سكان قرية جنوب بغداد يروون كيف تحولت مباراة لكرة القدم إلى مجزرة

الانتحاري الذي فجر نفسه كان صبيًا.. ومعظم الضحايا أيضًا

أحمد خزعل يعرض قميص فريقه المفضل نادي برشلونة وإلى جانبه قميص فريق ريال مدريد الذي كان يشجعه شقيقه القتيل مهند (واشنطن بوست)
أحمد خزعل يعرض قميص فريقه المفضل نادي برشلونة وإلى جانبه قميص فريق ريال مدريد الذي كان يشجعه شقيقه القتيل مهند (واشنطن بوست)
TT

سكان قرية جنوب بغداد يروون كيف تحولت مباراة لكرة القدم إلى مجزرة

أحمد خزعل يعرض قميص فريقه المفضل نادي برشلونة وإلى جانبه قميص فريق ريال مدريد الذي كان يشجعه شقيقه القتيل مهند (واشنطن بوست)
أحمد خزعل يعرض قميص فريقه المفضل نادي برشلونة وإلى جانبه قميص فريق ريال مدريد الذي كان يشجعه شقيقه القتيل مهند (واشنطن بوست)

لم يخلف الانتحاري الذي فجر مباراة لكرة القدم بين الشباب سوى انبعاج بسيط في الأرض الجافة الصلبة، إلى جانب حرق خافت على جدار خرساني في مكان قريب. لكنه خلق هوة من الحزن والألم في قلوب المجتمع الصغير الذي فقد أكثر من عشرين من أبنائه في لحظة واحدة مساء يوم 25 مارس (آذار).
حصد الانفجار أرواح 43 شخصا في المباراة، وفقا للأرقام المتوفرة من جانب الحكومة المحلية، من بينهم 29 صبيا دون سن الـ 17.
كان الانتحاري أيضا في سن المراهقة، لا يزيد عمره على 15 أو 16 عاما على الأكثر، وفقا لصورته التي نشرها تنظيم داعش الإرهابي، الذي أعلن مسؤوليته عن التفجير، ووفق روايات الذين شاهدوه في المباراة قبل الانفجار.
يقول محمد الجحيشي، وهو أحد شيوخ المنطقة، إن الانتحاري كان صبيا جاء ليقتل غيره من الصبيان. كانت مباراة كرة قدم بين الصبيان. كان بكل تأكيد يعلم أنه سوف يقتل الصبيان.
وبالنسبة إلى الصبيان في قرية العصرية العراقية الفقيرة التي تضم سكانا من السنة والشيعة، والتي تبعد 40 ميلا إلى الجنوب من العاصمة بغداد ضمن المنطقة التي أطلق عليها الجيش الأميركي مثلث الموت، فإن كرة القدم لا تعد من الهوايات، بل إنها تمثل العاطفة والغاية، وتوفر حلم الهروب من لعبة الحياة القاتمة القميئة في أحد أكثر المجتمعات العراقية إهمالا.
أحد هؤلاء الصبيان كان مهند خزعل، 10 أعوام، الذي كان يعيش مشجعا لفريق ريال مدريد، فريقه المفضل، ولاعبه المفضل كريستيانو رونالدو كابتن الفريق، كما يقول شقيقه، أحمد، البالغ من العمر 12 عاما. وكان مهند يأمل ذات يوم في أن يمثل العراق في مباراة لكرة القدم، وربما يلعب ضمن فريق ريال مدريد نفسه، كما يقول أحمد، الذي يحلم باللعب لدى فريق برشلونة، وغالبا ما كان يدخل في عراك مع أخيه حول أي الفريقين هو الأفضل.
كان كلاهما يلعب في فريق كرة القدم المحلي، الذي لم يتأهل لنهائي بطولة دوري الشباب. ولكنهما حضرا المباراة برغم كل شيء، إلى جانب فاروق، أخيهم الأكبر البالغ من العمر 20 عاما، وأغلب الصبيان والشباب الذين يعيشون في المجتمع المهووس برياضة كرة القدم.
أجريت المباراة النهائية بين فريقين أحدهما يدعى الأهلي والآخر يدعى السلام. وأجريت المباراة في ملعب كرة قدم ترابي يوجد في وسط القرية الصغيرة، ولا يحمل الملعب أية علامات سوى المرمى عند نهاية كل طرف. كان المسؤولون المحليون يتابعون المباراة جلوسا على كراسيهم البلاستيكية أعلى منصة صغيرة أقيمت على حافة مرتفعة قليلا في الملعب. وكان المشاهدون، وأغلبهم من الصبيان، يقفون حول محيط الملعب لمتابعة المباراة.
لم يلاحظ أحد على الإطلاق أن أحد الصبيان المتابعين للمباراة كان مرتديا لسترة سميكة في أمسية من أمسيات الربيع الحارة في العراق في حين كان بقية الصبيان يرتدون قمصان الـ «تي-شيرت» الخفيفة. وقال أنمار الجنابي (12 عاما) الذي كان واقفا بجوار الصبي الذي يرتدي ملابس غريبة في ذلك المناخ الحار، إنه لاحظ ذلك الأمر، غير أنه لم يفكر في أن يخبر أحدا من الشباب أو الكبار في المباراة بالأمر.
يتذكر أنمار الفتى ويقول: «كان طويل القامة قليلا مع شعر طويل، ولقد بدا مختلفا بعض الشيء عنا. وكان يرتدي سترة سميكة، مع أن الجو كان حارا، ثم تحدث إلينا وقال: يا لها من مباراة جيدة، أليس كذلك؟».
ومع انتهاء المباراة، اندفع الصبي ذو السترة وسط جموع الفتيان الذين اندفعوا نحو المنصة لمشاهدة احتفالية تسليم الكأس والميداليات، كما يقول أنمار الذي كان حاضرا في المباراة برفقة شقيقه بلال البالغ من العمر 13 عاما إلى جانب مجموعة من الأصدقاء. يتابع أنمار : «ثم فجر نفسه، وشعرت بالنار تحرق وجهي، ثم اندفعت هاربا».
كان هناك عدد قليل من الآباء يرافقون أولادهم لمشاهدة المباراة في ذلك اليوم. ولماذا يفعلون ذلك؟ فأكثريتهم يعيشون على بعد عدة مئات من الأمتار من أرض الملعب، ويتجمع الفتيان هناك كل يوم، لحضور المباريات أو اللعب بأنفسهم هناك.
كان عباس علي العيداني يأمل، برغم كل شيء، في الحضور. وفي وقت مبكر من ظهيرة ذلك اليوم، تلقى مكالمة هاتفية مثيرة في العمل من ابنه البالغ من العمر 13 عاما، ويدعى كرار، الذي اكتشف مؤخرا أنه اختير حارسا لمرمى فريق السلام خلال المباراة. يقول العيداني الذي يعمل حارس أمن في إحدى الشركات المحلية : «أخبرني بأنه سوف يكون حارس مرمى الفريق للمرة الأولى، وطلب مني أن أشتري له قفازين جديدين، ولكنني كنت في دوام العمل، ولا يمكنني المغادرة».
وفور انتهاء مناوبة العمل، اندفع العيداني مسرعا إلى المتجر القريب لابتياع القفازات لولده. ثم سمع دوي الانفجار حال خروجه من المتجر، وكان الدخان يتصاعد من اتجاه ملعب كرة القدم، قفز العيداني في سيارته وهرول إلى هناك مع إحساس بالفزع الشديد.
وكان هناك أناس آخرون يهرولون نحو الملعب خروجا من منازلهم - الآباء، والأشقاء، والأعمام، والأجداد -؛ حيث أثارتهم جميعا قوة الانفجار وشدته، ولقد وصلوا إلى أرض الملعب ليجدوا حالة عارمة من الفوضى الكبيرة وخليطا مروعا من الأطفال المكسورين، والأجزاء الجسدية المبعثرة، وكثيرا من الدماء. تقول ابتسام حامد، التي لقي ابنها وليد (16 عاما) مصرعه بين القتلى في الحادثة: «وجدنا أشلاء للأطفال. وكانت هناك بقايا أشلاء بشرية على الأرض في كل مكان. كان الأمر مثل نهاية العالم بالنسبة إلينا».
توفي بلال، شقيق أنمار، في سيارة عمه في طريقه إلى المستشفى. ومات مهند خزعل (10 أعوام) مشجع فريق ريال مدريد، فيما نجا شقيقه أحمد، لكنه أصيب بشظية في وجهه. ولقد تعرض شقيقه الأكبر فاروق لحروق شديدة في جسده ويرقد في المستشفى حاليا.
في الوقت الذي وصل فيه العيداني إلى ملعب كرة القدم، كان ولده كرار قد نقل إلى المستشفى. ولقد وافته المنية قبل وصول والده الذي قال: «ماذا يمكن أن نقول؟ لا يمكننا سوى أن نحمد الله على كل حال».
بعد أسبوعين من الحادث، لا تزال القرية بأكملها في حالة صدمة عميقة. ولقد تحول الجدار بجوار المكان الذي وقع فيه الانفجار إلى مزار لأهل القرية؛ حيث امتلأ بصور الأطفال القتلى، والبقايا الملطخة بالدماء من ملابسهم وكرات القدم الممزقة. وارتفعت الرايات السوداء المعلنة لحداد أهل القرية أعلى منازل أهالي الضحايا.
وفي الداخل، كانت العائلات تتلقى العزاء في غرف المعيشة بحزن كبير. وقدم الآباء أقداح الشاي، وعرضوا صور أطفالهم القتلى وأعينهم مليئة بالدموع.
كان بلال، شقيق أنمار، من التلاميذ المتفوقين الذي تقدم أقرانه في الصف السادس، ولقد كان لاعب كرة قدم ماهرا؛ حيث تلقى لقب لاعب العام ثلاثة أعوام متتالية وسط فريقه المحلي، كما يقول جده حامد الجنابي: «جاء أساتذته لزيارتنا، ولقد كانوا جميعهم يبكون، فلقد كان أول التلاميذ في كل شيء».
وفي منزل قريب من الشارع نفسه، تذكر والد وليد ابنه ولكن بطريقة مختلفة؛ إذ قال عادل عبيد : «لم يكن جيدا في المدرسة، ولقد رسب في معظم الامتحانات، ولقد كان يعلب كرة القدم كثيرا». كما كان طيب القلب وهادئا، ومحبا للطيور، وقالت والدته: «بعد وفاته، جاء أناس لم أكن أعرفهم من قبل لزيارتي، وأخبروني بأن وليد كان طيب القلب معهم».
تذكرت السيدة سناء ياسين موسى، والدة الطفل القتيل مهند خزعل، ولدها في منزل العائلة المتواضع الصغير، فتقول: «كان محبا لكرة القدم بشدة، كانت كرة القدم في دمه وروحه».
نسي كل من كانوا في الحادثة المروعة نتيجة المباراة. ومن بين من التقينا معهم، كان أحمد هو الوحيد الذي تذكر نتيجة اللقاء؛ حيث فاز فريق السلام بفارق هدف واحد على فريق الأهلي. لكن الفريق الفائز رفض تسلم الكأس الذي استقر في مكانه في موقع الانفجار، محاطا بهالة من كرات القدم والزهور والأعلام الوطنية العراقية.
* خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ«الشرق الأوسط»



أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
TT

أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

شهدت العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، خلال الأيام الأخيرة، حالة من الصراع الداخلي المُتصاعد؛ على خلفية اتهامات متبادلة بين قادة نافذين ومشرفين ميدانيين بالاستحواذ على أموال خُصصت لأنشطة دينية وميدانية، وفق ما أفادت به مصادر مطلعة، لـ«الشرق الأوسط».

وبعيداً عن معاناة ملايين السكان، خصصت ما تُسمى «هيئة الأوقاف» الحوثية، عبر مكاتبها في خمس محافظات وهي: صنعاء وريفها والحديدة وذمار وإب، نحو 250 مليون ريال يمني، (الدولار يساوي 530 ريالاً) لتحشيد السكان بتلك المناطق من أجل تنفيذ زيارات جماعية إلى مقابر القتلى، وتجهيز قوافل متنوعة لمقاتليهم في الجبهات، تنفيذاً لتعليمات صادرة من زعيم الجماعة.

ووفق مصادر مقرَّبة من دائرة حكم الجماعة في صنعاء، فإن الخلافات تفجّرت، خلال اليومين الماضيين، عقب الكشف عن شُبهات فساد طالت آلية توزيع تلك المُخصصات التي رُصدت لتنظيم الزيارات الجماعية إلى مقابر القتلى، وهي فعاليات تحرص الجماعة على تنظيمها كل فترة لتعزيز التعبئة المعنوية لأنصارها.

مبنى هيئة الأوقاف التابع للجماعة الحوثية بالعاصمة صنعاء (فيسبوك)

كما شملت الاتهامات عمليات نهب وسرقة لمبالغ أخرى خُصصت لتجهيز قوافل دعم متنوعة للمقاتلين في الجبهات، بما في ذلك مواد غذائية ومستلزمات أخرى.

وأكدت المصادر أن قيادات حوثية، يتصدرها القيادي عبد المجيد الحوثي المعيَّن رئيساً لما تُسمى «هيئة الأوقاف»، تتهم مسؤولين إداريين في مكاتب تتبع «الهيئة» بالتواطؤ مع مشرفين ميدانيين والقيام بسرقة جزء كبير من تلك المخصصات لمصلحتهم، في حين ردّ الطرف الآخر بشن موجة انتقاد لاذعة، وفق المصادر، متهمين قيادة الهيئة الحوثية المستحدَثة بالفساد وسوء إدارة موارد الأوقاف، في ظل صراع نفوذ مُتزايد داخل هياكل الجماعة.

سياق أوسع

أتت هذه التطورات في سياق أوسع من التوتر المتصاعد في أوساط الأجنحة الحوثية، وسط اتهامات متبادلة ومُستمرة بالاستحواذ على مزيد من الموارد والنفوذ، ما يعزز المخاوف بشأن تفاقم الفساد وتأثيره على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بمناطق سيطرة الجماعة.

كما يتزامن ذلك مع ظروف معيشية صعبة يكابدها ملايين اليمنيين، وسط تدهور اقتصادي حاد وارتفاع مستمر في أسعار السلع الأساسية، إلى جانب تراجع فرص العمل وانقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين.

ويرى مراقبون أن هذه التحركات تعكس مدى حجم التحديات التي لا تزال تواجهها الجماعة في الحفاظ على تماسكها التنظيمي، في وقتٍ تعتمد فيه، بشكل كبير، على هذه الأنشطة لتعزيز الولاء والاستمرار في الحشد.

قافلة حوثية زعمت الجماعة أنها تبرعات من سكان مديرية السبعين بصنعاء (فيسبوك)

ويعتقد هؤلاء أن هذه الخلافات الأخيرة وما سبقها تشير إلى وجود حالة من التنافس الحوثي الحاد على أهم الموارد، ولا سيما في ظل تراجع مصادر التمويل وازدياد الضغوط الاقتصادية، ما يفاقم حِدة الانقسامات الداخلية داخل أروقة الجماعة.

في غضون ذلك، يشير عاملون إغاثيون في صنعاء إلى أن تصاعد الخلافات الحوثية الداخلية واتهامات نهب الأموال المُخصصة للأنشطة ذات الطابع التعبوي، يأتي في وقتٍ يعاني فيه السكان بمناطق سيطرة الجماعة ضغوطاً اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة.

ويتهم الناشطون قادة حوثيين يديرون شؤون «هيئة الأوقاف» بمواصلة مزيد من العبث بالأموال العامة وتوجيهها نحو أنشطة ذات طابع تعبوي وعسكري، بدلاً من توظيفها في مجالات خِدمية أو إنسانية أكثر إلحاحاً.

خطر الجوع

على وقْع هذه التطورات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن معرَّضون لخطر الجوع، خلال العام الحالي، في حال عدم توفر التمويلات اللازمة لمنع تفاقم الأزمة الغذائية المنتشرة على نطاق واسع في البلاد.

وأوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، في تقرير له، أن الأزمة الغذائية لا تزال عند مستويات مثيرة للقلق، حيث يشير أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل لانعدام الأمن الغذائي إلى مزيد من التدهور، بما في ذلك انزلاق بعض المناطق من مستوى الأزمة (المرحلة الثالثة) إلى الطوارئ (المرحلة الرابعة) وما فوق».

جانب من زيارات جماعية موَّلها الحوثيون لزيارة مقابر قتلاهم (إكس)

وأكد «أوتشا» وجود نحو 41 ألف يمني يعانون مستويات كارثية (المرحلة الخامسة من التصنيف)، ومع استمرار تفاقم انعدام الأمن الغذائي، من المتوقع «ظهور بُؤر إضافية تواجه ظروفاً شبيهة بالمجاعة في بعض المجتمعات الأكثر هشاشة داخل البلاد».

وبيَّن التقرير أن أزمة التغذية في اليمن تُعد من بين الأسوأ عالمياً، حيث يحتاج 2.2 مليون طفل، دون الخامسة، إلى علاج لسوء التغذية الحاد، ودون ذلك سيعانون أضراراً جسدية ومعرفية دائمة لا رجعة فيها، مما سيؤدي إلى ارتفاع حاد بمعدلات التقزم والوفيات التي يمكن الوقاية منها، بينما ستواجه 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة مضاعفات خطيرة تُهدد حياتهن مع تفاقم سوء التغذية وتراجع خدمات الصحة الإنجابية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

في ثالث ظهور متلفز له منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، جدد زعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي تأكيد موقف جماعته، القائم على الدعم الخطابي والآيديولوجي لطهران، مقابل تأجيل الانخراط العسكري وربطه بما وصفه بـ«تطورات المعركة»، في إشارة إلى أن قرار التدخل لا يزال خاضعاً لحسابات ميدانية لم يكشف عن طبيعتها.

ويعكس الخطاب الحوثي استمرار النهج الذي تبنته الجماعة منذ بداية المواجهة أواخر فبراير (شباط) الماضي، حيث حافظت على مستوى مرتفع من التصعيد الخطابي، دون أن تترجم ذلك إلى خطوات عسكرية مباشرة كما فعل «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية الموالية لإيران.

تظاهرة في صنعاء نظمها الحوثيون للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

وعلى الرغم من أن زعيم «الحوثية» أشاد بما وصفه بـ«الفاعلية العالية» للأداء الإيراني في المعركة، مدعياً قدرته على اختراق أنظمة الدفاع المتعددة وتحقيق أهداف داخل مواقع أميركية وإسرائيلية، فإنه أبقى على صيغة مشروطة بشأن تدخل جماعته، مؤكداً أن أي تحرك عسكري سيأتي فقط إذا فرضته التطورات، دون أن يحدد ماهية هذه التطورات.

ويتناغم حديث الحوثي مع مواقف الجماعة السابقة خلال الأسابيع الماضية، التي أكدت فيها أنها «لن تقف مكتوفة الأيدي»، لكنها في الوقت ذاته تجنبت إعلان الانخراط المباشر في الحرب، مكتفية ببيانات تحذيرية وتصعيدية، مع التشديد على الجاهزية لجميع السيناريوهات.

حسابات معقدة

تشير تقديرات مراقبين يمنيين إلى أن إحجام الحوثيين عن التدخل العسكري المباشر يرتبط بحسابات معقدة، في مقدمتها الخشية من استدراج ضربات أميركية وإسرائيلية واسعة قد تستهدف البنية التحتية للجماعة ومواقعها العسكرية، خصوصاً في ظل الأهمية الحيوية للمناطق التي تسيطر عليها، بما في ذلك السواحل المطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات التجارية العالمية.

الحوثيون اكتفوا بالدعم السياسي والخطابي لإيران دون مساندتها عسكرياً (أ.ف.ب)

كما أن الجماعة، التي نفذت خلال العامين الماضيين مئات الهجمات باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة تحت شعار دعم الفلسطينيين في غزة، تدرك أن أي تصعيد جديد قد يعيد فتح جبهة مكلفة، بعد أن تعرضت بالفعل لضربات أميركية وبريطانية وإسرائيلية استهدفت موانئ ومطارات ومنشآت حيوية، وأدت إلى خسائر في قياداتها.

ويبدو من كل ذلك، أن الحوثيين يفضلون الاحتفاظ بورقة التصعيد العسكري كورقة ضغط مؤجلة، يمكن استخدامها في توقيت أكثر ملاءمة، سواء لخدمة الأجندة الإيرانية أو لتعزيز موقعهم التفاوضي إقليمياً.

الارتباط بطهران

الجديد في خطاب الحوثي الأخير تمثل في تأكيده على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه إيران، التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي اليمني.

ويمثل هذا الطرح إقراراً صريحاً بعمق العلاقة بين الطرفين، ويعزز التقديرات التي ترى أن القرار الحوثي يظل جزءاً من حسابات أوسع ضمن ما يُعرف بـ«محور المقاومة» الذي تقوده إيران.

مسلح حوثي في صنعاء يحمل صورة خامنئي بعد مقتله في ضربة إسرائيلية (أ.ف.ب)

في الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على التأكيد على أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

وتظهر القراءة العامة للخطاب الحوثي وجود ثلاثة أهداف رئيسية وهي الحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع إيران، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد تكون مكلفة، وكذا تعزيز الحضور السياسي والإعلامي للجماعة داخلياً واستغلال ذلك للتعبئة والحشد.


مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.