ما بين 1800 فيلم استلمتها إدارة مهرجان «كان» السينمائي وعاينها مدير المهرجان الفني تييري فريمو وأعوانه، تم اختيار 20 فيلمًا للمسابقة وتوزيع 28 خارجها، بينها 18 فيلمًا في مسابقة «نظرة ما».
فيلم الافتتاح من نصيب وودي ألن. ابن الثمانين سنة يحقق فيلمًا عنوانه «كافيه سوسايتي» عن شاب (جيسي أيزبيرغ) يصل إلى هوليوود في الثلاثينات. كما في «باريس منتصف الليل» حيث يجد بطله هناك (أوون ولسون) نفسه وقد انتقل إلى عالم مغلّف بسحر الفترة وشخصياتها الأدبية والفنية، يدلف بطل «كافيه سوسايتي» إلى عالم يفتنه من اللقاء الأول، حيث السينما كانت لا تزال تتعلم كيف تمشي وتعبّر عن نفسها وعن العالم حولها.
المقارنة بين الفيلمين لها زاوية ثانية: كلاهما من عروض مهرجان «كان». فيلم ألن الجديد يُضاف إلى ما سبق عرضه من أفلامه على شاشة المهرجان الضخم، وآخرها كان «رجل غير منطقي» في العام الماضي.
هذا ما يرفع الحاجبين تعجّبًا ليس حول إذا ما كان فيلم ألن هو الأصلح للافتتاح، بل حول حكاية المهرجان مع المخرجين الذين يستقدمهم كلما أنجزوا فيلمًا جديدًا. من بين الأفلام العشرين المتسابقة هناك خمسة عشر مخرجًا سبق لهم أن اشتركوا في المهرجان الفرنسي أكثر من مرّة.
هذا، شاء المهرجان أو لم يشأ، يبعث على تساؤل أكبر حول الأفلام التي رفضت، هل هناك ما يؤكد أن حفنة منها على الأقل لم تكن تستحق العرض؟
لا أحد خارج الإدارة يستطيع أن يجيب على هذا السؤال، ولا أحد خارج الإدارة يمكن أن يتبرع بالجواب. لكن مدير المهرجان الفني فريمو صرّح لمجلة «ذَ هوليوود ريبورتر» الأميركية: «كل فيلم نختاره تبعًا لما يعنيه الفيلم بالنسبة للبرمجة وللجدول الزمني وللاختيارات». ومع أن هذه العبارة لا تعني الكثير في واقعها (ماذا عن شروط فنية مثلاً؟) إلا أنه تابع مستهجنًا: «لماذا لا يسألونني عن الأسماء الجديدة؟ ماذا عن المخرج البرازيلي والمخرجة الألمانية»؟
لكن المخرج البرازيلي، فيلو كليبر مندونكا الذي يعرض فيلمًا عنوانه «أكواريوس»، والمخرجة الألمانية ماري آد التي تجلب للمسابقة فيلمًا بعنوان «توني أردمان»، هما من الأقلية، في حين أن الفرنسيين أوليفييه أوساياس وبرونو دومو والكندي إكزافييه دولان والأميركي جيم جارموش وكن لوتش وبريلانتي مندوزا والروماني كرستيان مانجو والأخوين البلجيكيين جان - بيير ولوك داردين، من بين المترددين كلما أنجزوا فيلمًا جديدًا شأنهم في ذلك شأن وودي ألن.
* اشتباك مصري
بالأرقام، هذه هي المرّة الثانية عشر التي يدخل فيها البريطاني كن لوتش المسابقة (فاز بالسعفة الذهبية عن «الريح التي هزت الشعير» سنة 2006 وبجائزة لجنة التحكيم عن «نصيب الملائكة»، 2012)، والمرّة السابعة التي يتسابق فيها الأخوان داردين (فازا بالسعفة مرتين الأولى سنة 1999 عن «رويتا» والثانية سنة 2005 عن «الطفل»). وهي الطلة الثامنة للإسباني بدرو ألمودوفار متسابقًا.
هذه ليست هي المرّة الأولى التي تطرح فيها أسئلة تتناول تحبيذ المهرجان لشخصيات معينة يستقدمهم حال إنجازهم أفلامًا جديدة. لكن الناحية المقابلة لهذا الطرح قوية في حجتها أيضًا: كيف يمكن تفويت فرص التقاط آخر أفلام يارموش ولوتش وأوساياس ومانجو وداردين وسواهم؟ هل يستطيع أي مهرجان، بما فيها مهرجان «كان»، أن يدير ظهره لأعمال هذه المجموعة؟
من ناحية أخرى، هناك ما يوحي بأن أفلام المسابقة هذا العام تحاشت المواضيع السياسية الساخنة. ليس هناك فيلم على غرار «ديبان» للفرنسي جاك أوديار الذي خرج بالسعفة الذهبية في العام الماضي، والذي تناول حالة مهاجرين من سريلانكا يحطون الرحى وسط مهاجرين من دول أفريقيا المختلفة. في فترة من التاريخ تتوجه فيها الأعين إلى المواجهة التالية بين الحكومات وبين الجماعات الإرهابية، ليس هناك من فيلم فرنسي هذا العام يتناول قضية من هذا اللون، كذلك. هناك الغياب المعتاد للسينما العربية. تجربة مهرجان برلين الأخيرة في فبراير (شباط) الماضي ليست قابلة للتكرار حتى في ظروف سياسية أفضل (ينأى كل مهرجان كبير عن أن يكون نسخة من المهرجان الكبير الآخر)، لكن ما هو حاضر في المهرجان هو العدد المحدود (جدًا) من الاشتراكات ذات السمة العربية. تحديدًا، فيلم واحد وحيد هو «اشتباك» لمحمد دياب (مصر) الذي يشترك في مسابقة «نظرة ما» وأمامه فيلمان من إسرائيل أحدهما من إخراج فلسطينية «من عرب الداخل» اسمها مها حاج عنوانه «قضايا شخصية».
ما يحافظ عليه المهرجان جيدًا هو لمعته التي ترفض أن تخيب. وجزء كبير من هذه اللمعة لها علاقة بما يستطيع المهرجان جذبه إلى رصيف الكروازيت وسجادة قصر العروض الحمراء من نجوم. فيلم وودي ألن وحده فيه ما يمكن أن يرفع مهرجانًا آخر إلى القمّة لو أتيح له عرض هذا الفيلم. فالمشاركون في تمثيله من الأسماء الكبيرة: كرستين ستيوارت، ستيف كارِل، جودي ديفيز وجيسي أيزنبيرغ وكلهم سيحضرون.
جودي فوستر التي ستعرض فيلمها «وحش المال» خارج المسابقة، ستأتي وبصحبتها بطلا الفيلم جورج كلوني وجوليا روبرتس. كيانو ريفز، وخافييه باردم، وسونيا براغا، وإيزابيل أوبير، وجولييت بينوش وماريون كوتيار تأكد وصولهم كذلك عن أفلامهم المعروضة. لكن الغائبين كثر أيضًا.
السينما الإيطالية ليست ممثلة في المهرجان ولا الصينية، بينما البريطانية حاضرة بفيلمين، فيلم لوتش «أنا، دوني بلاك»، وفيلم أندريا أرنولد «عسل أميركي». وتحضر رومانيا بفيلمين هما «تخرّج» لكريستيان مونجيو، و«سييرا - نيفادا» لكريستي بييو. وثمة فيلم روماني ثالث في مسابقة «نظرة ما» عنوانه «كلاب» لبوغدان ميريسا.
الأميركي جيم يارموش لديه أيضًا فيلمان (وهو من زبائن المهرجان المخلصين)، واحد في المسابقة الرسمية بعنوان «باترسون» والثاني في قسم «عروض منتصف الليل» (التي تشمل عرضين فقط!) وهو «أعطني خطرًا». والأميركي الآخر جف نيكولز يعرض في المسابقة «عشق» وهو الذي عرض قبل أشهر فيلمه ما قبل الأخير «منتصف الليل خاص» في مسابقة مهرجان برلين.
آسيا ممثلة ببلد واحد في المسابقة الأولى هي كوريا الجنوبية. المخرج - الزبون بارك تشان - ووك يقدم آخر أعماله «الخادمة»، لكن رغم المرات الكثيرة التي تم فيها عرض أفلام كورية جيّدة في المسابقة، فإن أيًا منها لم يخرج بالسعفة حتى اليوم. أما اليابان فلديها فيلمان خارج المسابقة، واحد للمخرج كوري - إيدا هيروكازو وهو مخرج جيد أنجز سابقًا «الابن كأبيه» و«شقيقتنا الصغيرة»، والآن لديه فيلم عنوانه «بعد العاصفة». الثاني لمخرج جديد نوعًا هو كوجي فوكادا، وفيلمه هو «هرمونيوم».
المخرج التشادي محمد صالح هارون يعرض خارج المسابقتين (في قسم «عروض خاصة») آخر أعماله، وهو يحمل عنوان «حسين هبر: تراجيديا تشادية»، وفي القسم ذاته فيلم إسباني لألبرا سيرا عنوانه «موت لويس الرابع عشر».
هذا فيلم تاريخي كما يوحي عنوانه، بينما الاشتراك الإسباني الماثل في المسابقة الرسمية من إخراج بدرو ألمادوفار «جولييتا» فسيكون مناجاة عاطفية مع قدر من الميلودراما غير الرخيصة على نحو ما سبق وحققه من أعمال عرضها هذا المهرجان له.
وسنسمع من المخرج الهولندي بول فرهوفن الذي عاد إلى بلاده بعد نحو عقدين من الزمن قضاهما في هوليوود وفيلمه الجديد عنوانه «هي»، وهي المقصودة ليست سوى إيزابل أوبير التي تتناوب مع كاثرين دينوف الحضور كل سنة.
عمليًا، الكثير مما توقعناه هنا في «الشرق الأوسط» من أفلام (في تحقيق نُشر قبل نحو أسبوعين) تحقق. لكن لا أحد يستطيع أن يتنبأ بجودة أي من هذه الأفلام، بما فيها أفلام المسابقة بأعمالها الفرنسية الأربعة، إلا أن علامات الغياب وليس علامات الحاضر هي ما تترك الانطباع بأن «كان» لا يشمل كل شيء. بمقارنته بـ«فينيسيا» (أكثر من 150 فيلمًا) أو «برلين» (400 فيلم) هو صغير الحجم على صعيد عدد الأفلام، لكنه الأول بين أكثرها (وأكثر مهرجانات العالم) حضورًا واهتمامًا إعلاميًا. وبينما يستحق جهد وحضور كل يوم من أيام دورته، فإن الأسئلة حول الاختيارات وما يواجهها من استبعادات باقية، بل باتت من الآن متكررة. «كان» لا يرى نفسه إلا بضوء المهرجان الذي ليس عليه أن يعتذر عن شيء أو حتى عن تبريره.
* أفلام المسابقة الرسمية حسب الدول
فرنسا: 4
الولايات المتحدة: 3
بريطانيا: 2
رومانيا: 2
فيلم واحد لكل من: الدنمارك، البرازيل، هولندا، كوريا الجنوبية، الفلبين، كندا، إسبانيا، بلجيكا، ألمانيا.
* مخرجون لا بد من مشاهدة أفلامهم
بدرو ألمودوفار: «جولييتا»
أوليفييه أساياس: «مشتر شخصي»
أندريا أرنولد: «عسل أميركي»
جان - بيير ولوك داردين: «فتاة بريئة»
كن لوتش: «أنا، داني بلاك»
كرستيان مونجيو: «بكالوريا»
كريستي بييو: «سييرا نيفادا»
شون بن: «الوجه الأخير»
جيم جارموش: «باترسون»
تشان ووك بارك: «الخادمة»
مهرجان «كان» السينمائي يفضل زبائنه الدائمين
4 أفلام فرنسية في المسابقة.. والسينما العربية ممثلة بالفيلم المصري {اشتباك}
جورج كلوني مع المخرجة جودي فوستر خلال تصوير «وحش المال» - لقطة من الفيلم الكوري «الخادمة»
مهرجان «كان» السينمائي يفضل زبائنه الدائمين
جورج كلوني مع المخرجة جودي فوستر خلال تصوير «وحش المال» - لقطة من الفيلم الكوري «الخادمة»
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

