سكان قرية جنوب بغداد يروون كيف تحولت مباراة لكرة القدم إلى مجزرة

الانتحاري الذي فجر نفسه كان صبيًا.. ومعظم الضحايا أيضًا

أحمد خزعل يعرض قميص فريقه المفضل نادي برشلونة وإلى جانبه قميص فريق ريال مدريد الذي كان يشجعه شقيقه القتيل مهند (واشنطن بوست)
أحمد خزعل يعرض قميص فريقه المفضل نادي برشلونة وإلى جانبه قميص فريق ريال مدريد الذي كان يشجعه شقيقه القتيل مهند (واشنطن بوست)
TT

سكان قرية جنوب بغداد يروون كيف تحولت مباراة لكرة القدم إلى مجزرة

أحمد خزعل يعرض قميص فريقه المفضل نادي برشلونة وإلى جانبه قميص فريق ريال مدريد الذي كان يشجعه شقيقه القتيل مهند (واشنطن بوست)
أحمد خزعل يعرض قميص فريقه المفضل نادي برشلونة وإلى جانبه قميص فريق ريال مدريد الذي كان يشجعه شقيقه القتيل مهند (واشنطن بوست)

لم يخلف الانتحاري الذي فجر مباراة لكرة القدم بين الشباب سوى انبعاج بسيط في الأرض الجافة الصلبة، إلى جانب حرق خافت على جدار خرساني في مكان قريب. لكنه خلق هوة من الحزن والألم في قلوب المجتمع الصغير الذي فقد أكثر من عشرين من أبنائه في لحظة واحدة مساء يوم 25 مارس (آذار).
حصد الانفجار أرواح 43 شخصا في المباراة، وفقا للأرقام المتوفرة من جانب الحكومة المحلية، من بينهم 29 صبيا دون سن الـ 17.
كان الانتحاري أيضا في سن المراهقة، لا يزيد عمره على 15 أو 16 عاما على الأكثر، وفقا لصورته التي نشرها تنظيم داعش الإرهابي، الذي أعلن مسؤوليته عن التفجير، ووفق روايات الذين شاهدوه في المباراة قبل الانفجار.
يقول محمد الجحيشي، وهو أحد شيوخ المنطقة، إن الانتحاري كان صبيا جاء ليقتل غيره من الصبيان. كانت مباراة كرة قدم بين الصبيان. كان بكل تأكيد يعلم أنه سوف يقتل الصبيان.
وبالنسبة إلى الصبيان في قرية العصرية العراقية الفقيرة التي تضم سكانا من السنة والشيعة، والتي تبعد 40 ميلا إلى الجنوب من العاصمة بغداد ضمن المنطقة التي أطلق عليها الجيش الأميركي مثلث الموت، فإن كرة القدم لا تعد من الهوايات، بل إنها تمثل العاطفة والغاية، وتوفر حلم الهروب من لعبة الحياة القاتمة القميئة في أحد أكثر المجتمعات العراقية إهمالا.
أحد هؤلاء الصبيان كان مهند خزعل، 10 أعوام، الذي كان يعيش مشجعا لفريق ريال مدريد، فريقه المفضل، ولاعبه المفضل كريستيانو رونالدو كابتن الفريق، كما يقول شقيقه، أحمد، البالغ من العمر 12 عاما. وكان مهند يأمل ذات يوم في أن يمثل العراق في مباراة لكرة القدم، وربما يلعب ضمن فريق ريال مدريد نفسه، كما يقول أحمد، الذي يحلم باللعب لدى فريق برشلونة، وغالبا ما كان يدخل في عراك مع أخيه حول أي الفريقين هو الأفضل.
كان كلاهما يلعب في فريق كرة القدم المحلي، الذي لم يتأهل لنهائي بطولة دوري الشباب. ولكنهما حضرا المباراة برغم كل شيء، إلى جانب فاروق، أخيهم الأكبر البالغ من العمر 20 عاما، وأغلب الصبيان والشباب الذين يعيشون في المجتمع المهووس برياضة كرة القدم.
أجريت المباراة النهائية بين فريقين أحدهما يدعى الأهلي والآخر يدعى السلام. وأجريت المباراة في ملعب كرة قدم ترابي يوجد في وسط القرية الصغيرة، ولا يحمل الملعب أية علامات سوى المرمى عند نهاية كل طرف. كان المسؤولون المحليون يتابعون المباراة جلوسا على كراسيهم البلاستيكية أعلى منصة صغيرة أقيمت على حافة مرتفعة قليلا في الملعب. وكان المشاهدون، وأغلبهم من الصبيان، يقفون حول محيط الملعب لمتابعة المباراة.
لم يلاحظ أحد على الإطلاق أن أحد الصبيان المتابعين للمباراة كان مرتديا لسترة سميكة في أمسية من أمسيات الربيع الحارة في العراق في حين كان بقية الصبيان يرتدون قمصان الـ «تي-شيرت» الخفيفة. وقال أنمار الجنابي (12 عاما) الذي كان واقفا بجوار الصبي الذي يرتدي ملابس غريبة في ذلك المناخ الحار، إنه لاحظ ذلك الأمر، غير أنه لم يفكر في أن يخبر أحدا من الشباب أو الكبار في المباراة بالأمر.
يتذكر أنمار الفتى ويقول: «كان طويل القامة قليلا مع شعر طويل، ولقد بدا مختلفا بعض الشيء عنا. وكان يرتدي سترة سميكة، مع أن الجو كان حارا، ثم تحدث إلينا وقال: يا لها من مباراة جيدة، أليس كذلك؟».
ومع انتهاء المباراة، اندفع الصبي ذو السترة وسط جموع الفتيان الذين اندفعوا نحو المنصة لمشاهدة احتفالية تسليم الكأس والميداليات، كما يقول أنمار الذي كان حاضرا في المباراة برفقة شقيقه بلال البالغ من العمر 13 عاما إلى جانب مجموعة من الأصدقاء. يتابع أنمار : «ثم فجر نفسه، وشعرت بالنار تحرق وجهي، ثم اندفعت هاربا».
كان هناك عدد قليل من الآباء يرافقون أولادهم لمشاهدة المباراة في ذلك اليوم. ولماذا يفعلون ذلك؟ فأكثريتهم يعيشون على بعد عدة مئات من الأمتار من أرض الملعب، ويتجمع الفتيان هناك كل يوم، لحضور المباريات أو اللعب بأنفسهم هناك.
كان عباس علي العيداني يأمل، برغم كل شيء، في الحضور. وفي وقت مبكر من ظهيرة ذلك اليوم، تلقى مكالمة هاتفية مثيرة في العمل من ابنه البالغ من العمر 13 عاما، ويدعى كرار، الذي اكتشف مؤخرا أنه اختير حارسا لمرمى فريق السلام خلال المباراة. يقول العيداني الذي يعمل حارس أمن في إحدى الشركات المحلية : «أخبرني بأنه سوف يكون حارس مرمى الفريق للمرة الأولى، وطلب مني أن أشتري له قفازين جديدين، ولكنني كنت في دوام العمل، ولا يمكنني المغادرة».
وفور انتهاء مناوبة العمل، اندفع العيداني مسرعا إلى المتجر القريب لابتياع القفازات لولده. ثم سمع دوي الانفجار حال خروجه من المتجر، وكان الدخان يتصاعد من اتجاه ملعب كرة القدم، قفز العيداني في سيارته وهرول إلى هناك مع إحساس بالفزع الشديد.
وكان هناك أناس آخرون يهرولون نحو الملعب خروجا من منازلهم - الآباء، والأشقاء، والأعمام، والأجداد -؛ حيث أثارتهم جميعا قوة الانفجار وشدته، ولقد وصلوا إلى أرض الملعب ليجدوا حالة عارمة من الفوضى الكبيرة وخليطا مروعا من الأطفال المكسورين، والأجزاء الجسدية المبعثرة، وكثيرا من الدماء. تقول ابتسام حامد، التي لقي ابنها وليد (16 عاما) مصرعه بين القتلى في الحادثة: «وجدنا أشلاء للأطفال. وكانت هناك بقايا أشلاء بشرية على الأرض في كل مكان. كان الأمر مثل نهاية العالم بالنسبة إلينا».
توفي بلال، شقيق أنمار، في سيارة عمه في طريقه إلى المستشفى. ومات مهند خزعل (10 أعوام) مشجع فريق ريال مدريد، فيما نجا شقيقه أحمد، لكنه أصيب بشظية في وجهه. ولقد تعرض شقيقه الأكبر فاروق لحروق شديدة في جسده ويرقد في المستشفى حاليا.
في الوقت الذي وصل فيه العيداني إلى ملعب كرة القدم، كان ولده كرار قد نقل إلى المستشفى. ولقد وافته المنية قبل وصول والده الذي قال: «ماذا يمكن أن نقول؟ لا يمكننا سوى أن نحمد الله على كل حال».
بعد أسبوعين من الحادث، لا تزال القرية بأكملها في حالة صدمة عميقة. ولقد تحول الجدار بجوار المكان الذي وقع فيه الانفجار إلى مزار لأهل القرية؛ حيث امتلأ بصور الأطفال القتلى، والبقايا الملطخة بالدماء من ملابسهم وكرات القدم الممزقة. وارتفعت الرايات السوداء المعلنة لحداد أهل القرية أعلى منازل أهالي الضحايا.
وفي الداخل، كانت العائلات تتلقى العزاء في غرف المعيشة بحزن كبير. وقدم الآباء أقداح الشاي، وعرضوا صور أطفالهم القتلى وأعينهم مليئة بالدموع.
كان بلال، شقيق أنمار، من التلاميذ المتفوقين الذي تقدم أقرانه في الصف السادس، ولقد كان لاعب كرة قدم ماهرا؛ حيث تلقى لقب لاعب العام ثلاثة أعوام متتالية وسط فريقه المحلي، كما يقول جده حامد الجنابي: «جاء أساتذته لزيارتنا، ولقد كانوا جميعهم يبكون، فلقد كان أول التلاميذ في كل شيء».
وفي منزل قريب من الشارع نفسه، تذكر والد وليد ابنه ولكن بطريقة مختلفة؛ إذ قال عادل عبيد : «لم يكن جيدا في المدرسة، ولقد رسب في معظم الامتحانات، ولقد كان يعلب كرة القدم كثيرا». كما كان طيب القلب وهادئا، ومحبا للطيور، وقالت والدته: «بعد وفاته، جاء أناس لم أكن أعرفهم من قبل لزيارتي، وأخبروني بأن وليد كان طيب القلب معهم».
تذكرت السيدة سناء ياسين موسى، والدة الطفل القتيل مهند خزعل، ولدها في منزل العائلة المتواضع الصغير، فتقول: «كان محبا لكرة القدم بشدة، كانت كرة القدم في دمه وروحه».
نسي كل من كانوا في الحادثة المروعة نتيجة المباراة. ومن بين من التقينا معهم، كان أحمد هو الوحيد الذي تذكر نتيجة اللقاء؛ حيث فاز فريق السلام بفارق هدف واحد على فريق الأهلي. لكن الفريق الفائز رفض تسلم الكأس الذي استقر في مكانه في موقع الانفجار، محاطا بهالة من كرات القدم والزهور والأعلام الوطنية العراقية.
* خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ«الشرق الأوسط»



مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.


قلق يمني من صدمات اقتصادية بسبب الحرب الإقليمية

مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
TT

قلق يمني من صدمات اقتصادية بسبب الحرب الإقليمية

مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)

على الرغم من استقرار أسعار كثير من السلع الأساسية، فإن اليمنيين يترقبون بقلق بالغ تأثيرات خطرة جراء التطوراتِ العسكرية في المنطقة، واستهدافِ مصادر الطاقة وخطوط نقلها، وانعكاس ذلك على اقتصاد بلدهم الذي يعاني الهشاشة، ويعدّ الأكبر اعتماداً على الواردات والأقل قدرة على امتصاص الصدمات.

ومثلما يهدد استهداف منشآت الطاقة وخطوط نقلها ضمن العمليات العسكرية المتبادلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من الجهة الأخرى، الاقتصاد العالمي بمزيد من الأزمات، فإن اليمن يقع في مركز دائرة الخطر؛ حيث تسود مخاوف واسعة من تضخم فاتورة الاستيراد، وتوسع حجم الفجوة المالية التي تؤرق السلطات والسكان.

ويستورد اليمن نحو 90 في المائة من غذائه؛ مما يرجح احتمال تأثر القدرة الشرائية للسكان بسرعة بأي اضطراب في أسواق الطاقة أو طرق التجارة الدولية.

واشتكى أمين مهيم، وهو مهندس نظم معلومات، من ارتفاع أسعار كثير من السلع، التي تُستهلك بوصفها هدايا في المناسبات، خلال الأيام الماضية، رغم انقضاء إجازة العيد، وهو الذي توجه إلى الأسواق، أخيراً، مفترضاَ انخفاض أسعارها.

الجزء الأكبر من غذاء اليمنيين يأتي عبر الاستيراد مما يجعل البلد عرضة لتأثر النقل بالحرب (أ.ف.ب)

وبين مهيم لـ«الشرق الأوسط» أنه اضطر إلى السفر إلى قريته بمحافظة لحج بعد عيد الفطر؛ بسبب ارتباطاته المهنية خلال الإجازة، وحين عرج على الأسواق لشراء هدايا وأغذية غير أساسية، مثل الزبيب والمكسرات، ليحملها إلى أقاربه، فوجئ بفوارق سعرية كبيرة عمّا كانت عليه قبيل العيد، وسط تبريرات الباعة بأن الحرب فرضت تكاليف نقل كبيرة على الاستيراد.

وبينما يبدي عشرات التجار والمستوردين وسائقي النقل مخاوفهم من عدم القدرة على السيطرة على الأسعار خلال الأسابيع المقبلة، أكد مصدر مسؤول في وزارة النقل أن جميع المعنيين بنقل وتوريد السلع أُبلغوا بعدم زيادة الرسوم الخاصة بما تُسمى «مخاطر الحرب»؛ «لأن اليمن لم يتأثر، حتى الآن، بشكل مباشر بالعمليات العسكرية الدائرة في المنطقة».

بوادر غلاء

المصدر الحكومي، الذي فضل التحفظ على هويته؛ لعدم امتلاكه صلاحية الحديث لوسائل الإعلام، أوضح أن السلع الأساسية المتوجهة إلى اليمن «لم تتأثر إلا بشكل محدود بسبب عدم مرورها بطرق التجارة التي تقع ضمن دائرة الحرب، على عكس سلع أخرى توقفت في موانئ خليجية، مثل الملابس والأجهزة الإلكترونية».

متطلبات المعيشة في اليمن تتأثر بقوة جراء أي أزمة في الوقود (رويترز)

إلا إنه رفض التعليق بشأن إمكانية أن يَظهر تأثير كبير أو خطير في الفترة المقبلة، مطالباً بعدم إثارة فزع السكان.

ولم تشهد أسعار الوقود أي زيادة في اليمن، إلا إن الشركات التجارية وشركات النقل تتذرع بارتفاع تكلفة النقل الخارجي والتأمين البحري بفعل تهديدات الملاحة العالمية وارتفاع أسعار الوقود؛ بسبب استهداف منشآت الطاقة في دول الخليج وإغلاق إيران مضيق هرمز.

ويقول عاملون في قطاع النقل البحري إن شركات الشحن تفرض عادة رسوماً إضافية تُعرف بـ«رسوم مخاطر الحرب» عندما ترتفع التوترات في الممرات البحرية القريبة من مناطق الصراع.

ويرتبط الموقع الجغرافي لليمن مباشرة بالتوترات التي تطول الملاحة البحرية في المنطقة، بالنظر إلى الإطلالة على مضيق باب المندب؛ أحد أهم الممرات البحرية في العالم، الذي تمرّ نسبة مهمة من تجارة الطاقة العالمية عبره، حيث يؤثر سريعاً أيُّ تصاعد في المخاطر الأمنية بالبحر الأحمر على تكاليف الشحن والتأمين على السفن المتجهة إلى الموانئ اليمنية.

التطورات العسكرية الإقليمية تهدد الإصلاحات الحكومية اليمنية لدعم استقرار العملة المحلية (أ.ف.ب)

ويدعو يوسف سعيد أحمد، أستاذ الاقتصاد في جامعة عدن، إلى مواصلة دعم وتعضيد السياسات الاحترازية التي يتبعها «البنك المركزي»، والتي من شأنها الوقاية من الآثار المباشرة للحرب الدائرة في المنطقة على الاقتصاد اليمني.

وحذر في حديثه لـ«الشرق الأوسط» من انعكاس التطورات الاقتصادية للحرب الحالية على حجم الموارد الخارجية، وتأثر أسعار الصرف سلباً، «خصوصاً أن الحرب ما زالت مستمرة، واليمن مرتبط بالاقتصاد الخليجي، خصوصاً السعودي، سواء أكان من جهة الدعم أم تحويلات المغتربين، وهما متغيران من المحتمل أن يتركا آثارهما على البلاد».

اختلال الميزان التجاري

يبدي كثير من المسؤولين الحكوميين والسكان والتجار اليمنيين قلقاً من احتمالية ظهور سوق سوداء للوقود في حال تأخر وصول شحنات النفط إلى الموانئ اليمنية، أو تأثرت البلاد بارتفاع أسعاره عالمياً، هذا إلى جانب احتمال ارتفاع أسعاره محلياً في أي وقت.

الأسواق اليمنية شهدت ارتفاع أسعار بعض السلع بحجة ازدياد تكلفة النقل البحري (أ.ف.ب)

ويتوقع فارس النجار، المستشار الاقتصادي في مكتب الرئاسة اليمنية، أن تؤدي أي صدمة خارجية، مثل ارتفاع أسعار الطاقة أو اضطراب سلاسل الإمداد، إلى تأثيرات مضاعفة، «فزيادة بنسبة ما بين 10 و12 في المائة ستضيف في فاتورة الاستيراد ما بين 1.5 و1.8 مليار دولار سنوياً».

ويشير إلى أن قيمة الواردات اليمنية خلال العام ما قبل الماضي «بلغت نحو 15.5 مليار دولار، مقابل صادرات لم تتجاوز ملياراً؛ مما يعكس اختلالاً واضحاً في الميزان التجاري واعتماداً كبيراً على التحويلات والمنح لتغطية فجوة تمويلية ضخمة».

إلا إنه يتفاءل بالتجربة الأخيرة لإدارة السياسات الاقتصادية التي يمكن أن تحد من حدة الصدمات، «بعد أن أدت إجراءات (البنك المركزي)، وتنظيم الاستيراد، إلى استقرار سعر الصرف وتحسين الإيرادات غير النفطية للحكومة بنحو 50 في المائة، وإن كان تحسناً هشاً بسبب غياب الموارد السيادية».

اقتصاد اليمن يفتقر إلى أهم موارده وهو إيرادات النفط الذي استهدف الحوثيون منشآت تصديره (رويترز)

ومنذ سنوات أدى توقف صادرات النفط، بفعل اعتداءات الجماعة الحوثية، إلى حرمان الحكومة من أهم مصدر للإيرادات، وتتضاعف تكلفة هذا التوقف حالياً بسبب ارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

ويقدر خبراء مطلعون على السجلات الرسمية أن نحو 70 في المائة من إيرادات الحكومة كانت تأتي من النفط، في وقت يعاني فيه نحو 22 مليون يمني من انعدام الأمن الغذائي، وفق تقديرات أممية؛ مما يجعل أي ارتفاع جديد في أسعار الوقود أو الغذاء عبئاً إضافياً على ملايين الأسر.


تصعيد حوثي في البيضاء واعتقالات عقب كمين قبلي

الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
TT

تصعيد حوثي في البيضاء واعتقالات عقب كمين قبلي

الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)

شنّت الجماعة الحوثية حملة اعتقالات واسعة شملت عشرات المدنيين في محافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء) عقب مقتل عشرة من عناصرها في كمين استهدف إحدى دورياتها، في تطور يعكس تصاعد المواجهة مع أبناء القبائل في مناطق سيطرتها.

جاء ذلك بالتوازي مع إعلان القوات اليمنية الحكومية إحباط تهريب شحنة أسلحة وطائرات مسيّرة في محافظة حضرموت كانت متجهة إلى مناطق سيطرة الجماعة الحوثية.

وأفادت مصادر محلية في البيضاء لـ«الشرق الأوسط» بأن أبناء القبائل في منطقتي المناسح وحمة صرار، التابعتين لمديرية «ولد ربيع»، نفذوا هجوماً استهدف دورية أمنية حوثية على الطريق الرئيسي، كانت تقل عشرة من عناصر الجماعة، بينهم مشرفون ميدانيون، ما أدى إلى مقتلهم جميعاً.

وحسب المصادر، جرى تنفيذ العملية باستخدام عبوات ناسفة، بعد رصد دقيق لتحركات الدورية، في سياق حالة احتقان متصاعدة تشهدها المديرية، نتيجة ما يصفه السكان بانتهاكات متكررة تشمل الاعتداء على الممتلكات والمزارع، والتضييق على الأنشطة الدينية، في إطار محاولات فرض توجهات فكرية ومذهبية.

كمية من الأسلحة صادرتها قوات درع الوطن في وادي حضرموت (إعلام عسكري)

وفي أعقاب الهجوم، دفعت الجماعة الحوثية بتعزيزات عسكرية كبيرة إلى مديرية ولد ربيع، ضمت عشرات العربات والمسلحين، ونفذت حملة مداهمات واسعة في قرى المناسح وحمة صرار وسيلة الجراح، أسفرت عن اعتقال عشرات المدنيين، بذريعة البحث عن المتورطين في الكمين.

وقال مدير مديرية رداع المعين من الحكومة الشرعية، منيف الذهب، إن المعتقلين جرى اقتيادهم إلى مركز قضاء رداع، حيث انضموا إلى محتجزين آخرين من أبناء المنطقة، كانوا قد اعتُقلوا في حملات سابقة على خلفية حوادث مشابهة، ما يعزز مخاوف السكان من تصاعد سياسة العقاب الجماعي.

إحباط تهريب أسلحة

بالتزامن مع هذه التطورات، أعلنت قوات الطوارئ اليمنية إحباط محاولة تهريب شحنة أسلحة وطائرات مسيّرة كانت في طريقها إلى الجماعة الحوثية، في عملية نوعية نُفذت بمحافظة حضرموت.

وذكر المركز الإعلامي للفرقة الأولى أن الشحنة ضُبطت داخل شاحنة نقل كبيرة كانت محمّلة بسلال من الخضراوات، حيث أخفيت الأسلحة والذخائر والطائرات المسيّرة بإحكام أسفل الحمولة، في محاولة للتمويه وتفادي نقاط التفتيش.

وأوضح أن العملية أسفرت عن ضبط السائق والتحفظ على المضبوطات، تمهيداً لإحالتهما إلى الجهات المختصة لاستكمال الإجراءات القانونية، مشيراً إلى أن هذه العملية تعكس مستوى متقدماً من الجاهزية الأمنية والقدرة على تفكيك شبكات التهريب.

وتأتي هذه الضبطية ضمن سلسلة إجراءات تهدف إلى قطع خطوط الإمداد العسكري للجماعة الحوثية، التي تعتمد، وفق تقديرات حكومية، على شبكات تهريب معقدة لإيصال الأسلحة النوعية، بما في ذلك الطائرات المسيّرة، إلى مناطق سيطرتها.

هيكلة الأمن في عدن

في سياق موازٍ، تكثف الحكومة اليمنية جهودها لإعادة تنظيم المنظومة الأمنية في المناطق المحررة، حيث عقدت اللجنة المكلفة بهيكلة ودمج التشكيلات الأمنية اجتماعاً مشتركاً مع قيادة أمن عدن، بحضور قيادات بارزة من وزارة الداخلية والمؤسسات العسكرية.

وناقش الاجتماع احتياجات شرطة عدن من الموارد البشرية والآليات، إلى جانب آليات دمج التشكيلات الأمنية التي لا تزال خارج إطار الوزارة، بما يسهم في توحيد القرار الأمني وتحديد الاختصاصات بشكل واضح.

لجنة دمج وهيكلة الوحدات الأمنية تلتقي قيادة أمن عدن (الإعلام الأمني)

وأكد المشاركون أن هذه الخطوة تمثل مساراً استراتيجياً لبناء جهاز أمني متكامل، قادر على مواجهة التحديات الأمنية وتعزيز الاستقرار، خصوصاً في ظل التهديدات المستمرة التي تواجهها البلاد.

كما شددوا على أهمية رفع مستوى التنسيق بين مختلف الوحدات، والعمل بروح الفريق الواحد، بما يعزز كفاءة الأداء الأمني، ويعيد ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.

ويرى مراقبون أن نجاح جهود الدمج والهيكلة يمثل عنصراً حاسماً في تثبيت الاستقرار في المدن المحررة، ومنع أي اختلالات أمنية قد تستغلها الجماعات المسلحة أو الشبكات الإجرامية.