مهرجان «كان» السينمائي يفضل زبائنه الدائمين

4 أفلام فرنسية في المسابقة.. والسينما العربية ممثلة بالفيلم المصري {اشتباك}

جورج كلوني مع المخرجة جودي فوستر خلال تصوير «وحش المال»  -  لقطة من الفيلم الكوري «الخادمة»
جورج كلوني مع المخرجة جودي فوستر خلال تصوير «وحش المال» - لقطة من الفيلم الكوري «الخادمة»
TT

مهرجان «كان» السينمائي يفضل زبائنه الدائمين

جورج كلوني مع المخرجة جودي فوستر خلال تصوير «وحش المال»  -  لقطة من الفيلم الكوري «الخادمة»
جورج كلوني مع المخرجة جودي فوستر خلال تصوير «وحش المال» - لقطة من الفيلم الكوري «الخادمة»

ما بين 1800 فيلم استلمتها إدارة مهرجان «كان» السينمائي وعاينها مدير المهرجان الفني تييري فريمو وأعوانه، تم اختيار 20 فيلمًا للمسابقة وتوزيع 28 خارجها، بينها 18 فيلمًا في مسابقة «نظرة ما».
فيلم الافتتاح من نصيب وودي ألن. ابن الثمانين سنة يحقق فيلمًا عنوانه «كافيه سوسايتي» عن شاب (جيسي أيزبيرغ) يصل إلى هوليوود في الثلاثينات. كما في «باريس منتصف الليل» حيث يجد بطله هناك (أوون ولسون) نفسه وقد انتقل إلى عالم مغلّف بسحر الفترة وشخصياتها الأدبية والفنية، يدلف بطل «كافيه سوسايتي» إلى عالم يفتنه من اللقاء الأول، حيث السينما كانت لا تزال تتعلم كيف تمشي وتعبّر عن نفسها وعن العالم حولها.
المقارنة بين الفيلمين لها زاوية ثانية: كلاهما من عروض مهرجان «كان». فيلم ألن الجديد يُضاف إلى ما سبق عرضه من أفلامه على شاشة المهرجان الضخم، وآخرها كان «رجل غير منطقي» في العام الماضي.
هذا ما يرفع الحاجبين تعجّبًا ليس حول إذا ما كان فيلم ألن هو الأصلح للافتتاح، بل حول حكاية المهرجان مع المخرجين الذين يستقدمهم كلما أنجزوا فيلمًا جديدًا. من بين الأفلام العشرين المتسابقة هناك خمسة عشر مخرجًا سبق لهم أن اشتركوا في المهرجان الفرنسي أكثر من مرّة.
هذا، شاء المهرجان أو لم يشأ، يبعث على تساؤل أكبر حول الأفلام التي رفضت، هل هناك ما يؤكد أن حفنة منها على الأقل لم تكن تستحق العرض؟
لا أحد خارج الإدارة يستطيع أن يجيب على هذا السؤال، ولا أحد خارج الإدارة يمكن أن يتبرع بالجواب. لكن مدير المهرجان الفني فريمو صرّح لمجلة «ذَ هوليوود ريبورتر» الأميركية: «كل فيلم نختاره تبعًا لما يعنيه الفيلم بالنسبة للبرمجة وللجدول الزمني وللاختيارات». ومع أن هذه العبارة لا تعني الكثير في واقعها (ماذا عن شروط فنية مثلاً؟) إلا أنه تابع مستهجنًا: «لماذا لا يسألونني عن الأسماء الجديدة؟ ماذا عن المخرج البرازيلي والمخرجة الألمانية»؟
لكن المخرج البرازيلي، فيلو كليبر مندونكا الذي يعرض فيلمًا عنوانه «أكواريوس»، والمخرجة الألمانية ماري آد التي تجلب للمسابقة فيلمًا بعنوان «توني أردمان»، هما من الأقلية، في حين أن الفرنسيين أوليفييه أوساياس وبرونو دومو والكندي إكزافييه دولان والأميركي جيم جارموش وكن لوتش وبريلانتي مندوزا والروماني كرستيان مانجو والأخوين البلجيكيين جان - بيير ولوك داردين، من بين المترددين كلما أنجزوا فيلمًا جديدًا شأنهم في ذلك شأن وودي ألن.
* اشتباك مصري
بالأرقام، هذه هي المرّة الثانية عشر التي يدخل فيها البريطاني كن لوتش المسابقة (فاز بالسعفة الذهبية عن «الريح التي هزت الشعير» سنة 2006 وبجائزة لجنة التحكيم عن «نصيب الملائكة»، 2012)، والمرّة السابعة التي يتسابق فيها الأخوان داردين (فازا بالسعفة مرتين الأولى سنة 1999 عن «رويتا» والثانية سنة 2005 عن «الطفل»). وهي الطلة الثامنة للإسباني بدرو ألمودوفار متسابقًا.
هذه ليست هي المرّة الأولى التي تطرح فيها أسئلة تتناول تحبيذ المهرجان لشخصيات معينة يستقدمهم حال إنجازهم أفلامًا جديدة. لكن الناحية المقابلة لهذا الطرح قوية في حجتها أيضًا: كيف يمكن تفويت فرص التقاط آخر أفلام يارموش ولوتش وأوساياس ومانجو وداردين وسواهم؟ هل يستطيع أي مهرجان، بما فيها مهرجان «كان»، أن يدير ظهره لأعمال هذه المجموعة؟
من ناحية أخرى، هناك ما يوحي بأن أفلام المسابقة هذا العام تحاشت المواضيع السياسية الساخنة. ليس هناك فيلم على غرار «ديبان» للفرنسي جاك أوديار الذي خرج بالسعفة الذهبية في العام الماضي، والذي تناول حالة مهاجرين من سريلانكا يحطون الرحى وسط مهاجرين من دول أفريقيا المختلفة. في فترة من التاريخ تتوجه فيها الأعين إلى المواجهة التالية بين الحكومات وبين الجماعات الإرهابية، ليس هناك من فيلم فرنسي هذا العام يتناول قضية من هذا اللون، كذلك. هناك الغياب المعتاد للسينما العربية. تجربة مهرجان برلين الأخيرة في فبراير (شباط) الماضي ليست قابلة للتكرار حتى في ظروف سياسية أفضل (ينأى كل مهرجان كبير عن أن يكون نسخة من المهرجان الكبير الآخر)، لكن ما هو حاضر في المهرجان هو العدد المحدود (جدًا) من الاشتراكات ذات السمة العربية. تحديدًا، فيلم واحد وحيد هو «اشتباك» لمحمد دياب (مصر) الذي يشترك في مسابقة «نظرة ما» وأمامه فيلمان من إسرائيل أحدهما من إخراج فلسطينية «من عرب الداخل» اسمها مها حاج عنوانه «قضايا شخصية».
ما يحافظ عليه المهرجان جيدًا هو لمعته التي ترفض أن تخيب. وجزء كبير من هذه اللمعة لها علاقة بما يستطيع المهرجان جذبه إلى رصيف الكروازيت وسجادة قصر العروض الحمراء من نجوم. فيلم وودي ألن وحده فيه ما يمكن أن يرفع مهرجانًا آخر إلى القمّة لو أتيح له عرض هذا الفيلم. فالمشاركون في تمثيله من الأسماء الكبيرة: كرستين ستيوارت، ستيف كارِل، جودي ديفيز وجيسي أيزنبيرغ وكلهم سيحضرون.
جودي فوستر التي ستعرض فيلمها «وحش المال» خارج المسابقة، ستأتي وبصحبتها بطلا الفيلم جورج كلوني وجوليا روبرتس. كيانو ريفز، وخافييه باردم، وسونيا براغا، وإيزابيل أوبير، وجولييت بينوش وماريون كوتيار تأكد وصولهم كذلك عن أفلامهم المعروضة. لكن الغائبين كثر أيضًا.
السينما الإيطالية ليست ممثلة في المهرجان ولا الصينية، بينما البريطانية حاضرة بفيلمين، فيلم لوتش «أنا، دوني بلاك»، وفيلم أندريا أرنولد «عسل أميركي». وتحضر رومانيا بفيلمين هما «تخرّج» لكريستيان مونجيو، و«سييرا - نيفادا» لكريستي بييو. وثمة فيلم روماني ثالث في مسابقة «نظرة ما» عنوانه «كلاب» لبوغدان ميريسا.
الأميركي جيم يارموش لديه أيضًا فيلمان (وهو من زبائن المهرجان المخلصين)، واحد في المسابقة الرسمية بعنوان «باترسون» والثاني في قسم «عروض منتصف الليل» (التي تشمل عرضين فقط!) وهو «أعطني خطرًا». والأميركي الآخر جف نيكولز يعرض في المسابقة «عشق» وهو الذي عرض قبل أشهر فيلمه ما قبل الأخير «منتصف الليل خاص» في مسابقة مهرجان برلين.
آسيا ممثلة ببلد واحد في المسابقة الأولى هي كوريا الجنوبية. المخرج - الزبون بارك تشان - ووك يقدم آخر أعماله «الخادمة»، لكن رغم المرات الكثيرة التي تم فيها عرض أفلام كورية جيّدة في المسابقة، فإن أيًا منها لم يخرج بالسعفة حتى اليوم. أما اليابان فلديها فيلمان خارج المسابقة، واحد للمخرج كوري - إيدا هيروكازو وهو مخرج جيد أنجز سابقًا «الابن كأبيه» و«شقيقتنا الصغيرة»، والآن لديه فيلم عنوانه «بعد العاصفة». الثاني لمخرج جديد نوعًا هو كوجي فوكادا، وفيلمه هو «هرمونيوم».
المخرج التشادي محمد صالح هارون يعرض خارج المسابقتين (في قسم «عروض خاصة») آخر أعماله، وهو يحمل عنوان «حسين هبر: تراجيديا تشادية»، وفي القسم ذاته فيلم إسباني لألبرا سيرا عنوانه «موت لويس الرابع عشر».
هذا فيلم تاريخي كما يوحي عنوانه، بينما الاشتراك الإسباني الماثل في المسابقة الرسمية من إخراج بدرو ألمادوفار «جولييتا» فسيكون مناجاة عاطفية مع قدر من الميلودراما غير الرخيصة على نحو ما سبق وحققه من أعمال عرضها هذا المهرجان له.
وسنسمع من المخرج الهولندي بول فرهوفن الذي عاد إلى بلاده بعد نحو عقدين من الزمن قضاهما في هوليوود وفيلمه الجديد عنوانه «هي»، وهي المقصودة ليست سوى إيزابل أوبير التي تتناوب مع كاثرين دينوف الحضور كل سنة.
عمليًا، الكثير مما توقعناه هنا في «الشرق الأوسط» من أفلام (في تحقيق نُشر قبل نحو أسبوعين) تحقق. لكن لا أحد يستطيع أن يتنبأ بجودة أي من هذه الأفلام، بما فيها أفلام المسابقة بأعمالها الفرنسية الأربعة، إلا أن علامات الغياب وليس علامات الحاضر هي ما تترك الانطباع بأن «كان» لا يشمل كل شيء. بمقارنته بـ«فينيسيا» (أكثر من 150 فيلمًا) أو «برلين» (400 فيلم) هو صغير الحجم على صعيد عدد الأفلام، لكنه الأول بين أكثرها (وأكثر مهرجانات العالم) حضورًا واهتمامًا إعلاميًا. وبينما يستحق جهد وحضور كل يوم من أيام دورته، فإن الأسئلة حول الاختيارات وما يواجهها من استبعادات باقية، بل باتت من الآن متكررة. «كان» لا يرى نفسه إلا بضوء المهرجان الذي ليس عليه أن يعتذر عن شيء أو حتى عن تبريره.
* أفلام المسابقة الرسمية حسب الدول
فرنسا: 4
الولايات المتحدة: 3
بريطانيا: 2
رومانيا: 2
فيلم واحد لكل من: الدنمارك، البرازيل، هولندا، كوريا الجنوبية، الفلبين، كندا، إسبانيا، بلجيكا، ألمانيا.
* مخرجون لا بد من مشاهدة أفلامهم
بدرو ألمودوفار: «جولييتا»
أوليفييه أساياس: «مشتر شخصي»
أندريا أرنولد: «عسل أميركي»
جان - بيير ولوك داردين: «فتاة بريئة»
كن لوتش: «أنا، داني بلاك»
كرستيان مونجيو: «بكالوريا»
كريستي بييو: «سييرا نيفادا»
شون بن: «الوجه الأخير»
جيم جارموش: «باترسون»
تشان ووك بارك: «الخادمة»



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».