«في مديح الأفلام»..عرض لأبرز محطات السينما وسحرها

«في مديح الأفلام»..عرض لأبرز محطات السينما وسحرها

كتاب سعد القرش يحلل الظواهر السينمائية العربية والعالمية خلال 34 عامًا
السبت - 22 رجب 1437 هـ - 30 أبريل 2016 مـ
غلاف الكتاب - سعاد حسني في إحدى مشاهد «الزوجة الثانية»

«خرجت من عتمة السينما إلى نور العيد، وقد انتزعت حقي في المتعة. لم أفكر أن هذا السحر سيكون بساطا يحملني، وأنتقل وراءه، إلى بلاد بعيدة، من الهند شرقا إلى هولندا شمالا، والمغرب غربا»، هكذا استهل الكاتب والروائي سعد القرش، رئيس تحرير مجلة «الهلال» العريقة، كتابه «في مديح الأفلام» الصادر حديثا عن مركز «الأهرام للنشر».
يأخذنا الكاتب لرحلة معرفية ممتعة عن معشوقته «السينما» عبر ما يضمه من تأملات وذكريات لطفل أدهشته الشاشة الفضية، وكيف كان يراها وكيف رآها حينما أصبح ناقدا يجوب المهرجانات السينمائية العالمية. ويقول الناقد السينمائي المخضرم د. محمد كامل القليوبي، عن مؤلف الكتاب: «مثقف وكاتب مبدع يقدم تأملاته خلال سعيه وراء الأفلام.. تأملات في التاريخ والسياسة والأدب والفن مع تحليل لظواهر سينمائية وأفكار تثيرها الأفلام.. رحلة معرفية شائقة يتحول معها الكتاب إلى نص أدبي في حد ذاته. مع صدور هذا الكتاب ستبادله السينما وعشاقها حبا بحب».
تبدأ حكاية القرش مع السينما عام 1980 بمشاهدة فيلم «امرأة بلا قيد» بطولة نيللي وحسين فهمي، كما روى في المقدمة: «لست معتادا على حالة الإظلام المفاجئة، وحاولت لملمة جلبابي حرصا على بقايا قروش أشتري بها ساندوتش فول من محل (البغل)، وكوب عصير قصب، ثم العودة إلى البلد، طويت الجلباب تحتي، وانكمشت في المقعد، لا أجرؤ على فتح فمي، والتدخل في شجار لا أرى أطرافه، في مقاعد الدرجة الثالثة (الترسو) حيث أقعد. عرضت مشاهد لعادل إمام، فانتهى الشجار، وصفقوا للبطل وهو يقفز ويطيح رجالا أشداء، وقلت إن الفيلم أكشن وكوميدي، ثم تبين أنه إعلان: (تريللر) فيلم (الجحيم) لمحمد راضي، وأننا سنشاهد فيلما آخر. بعد 30 عاما وسبعة أشهر وبضعة أيام، كان الفتى الذي نجا من السرقة حين تسلل إلى هذا الفضاء الساحر، في ندوة بأبوظبي، بصحبة مدير تصوير فيلم (الجحيم)، ماهر راضي. حكيت له وأنا أستعيد ما كان وأبتسم، وشرح لي جانبا من إضاءة وديكور الفيلم».
استمرت غواية السينما للقرش في شبابه حينما التحق بالجامعة، ويروي: «بعد أشهر من التحاقي بجامعة القاهرة، خرجت للسؤال عن سينما (كريم). كانت قد افتتحت وتعرض بهذه المناسبة فيلم (الطوق والإسورة). هنا مقاعد مريحة، في قاعة نظيفة، مكيفة الهواء، ممنوع التدخين، لا خوف على القميص من عابث يطفئ سيجارة. سوف أحب يحيى الطاهر عبد الله وخيري بشارة». وحول الكتاب والسينما؛ يقول صاحب رواية «وشم وحيد»: في السينما أجد نفسي، ويتأكد لي أنها هي أجمل «حقيقة» اهتدى إليها الإنسان في نهاية القرن التاسع عشر، ولا أتخيل القرن العشرين وما بعده من دون السينما، أروع خيال خلقه الإنسان وصدقناه. بين المشاهد وصناع الفيلم عقد غير مكتوب، ما تشاهده محض خيال، سحر أسهم في صنعه كاتب ومخرج وممثلون ومونتير ومهندس ديكور وموسيقي، لكن إتقان الخيال حتى يبلغ درجة العفوية والتلقائية يجعله أكثر واقعية وصدقا وجمالا من أي حقيقة يعبر عنها، الفيلم يوحي أنه حقيقة أو هو «الحقيقة».
ويضيف: «أحب السينما حتى إنني أتورط في علمية المشاهدة، ولا أعتبر ما أشاهده أفلاما، أنساني على باب دار العرض، أو حين تغيب الإضاءة ويحضر ضياء الشريط، وقد دمعت عيني مرات أثناء المشاهدة، بعض هذه النوبات وأنا أشاهد أفلاما للمرة الثانية أو الثالثة».
وعن الأفلام التي أثرت فيه، يقول: «أبكتني سعاد حسني في إحدى مرات مشاهدتي (الزوجة الثانية)، وهي تنبه زوجها إلى سقوط أمه، في رحلة الهروب ليلا من الطاغية: (أبو العلا، اِلْحَق، أمك وقعت)، وفي المشاهدة الثانية لفيلم (بنات وسط البلد)، في افتتاح مهرجان للسينما في روتردام بهولندا في نهاية مايو (أيار) 2006. دمعت عيناي إشفاقا على منة شلبي. كانت في نهاية الفيلم تغني، وتظن صوتها جميلا، وتحسب أن أصدقاءها يستحسنون غناءها، ولا تدري أنهم يسخرون منها، وظلت تغني وتبكي، مذبوحة من الألم، فبكيت معها. حدث هذا أيضا مع نداء من قلب فردوس محمد، في فيلم (ابن النيل)، وهي تنادي ابنها وتحذره وقد جاء الفيضان. وكذلك مع اعتراف غير صادق، يمزق قلب المشاهد تعاطفا مع ريم التركي، في إجابتها عن سؤال محقق إسرائيلي، في نهاية فيلم (باب الشمس)».
وعن دور السينما في حياته المهنية، يقول: علاقتي بالسينما حب من طرف واحد، هكذا أضمن له حياة ممتدة؛ وعشقا لا يطاله ملل، فلا أنتظر أن ينتهي هذا الحب بزواج يصيب العلاقة بشيء من الرتابة. لن أصبح كاتب سيناريو ولا مخرجا ولا ممثلا، بل يعنيني أن أظل عاشق أفلام، تحلو لي الهجرة إليها في المهرجانات، ثم أعيد مشاهدتها عبر شاشة التلفزيون الأليفة، لكنني حين قرأت رواية جيمس كين «ساعي البريد يدق الباب مرتين» لم أشك كثيرا في استفادة محفوظ، أو اقتباسها من رواية «كين»، ولم يختلف معي، في هذا الشك، مترجم الرواية أحمد عمر شاهين.
يؤكد القرش «لو لم أكن روائيا لأصبحت مخرجا يؤمن مع الفرنسي روبير بريسون، فيلسوف السينما، بأن السينما لا تشبه فنا آخر، ولا يغني عنها فن آخر، وأن الفيلم روح قادرة على القيام برحلة استكشاف فوق كوكب غير معروف... أحضر فيلما كما لو كان معركة. أحلم بفيلم يختفي مخرجه، كما لو أن الفيلم يخرج نفسه، علاقتي بالمهرجانات وثقت علاقتي بالسينما، بأفلام أراد صانعوها أن تمس الجوهر الإنساني، وأن تتجاوز اختبار الزمن، وتثير دهشة أجيال لم تولد بعد».
يخوض القرش في تفاصيل عشقه للسينما والتي تصاعدت وقرر أن يخوض تجربة كتابة السيناريو، فكانت له محاولتان، الأولى: فيلم عن أحداث نكسة 1967. والثانية فيلم عن الملكة حتشبسوت أول ملكة تقود كتيبة حربية، إلا أنه لم يوفق فيهما، ليظلا حبيسا الأدراج. أصدر كتاب «مفهوم الهوية في السينما العربية» عام 2005. لكنه يقول عنه: حذفته من قائمة كتبي، وأسقطته من تاريخي، لشعوري بأن عنوانه فضفاض، وأنني أقل إلماما بالسينما العربية التي تضم مدارس تيارات في البلد الواحد، وهل يمكن الكتابة في هوية السينما العربية من دون تناول ثلاثية الصحراء لناصر خمير «الهائمون» و«طوق الحمامة المفقود» و«بابا عزيز»؟


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة