«كتاب الغابة» يستلهم الأدباء ويُلهم المخرجين لإنجاز أفلام مشوقة

«كتاب الغابة» يستلهم الأدباء ويُلهم المخرجين لإنجاز أفلام مشوقة

غابات مخيفة وحكايات من المخاطر غير المحسوبة
الثلاثاء - 25 رجب 1437 هـ - 03 مايو 2016 مـ

الغابة التي يستخدمها فيلم «كتاب الغابة» لا مكان لها في الواقع. لم يسافر فريق العمل إلى الهند أو إلى أفريقيا ولا حتى للبرازيل. كله مصنوع على الكومبيوتر والنتيجة، على شبهها ببعض ما في الغابة الأفريقية من تضاريس وطبيعة، إلا أن أشكال أشجارها ودكانة مواقعها مختلفة عن أي موقع معروف والغاية هي تضخيم المكان للإيحاء بحدة المخاطر التي تحيط ببطله، وبما أن الغابة هي كل ما في الفيلم من مواقع، فإنها تلعب دورًا أساسيًا وفاعلاً لا يقل أهمية عن دور الغابة في أفلام طرزان مثلاً.

بطل الفيلم هو صبي موغلي (يقوم به صبي بخلفية تلفزيونية محدودة اسمه نيل سَثي) الذي فقد طريقه طفلاً في الغابة فتبناه قطيع من الذئاب حتى إذا أصبح صبيًا عايش المغامرات التي يسردها الفيلم هنا وقوامها أن الفهد الفتّاك شري خان (صوت إدريس ألبا) الذي كان قتل والد موغلي يبحث عنه في كل مكان لكي يقتله. حيوانات الغابة الأخرى، في معظمها، تحب موغلي ولا تتمنّى له الموت لذا تنصحه بأن يترك الغابة، لكن موغلي لا يستجيب لذلك. أحد الحيوانات القليلة الأخرى التي تكن العداء للصبي هو الأفعى الضخمة كا (صوت سكارلت جوهانسن). مما يمنع الصبي من مغادرة الغابة التي باتت تشكل خطرًا عليه، هو أنه لا يعرف شيئًا عن البشر. لمؤازرته هناك الفهد الأسود باغيرا (بن كينغسلي) الذي يتابع تحركاته وينصحه لما هو خير له.

في جلّها، هي ذات الحكاية التي شاهدها الجيل السابق في عام 1967 في فيلم من الرسوم المتحركة أنتجته ديزني أيضًا بالعنوان ذاته. لكن إذا كانت الحكاية متقاربة فإن الفيلم الجديد ينضح بآخر التطوّرات الكومبيوغرافيكية الباهرة. لم تعد المسألة هنا رسمًا أو حتى مؤثرات خاصة. حيوانات هذا الفيلم تتحرك على نحو طبيعي بأحجام أغلبها واقعي، وحين تتكلم فإن الناتج ليس كوميديًا بل مرتبطًا بالرغبة في إبقاء كل شخصياتها واقعية، حتى وإن كان من البدهي جدًا أن كل شيء نراه هنا هو فانتازيا خيالية كبيرة.

بجانب أن كل الأحداث تقع في الغابة، فإن الإنسان الوحيد في هذا الفيلم هو موغلي نفسه. الباقون حيوانات متعددة. هذا لم يكن شأن رواية جوزيف روديارد كيبلينغ الذي وُلد في الهند سنة 1865 وتوفي في موطن والديه، بريطانيا، سنة 1936 على الرغم من أن الفيلم الحالي مقتبس من تلك الرواية. فالحكاية الأصلية تشمل شخصيات بشرية أخرى كثيرة، وموغلي يقود الأحداث لكن ليس وحيدًا في ذلك، والحيوانات المحيطة به تفهم عليه لكنها لا تتحدّث إليه. إلى ذلك، فإن الموقع ليس حكرًا على الغابة وحدها، بل تتوزّع بين الغابة وبين إحدى قراها.

في الرواية التي صدرت كسلسلة بدءًا من عام 1891 تنقسم الأحداث ما بين القرية والصبي. يظهر لنا الكتاب الأول كيف أن موغلي الذي يعيش في قرية هندية يمشي صوب عمق الغابة مسافة طويلة قبل أن يجده ذئب ويضمّه إلى جروه. في ذلك الحين كان النمر شري خان قد قتل والده الذي انطلق يبحث عنه ولم تبق سوى الأم الثكلى.

بعد سنوات سيلقي أهل القرية القبض على الصبي وتتدخل الأم لكي تحميه من شرور رجال القرية الذين اعتبروه شيطانًا. لكن موغلي لا يستطيع أن يتأقلم كبشر ويهرب مجددًا إلى الغابة، حيث يكتشف كنزًا من الذهب يثير جشع ثلاثة رجال (شقيق المرأة التي تبنته وحلاق وزبونه) فيحصلون على موقع الذهب ثم يبدأ كل بقتل الآخر للانفراد بالثروة، مع ما في ذلك من مفادات أخلاقية.

في عام 1942 عندما قرر المخرج سلطان كوردا وشقيقه ألكسندر تحقيق فيلم عن تلك الرواية اختارا الالتزام بالأصل، قدر الإمكان طبعًا، وإنجاز فيلم يُمتع الصغار والكبار على حد سواء. النتيجة كانت «كتاب الغابة» الذي اختير لبطولته الممثل الهندي سابو واختير لكونه ظهر بنجاح في فيلم أدغال آخر هو «صبي الفيل» (1937) ثم في فيلم أخرجه كوردا سنة 1938 بعنوان «طبول». وكان لسابو ظهور بالغ النجاح في «لص بغداد» سنة 1940 ومنه دلف إلى «كتاب الغابة».

كل أفلامه بعد ذلك (وعددها الإجمالي 25 فيلمًا) دارت إما حول شخصية عربية أو هندية أو أفريقية أو في كنه مغامرات عربية أو هندية غالبًا ومنها «ليالٍ عربية» (1942) و«امرأة كوبرا» (1944) و«أغنية الهند» (1949) ثم «بغداد» (1952) وهو مات في الحادية والعشرين من عمره سنة 1963، وهو العام الذي صوّر فيه آخر أفلامه «نمر يمشي».

سابو لم يكن ممثلاً جيّدًا، لكن باقي ممثلي «كتاب الغابة» كانوا مقبولين ومنهم فرانك بوليا وجون كوالِن وباتريشيا أو رورك وجوزيف كاليا. في الواقع لم يكن هناك أي ممثل هندي سوى سابو. باقي الممثلين كانوا بريطانيين. لكن من أكثر المسائل طرافة هي أنه في مطلع الفيلم نسمع أسماء شخصيات ثانوية مسلمة. ذلك عندما ينادي أحدهم على من يساعده في البحث عن الطفل المفقود فيصيح «عبد الله، محمد، علي انطلقوا»، لكن في منتصف الفيلم نلحظ أن أهالي القرية من الهندوس الذين، علاوة على ذلك، يعبدون أصنامًا بوذية!

الملاحظة الأخرى التي تكشفها نسخة سلطان كوردا تلك هي استلهامها في مشاهد من أفلام مختلفة.

المشهد الذي نرى فيه اكتشاف القرويين الثلاثة لحفرة كبيرة من الذهب تبدو ملهمة لما مرّ على شاشة «ذا هوبيت» في فصليه الأخيرين عندما يدخل أبطال الفيلم إلى قلب جبل مليء بالذهب أيضًا.

الطفل الذي ترعرع في الغابة مساق في روايات وأفلام طرزان الكثيرة. وكل «كتاب الغابة» هو الأرضية التي قامت عليها أفلام مثل «جومانجي» و«مدغشقر» ونسخ ديزني من «كتاب الغابة» على حد سواء.

لقد حلم بالغابة الأميركي إدغار رايس بورو. عاش 75 سنة ما بين 1875 و1950 والذي وإن وضع روايات تدور في المستقبل وأخرى في حقبة رعاة البقر، إلا أنه اشتهر بروايات طرزان التي وضع منها نحو 21 مؤلّفًا أكثر مما اشتهر بأي من رواياته الأخرى.

مثل موغلي في «كتاب الغابة»، تربّى طرزان في الغابة (الأفريقية هذه المرّة) منذ طفولته. موغلي تاه في الأدغال. طرزان نجا من الموت عندما تحطمت الطائرة التي كانت تقل والديه. موغلي رعاه الذئب وطرزان رعته الغوريلا. سلسلة «كتاب الغابة» حملت أحداثًا وصراعات اجتماعية أكثر مما كانت كناية عن مغامرات بطولية، لكن «طرزان» التحم في الصراعات وحدها وقليلاً ما كان لدى رايس بورو النيّة في الحديث عن مسائل أخلاقية أو مفادات فلسفية.

بالنسبة للمؤلف رايس بورو، فإن الخلفية المعنية بالمحاولة الفاشلة لإعادة تأهيل طرزان في عالم متمدن باءت بالفشل. بالنسبة إلى طرزان لا يستطيع أن يخضع لقانون العادات والتقاليد الاجتماعية الأوروبية. القانون الوحيد الذي يخضع له ويمارسه هو قانون الغابة.

إنها ليست حكرًا على نمر أو أفعى، بل تشمل كل حيوان ضار فهو ملك الغابة، وحتى يثبت ذلك عليه مقارعة الأسود والتصدي لكل عائلة القطط من فهود ونمور وحيوانات شيتا وجاكوار وسواها. كذلك هو لا يقهر عندما يواجه التماسيح بل يمزقها إربًا. أصدقاؤه الفيلة والقردة في الأساس. ومنذ أن التقى بجين (المرأة التي جاءت لأفريقيا مع أبيها وقررت البقاء لجانب طرزان بعدما أنقذها من مختطفين) وهي أيضًا صديقته (ولاحقًا أم ابنه الصغير).

في حكايات طرزان المتعددة سنجد التوضيب ذاته: هو سعيد في ملاذه. هناك صيادون بيض ينوون بالغابة شرًّا أو لديهم خريطة لكنز ما يريدون استخراجه بأي ثمن، ثم هناك قبائل غالبها معاد يهددون سلامة البيض المسالمين الذين لا بد من وجودهم أيضًا. هذا ما جعل النقاد يرون في طرزان الأبيض نموذجًا عنصريًا، خصوصًا وأن تصوير القبائل السوداء لم يكن إيجابيًا إلا في حدود ضيقة وعلى نطاق بضعة أفراد فقط. أما العرب في بعض قصص طرزان، فهم شخصيات شرسة. تجار رقيق قساة يتصدى لهم طرزان ويكيل لهم على نحو من يريد إشفاء غليله أكثر من مجرد إحلال عدالة الغابة. نجد مثالاً غير نادر على ذلك في «طرزان الذي لا يخاف» (Fearless Tarzan) الذي أخرجه روبرت هيل وقام ببطولته باستر كراب سنة 1933.

فهناك ذلك المشهد نسمع فيه رجلاً ينادي «عبدل» (اختصار ما لكلمتي عبد الله). تنتقل اللقطة إلى عبدل هذا فإذا به يحمل السوط يلهب به أجساد الأفارقة السود الذين سُيساقون إلى سوق النخاسة.

عدا «كتاب الغابة» و«طرزان»، شهدت السينما الكثير من أفلام الأدغال الأخرى. في عام 1933 ذاته خرج «كينغ كونغ» لأول مرّة. الحكاية هذه المرّة كانت من مؤلف آخر هو إدغار والاس الذي اكتفى بوضع الفكرة وانطلق لتنفيذها مريان س. كوبر وإرنست ب. شووينساك. هناك باخرة صغيرة تقل فريق عمل سينمائيًا تابعًا لمنتج اسمه كارل بنهام تقترب من جزيرة مجهولة. ينزل معظم الركاب منها ومن بينهم الشقراء الجميلة آن. إذ يصلون إليها يكتشفون أنها جزيرة من جزر ما قبل التاريخ، يعيش فيها قوم من ذوي البشرة السوداء. حين تخرج آن من القرية إلى الغابة يصطادها غوريلا ضخم ويقع في حبها. يواجه في سبيلها كل الحيوانات الديناصورية الأخرى لكنها تهرب منه بمساعدة بعض المسافرين الذين يفرّون إلى الشاطئ. كينغ كونغ يطاردهم ويهدم القرية المسيّجة بحثًا عنها. لكنه يسقط مغشيًا عليه ويتم نقله إلى نيويورك حيث يتحول إلى نمرة استعراضية إلى أن يثور فيتحرر من قيوده. يدوس المشاهدين (وهؤلاء يدوسون بعضهم بعضًا حين هروبهم) ويجد آن من جديد فيخطفها إلى قمة برج «إمباير ستايت»، حيث يواجه الطائرات الحربية (موديل الفترة) قبل أن يستسلم للموت. لقد قتله الحب.

كان هذا «كينغ كونغ» الأول الذي غزلت السينما منه عدة أفلام أخرى من بطولة غوريلات ضخمة، كما تم إعادة صنعه مرّتين من دون أن تسطو على تأثير الفيلم الأبيض والأسود الأول. أدغال ما قبل التاريخ هي أيضًا في «العالم المفقود» الذي كتبه مؤلف شارلوك هولمز، آرثر كونان دويل وتم تحقيقه لأول مرّة سنة 1925 صامتًا ثم أعيد إنتاجه بضع مرّات وكان المسودّة لفيلم ستيفن سبيلبرغ «جوراسيك بارك».

في هذه الأفلام، فإن الغابة هي آخر ملجأ باق لحيوانات ما قبل التاريخ والإنسان (الأبيض) يطأ هذه الغابات بحثًا وتنقيبًا ثم يهرب منها بعد مغامرات ضد أقوى الوحوش.

لكن للغابات أغراضًا أخرى في الأفلام. ففي حين هي مرتع لمغامرات مع وضد الحيوانات، كما الحال في النسخ المختلفة من «كتاب الغابة» وهي مكمن وحوش ما قبل التاريخ في «العالم المفقود» و«جيروسيك بارك»، قد تكون مواقع حرب الإنسان ضد الإنسان كما في «سترة معدنية كاملة» لستانلي كوبريك (1987) وفي ثلة كبيرة من الأفلام التي تم تحقيقها عن الحرب الأميركية - الفيتنامية وتلك التي خاضتها أميركا في الفلبين وتايلاند وكوريا (يكفينا هنا «سفر الرؤيا الآن» لفرنسيس فورد كوبولا، 1979).

كذلك قد تأتي في غمار مواقع غير محسوبة تعيش فيها أرواح وأشباح ومخلوقات غير محسوبة مثلما شاهدنا في «مفترس» لجون ماكتيرنن حول أرنولد شوارتزنيغر يقود فريقًا من المحاربين في غابة مسكونة بوحش جاء من عالم آخر. وهي مرتبطة بحرب العصابات في «وحوش بلا أمّة» (لغاري فوكوناغا، 2015) وملجأ بعيد عن المخاطر والحضارات معًا في «الشاطئ» (لبيتر بويل، 2000) ثم مجرد ديكور من المخاوف الميثالوجية والسياسية كما في فيلم «متاهة بان» لغويليرمو دل تورو (2006).

على الرغم من هذا التنوّع الذي يمكن الاستطراد فيه إلى ما لانهاية، فإن الغابة تبقى المعقل الذي لا تود دخوله إلا في الأفلام.

«كتاب الغابة» الأول، ذاك الذي أخرجه سنة 1942 المجري المهاجر إلى بريطانيا سلطان كوردا، لا يشبه النسخة الجديدة من «كتاب الغابة» الذي خرج قبل أيام بتوقيع المخرج جون فافريو وسجل للآن قرابة 700 مليون دولار حول العالم، ولا النسخة الكرتونية التي حققتها شركة ديزني سنة 1967.

كل هذه الأفلام مرجعها واحد: رواية لكن الاختلافات الأساسية والتفصيلية كثيرة.

«كتاب الغابة»، الفيلم الجديد من ديزني حول الطفل موغلي الذي ضاع في الغابة فتبنّاه ذئب وأسرته ثم ترعرع وسط حيوانات الغابة الأليفة والصديقة منها والشريرة، مأخوذ بتصرف عن فيلم كان المجري سلطان كوردا حققه سنة 1942 كفيلم بريطاني وتم توزيعه (عبر شركة يونايتد أرتستس) الأميركية.

والتصرّف شديد بالفعل. في حين أن أحداث «كتابة الغابة» الجديد تقع كلها في الغابة ومع حيواناتها وحدها، على غرار النسخة الكرتونية التي أنتجتها ديزني أيضًا سنة 1967، فإن الفيلم الأصلي، المأخوذ مباشرة عن رواية يقع في إحدى القرى الكامنة في الغابة كما في الغابة ذاتها. كذلك فإن النسخة المذكورة تحتوي على شخصيات بشرية وليس فقط حيوانات كما فعلت نسختا ديزني.

كذلك تختلف الأحداث، لأنه بإحلال الصبي موغلي في الغابة وحدها تم إلغاء ما ورد في الرواية وفي الكتاب من أحداث سابقة. «كتاب الغابة» الأول قدّم حكاية ضمن حكاية إذ يبدأ الفيلم براو هندي يسرد ما حدث قبل، حين حول المزارعين الهنود الذين كانوا يقومون بأعمالهم عندما ابتعد الطفل ابن السنة أو نحوها عنهم فوجده ذئب وضمّه إلى قطيعه حيث ترعرع. بعد ذلك نتعرّف عليه وقد أصبح فوق العاشرة من العمر بقليل بعدما ألقى رجال القرية القبض عليه وكيف يربى عند امرأة يتبين لاحقًا أنها أمّه ثم يهرب مع الفتاة التي أحب إلى الغابة مجددًا.

في أحد المشاهد التي تنتصف الفيلم، يدخل الصبي وفتاته مغارة مليئة بالجواهر والكنوز. تعترضهما أفعى كبيرة.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة