قصر «لا كول نوار».. حلم مجهض يستنشق الأزهار والورود من جديد

الدار استغرقت 3 سنوات لترميمه.. و«كريستيان ديور» تكشف من خلاله جانبًا مهمًا من حياة مؤسسها

منظر بانورامي للمنزل الذي خطف أنفاس كريستيان ديور أول ما رآه.. لكنه خضع الآن لعدة ترميمات تجعل منه تحفة فنية تستحق الزيارة
منظر بانورامي للمنزل الذي خطف أنفاس كريستيان ديور أول ما رآه.. لكنه خضع الآن لعدة ترميمات تجعل منه تحفة فنية تستحق الزيارة
TT

قصر «لا كول نوار».. حلم مجهض يستنشق الأزهار والورود من جديد

منظر بانورامي للمنزل الذي خطف أنفاس كريستيان ديور أول ما رآه.. لكنه خضع الآن لعدة ترميمات تجعل منه تحفة فنية تستحق الزيارة
منظر بانورامي للمنزل الذي خطف أنفاس كريستيان ديور أول ما رآه.. لكنه خضع الآن لعدة ترميمات تجعل منه تحفة فنية تستحق الزيارة

في 12 فبراير (شباط) 1947، أصبح كريستيان ديور، أشهر مصمم أزياء في العالم.. فبين ليلة وضحاها حقق ما لم يحققه غيره، حيث أعاد باريس إلى الخريطة عاصمةً للموضة العالمية دون منازع، وأعاد للمرأة الأنوثة التي افتقدتها طوال سنوات الحرب، وما تطلبته من تقشف واستعمال أقمشة خشنة وتصاميم عملية. في المقابل، قدم لها تصاميم رومانسية طبعها بالورود المتفتحة، فيما أصبح يطبع أسلوبه ويدخل في جينات الدار التي أسسها.
ما يعرف عنه، تفاؤله إلى حد الهوس بالورود والأزهار، التي كانت تلهمه وتغذي خياله، وفي الوقت ذاته تذكره بطفولته في بيت العائلة «لي رامب»، وتلك الساعات السعيدة التي كان يقضيها مع والدته يزرع الورود أو يقطفها. هذه الذكريات كانت وراء عدد من الإبداعات في مجال الموضة والعطور، التي لا تزال تلقى شعبية كبيرة حتى الآن، وليس أدل على هذا من عطره «ميس ديور» و«ديوريسيمو».
في عام 1957، توفي السيد كريستيان ديور فجأة، وبعملية حسابية بسيطة، كان من الممكن أن يختفي اسمه تماما ولا يتذكره سوى قلة من الناس؛ إذ إن سنوات عطائه لم تتعد عشر سنوات، حيث قدم أول تشكيلة له في عام 1947. لكن العكس حصل، فهو من أهم المؤسسات الثقافية الفرنسية، وفي كل مرة نكتشف وجها جديدا له، وتنسج الدار قصة مثيرة من خيط بسيط تلتقطه عن حياته. هذه المرة كان الخيط هو بيت «لو شاتو لا كول نوار» LE CHATEAU LA COLLE NOIRE، المطل على سهل Montauroux. منزل بني في عام 1858، على بعد 40 كيلومترا من مدينة «كان» بجنوب فرنسا، و18 كيلومترا من عاصمة العطور الفرنسية غراس. وقع في حبه من النظرة الأولى رغم أنه كان مهملا، وبعد أن اشتراه حاول ترميمه وتجديده ليكون البيت الذي يقضي فيه بقية أيامه، حسب ما كتبه في سيرته: «أفكر فيه كبيتي الحقيقي، البيت الذي سأنسى فيه يوما ما كريستيان ديور المصمم، وأصبح مجرد إنسان مغمور وعادي مرة أخرى». لكن الموت باغته ولم يعطه فرصة لتحقيق هذا الحلم. المهمة التي أخذتها دار العطور المتخصصة على عاتقها أن تحيي هذا الحلم، فالكل فيه يعرف أن المصمم كان خجولا، لا يميل إلى الأضواء ولا يبحث عنها، بل كان حساسا إلى درجة أنه كان يعاني من حالات قلق وتوتر وأرق، قبل أي عرض أزياء. يعرفون أيضا أن أسعد أوقاته كانت تلك التي يهرب فيها إلى جنوب فرنسا، بعيدا عن أفينو مونتين مقر الدار الرئيسي، لينام بين أحضان الطبيعة. كان دائما يتوق لبيت في الريف يلخص فلسفته وحياته، ويستعيد فيه ذكريات الطفولة، قبل أن تنقلب حياته رأسا على عقب بسبب الحرب وويلاتها. في عام 1951 عثر على بغيته متجسدة في «لو شاتو لا كول نوار» LE CHATEAU LA COLLE NOIRE، وهذا العام تفخر «دار كريستيان ديور للعطور المتخصصة» بافتتاحه. فقد اشترته عام 2013، واستغرق ترميمه ثلاث سنوات، لهذا فإن 2016، بالنسبة للدار، عام تاريخي.
وتؤكد الصور أن المنزل ليس مجرد معلم تاريخي، كان مؤسسه السيد كريستيان ديور يحلم أن يقضي فيه سنواته الأخيرة، بقدر ما هو لوحة فنية تدغدغ كل الحواس بمناظره وطبيعته الخلابة وهدوئه، وطبعا روائحه الزكية، وهو ما تعقد عليه دار العطور المتخصصة كثيرا من الآمال لبناء إمبراطورية في عقر عاصمة العطور.
أهميته العاطفية والعملية، تكمن في أنه لا يبعد عن بيت العائلة «لي رامب» بغرانفيل، حيث عاش طفولة سعيدة، يزرع فيها الورود ويستنشق فيها الأزهار والأخشاب العطرية مع والدته، مما حفزه عندما اشترى هذا المنزل، على أن يعيد كتابة كثير من العناصر القديمة فيه، حيث أشرف بنفسه على زرع آلاف الأشجار والأزهار العطرية، فيما أسند مهمة الديكور الداخلي للمهندس المعماري آندريه سفتشين. أول ما قام به المهندس أنه تخلص من الغرف الصغيرة وحولها إلى صالونات مفتوحة وأجنحة شاسعة تتيح دخول الضوء الطبيعي، وتجعل الداخل امتدادا للخارج. كان السيد ديور يذكره دائما بأنه يصمم له البيت الذي سيقضى فيه سنوات طويلة وسعيدة من حياته، قبل أن يباغته الموت ويجهض حلمه.
ولا تزال الكلمات التي كتبها في سيرته الذاتية عام 1956 يتردد صداها، مؤكدة على هذه الأهمية: «أكتب السطور الأخيرة هذه وأنا في مدينة مونتورو، حيث ساقني القدر إلى هذا المكان الهادئ في ريف الجنوب ليشهد آخر أعمالي. الليل ينحسر حاملا معه سلاما لا نهاية له». النهاية التي كان يقصدها هنا كانت وضع النقطة الأخيرة في سيرته الذاتية، ولم يكن يقصد بها خذلان قلبه له، وأنه قد يفسر بالنهاية.
شغفه بالمكان ظهر أيضا في كتاب نشرته ماري فرنس بوشنا، في عام 1993، بعنوان «كريستيان ديور.. الرجل الذي جعل العالم يبدو بلون جديد»؛ حيث كتبت أنه قال: «أريد أن يكون هذا المنزل بمثابة بيت عائلي، تشعر فيه بأن أجيالا عديدة توالت عليه وتوارثته. لا أريد أي شيء يبدو فيه جديدا، ويجب أن تكتسي كل جزئية فيه بمظهر معتق يعطي الانطباع بأن له تاريخا، وبأنه غني بذكرياته ومثقل بتجارب الزمن».
في عام 1968 بيع المكان وتعرض للإهمال، ثم بيع مرة أخرى في عام 1976 لمالك استخدمه لاستضافة السائحين وإقامة الحفلات الفخمة، خصوصا أن اسمه - أو بالأحرى اسم صاحبه السابق - كريستيان ديور، كان يثير كثيرا من الاهتمام ويزيد من الإقبال عليه. جماله شجع أيضا مجموعة Oasis في عام 1999 على تسجيل ألبومها الرابع «Standing on the Shoulder of Giants» فيه.
وبما أن بيوت الأزياء الكبيرة تتبع حاليا تقليدا مهما، يتمثل في العودة إلى جذورها ومحاولتها البناء على هذه الجذور، في زمن أصبح فيه الذواقة يريدون منتجات وأسماء لها أصل وتاريخ، كانت المسألة مسألة وقت لتستعيده الدار وتعيد له مجده القديم. وفي الوقت ذاته، تحقق حلم كريستيان ديور في أن يحمل اسمه ويتحول إلى معلم في عاصمة العطور غراس، التي تبعد عنه بنحو 18 كيلومترا فقط.
وكانت «دار كريستيان ديور للعطور المتخصصة» قد اشترته في عام 2013 بصفته جزءا من تراثها، وافتتحته هذا العام. ويقول المسؤولون إن العملية كانت طبيعية، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن السيد ديور استلهم عطره الشهير «ديوريسيمو» في المنطقة، وهو عطر تغلب عليه رائحة زنبقة الوادي وأزهار عطرية أخرى ولا يزال يحقق للدار كثيرا من النجاح. العامل الآخر الذي شجعها على استعادته، قربه الجغرافي من مدينة غراس، مسقط رأس عطارها فرنسوا ديماشيه، الذي سيبدأ من الآن فصاعدا ابتكار وصنع عطور «ديور» هنا، على أن يكون باكورتها عطر ستطلقه الدار في الأسواق في شهر مايو (أيار) المقبل، يحمل اسم «كول نوار» Colle Noire على اسم المنزل.
وهكذا عادت الحياة مرة أخرى للمكان، فيما أنيطت مسؤولية تصميم الديكور إلى المهندس إيف دي مارسي Yves de Marseille، الذي قام بعملية ترميم شملت الأرضيات وغرف الضيوف والاستقبال، فضلا عن بهو المدخل ومكتب السيد ديور، الذي كتب فيه سيرته الذاتية، ورسم فيه تصوره للأنوثة والرومانسية.
وحتى لا ينسى الناس علاقة المصمم بفنانين من عصره، ومدى دعمه لهم، أنشأ المهندس أجنحة تحمل أسماء فنانين، مثل: شاغال، وبيكاسو، ودالي.. وغيرهم.
ولم يقتصر التجديد على الداخل، بل امتد أيضا إلى الحديقة المترامية على مساحة 50 هكتارا تقريبا. أشرف على تصميم هذا الفضاء وتشذيبه، مهندس تنسيق المواقع المتخصص في هندسة المناظر الطبيعية، فيليب ديليو. في لقاء خاص، قال إنه حرص على أن يكون الخارج امتدادا للداخل، لهذا وضع أحواض زينة مستلهمة من طراز القرن الثامن عشر، وأحاطها بصناديق الأشجار، كما زرع شجيرات الورد وأزهار السوسن والبنفسج والياسمين، وما شابه من أمور يعرف أن كريستيان ديور كان يهتم ويحلم بها. أما بالنسبة للأشجار الوارفة، من أشجار الزيتون إلى شجر السرو، الذي يبلغ طوله الآن أكثر من 15 مترا، فقال: «كانت موجودة أساسا، وكل ما قمت به أني حاولت إعادة تنسيق المنظر الطبيعي للحديقة، بتقليمها حتى يتكشف جمالها أكثر، وزراعة عشرات الآلاف من شجيرات زهرة «مايو»، وأشجار العنب، وأشجار اللوز، والمزيد من أشجار الزيتون».

* مدينة غراس وعطور «ديور».. بالأرقام

- لإنتاج كيلوغرام واحد من أزهار الياسمين، يحتاج العطار إلى ما بين 8 آلاف و10 آلاف زهرة.
- لإنتاج لتر واحد من الزيت العطري الخام، يحتاج إلى 700 كيلوغرام من أزهار الياسمين.
- كمية الأزهار التي يقطفها عامل واحد في اليوم، تقدر بما بين 10 كيلوغرامات و20 كيلوغراما.
- طريقة القطف مهمة جدا؛ إذ يجب التأكد من قطف الزهرة من أسفل الكأس.
- تبلغ مساحة المعمل الذي أنشأته مؤسسة «إلفي آم آش» لدار «ديور» في مدينة غراس، 320م2.
- تحتوي عطور «ديور» على 50 - 100 زيت عطري خام.
- 30 عاما، هو متوسط العمر المتوقع لزهرة الياسمين.
- 15 عاما، هو متوسط العمر المتوقع لشجيرة الورد.
- 30 ألفا، هو عدد الأزهار المطلوبة لإنتاج كيلوغرام من الزيت العطري الخام.
- هناك مشروع تنوي خلاله «دار كريستيان ديور للعطور» زراعة 20 ألف شجيرة من زهرة «مايو»، رغم أنها زهرة ضعيفة للغاية، وإذا لم يتم قطفها في اليوم الذي تزهر فيه، تصبح غير صالحة للاستخدام.
- تخضع عملية زراعة الأزهار لمعايير صارمة، بداية من الدورة المحصولية للأزهار، وتبوير الأرض لمدة عامين، وحتى قطف المحصول يدويا.
> تشتهر مدينة غراس بأزهار مثل زهرة «مايو»، والياسمين، والميموزا، ومسك الروم، والنارنج. والفضل يعود إلى أن أرضها تنعم لأكثر من 300 عام بالماء والشمس، وتربة جيرية طينية. لهذا، وعلى الرغم من التطور الذي شهدته صناعة دباغة الجلود في المدينة خلال القرن الرابع عشر، فإن الروائح التي كانت تنبعث من هذه الأزهار والأعشاب شجعت على زراعة النباتات العطرية في القرن السابع عشر، الأمر الذي تحول إلى تقليد وثقافة يعتز بها السكان، ويتوارثون أسرارها أبًا عن جد.



«سكياباريللي» تتجلَّى في متحف «فيكتوريا وألبرت» بلندن

لقاء الفن والموضة وجهان لعملة واحدة في الدار منذ تأسيسها ورقته الرابحة كانت ولا تزال أنه لم يُقدس الماضي فيتقيد به بل حاوره بلغة معاصرة وواقعية
لقاء الفن والموضة وجهان لعملة واحدة في الدار منذ تأسيسها ورقته الرابحة كانت ولا تزال أنه لم يُقدس الماضي فيتقيد به بل حاوره بلغة معاصرة وواقعية
TT

«سكياباريللي» تتجلَّى في متحف «فيكتوريا وألبرت» بلندن

لقاء الفن والموضة وجهان لعملة واحدة في الدار منذ تأسيسها ورقته الرابحة كانت ولا تزال أنه لم يُقدس الماضي فيتقيد به بل حاوره بلغة معاصرة وواقعية
لقاء الفن والموضة وجهان لعملة واحدة في الدار منذ تأسيسها ورقته الرابحة كانت ولا تزال أنه لم يُقدس الماضي فيتقيد به بل حاوره بلغة معاصرة وواقعية

أخيراً أصبح بإمكان زوار لندن الاستمتاع بدعابات وإبداعات إلسا سكياباريلي الفنية، أو بالأحرى التعرف عن قرب على معنى «الفنون جنون» في مجال التصميم. فقد فتح متحف «فيكتوريا أند ألبرت» أبوابه لاحتفاء استثنائي هو الأول من نوعه في المملكة المتحدة، وهو مكرّس لها ولإرثها المتواصل. معرض بعنوان سكياباريللي: حين تتجلَّى الموضة لتصبح فناً (Schiaparelli: Fashion Becomes Art) لا يدخلك عالم إلسا وحدها، بل أيضاً عوالم أصدقائها سلفادور دالي وجان كوكتو وبابلو بيكاسو وغيرهم ممن تعاونت معهم.

لم تفقد الدار في أي مرحلة روحها الإبداعية المسكون بجنون الفن (سكياباريللي)

أثَّرت فيهم بقدر ما أثَّروا فيها، وأثبتت أنها كانت ندّاً لهم في مجالها. فرادتها تتمثل في أنها لم تتعامل مع الموضة كأزياء يجب أن تكون جميلة وأنيقة فحسب، بل أن تكون ذكية ومرحة تعبق بالفن أولاً وأخيراً. بهذا الجنوح نحو كل ما هو سريالي كانت كمَن يُعبِر عن فن يسري في دمها.

في مذكراتها تروي كيف أنها كانت ترى نفسها عادية لا تتمتع بجمال تُحسد عليه، وكيف كانت تأخذ بذور أزهار حديقة بيت العائلة وتزرعها في فمها وأنفها وأذنيها على أمل أن تتفتح كوردة. ما كانت تشعر بأن ما تفتقده من جمال كلاسيكي عوَّضت عنه بثقافة ورؤية فنية فذة. فتصميم الأزياء بالنسبة لها، وفق قولها «ليس مهنة، بل هو فن».

يتتبع المعرض قصة الدار من التأسيس إلى اليوم (سكياباريللي)

هذه الروح هي التي تسري في أرجاء معرض مليء بالتلاعبات البصرية، حيث يتحول حذاء إلى قبعة، وتتفرع عظام على سطح فستان، ويصبح قرص هاتف مرآة مدمجة وهلم جرا من التصاميم التي تتراوح بين الغرابة والإبداع.

تتنقل بين أرجاء المعرض في رحلةٍ آسرة تمتد من عشرينيات القرن الماضي حتى يومنا هذا. يروي فيها كل قسم فصلاً من قصتها كواحدة من بين أكثر الشخصيات تأثيراً في تاريخ الموضة، كاشفاً عن إرث الدار منذ لحظاتها التأسيسية وصولاً إلى تجلّياتها الراهنة بقيادة المدير الإبداعي دانيال روزبيري. هذا الأخير جعل لقاء الماضي بالحاضر لعبته، بدليل حواره الإبداعي المتواصل بينه وبين المؤسسة.

كان الفن بالنسبة للمصممة جزء لا يتجزأ من الموضة (سكياباريللي)

يضم المعرض أكثر من 400 قطعة، تشمل 100 إطلالة و50 عملاً فنياً، إلى جانب الإكسسوارات، والمجوهرات، واللوحات، والصور، وقطع الأثاث، والعطور، والمواد الأرشيفية. من أبرز المعروضات: فستان «الهيكل العظمي» من عام 1938 - وهو النسخة الوحيدة المعروفة الباقية حتى اليوم، وجزء من المجموعة الدائمة لمتحف فيكتوريا وألبرت، إلى جانب فستان «الدموع» من العام نفسه، بالإضافة إلى القبعة الأيقونية التي تستحضر شكل حذاء مقلوب؛ وجميعها جاءت ثمرة تعاونها مع الفنان سلفادور دالي. كما يضم المعرض أعمالاً لفنانين كبار، من بينهم بابلو بيكاسو، جان كوكتو، مان راي، وإيلين آغار، فضلاً عن عدد من تصاميمها المخصّصة لعالمَي المسرح والسينما.

يرسخ المعرض صوتها كفنانة سريالية من الطراز الرفيع (سكياباريللي)

يُختتم المعرض بلمسة معاصرة آسرة، تتجلّى فيها إبداعات لدانيال روزبيري، تألَّقت بها نجمات عالميات مثل أريانا غراندي ودوا ليبا، في خاتمة درامية تشكل حواراً بصرياً بين إرث الدار ورؤيتها الراهنة.

في هذا السياق، صرَّح تريسترام هانت، مدير متحف فيكتوريا وألبرت: «يحتفي معرض (سكياباريللي: حين تتجلّى الموضة لتصبح فناً) بإحدى أكثر المصممات إبداعاً وجرأة في تاريخ الموضة. ويضمّ متحف فيكتوريا وألبرت واحدة من أكبر وأهم مجموعات الأزياء في العالم، إلى جانب أبرز مجموعة لقطع سكياباريللي في بريطانيا. إن التعاون الذي جمع الدار بعالم الفن وعوالم الأداء يجعل من الدار والمرأة التي كانت وراء تأسيسها موضوعاً مثالياً لمعرض استثنائي بهذا المستوى في متحف فيكتوريا وألبرت».

يخلق المصمم الحالي دانيال روزبيري في كل موسم حوارا إبداعيا مع إرثها (سكياباريللي)

كما قالت دلفين بيليني (Delphine Bellini)، الرئيسة التنفيذية لدار سكياباريللي: «لقد أعادت إلسا سكياباريللي، بخيالها الجريء ورؤيتها الراديكالية، رسم الحدود بين الموضة والفن. وهذا ما يحتفي به هذا المعرض: تأثيرها المتجدد من خلال تعاوناتها الأيقونية مع كبار فناني القرن العشرين، وبذلك المزج الريادي بين الإبداع وعالم الأعمال. وبفضل مجموعاته الاستثنائية، وخبرته العميقة في مجالي الموضة والتصميم، وتأثيره الثقافي الواسع، وقدرته على وصل التراث بالابتكار، يشكِّل متحف فيكتوريا وألبرت الإطار الأمثل لعرض إرثها، إلى جانب إبداعات دانيال روزبيري، التي تواصل حمل روحها السريالية قدماً، من خلال تصاميم نحتية جريئة في تكريم لرؤيتها الإبداعية وإعادة ابتكارها لقرنٍ جديد».

فنية الدار لم تخفت بل زاد وهجها في السنوات الأخيرة ورقته الرابحة كانت ولا تزال أنه لم يُقدس الماضي فيتقيد به بل حاوره بلغة معاصرة وواقعية

في عام 1973 توفيت بعد 19 عاماً من اعتزالها، ودُفنت باللون الوردي، لونها المفضل الذي جعلته جزءاً من هويتها وهوية دار لم تنسَها. فمديرها الإبداعي الحالي روزبيري، لا يزال يرسم ملامحها. نجاحه في خلق الاستمرارية يكمن في أنه لم يُقدس إرث الماضي إلى حد التقيد به، بل يحاوره بلغة معاصرة وواقعية.


صراع المعايير بين الموضة والإعلام...من يفرض صورة المرأة المثالية؟

النجمة ديمي مور في حفل «فانيتي فير» الأخير بوجه نحتته إجراءات تجميلية وجسد نحيل (أ.ف.ب)
النجمة ديمي مور في حفل «فانيتي فير» الأخير بوجه نحتته إجراءات تجميلية وجسد نحيل (أ.ف.ب)
TT

صراع المعايير بين الموضة والإعلام...من يفرض صورة المرأة المثالية؟

النجمة ديمي مور في حفل «فانيتي فير» الأخير بوجه نحتته إجراءات تجميلية وجسد نحيل (أ.ف.ب)
النجمة ديمي مور في حفل «فانيتي فير» الأخير بوجه نحتته إجراءات تجميلية وجسد نحيل (أ.ف.ب)

هذا العام، غُبن اليوم العالمي للمرأة إلى حد ما. لم يحظَ باحتفالات تليق بما تحققه من إنجازات، ولم تُفتح لها المنابر بما يكفي للتنديد بما تعانيه من نكسات والمطالبة بتصحيحها. فقد غطى التصعيد الأميركي الإيراني على نشرات الأخبار فتوارى الحدث خلف دخان حجب السماء وأعتم النهار.

لكن هذا لا يعني أنه لم تكن هناك محاولات إيجابية، ولو خجولة، لإبقاء الشعلة النسوية متقدة طوال الشهر مع تسليط الضوء على قضايا قديمة عادت لتشتعل من تحت الرماد بعد أن خُيِل للجميع أنه قُضي عليها. والمقصود هنا تحديداً تلك النظرة التي لا تنفصل عن جسد المرأة وتضعها تحت ضغوطات شتى.

فمنذ قرون، وهذا الجسد ساحة تُسقِط عليها المجتمعات تصوراتها عن الجمال والهوية والرغبات. من التماثيل الحجرية إلى منصات عروض الأزياء ومناسبات السجاد الأحمر، ومن لوحات كبار الفنانين إلى وسائل التواصل الاجتماعي، تغيَر شكل «المرأة المثالية» مراراً، وفي كل مرة يترك أثراً عميقاً في اللاوعي الفردي والجمعي على حد سواء.

الممثلة آن هاثاواي تلقي خطاباً في الأمم المتحدة في اليوم العالمي للمرأة (أ.ف.ب)

في القرن الواحد والعشرين، تؤكد حالة النجمة ديمي مور أن هذه الإشكاليات النسوية لا تزال قائمة، بعد أن ظهرت مؤخراً بمظهر غيَّر ملامحها ووزنها بشكل مقلق تلبية لإملاءات هوليوود والموضة. حالتها ليست منفردة، فهي تختصر الضغوطات الخارجية وحالات التنمر التي تتعرض لها المرأة عموماً، إلى جانب خوفها من الإقصاء.

علاوة على ذلك، أفاد استطلاع بريطاني تم إجراؤه على مجموعة من الفتيات حديثاً، أنهن يشعرن بأن المجتمع يحكم عليهن بناء على مظهرهن أكثر من قدراتهن وكفاءاتهن. هذا الإدراك المبكر يربط القيمة بالهيئة، ويجعل أي انحراف عن الشكل المرسوم من قبل جهات خارجية، سواء هوليوود أو الموضة أو وسائل الإعلام، مصدر قلق على الصحة النفسية والجسدية، لا سيما عندما تتحول إلى شبه إدمان. فالنجاح في الكثير من الأوساط لا يزال يرتبط بالجمال، وليس أدل على هذا من مظهر السياسيات الجمهوريات في حكومة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بينما أصبح يعرف بوجه «مارا لا غو»: وجه مشدود، وابتسامة هوليوودية، وشعر أشقر، وماكياج واضح. كلما تقيَّدن بشروط جمال معيَن، ارتفعت فرصهن للحصول على مناصب مهمة.

أوبرا وينفري عانت لعقود طويلة من الوزن الزائد واعترفت أخيراً بأنها تدين برشاقتها للأدوية (أ.ب)

لكن هل هذه الصورة الجمالية جذابة فعلاً؟ سؤال صعب لأن الجمال في عين الناظر. لكن الخوف هنا لا يتعلق بالإجراءات التجميلية بل بالنحافة المفرطة، التي أصبحت سمة من سمات نجمات مثل أريانا غراندي، وديمي مور، وكيلي أوزبورن ومايلي سايروس وحتى أوبرا وينفري وغيرهن كثيرات. فمن لا يتذكر استماتة أوبرا وينفري لإنقاص وزنها بكل الوسائل. قهرت كل الصعاب التي مرَّت بها، لكن هاجس الرشاقة ظل يؤرقها لخمسة عقود تقريباً. ورغم أنها جرَّبت كل الحميات، لا تزال لحد اليوم تحارب من أجل الرشاقة. لهذا ليس غريباً أن يتوسَّع الأمر ليشمل المرأة العادية التي تتخذ من هؤلاء النجمات قدوة تحتذي بها.

نيكول كيدمان ونحافة واضحة في السنوات الأخيرة (سكياباريلي)

النجمة ديمي مور لها تجارب متكررة مع شكلها. سبق واعترفت بخضوعها لعدة إجراءات تجميلية شملت أجزاء مختلفة من جسدها بما في ذلك ركبتيها. المفارقة أن مور نفسها تحدّثت علناً عن معاناتها السابقة مع صورة الجسد، وكيف أن كل الإجراءات التي خضعت لها لم تمنحها سوى سعادة مؤقتة. خلال الترويج لفيلمها «ذي سابستانس» The Substance، الذي جسَّدت فيه شخصية نجمة تجري وراء الشباب الدائم، تحدثت عن تجربتها في التسعينيات، حين كانت نحافة المرأة معياراً أساسياً للنجاح. وروت كيف تحوَّل التدريب الرياضي الصارم خلال تصوير فيلم «A Few Good Men» إلى هوس، وكيف دخلت في علاقة غير صحية مع الطعام استمرت حتى انتهائها من فيلم G.I.Jane. لاحقاً تحدثت عن لحظة وعي دفعتها إلى التصالح مع ذاتها، وكيف أنها لم تعد تعيش علاقة «عدائية» مع جسدها، بل تركز على النوم والتأمل وكتابة يومياتها، وتتبنى نظاماً غذائياً متوازناً.

ديمي مور في واحدة من إطلالاتها الأخيرة بعد التجميل والتنحيف (رويترز)

غير أن هذا التصالح مع الذات لم يدم طويلاً بالنظر إلى صورها في كل من ميلانو وباريس حديثاً. كان مظهرها مثيراً بباروكة بقصة «كاري». كانت الإجراءات التجميلية مُوفَقة إلى حد كبير، وفق قول د. خيسوس أوليفاس مينايو، المدير السريري ومدير المعهد البرتغالي لـ«الليبيديما»: «عند مقارنة صورها الحديثة بصورها قبل عدة سنوات، يبرز مدى الشد في ملامح وجهها، بحيث يبدو خط الفك أكثر تحديداً، والجلد أكثر تماسكا، كما تبدو ملامح الوجه بشكل عام أكثر نحتاً وتناسقاً». لكنه يضيف أن «تقلبات الوزن وإنقاصه بشكل كبير يمكن أن تؤثر على الوجه. فعندما تنخفض دهونه، تبرز البنية العظمية، غير أنها في الوقت ذاته تسبب ترهل الجلد أو ظهور فراغات، خصوصاً حول الجزء السفلي من الوجه وخط الفك. وغالباً ما يبدأ المرضى في هذه المرحلة بالبحث عن علاجات تعيد دعم البنية وتشد الجلد».

إطلالة ديمي مور تظهر فيها بنحافة مفرطة (أ.ف.ب)

الخوارزميات ودورها

وبغض النظر عن وجه ديمي مور وجمالياته، فإن جسدها النحيل بعظامه البارزة، أكثر ما أثار القلق وأدَّى إلى فتح ملفات قديمة اعتقد الجميع أنها طُويت للأبد.

فبعد أكثر من عقد من المناداة بالتنوع الجسدي وتقنين ظهور عارضات «أنوركسيات» على منصات عروض الأزياء، وسنوات من انتشار عبارات مثل «إيجابية الجسد» و«التصالح مع الذات» منحت نساء كثيرات الشجاعة على الظهور بأجساد لا تنتمي إلى القالب النمطي السابق، عاد الضغط ليطفو على السطح مرة أخرى. السبب على ما يبدو توفر وانتشار حقن «الأوزمبيك» و«مونجارو» في أوساط النخبة، مما جعل الخيط بين استعمالها لأسباب صحية أو فقط للحصول على الرشاقة رفيع للغاية. مؤخراً بدأت تنتشر محتويات على تطبيقات الـ«تيك توك» و«الإنستغرام» تمجِّد الرشاقة، بعناوين مثل «ماذا آكل في يومي»، و«كيف أفقد وزني» ونصائح حول «التنظيف الغذائي» وما شابه من آخر الحميات. كل هذا مرفوق بصور لأجساد نجمات وشخصيات معروفة تتراوح بين الرشاقة والنحافة. فهن دائماً ورقة رابحة في كسب التفاعلات. من هذا المنظور، تم تداول صور ديمي مور بفستان أسود من دون أكتاف بشكل مُكثَّف حوَل الحديث من ترشيحها عن مسلسل «لاندمان» إلى نحافتها، وما إذا كانت تعاني من مشكلة صحية أو تستخدم أدوية لإنقاص الوزن.

كيلي أوزبورن أثارت مؤخرا موجة من القلق على صحتها بعد ظهورها بنحافة مفرطة (أ.ب)

أليكس لايت، مؤلفة كتاب «لستَ صورة (قبل): كيف تتصالحين مع جسدك أخيراً وإلى الأبد» You Are Not a Before Picture: How to Finally Make Peace with Your Body, for Good تقول إن هناك ارتفاعاً ملحوظاً في المحتوى الذي يروِج لثقافة النحافة على الإنترنت. أحياناً بطرق غير مباشرة، تحت مسميات «العافية» و«الانضباط» و«الأهداف الصحية اللطيفة»، لكن النتيجة واحدة وهي إعادة إنتاج «فكرة أن الجسد مشروع للتحسين والتصليح». وتوضح لايت أن أحد أهم الأسباب في انتشار هذه الظاهرة، أن الخوارزميات لا تكافئ المحتوى المتزن والمتوازن، بينما تكافئ الصور الصادمة والدراماتيكية. هذه الخوارزميات تُفسر أيضاً سبب عودة بعض المؤثرين الذين بنوا شهرتهم على خطاب حب الذات، لعرض تجارب مرتبطة بخسارة الوزن. لكن السؤال الجوهري بالنسبة لأليكس لايت هو «من يستفيد من الترويج لهذه النحافة؟» الإجابة بالنسبة لها غالباً ليست الفرد، بل صناع حميات تدر عليهم المليارات من الدولارات.

مسؤولية الموضة

ورغم أنها لم تُشر بأصابع الاتهام لصناعة الموضة فإن هذا لا يستثنيها. في تصريح سابق للمصممة البريطانية ستيلا مكارثني حول هذا الموضوع قالت إنها تُحمِل الموضة جزءاً كبيراً من المسؤولية. وهي على حق لأن نظرة على تاريخ الموضة تُثبت أنها في كل حقبة ترسخ نموذجاً جمالياً نحيلاً داخل اللاوعي، من خلال صور الإعلانات وعروض الأزياء والحملات المصورة، بغض النظر عما تجره من نتائج كارثية.

تتحمل الموضة جزء كبير من المسؤولية في الترويج للنحافة (ديور+ فندي)

قوانين صارمة ولكن

في الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن الماضي روَجت لمظهر «هيروين شيك» تظهر فيه العارضات بشكل «أنوريكسي» للغاية، الأمر الذي أثار قلقاً تداعى صداه في كل العالم في عام 2007 إثر وفاة إيزابيل كارو وهي عارضة أزياء فرنسية سابقة عن عمر يناهز 28 عاماً بسبب مرض فقدان الشهية. لم تكن إيزابيل حالة فردية إذ تعرضت عارضات أخريات إلى نفس المصير، بسبب ضغوطات تفرض عليهن فقدان أوزانهن بشكل مبالغ فيه.

بعد أن دقَّت الجهات الصحية نواقيس الخطر، وتسرَّب الخوف في النفوس من تأثيرات هذه الصور على صغار السن، حاول قطاع الموضة أن يُغيِر جلده ويحتضن الاختلاف. لكنه واجه مقاومة من قبل بعض المصممين، فتدخلت الحكومات على الخط، لتنص قوانين تُجرِم التعاون مع عارضات نحيفات بشكل مفرط أو صغيرات السن، وفرضت غرامات على وكالات الإعلان أو دور الأزياء في حال عدم التزامهم بهذا القانون، حسبما قالته وزيرة الصحة الفرنسية ماريسول تورين آنذاك. وقال الفرنسي أوليفييه فيران البرلماني الاشتراكي الذي صاغ التعديلين إن القانون سيفرض فحوصات منتظمة وغرامات مالية، وأضاف أنه سيتعيَن على العارضات تقديم شهادات طبية تظهر مؤشراً لكتلة الجسم لا يقل عن 18 - أو نحو 55 كيلوغراماً لطول قدره 1.75 متر - قبل التعاقد معهن. في عام 2017 أصبح لزاماً على العارضات الحصول على شهادة طبية إلزامية لمزاولة المهنة، في حين وقَّعت مجموعتا السلع الفاخرة «إل في إم إتش» و«كيرينغ» في العام نفسه وثيقة تلزم بإلغاء المقاس 32 كشرط للتقدم الاختبار الأداء للعارضات.

مع مرور الوقت تبيَّن أن معظمها مجرد إجراءات نظرية. فالمصممون يُفضلون ابتكار أزياء للأجسام الرفيعة والمقاييس الصبيانية. فكلما خلَّت هذه الأجساد من أي تضاريس أو منحنيات تُبرز جمال التصاميم أكثر. كما أن إنتاج وبيع الملابس بقياسات كبيرة إلى جانب أنه مكلف بالمقارنة، يتطلب مهارة أكبر ليأتي بالشكل المطلوب.

تعرضت المغنية أديل للتنمر بسبب وزنها الزائد في الماضي قبل أن تكتسب رشاقتها الحالية (غيتي)

حرب لاغرفيلد على البدانة

المصمم الراحل، كارل لاغرفيلد كان واحداً ممن أعلنوا الحرب على الوزن الزائد. عانى منه هو شخصياً لسنوات، قبل أن يتبع ريجيماً قاسياً قال إنه نبع من رغبته في ارتداء تصاميم هادي سليمان، مصمم دار «ديور» في القسم الرجالي، الذي طرح أول تشكيلة له في عام 2001، عبارة عن تصاميم رشيقة للغاية لا تناسب الرجل الممتلئ، فما البال بالسمين؟ كارل لاغرفيلد لم يكتفِ بهذا، بل استعمل كلمة «بدينة» لوصف المغنية أديل، مضيفاً أن كل من تنتقد رأيه أو لها رأي مخالف عن النحافة هي «امرأة كسولة ومتكاسلة».

صورة أرشيفية تعود إلى عام 2025 لديمي مور (إ.ب.أ)

المشكلة أنه حتى المرأة باتت مقتنعة بما تُمليه الموضة، مما جعل النيات الطيبة لفك ارتباط هذه الصناعة بالعارضات النحيفات ضعيفة، بدليل الصور التي باتت تطالعنا مؤخراً في عروض الأزياء وتُعزِزها صور نجمات هوليوود مثل ديمي مور ونيكول كيدمان وغيرهما.


جون غاليانو و«زارا»: هل ستنتقل عبقرية المسرح إلى شارع الموضة؟

المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)
المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)
TT

جون غاليانو و«زارا»: هل ستنتقل عبقرية المسرح إلى شارع الموضة؟

المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)
المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)

في خطوة غير متوقعة، أعلنت «زارا» عن شراكة تمتد لعامين مع المصمم البريطاني جون غاليانو. بموجبها سيُصمم مجموعات موسمية تصل إلى المستهلك في شهر سبتمبر (أيلول) المقبل. الكل يتوقع وينتظر كيف سيُترجم مصمم عبقري معجون ومسكون بالإبداع أرشيف محلات شعبية غيّرت ثقافة الموضة في العقود الأخيرة. فأقل ما يمكن أن يقال عن هذه الخطوة إنها تمثل لقاء بين عالم «هوت كوتور»، بكل ما يعنيه من تصاميم وأسعار خيالية، وموضة سريعة تخاطب العامة بأسعار معقولة.

تعاون جون غاليانو ومحلات «زارا» يثير ضجة في أوساط الموضة (أ.ف.ب)

ومع ذلك، فإن الخبر حدّد أن غاليانو لن يُصمم أزياء من بنات أفكاره. سيُعيد فقط لقطع من أرشيف «زارا» بريقها، أو بالأحرى «تأليفها»، بمعنى أنه سيُفككها ويعيد ترتيبها، مع استخدام خامات جديدة وتفاصيل مختلفة. كل هذا لا يهم متابعو الموضة. فالقصة السردية التي سيُوفِرها أقوى من كل القصات التي ستتضمنها هذه المجموعات. ففي عالم الموضة، أصبحت القصص المحكية، بنفس أهمية التصميم أو أكثر وسط هذا الكم من التصاميم التي تُطرح في كل موسم. فالجمهور حالياً لا يشتري مجرد قطع أزياء أو إكسسوارات أنيقة، بل يريد أن يشعر بالانتماء لتجربة معينة، والإحساس بأن القطعة تحمل معاني إنسانية.

بدأت «زارا» منذ سنوات جسّ نبض كل الطبقات بطرح تصاميم بأسعار وجودة متباينة (موقع زارا)

كل هذا سيجعل تجربة غاليانو الجديدة مُشوّقة، لأنه سيُحوِل منتجاً مستنسخاً بالأصل، كون «زارا» قائمة بالأساس على محاكاة وتقليد ما يُعرض على منصات عروض الأزياء العالمية وطرحها في الأسواق بسرعة، إلى قطعة تحمل بصمته الفنية. هذا التمييز بين النسخ والإبداع يزيد من نسبة الترقب. حتى إذا لم يكن المنتج جديداً بالمعنى المبتكر، فإنه سيكتسب قيمة مستمدة من اسم المصمم.

تحاول «زارا» مخاطبة كل الأذواق مع الحفاظ على جودة مقبولة (موقع زارا)

توقيت هذه الخطوة له ما يُبرره. فغاليانو خرج من دار «ميزون مارجيلا» منذ عام تقريباً، ورغم أن اسمه تردد في كثير من المناسبات وتمنى البعض ترشيحه لبيوت أزياء كبيرة، فإنها مجرد تكهنات ظلّت في خانة التمنيات. أما بالنسبة لـ«زارا» فهي تواجه منذ فترة منافسة شرسة من قبل شركات اتبعت استراتيجياتها في محاكاة الموضة العالمية بأسعار أقل، مثل «شي إن» و«تيمو» وغيرهما. الفرق أن أسعار المنافسين أقل من أسعارها، الأمر الذي أفقدها شريحة الفتيات الصغيرات ممن وجدن في هذه الأسعار ما يُلبي رغباتهن.

«زارا» عوض أن تُخفّض أسعارها لسدّ الأبواب على منافسيها، فضّلت أن ترتقي بتصاميمها عبر تحسين الجودة، وتطوير تجربة التسوق في متاجرها، والحفاظ على أسعارها، بل رفعها باستحداث خطوط جديدة تخاطب زبائن يتوقون لقطع راقية. هذه النقلة لمخاطبة شريحة أعلى كانت تحتاج لاسم بحجم جون غاليانو. فهو يمنحها شرعية ثقافية وإبداعية، كما يجعل المنتج الجماهيري أكثر جاذبية.

مقارنة تاريخية

تحاول «زارا» أن تكسب شريحة مقتدرة من النساء من خلال هذا التعاون (موقع زارا)

الخطوة تُذكر بتجربة الراحل كارل لاغرفيلد مع محلات «أتش أند إم» عام 2004. كانت جديدة وصادمة آنذاك. لكن لاغرفيلد كان واضحاً وشجاعاً، حيث صرّح بأن الوقت حان لكي تنزل الموضة الراقية من برجها العالي وتصبح أكثر ديمقراطية. نجاح تجربته في خلق تصاميم أنيقة بأسعار محدودة وصلت إلى جمهور أوسع، جعل التعاون مع مصممين كبار و«أتش أند إم» تقليداً سنوياً احتذت به محلات أخرى مثل «يونيكلو» حتى «زارا».

الفارق هنا أن كارل لاغرفيلد كان يتمتع بذكاء تجاري وفني، بينما يأتي غاليانو بخلفية مسرحية ودرامية أثقل، تجعل مهمته أكثر إثارة من ناحية التحدي. على الأقل، سنتابع مدى مقاومته لذلك الجنوح الذي يسكنه ويدفعه لخضّ المألوف، وكيف سيُروِّض عبقريته المسرحية لتناسب السوق الجماهيرية.

فهل يا ترى سيبقى غاليانو ضمن السيناريو المكتوب والمسجل في أرشيف «زارا» منذ زمن، أم سينفضه ويغيره؟ المشكلة أنه إذا لم يُدخل بصماته بشكل واضح، فقد تأتي المحاولة باهتة، تفتقد إلى هويته.

استراتيجية «زارا» تقوم على محاكاة آخر خطوط الموضة وطرحها بسرعة وبأسعار متاحة (موقع زارا)

التوقعات

أما في حال نجح في تحقيق المعادلة بين الجماهيري المتاح وبصماته الخاصة، فإن المتوقع أن القطع المنتقاة من أرشيف «زارا» ستكتسي أسلوباً مسرحياً، ولو بجرعات خفيفة، من خلال طبعات وتفاصيل غير متوقعة. هذا لا يعني أن كل القطع ستكون فاخرة بمستوى «هوت كوتور»، لكن على الأقل ستكون بخامات وتفاصيل أفضل من متوسط «زارا».