما ابتعد الطفل ابن السنة أو نحوها عنهم فوجده ذئب وضمّه إلى قطيعه حيث ترعرع. بعد ذلك نتعرّف عليه وقد أصبح فوق العاشرة من العمر بقليل بعدما ألقى رجال القرية القبض عليه وكيف يربى عند امرأة يتبين لاحقًا أنها أمّه ثم يهرب مع الفتاة التي أحب إلى الغابة مجددًا.
في أحد المشاهد التي تنتصف الفيلم، يدخل الصبي وفتاته مغارة مليئة بالجواهر والكنوز. تعترضهما أفعى كبيرة.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».