طرابيشي والتنوير العربي

طرابيشي والتنوير العربي

المرحلة الباريسية كانت الأهم في مسيرته الفكرية
الجمعة - 8 جمادى الآخرة 1437 هـ - 18 مارس 2016 مـ
باريس: هاشم صالح
كان آخر اتصال بيني وبين جورج طرابيشي عن طريق الإيميل قد جرى قبل أسبوعين أو ثلاثة من رحيله، وأفهمني أنه متعب جدا، ولكن ما كنت أعتقد أن الرحيل على الأبواب.. كنت أعتقد أنه باق لفترة إضافية أخرى. ولكن هذه هي مشيئة الله، ولن تجد لها تبديلا ولا مردا، وكلنا على الطريق نفسه سائرون.. «كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقُةُ المَوْتِ». صدق الله العظيم. رحم الله جورج طرابيشي. وعلى أي حال، فإن إنجازاته الفكرية؛ ترجمةً وكتابةً، هي التي ستدافع عنه، وهي ضخمة وتستحق كل التقدير.
يخطئ من يظن أن التنويريين العرب كانوا يملأون الشوارع في وقت صعود جورج طرابيشي، فالواقع أنهم كانوا يعدون على أصابع اليد الواحدة أو اليدين. ونحن في الستينات أو السبعينات من القرن الماضي كان الفكر المؤدلج على الطريقة القوموية الماركسوية يملأ الساحة بضجيجه المفرقع. وبالتالي، فلا مكانة للفكر الأبستمولوجي الرصين في مثل هذه الظروف. كنا بحاجة ماسة للانتقال من المرحلة الآيديولوجية إلى المرحلة الأبستمولوجية. وقد ساهم جورج طرابيشي مع آخرين في هذه النقلة بشكل فعال. ولكن المعسكر المضاد يقول: اللعنة على الغرب وثقافة الغرب الانحطاطية الملحدة! اللعنة على الأبستمولوجيا وفلسفة المعرفة كلها! اللعنة على الحضارة العالمية والغزو الفكري! ينبغي أن تصرخ مع الصارخين، أو تنعق مع الناعقين، لكي يسمع صوتك أو على الأقل لكي تتحاشى انصباب اللعنات الآيديولوجية على رأسك. ينبغي أن ترفع الشعارات نفسها وتدافع عن المقولات الصدئة نفسها وتندرج مع القطيع. نظرية غوستاف لوبون عن سيكولوجيا الجماهير تنطبق على المثقفين أيضا، وليس فقط على عامة الشعب أو رجل الشارع. هناك عدوى تنتقل من مثقف إلى آخر، ولا تترك لك أي مجال لحرية التفكير بشكل شخصي أو نقدي. ينبغي أن تكون قومويا – إسلامويا حاميا لكي تصبح مثقفا شرعيا في مثل هذه الأجواء. أما عهد الليبراليين من أمثال أحمد لطفي السيد وزكي نجيب محمود وطه حسين والعقاد وسلامة موسى وميخائيل نعيمة وبقية مفكري عصر النهضة، فكان قد انقرض تقريبا. صحيح أن جورج طرابيشي لم يسلم كليا من الأدلجة في تلك الفترة (ومن يستطيع ذلك أصلا؟)، ولكنه كان دائما مهموما بالثقافة بوصفها مسألة معرفية. والدليل على ذلك، ترجمته لـ«تاريخ الفلسفة» في ثمانية أجزاء، و«قاموس الفلاسفة»، وأعمال فرويد.. وسوى ذلك. وبالتالي، فالهمّ المعرفي غير المؤدلج كان حاضرا لديه أكثر من سواه على الرغم من كل شيء.
ولكن يبدو لي أن هذا الهمّ المعرفي المحض لم يتطور فعليا ويأخذ كل أبعاده لديه إلا بعد أن غادر العالم العربي وانتقل إلى فرنسا. أعتقد أن المرحلة الباريسية هي الأهم في مسيرة جورج طرابيشي الفكرية. ولا أكتشف القارات إذ أقول ذلك. وهي مرحلة طويلة استغرقت ربع القرن الأخير من حياته. فأثناءها صدرت أهم كتبه التي شغلت الساحة الثقافية العربية بالنقاشات والمجادلات والمقابلات الخصبة. نذكر من بينها على سبيل المثال لا الحصر: «المثقفون العرب والتراث: التحليل النفسي لعصاب جماعي»، و«من النهضة إلى الردة»، و«مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة»، و«مصائر الفلسفة بين المسيحية والإسلام»، و«هرطقات أولى: عن الديمقراطية والعلمانية والحداثة والممانعة العربية»، و«هرطقات ثانية عن العلمانية كإشكالية إسلامية – إسلامية»، إلخ.. هذا دون أن ننسى بالطبع مشروعه الضخم في الرد على الجابري أو «نقد نقد العقل العربي»، وقد صدر في خمسة أجزاء، كان آخرها مستقلا كثيرا عن سوابقه وذا طابع شخصي محض: «من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث. النشأة المستأنفة».
من الواضح أن جورج طرابيشي في مرحلته الأولى السورية – اللبنانية كان بعيدا عن الإشكالية التراثية.. كان يتحاشاها إلى حد كبير.. كان مشغولا بالنظريات القومية، والوجودية، والماركسية، والتحليل النفسي، ونقد الأدب، والرواية، ثم الترجمات الكبرى. وبالتالي، فالمرحلة الفكرية الحقيقية لم تبتدئ إلا في باريس، كما ذكرنا. وربما كان سبب ذلك أنه أصبح بعيدا عن ضغط الشارع العربي وضوضائه؛ بل وإرهابه أحيانا.. فما يقال على ضفاف السين لا يمكن أن يقال على ضفاف النيل أو بردى أو حتى بيروت. لكل مقام مقال. ومعلوم أن معظم الذين انخرطوا في نقد التراث اضطروا إلى الهجرة من بلادهم في وقت أو آخر. وكانت باريس عاصمة الأنوار هي المكان الأمثل لذلك. وينطبق هذا الكلام بشكل أخص على المشتغلين في نقد الفكر الديني؛ فمن الواضح أنهم لن يستطيعوا التفكير بحرية، وأكاد أقول لن يستطيعوا التنفس - مجرد تنفس - إلا بعد ركوب الطائرة وشد الرحال. يعرف ذلك كل من عاش في بلادنا ثم أتاح له الحظ أن ينتقل إلى أوروبا؛ جنة الحداثة وما بعد الحداثة. وهناك سبب آخر عملي، إذا جاز التعبير: إنه يخص المكتبات وتوافر المراجع الضرورية للبحث العلمي. فمن الواضح أنك لن تستطيع مواصلة بحوثك الفكرية إذا ما بقيت مقيما في بلادنا العربية، نظرا لنقص المراجع والمكتبات العامة أو المتخصصة، فليس من السهل التوصل إلى المرجع والكتاب في أقطارنا العربية. أقول ذلك وأنا أعرف عما أتحدث بالضبط.
الشيء اللافت في مسار جورج طرابيشي أنه شن حملة كبيرة على المثقفين العرب المؤدلجين جدا، عندما أصدر كتابا بعنوان: «المثقفون العرب والتراث: التحليل النفسي لعصاب جماعي». كنت قد علقت على هذا الكتاب سابقا معترضا على الإسراف في تطبيق مصطلحات الطب النفسي على الخطاب العربي المؤدلج بشكل زائد عن الحد. ولكني لم أعترض على الأطروحة الأساسية للكتاب: وهي أن هذه الشريحة الضخمة من الانتلجنسيا العربية أساءت للفكر العربي وأعادته سنوات إلى الوراء. من هنا نجاح طرابيشي في إشاعة مصطلحات من نوع النكوص، أو الردة، أو الانقلاب على النهضة، أو المرض بالغرب، أو التقوقع على الماضي والخروج من العصر.. إلخ. لا ريب في أنه عرف كيف يشخص المرض العربي كما عرف عبد الوهاب المؤدب لاحقا كيف يشخص المرض الإسلامي، وهما شيء واحد في نهاية المطاف. المهم فيما يخص هذه المسألة هو التشخيص؛ أي تشخيص مرض العصر، فإذا ما نجحنا في التشخيص الدقيق، أصبح الطريق سالكا للعلاج الصحيح، ولكن إذا ما أخطأنا في التشخيص، فقد نقتل المريض بكل بساطة.
وبالتالي فيشكر طرابيشي على أنه فكك هذا الخطاب الهادر من المحيط إلى الخليج في كتابه المذكور هذا.
أعترف بأني دهشت كثيرا عندما اطلعت صدفة على كلام جورج طرابيشي عن كتاب الجابري «تكوين العقل العربي»: «هذا كتاب ليس فقط يثقف، بل يغير، فمن يقرأه لا يعود كما كان قبل أن يقرأه». اعتقدت للوهلة الأولى أنني أمام كتاب «نقد العقل الخالص» لكانط، أو «فينومينولوجيا الروح» لهيغل، أو «الكلمات والأشياء» لفوكو، أو «نقد العقل الإسلامي» لأركون! لا أقول ذلك على سبيل الخبث والاستفزاز، ولكن.. لحسن الحظ، فإن جورج غير موقفه لاحقا واكتشف مدى تهوره في الإعجاب بهذا الكتاب العادي.
أخيرا تبقى لجورج طرابيشي ميزة أنه لم يتراجع أبدا عن خط النهضة والتنوير، ولم تكتسحه الموجة الشعبوية الأصولية الجماهيرية التي اكتسحت غالبية المثقفين العرب. لقد ظل مخلصا للشرارة الفكرية التحريرية للحداثة الأوروبية ولعصر النهضة العربية أو العصر الليبرالي العربي كما يقول ألبيرت حوراني. يضاف إلى ذلك أن انغماسه الكامل في دراسة التراث الإسلامي - وهو المسيحي العربي - شيء يدعو للإعجاب حقا.. هذه نقطة تحسب له لا عليه. لهذا السبب، فإنه يمثل أحد أقطاب التنوير الفكري في ثقافتنا العربية المعاصرة؛ فقد جمع بالإضافة إلى تبحره الواسع في الفكر الأوروبي والفلسفة الغربية، تبحرا جديدا في التراث العربي الإسلامي إبان مرحلته الباريسية الثانية كما ذكرنا سابقا. وعن طريق هذا الاطلاع الواسع والغزير على كلتا الثقافتين العربية والأوروبية استطاع أن يبلور أطروحاته الجريئة عن التراث ويقدم تشخيصاته الشخصية للوضع الراهن. قد لا تكون كل هذه التشخيصات ناجحة أو موفقة، لكن له شرف المحاولة على الأقل. على أي حال، فقد كان مدركا تماما أن التغيير السياسي لن ينجح إن لم يسبقه تغيير فكري يشمل العقليات في العمق. ولهذا السبب، فهو مفكر بالدرجة الأولى وليس حركيا سياسيا. ذلك أن زمن السياسة لم يحن بعد! ولن يحين قبل أن يحصل التعزيل الفكري الكبير. ولهذا السبب بالذات، فشلت انتفاضات الربيع العربي.. ينبغي أولا تطهير الساحة من التيارات الظلامية التكفيرية قبل أن نتمكن من بلورة ثقافة إنسانية ديمقراطية حديثة تتسع أحضانها للجميع.

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة