السينما اللبنانية الشبابية تعود إلى الحرب بعد هدنة

السينما اللبنانية الشبابية تعود إلى الحرب بعد هدنة

«مهرجان طرابلس للأفلام» يختتم أعماله ويوزع جوائزه
السبت - 22 رجب 1437 هـ - 30 أبريل 2016 مـ
مشهد من الفيلم الإيراني الفائز بجائزة أفضل فيلم روائي «يحيى لا يلتزم الصمت» ({الشرق الأوسط})

فاز فيلم «يحيى لا يلتزم الصمت» للمخرج الإيراني كاوة إبراهيم كور، بجائزة أفضل فيلم طويل في «مهرجان طرابلس للأفلام»، كما فاز «انتماء: طرابلس»، للمخرج يحيى مراد، عن أفضل فيلم لبناني، فيما حاز «السلام عليك يا مريم» للمخرج باسل خليل على جائزة أفضل فيلم قصير، لتكون هذه هي الجائزة الـ20 التي يقتنصها الفيلم، خلال 11 شهرًا بعد مشاركته في أكثر من 100 مهرجان سينمائي دولي، وترشيحه لجائزة أوسكار أفضل فيلم روائي قصير. كما فاز «1982» الكولومبي - الأرجنتيني، للمخرجة كريستينا - موتا، بجائزة أفضل فيلم وثائقي. فيما حاز «السيد القمر الفرنسي» لجوليان سيز على جائزة أفضل فيلم تحريك.
وتشكلت لجنة التحكيم من الناقد الفرنسي فيليب جالادو، والروائية والسينمائية اللبنانية الفرنسية، ياسمين خلاط، والمخرج المصري أمير رمسيس، والمخرجة اللبنانية ميشيل تيان، والكاتب والناقد السينمائي اللبناني نديم جرجورة، والمنتج اللبناني محمود القرق.
وكان المهرجان الذي اكتسب نبضًا خاصًا هذه السنة، بعد ثلاث سنوات على انطلاقته، قد خصص عروضًا للشباب قبل يوم من الاختتام، في حرم جامعة بيروت العربية في طرابلس، حيث عرضت ثلاثة أفلام، على صلة وثيقة بالمشكلات التي يواجهها الجيل الجديد، أو لإلقاء الضوء على مشكلات شبان صاروا اليوم في ستيناتهم، ويستذكرون الماضي، كما هو حال فيلم «لبنان يربح بطولة كرة القدم» للمخرج طوني خوري. وهو فيلم بديع، يعيد المشاهد إلى الحرب اللبنانية، وذكريات الغزو الإسرائيلي على بيروت عام 1982 الذي تزامن حينها مع «المونديال». وقد عثر المخرج على مقاتلين اثنين، أحدهما حمل السلاح من أجل حماية المسيحيين وآخر يقول إنه شيعي، لكنه يومها كان شيوعيًا، وما أراد الدفاع عنه هو الوطنية والعروبة. ويجمع الرجلان تشجيعهما للبرازيل، في ذاك الوقت، وذكرياتهما الحاضرة، حول المباراة التي لا تنسى أثناء الاجتياح الإسرائيلي وخسرت فيها البرازيل خسارة ساحقة أمام إيطاليا، وحرص الاثنان على متابعتها يومها، رغم المعارك والقصف الشديد. ويبدو أن الجنود الإسرائيليين أنفسهم تابعوا «الماتش» أيضًا، لأنهم أوقفوا القصف أثناء المباراة ليعود شرسًا على نحو غريب بعدها. المقاتلان القديمان، يحبان البرازيل، وأصابتهما الحرب بإعاقات جسدية، ويعمل المخرج بعد تركهما يتحدثان ويسردان بشكل منفرد، على أن يجمعهما ليعودا بالذاكرة أكثر من ثلاثين سنة إلى الوراء، ويصفان الحرب بأنها كانت عبثية للغاية، ومكلفة جدًا، ولا معنى لها.
الأفلام كانت تتبعها حوارات مع صانعيها ومشاركين فيها، مما فتح الباب واسعًا أمام الشبان الحاضرين، لفهم أفضل، لصناعة الفيلم نفسه، وإدراك أبعاده الفنية، والخوض في المشكلات التي يطرحها.
لعل الفيلم السابق هو الأكثر احترافية، بين الثلاثة التي عرضت، في ذلك اليوم المخصص للشباب، لكن فيلم «حب وحرب عالسطح»، يمس متفرجه بعمق، لأنه يعالج جرحًا لا يزال طريًا وهشًا.
عندما قرر المخرج والناشط لوسيان بورجيلي أن يقدم مسرحية يجمع فيها شبانًا من المنطقتين المتقاتلتين بضراوة في طرابلس لمدة ست سنوات، بعد هدوء أصوات الرصاص، سجلت الكاميرا تفاصيل التحضيرات المثيرة والمفاجئة أحيانًا.
من البدء في جمع شمل شبان باب التبانة وجبل محسن، إلى الحوار وارتجال النص والتدريب، وما رافقها من تعارف بين أناس، كان الرصاص اللغة الوحيدة التي تجمعها، والعداوة التي لا قرار لها. نرى تدريجيًا حكايات إعادة اللحمة بين عائلات، لم تكن تعرف بعضها بعضًا. وجود طه أحد الشبان المشاركين في تمثيل الفيلم وخالد مرعب من جمعية «مارش» التي كانت وراء المشروع برمته، والحوار الذي دار في الصالة، يجعلك تدرك أن العمل بدأ لكنه لم ينته عند هذا الحد. الفيلم يجول في المناطق اللبنانية خصوصًا التي لها حساسيات خاصة، ويمكن أن تترعرع فيها مواطن الفتنة، والشبان الذين شاركوا في الفيلم بات لهم نشاط على الأرض بعد أن افتتحت لهم كافيتريا على خط التماس، باسم «قهوتنا» يديرونها معًا، ويبثون من خلالها لروادهم الأفكار التي أصبحت جزءًا من قناعاتهم، بعد أن أدركوا خطورة الأفكار المسبقة التي عاشوا في ظلها طوال السنوات الماضية، ودفعت عددًا منهم إلى حمل السلاح وتوجيهه إلى الطرف الآخر.
الفيلم الثالث، ليس بديعًا فنيًا، فهو مجرد فيلم تخرج لطالبة طموحة وناشطة اجتماعية ضربت أكثر من عصفور بحجر، وهذه سمة للأفلام الشبابية اليوم، التي يجمع عدد منها، بين نشاط الشاب المدني، وفيلمه الذي يحاول أن ينقل صورة حية تنفع العباد وتلفت نظرهم إلى ما خفي عليهم. فيلم سارة رحولي يصور جوانب من يوميات مجموعة من الشبان من المجتمع المدني، قرروا تغيير حياة من يسكنون على خطوط تماس خطرة، في منطقتين شعبيتين متعاديتين في طرابلس. 25 درجًا قديمًا كانت تربط أحياء المدينة، وغالبًا ما يمر بها العابرون خلال تنقلاتهم اليومية. تغير مكان وسط المدينة، ووجود الأحياء الجديدة، غير مركز الثقل، وترك العائلات التي تقطن على هذه الأدراج مهمشة ومنسية.
كل فيلم كان يستدعي نقاشات، وأسئلة كثيرة، يحاول، مدير المهرجان إلياس خلاط أن يطلب من المتحاورين الاختصار والبقاء في المجال الفني السينمائي، وعدم تشريع الأبواب حول مسائل خلافية حياتية.
ملاحظ أن الأفلام اللبنانية التي لم يكن لها من تيمة طوال عشر سنوات بعد الحرب، كانت قد أدارت ظهرها للعنف، وذهبت تبحث عن موضوعاتها في التفاصيل اليومية الأكثر جاذبية، بعيدًا عن نكد القتل والدمار، وهو ما أطلق الفيلم اللبناني في الصالات التجارية بشكل غير مسبوق، حتى لو كانت هذه الأفلام خفيفة، فكاهية، تنزع إلى الترفيه. عودة المخرجين الشباب إلى ظاهرة الحرب والنزاعات الأهلية، سواء كان ذلك بسبب الأوضاع المستجدة في المنطقة العربية بعد الثورات وما استتبعها من نزاعات دموية، أو بفعل الخوف من عودة الاقتتال الداخلي بفعل العدوى، فإن الفتنة الأهلية ومخاطرها المرعبة، يبدو أنها تعود لتفرض نفسها على صناع السينما والمسرح، والفن التشكيلي أيضًا.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة