«الكوميكس» في العالم العربي.. زفرة الشعوب المقهورة أم تسلية النخبة؟

أول رسم كاريكاتيري في تاريخ العالم وجد في عمل فرعوني قديم

العدد السادس من «فوت علينا بكرة» - «الرجل البرباطوظ» كان أول محاولة لشريف عادل للدخول في مجال «الكوميكس» على الإنترنت
العدد السادس من «فوت علينا بكرة» - «الرجل البرباطوظ» كان أول محاولة لشريف عادل للدخول في مجال «الكوميكس» على الإنترنت
TT

«الكوميكس» في العالم العربي.. زفرة الشعوب المقهورة أم تسلية النخبة؟

العدد السادس من «فوت علينا بكرة» - «الرجل البرباطوظ» كان أول محاولة لشريف عادل للدخول في مجال «الكوميكس» على الإنترنت
العدد السادس من «فوت علينا بكرة» - «الرجل البرباطوظ» كان أول محاولة لشريف عادل للدخول في مجال «الكوميكس» على الإنترنت

الزمان: سنة 3014 بالتاريخ الأرضي.
المكان: جمهورية مصر الجديدة
الحدث: فهمي في الطريق إلى مركز المخابرات العلمية السرية ليتسلم عمله الجديد.....
وهكذا يهرب بنا شريف عادل عبد الفتاح ألف سنة فقط ليقدم لنا في قالب شديد الإبداع رؤية عميقة ونقدًا ساخرًا لواقع المجتمع المصري اليوم في إطار عمله المثير الجديد الذي يقدمه على شكل مجلة رسوم مصورة - كوميكس - أطلق عليها اسم «فوت علينا بكرة»، وهو بذلك يبدأ نقده للحياة المصرية المعاصرة من اللحظة الأولى. فـ«فوت علينا بكرة» تلخص حالة البيروقراطية الرثة التي تبدو عليها غالبية المؤسسات الرسمية، التي لم تعد في زمان القرية العالمية مجرد مصدر للإزعاج، بل مثارا للسخرية الحادة أيضا، التي يبدع شريف عادل في تقديمها نصًا ورسمًا وأفكارًا.
شريف عادل فنان شديد الغضب، يعبر بالضرورة عن خيبة أمل جيل مصري وعربي كامل في مآلات الأمور في بلاده. نقده اللاذع ليس موجهًا لمؤسسة الحكم مباشرة، ولكنه هجوم عاصف على ثقافة البلاد من كل زاوية صغيرة وكبيرة، كاشفًا حالات التناقض والارتباك السياسي والاجتماعي والاقتصادي التي تعيشها مجتمعات «مات قديمها ولم يولد جديدها بعد»، على حد قول غرامشي.
شريف عادل طبيب أسنان بحكم المهنة، وكانت له تجربة سابقة إلكترونية في القصص المصورة صدرت تحت اسم (الرجل البرباطوظ) لكنها لم تطبع قط. ولكنه طبع العمل الجديد؛ ولذلك فإن إمكانات التواصل مع الجمهور تأخذ أبعادًا أوسع وتصل إلى جمهور ما قبل الاستعمال المكثف للكومبيوتر، في مجتمع ما زالت عدة ملايين منه تعاني من الأمية والفقر المدقع.
التعبير بالرسم الساخر بالطبع ليس جديدًا على مصر، بل إن أول رسم كاريكاتيري في تاريخ العالم ربما وجد في عمل فرعوني قديم. كما أن مجلة مصورة للصغار صدرت في مصر منذ عام 1870 (روضة المدارس ورئيس تحريرها رفاعة الطهطاوي متأثرًا دون شك بتجربة الفرنسيين الرائدة في هذا المجال)، وكان لجيل الرواد من كبار فناني الكاريكاتير حسين بيكار (مجلة سند.ب.أد) وحجازي ومحيي الدين اللباد أعمال تأسيسية في نسق التعبير الفني، هذا خلال النصف الثاني من القرن العشرين. إلا أن التحولات الصاخبة التي عاشتها المجتمعات العربية - وفي قلبها المجتمع المصري شديد الفكاهة - منذ بداية القرن الحادي والعشرين في المجالات السياسية والثقافية والاجتماعية، ومحاولات التغيير الدموية المجهضة بالتدخلات الاستعمارية، مع استمرار تفرد السلطات الرسمية الباقية من أجيال سابقة أو حتى الجديدة بالتحكم بكل قنوات التعبير على اختلاف أشكالها، كل ذلك قد خلق فرصة ولحظة ثورية لاستخدام نموذج الفن الشعبي (بوب آرت) المعروف بالقصص المصورة لتوجيه النقد غير المباشر لكل الظواهر السلبية في المجتمع من الانقسام الطبقي إلى فساد النخبة، وانتهاءً إلى الرداءة الشاملة في حياة الأكثرية، التي يمتلك الفنانون أمثال شريف حساسية عالية تجاه ما يمكن أن يعتاده ويتقبله الآخرون. وهكذا كان لا بد من مجدي الشافعي الذي أطلق (مترو) بوصفها صرخة تعبير مبكرة في وجه الواقع المتجه للتأزم من خلال قصة (بوليسية) مصورة، تحكي قصة مهندس كومبيوتر مصري شاب يصاب بالإحباط من مجتمعه، ويقرر السطو على مصرف للخروج من اليأس بسرعة، وحينها يتورط مع عدة أنواع من اللصوص والفاسدين في رواية شائقة تأخذك في رحلة بصرية في عمق حياة القاهرة وشوارعها التي تكاد تنادي (بالألوان) لضرورة حصول تغير ثوري نوعي يقصي تراكم الفساد. لم يفت هذا النقد على الرقابة المصرية في عهد الرئيس الرئيس حسني مبارك، وانتهت (مترو) إلى المصادرة من الأسواق رغم أنها لقيت أصداء إيجابية واسعة من قبل النقاد في مصر والغرب.
منحت أحداث «25 يناير» والارتباك الحاصل بعدها مساحة أوسع للتعبير باستخدام هذه القناة الجديدة الشديدة الشبه بالجيل الذي خرج إلى شوارع القاهرة وميدان التحرير وكسر هيبة أجهزة الأمن الرسمية في 2011. وقدمت المؤسسات الثقافية الغربية الدعم الفني و - المالي أحيانًا - لاستكشاف هذا الفن. وهكذا كبرت مساحة «الكوميكس» في الحياة المصرية في يوم وليلة. مجدي الشافعي، أصدر مشروعًا بديلاً لـ(مترو) المصادر، وهذه المرّة تحت اسم (الدُّشمة)، وهي مجلة في 64 صفحة وصدرت بتمويل منظمة مجتمع مدني تُعنى بحقوق الإنسان. لكن المجلة الأكثر شعبية في مصر كانت (توك توك) ذات التمويل الذاتي، وقد استوحت اسمها من وسيلة النقل الشعبية ثلاثية العجلات التي تملأ شوارع الأحياء البائسة في القاهرة والإسكندرية وبقية المدن الكبرى في مصر.
لكن استمرارية هذه المجلات، وقدرتها على الانتشار بوصفها وسيلة تعبير تمثل حلاً وسطًا بين جيل الشباب والسلطات، مرتبطة أساسًا بقدرة المجتمعات الرأسمالية الطابع على تحويل هذه المحاولات إلى مشاريع ناجحة تجاريًا، وهو تحد ليس سهلاً في بلد مثل مصر، حيث لا يمكن رفع سعر النسخة إلى مستوى الأسعار في الغرب مثلاً لأن ذلك يجعلها خارج السوق، وكذلك لا يمكن استقطاب إعلانات بصفة حاسمة بوصفها لم تثبت نفسها في قدرتها على التوزيع الواسع - رغم محاولات شريف عادل المتكررة في مجلته لترك مساحات للإعلان ملأها دائمًا بإعلانات ساخرة، لعل وعسى، لكن دون نجاح يذكر وصولاً للعدد الثالث - كما أن تلقيها الدعم من المراكز الثقافية الغربية يجعلها مثار شك بوصفها خاضعة لأجندات خارجية. إذن النافذة الوحيدة الممكنة هي تقديم مادة عميقة تخاطب الجمهور وتعبر عنه وتستعير صوته على نحو يدفع قطاعات أوسع لتبني «الكوميكس» خارج لعبة الفن التجريبي. التجربة المصرية تبدو الأهم عربيًا في فن «الكوميكس»؛ وذلك للظروف الموضوعية للأسواق العربية الأخرى مع استثناء لبنان ربما - حيث هامش من الحرية النسيية - والتي شهدت تجربة مجلة السمندل الطليعية الثلاثية اللغة - عربية وإنجليزية وفرنسية - وقدمت أعمالا لمجموعة من فنانين موهوبين انتقدوا - بعيدًا عن السياسة - قضايا مجتمعية كثيرة وبعض التابوهات في المجتمع العربي - فغرّم ثلاثة من محرريها بتهمة التحريض على الفتن - لكنها بقيت دائمًا مجلة نخبوية الطابع ولم تصبح صوتًا شعبيًا رغم توالي صدور أعدادها.
التجربة الأنجح في هذا المجال في دول الأطراف، جاءت من البرازيل، حيث المجتمع يضرب في أطنابه الفساد وتتآكله الجريمة ويتلاعب به السياسيون عديمو الضمير، ظهر بطل قصص مصورة - بداية على «فيسبوك» - تقول القصة إنه كان جنديًا سابقًا أغضبه الفساد الشامل في البلاد، فتقنّع وبدأ بمطاردة وصيد الشخصيات المساهمة في تكوين هذا الفساد من سياسيين ورجال أعمال وإعلاميين. شخصية «الموقظ» - كما سمي لاحقًا - استهدفت نماذج فاسدة لها مثيل موازٍ في الحياة العامة البرازيلية فحازت على اهتمام متزايد بين الشباب البرازيلي. ويقال: إنها ساهمت في تجييش الجمهور للمظاهرات الهائلة التي اجتاحت البلاد بعد عدة أشهر - يونيو (حزيران) - 2013 وضغطت لتغيير النخبة البرازيلية المغرقة بالسرقة والنهب. بعض الشخصيات الحقيقية التي شعرت أن القصة تتحدث عنها سارعت إلى رفع دعاوى، متهمة الفنان مبدع القصص (لوسيانو كونها) بالتحريض على القتل لكن هذه الدعاوى لم تنجح في إثبات شيء، وإن مثلت دفعة هائلة لشعبية شخصية الموقظ الكوميكية؛ فازداد الطلب عليها على نحو غير مسبوق. وقد تلقى لوسيانو عرضًا الآن من أهم شركة إعلامية برازيلية لتحويل القصة إلى عمل سينمائي، وأصبح قادرًا على التفرغ للعمل على إنتاج الرسوم للقصة المصورة عبر وسائط الإعلام المختلفة مطبوعة وإلكترونية.
«فوت علينا بكرة» - لشريف عادل - تجربة واعدة - لكنها يجب أن تكسب قلوب الجماهير المصرية برفع مستوى النقد قبل أن تتوقع تدفق المبيعات، ولاحقًا، الإعلانات. حتى ذلك الحين، ربما على شريف أن يستمر في العمل في عيادة الأسنان لبعض الوقت إلى جانب عمله على قصة شخصية الشاب المصري النبيل - فهمي - في مواجهته الجميلة للرداءة الشاملة، وهو في كلا المهنتين يسمح لنا بالابتسام رغم كل شيء.



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.