طرابيشي والتنوير العربي

المرحلة الباريسية كانت الأهم في مسيرته الفكرية

طرابيشي والتنوير العربي
TT

طرابيشي والتنوير العربي

طرابيشي والتنوير العربي

كان آخر اتصال بيني وبين جورج طرابيشي عن طريق الإيميل قد جرى قبل أسبوعين أو ثلاثة من رحيله، وأفهمني أنه متعب جدا، ولكن ما كنت أعتقد أن الرحيل على الأبواب.. كنت أعتقد أنه باق لفترة إضافية أخرى. ولكن هذه هي مشيئة الله، ولن تجد لها تبديلا ولا مردا، وكلنا على الطريق نفسه سائرون.. «كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقُةُ المَوْتِ». صدق الله العظيم. رحم الله جورج طرابيشي. وعلى أي حال، فإن إنجازاته الفكرية؛ ترجمةً وكتابةً، هي التي ستدافع عنه، وهي ضخمة وتستحق كل التقدير.
يخطئ من يظن أن التنويريين العرب كانوا يملأون الشوارع في وقت صعود جورج طرابيشي، فالواقع أنهم كانوا يعدون على أصابع اليد الواحدة أو اليدين. ونحن في الستينات أو السبعينات من القرن الماضي كان الفكر المؤدلج على الطريقة القوموية الماركسوية يملأ الساحة بضجيجه المفرقع. وبالتالي، فلا مكانة للفكر الأبستمولوجي الرصين في مثل هذه الظروف. كنا بحاجة ماسة للانتقال من المرحلة الآيديولوجية إلى المرحلة الأبستمولوجية. وقد ساهم جورج طرابيشي مع آخرين في هذه النقلة بشكل فعال. ولكن المعسكر المضاد يقول: اللعنة على الغرب وثقافة الغرب الانحطاطية الملحدة! اللعنة على الأبستمولوجيا وفلسفة المعرفة كلها! اللعنة على الحضارة العالمية والغزو الفكري! ينبغي أن تصرخ مع الصارخين، أو تنعق مع الناعقين، لكي يسمع صوتك أو على الأقل لكي تتحاشى انصباب اللعنات الآيديولوجية على رأسك. ينبغي أن ترفع الشعارات نفسها وتدافع عن المقولات الصدئة نفسها وتندرج مع القطيع. نظرية غوستاف لوبون عن سيكولوجيا الجماهير تنطبق على المثقفين أيضا، وليس فقط على عامة الشعب أو رجل الشارع. هناك عدوى تنتقل من مثقف إلى آخر، ولا تترك لك أي مجال لحرية التفكير بشكل شخصي أو نقدي. ينبغي أن تكون قومويا – إسلامويا حاميا لكي تصبح مثقفا شرعيا في مثل هذه الأجواء. أما عهد الليبراليين من أمثال أحمد لطفي السيد وزكي نجيب محمود وطه حسين والعقاد وسلامة موسى وميخائيل نعيمة وبقية مفكري عصر النهضة، فكان قد انقرض تقريبا. صحيح أن جورج طرابيشي لم يسلم كليا من الأدلجة في تلك الفترة (ومن يستطيع ذلك أصلا؟)، ولكنه كان دائما مهموما بالثقافة بوصفها مسألة معرفية. والدليل على ذلك، ترجمته لـ«تاريخ الفلسفة» في ثمانية أجزاء، و«قاموس الفلاسفة»، وأعمال فرويد.. وسوى ذلك. وبالتالي، فالهمّ المعرفي غير المؤدلج كان حاضرا لديه أكثر من سواه على الرغم من كل شيء.
ولكن يبدو لي أن هذا الهمّ المعرفي المحض لم يتطور فعليا ويأخذ كل أبعاده لديه إلا بعد أن غادر العالم العربي وانتقل إلى فرنسا. أعتقد أن المرحلة الباريسية هي الأهم في مسيرة جورج طرابيشي الفكرية. ولا أكتشف القارات إذ أقول ذلك. وهي مرحلة طويلة استغرقت ربع القرن الأخير من حياته. فأثناءها صدرت أهم كتبه التي شغلت الساحة الثقافية العربية بالنقاشات والمجادلات والمقابلات الخصبة. نذكر من بينها على سبيل المثال لا الحصر: «المثقفون العرب والتراث: التحليل النفسي لعصاب جماعي»، و«من النهضة إلى الردة»، و«مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة»، و«مصائر الفلسفة بين المسيحية والإسلام»، و«هرطقات أولى: عن الديمقراطية والعلمانية والحداثة والممانعة العربية»، و«هرطقات ثانية عن العلمانية كإشكالية إسلامية – إسلامية»، إلخ.. هذا دون أن ننسى بالطبع مشروعه الضخم في الرد على الجابري أو «نقد نقد العقل العربي»، وقد صدر في خمسة أجزاء، كان آخرها مستقلا كثيرا عن سوابقه وذا طابع شخصي محض: «من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث. النشأة المستأنفة».
من الواضح أن جورج طرابيشي في مرحلته الأولى السورية – اللبنانية كان بعيدا عن الإشكالية التراثية.. كان يتحاشاها إلى حد كبير.. كان مشغولا بالنظريات القومية، والوجودية، والماركسية، والتحليل النفسي، ونقد الأدب، والرواية، ثم الترجمات الكبرى. وبالتالي، فالمرحلة الفكرية الحقيقية لم تبتدئ إلا في باريس، كما ذكرنا. وربما كان سبب ذلك أنه أصبح بعيدا عن ضغط الشارع العربي وضوضائه؛ بل وإرهابه أحيانا.. فما يقال على ضفاف السين لا يمكن أن يقال على ضفاف النيل أو بردى أو حتى بيروت. لكل مقام مقال. ومعلوم أن معظم الذين انخرطوا في نقد التراث اضطروا إلى الهجرة من بلادهم في وقت أو آخر. وكانت باريس عاصمة الأنوار هي المكان الأمثل لذلك. وينطبق هذا الكلام بشكل أخص على المشتغلين في نقد الفكر الديني؛ فمن الواضح أنهم لن يستطيعوا التفكير بحرية، وأكاد أقول لن يستطيعوا التنفس - مجرد تنفس - إلا بعد ركوب الطائرة وشد الرحال. يعرف ذلك كل من عاش في بلادنا ثم أتاح له الحظ أن ينتقل إلى أوروبا؛ جنة الحداثة وما بعد الحداثة. وهناك سبب آخر عملي، إذا جاز التعبير: إنه يخص المكتبات وتوافر المراجع الضرورية للبحث العلمي. فمن الواضح أنك لن تستطيع مواصلة بحوثك الفكرية إذا ما بقيت مقيما في بلادنا العربية، نظرا لنقص المراجع والمكتبات العامة أو المتخصصة، فليس من السهل التوصل إلى المرجع والكتاب في أقطارنا العربية. أقول ذلك وأنا أعرف عما أتحدث بالضبط.
الشيء اللافت في مسار جورج طرابيشي أنه شن حملة كبيرة على المثقفين العرب المؤدلجين جدا، عندما أصدر كتابا بعنوان: «المثقفون العرب والتراث: التحليل النفسي لعصاب جماعي». كنت قد علقت على هذا الكتاب سابقا معترضا على الإسراف في تطبيق مصطلحات الطب النفسي على الخطاب العربي المؤدلج بشكل زائد عن الحد. ولكني لم أعترض على الأطروحة الأساسية للكتاب: وهي أن هذه الشريحة الضخمة من الانتلجنسيا العربية أساءت للفكر العربي وأعادته سنوات إلى الوراء. من هنا نجاح طرابيشي في إشاعة مصطلحات من نوع النكوص، أو الردة، أو الانقلاب على النهضة، أو المرض بالغرب، أو التقوقع على الماضي والخروج من العصر.. إلخ. لا ريب في أنه عرف كيف يشخص المرض العربي كما عرف عبد الوهاب المؤدب لاحقا كيف يشخص المرض الإسلامي، وهما شيء واحد في نهاية المطاف. المهم فيما يخص هذه المسألة هو التشخيص؛ أي تشخيص مرض العصر، فإذا ما نجحنا في التشخيص الدقيق، أصبح الطريق سالكا للعلاج الصحيح، ولكن إذا ما أخطأنا في التشخيص، فقد نقتل المريض بكل بساطة.
وبالتالي فيشكر طرابيشي على أنه فكك هذا الخطاب الهادر من المحيط إلى الخليج في كتابه المذكور هذا.
أعترف بأني دهشت كثيرا عندما اطلعت صدفة على كلام جورج طرابيشي عن كتاب الجابري «تكوين العقل العربي»: «هذا كتاب ليس فقط يثقف، بل يغير، فمن يقرأه لا يعود كما كان قبل أن يقرأه». اعتقدت للوهلة الأولى أنني أمام كتاب «نقد العقل الخالص» لكانط، أو «فينومينولوجيا الروح» لهيغل، أو «الكلمات والأشياء» لفوكو، أو «نقد العقل الإسلامي» لأركون! لا أقول ذلك على سبيل الخبث والاستفزاز، ولكن.. لحسن الحظ، فإن جورج غير موقفه لاحقا واكتشف مدى تهوره في الإعجاب بهذا الكتاب العادي.
أخيرا تبقى لجورج طرابيشي ميزة أنه لم يتراجع أبدا عن خط النهضة والتنوير، ولم تكتسحه الموجة الشعبوية الأصولية الجماهيرية التي اكتسحت غالبية المثقفين العرب. لقد ظل مخلصا للشرارة الفكرية التحريرية للحداثة الأوروبية ولعصر النهضة العربية أو العصر الليبرالي العربي كما يقول ألبيرت حوراني. يضاف إلى ذلك أن انغماسه الكامل في دراسة التراث الإسلامي - وهو المسيحي العربي - شيء يدعو للإعجاب حقا.. هذه نقطة تحسب له لا عليه. لهذا السبب، فإنه يمثل أحد أقطاب التنوير الفكري في ثقافتنا العربية المعاصرة؛ فقد جمع بالإضافة إلى تبحره الواسع في الفكر الأوروبي والفلسفة الغربية، تبحرا جديدا في التراث العربي الإسلامي إبان مرحلته الباريسية الثانية كما ذكرنا سابقا. وعن طريق هذا الاطلاع الواسع والغزير على كلتا الثقافتين العربية والأوروبية استطاع أن يبلور أطروحاته الجريئة عن التراث ويقدم تشخيصاته الشخصية للوضع الراهن. قد لا تكون كل هذه التشخيصات ناجحة أو موفقة، لكن له شرف المحاولة على الأقل. على أي حال، فقد كان مدركا تماما أن التغيير السياسي لن ينجح إن لم يسبقه تغيير فكري يشمل العقليات في العمق. ولهذا السبب، فهو مفكر بالدرجة الأولى وليس حركيا سياسيا. ذلك أن زمن السياسة لم يحن بعد! ولن يحين قبل أن يحصل التعزيل الفكري الكبير. ولهذا السبب بالذات، فشلت انتفاضات الربيع العربي.. ينبغي أولا تطهير الساحة من التيارات الظلامية التكفيرية قبل أن نتمكن من بلورة ثقافة إنسانية ديمقراطية حديثة تتسع أحضانها للجميع.



حين كان ديكارت على حافة الجنون

 ديكارت
ديكارت
TT

حين كان ديكارت على حافة الجنون

 ديكارت
ديكارت

قد نتوهم أحياناً أن الفلاسفة يتوصلون إلى الحقيقة بشكل جاهز، سهل، وهم جالسون في برجهم العاجي مرتاحين مسرورين لا هم لهم ولا غم. ولكن الواقع مختلف تماماً. فالحقيقة لا تتجلى لهم إلا بعد معاناة داخلية طويلة وبعد تجاوز الأسلاك الشائكة وتخطيها. من بين هؤلاء بالطبع بل وعلى رأسهم ديكارت.

من المعلوم أنه ترك بلاده فرنسا، لأن الظلامية الأصولية كانت مخيمةً عليها في ذلك الزمان. وكانت ترعب المثقفين وتخنق أنفاسهم خنقاً في كل أنحاء أوروبا. الدليل على ذلك ترويع غاليليو وحرق جيوردانو برينو بعد أن قطعوا لسانه في أقبية الفاتيكان المظلمة. بالتالي فمن الصعب على أي مثقف أن يفكر بشكل طبيعي في مثل هذا الجو الخانق المرعب. ويبدو أن أصدقاءه الباريسيين هم الذين نصحوه بمغادرة البلاد بعد أن توسموا فيه أمارات النبوغ والعبقرية. قالوا له ما معناه: أنت وحدك القادر على كشف الحقيقة. بالتالي لم تعد ملكاً لنفسك فقط، إنما أصبحت ملكاً للبشرية جمعاء. في الواقع إنهم خافوا عليه من المخابرات الأصولية التي كانت تهيمن آنذاك على باريس وفرنسا كلها. وهي مخابرات فوق بشرية، أي أخطر أنواع المخابرات. وأدركوا أنها ستبطش به لا محالة بمجرد أن تعرف من هو بالضبط، وماذا يعتمل في داخله من أفكار وتفاعلات خارج الإطار المسموح به. فبالنسبة للأصوليين لا داعي للبحث عن الحقيقة لأنها موجودة جاهزة في كتب القدماء. فلماذا تتعب نفسك أيها الجاهل المغرور؟ لماذا تضيع وقتك؟ لهذا السبب غادر ديكارت فرنسا وعاش معظم حياته خارجها. في ذلك الوقت كان هناك بلدان يتمتعان بهامش كبير من الحرية هما إنجلترا وهولندا. بالتالي فمعظم مفكري فرنسا كانوا يهربون إلى لندن أو أمستردام كما كان يفعل المثقفون العرب مع بيروت في الخمسينات والستينات. لهذا السبب فإن ديكارت نشر معظم مؤلفاته في هولندا. ثم كانت تدخل سراً تحت المعطف إلى فرنسا. لقد غادر بلاده لكي يتنفس الهواء الطلق في الخارج. من يصدق الآن أن فرنسا كانت محكومةً يوماً ما بأصولية ظلامية مطبقة خانقة تشبه «طالبان» في أفغانستان؟ لقد غادرها وهو يشعر بأن هناك شيئاً ما يختلج في داخله: شيء مبهم غامض يكاد يتفجر تفجراً. لكنه لا يعرف كنهه ولا سره كما يحصل لمعظم العباقرة:

يقولون لي من أنت في كل بلدة

وما تبتغي ما أبتغي جل أن يسمى

(المتنبي)

وعلى دروب التجوال والترحال في مختلف أنحاء أوروبا راح ديكارت «يقرأ العالم ككتاب مفتوح على مصراعيه». لاحظوا ما أجمل هذه العبارة. لاحظوا شحنة الحرية الهائلة التي تنطوي عليها. فمتى سيلتقي ديكارت بالحقيقة المخبوءة، بالحقيقة المطموسة الضائعة؟ آه أيتها الحقيقة يا أحلى عشيقة في التاريخ. متى سألقاك؟ متى سأكحل عيني بمرآك؟ ولكنه لن يلقاها ولن يكحل عينه بمرآها إلا بعد أن يتعذب ويتمرمر ويموت ألف موتة. فالحقيقة لا تعطي نفسها بسهولة. الحقيقة بخيلة جداً وقد تتمنع عليك تمنعاً. وهي على أي حال لن تعطي نفسها لك إلا بعد أن تدفع ثمنها عداً ونقداً. الحقيقة نادرة ومهرها غال:

فيا دارها بالحَزْن إن مزارها

قريبٌ ولكن دون ذلك أهوال

(المعري)

ثم اشتدت الأزمة الداخلية في أعماق ديكارت وتفاقمت واستفحلت. ثم نهشه جحيم الشك نهشاً حتى لم يعد يستقر على حال. ولم يعد يستطيع التوصل إلى يقين ثابت أو أرض صلبة يقف عليها. وكاد أن يجن. ومعلوم أن الشك سلاح ذو حدين. فهناك الشك الذي يعمر وهناك الشك الذي يدمر. هناك الشك الإيجابي المبدع الخلاق، وهناك الشك العدمي العقيم القاتل. وما أدراك ما جحيم الشك؟ ثم نزل عليه برد اليقين في آخر لحظة. البعض يقول: نزل عليه الإلهام الصاعق فأنقذه قبل أن يحصل ما لا تحمد عقباه. متى حصل ذلك؟ في ليلة 10 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1619، أي قبل 400 سنة من الآن. وتقول لنا الأخبار أيضاً: لولا عفو الله لقضى ديكارت نحبه في تلك الليلة الليلاء، حيث رأى ثلاثة أحلام مرعبة هزته هزاً. فاستيقظ مذعوراً مرعوباً وراح يرتجف كريشة في مهب الرياح. لكنها انتهت على خير لحسن الحظ. وتمخضت في نهاية المطاف عن الحدث الأعظم: انعتاق الروح وانكشاف الحقيقة. وهذا هو معنى الوحي الفلسفي أو الإلهام الصاعق الذي لا ينزل إلا على كبار العباقرة. عندئذ تجلت له الحقيقة التي لا تعطي نفسها إلا للعظماء. فخر راكعاً، ساجداً، شاكراً. وأقسم يميناً بالله أنه سيحج إلى مزار السيدة العذراء في بلدة لوريتو بإيطاليا سيراً على الأقدام. وهي من أهم مزارات الحج الكاثوليكية في العالم. وفى بنذره فعلاً عام 1623. هكذا نجد أن مؤسس العقلانية الفلسفية في الغرب لم يكن عقلانياً إلى الحد الذي نتصوره. أو قل كان عقلانياً تماماً فيما يخص الشؤون البشرية والأرضية واكتشاف قوانين الطبيعة والكون. لكنه كان يعرف أن هناك أشياء عُلوية سماوية تتجاوز أفهامنا وعقولنا. وربما كان يشعر ضمناً بأن العناية الإلهية تعرف من هو بالضبط. ربما كان يشعر في قرارة نفسه بأنها تطل عليه من فوق: تحرسه وتحميه. وذلك ريثما يكون قد أدى مهمته وحقق الاكتشافات الكبرى التي أضاءت للبشرية عتمات الطريق.

على أي حال لم يستطع ديكارت التوصل إلى الحقيقة إلا بعد أن خاض المعركة مع ذاته على المكشوف. لذلك وصفه هيغل بأنه «البطل المقدام للفكر». بعدئذ استطاع أن يتوصل إلى طمأنينته الشخصية وحقيقته الجوهرية. وقد تحدث عن ذلك بشكل ذاتي مؤثر في كتابه الشهير «مقال في المنهج». وهو الكتاب الذي نتجت عنه كل الحضارة الحديثة التي نعرفها اليوم: أي سيطرة الإنسان على الطبيعة وانتصاره عليها بواسطة العلم والتكنولوجيا. قال في اعترافاته الشخصية ما معناه: «كنت كمن يتقدم وحيداً في بحر من الظلمات. كنت كمن يمشي على خيط رفيع جداً جداً، ويكاد أن يسقط في أي لحظة. كنت على وشك السقوط في هاوية سحيقة، ولا قرار...»، لكنه لم يسقط إنما وصل إلى بر الأمان. أخيراً وصل رينيه ديكارت.

بعد أن انكشفت له الحقيقة ساطعة كقرن الشمس، بعد أن تغلب على شكوكه وهواجسه الجنونية، بعد أن حقق أكبر انتصار على مجهول المجاهيل، قرر ديكارت أن يقطع مع أفكاره السابقة التي تلقاها من العائلة والمدرسة والكنيسة. في تلك اللحظة قرر أن يقوم بأكبر انقلاب في تاريخ الفلسفة. في تلك اللحظة قرر أن يطوي صفحة ألف سنة من تاريخ الفلسفة: أي كل فلسفة القرون الوسطى اللاهوتية الكهنوتية التكرارية الاجترارية. ومن تلك اللحظة ابتدأت الفلسفة الحديثة: أي الفلسفة الديكارتية التي طالما سحرت طه حسين عندما كان في باريس وأشعلت شرارة التنوير العربي. يقول ديكارت بالحرف الواحد في كتابه العظيم «التأملات الديكارتية» أو «التأملات الميتافيزيقية»:

«كنت قد اكتشفت منذ زمن طويل أني كنت قد تلقيت مجموعة كبيرة من الأفكار الخاطئة في سنوات عمري الأولى. لقد تلقيتها على أساس أنها صحيحة تماماً ولا يرقى إليها الشك. ولكني اكتشفت فيما بعد أن كل ما أسسته على هذه المبادئ الهشة المهتزة لا يمكن إلا أن يكون مشبوهاً جداً ولا يقين فيه. وبالتالي فقد قررت أن أدمر كل أفكاري السابقة».

لاحظوا مدى خطورة هذه العبارة الأخيرة التي يكاد يرتجف أمامها المثقف العربي ارتجافاً. من يستطيع أن يلفظ عبارة كهذه: «قررت أن أدمر كل أفكاري التراثية والماضوية والرجعية السابقة. من يستطيع أن يقول مثلاً: قررت التخلي عن كل الأفكار الطائفية والمذهبية القديمة التي تربيت عليها منذ نعومة أظفاري وتشربتها مع حليب الطفولة؟ وهي أفكار تكفر الآخرين وتبيح دمهم شرعاً. سوف يتهمونه فوراً بالخروج على ثوابت الأمة ومقدساتها. وهذا ما حصل بالفعل لديكارت. فقد وضع الفاتيكان مؤلفاته على لائحة الكتب المحرمة قراءتها على المؤمنين (أي المتدينين المسيحيين). وكذلك فعل مع تلميذه سبينوزا الذي ذهب بعيداً أكثر في تفكيك العقائد التراثية التكفيرية. على هذا النحو أشرقت علينا أنوار العصور الحديثة فبددت ظلمات العصور الوسطى.

أخيراً كان ديكارت يقول هذه العبارة الشهيرة: «الفيلسوف يتقدم مقنعاً على مسرح التاريخ»، وكان يقصد بذلك أنه لا يستطيع الكشف عن وجهه الحقيقي منذ البداية خشية أن يقتلوه أو يغتالوه قبل أن يضع مؤلفاته الأساسية ويضرب ضربته الكبرى.

لم يستطع ديكارت التوصل إلى الحقيقة إلا بعد أن خاض المعركة مع ذاته ولذلك وصفه هيغل بـ«البطل المقدام للفكر»


الكاتب الآيرلندي جون كونولي بالعربية

الكاتب الآيرلندي جون كونولي بالعربية
TT

الكاتب الآيرلندي جون كونولي بالعربية

الكاتب الآيرلندي جون كونولي بالعربية

في روايته «كل شيء ميت»، الصادرة عن دار «العربي» بالقاهرة، ترجمة محمد عبد العزيز، يتقن الكاتب الآيرلندي جون كونولي رسم ملامح شخصية المحقق السابق في شرطة نيويورك تشارلي باركر الذي يجد نفسه على حافة الجنون؛ إذ تعذبه فكرة أنه لم يتوصل بعد إلى قاتل زوجته وابنته الصغيرة، فيمتزج إحساسه بالذنب والندم مع الرغبة في الانتقام.

وعندما يطلب منه شريكه السابق تعقب أثر فتاة مفقودة، يجد باركر نفسه وقد عاد مرة أخرى إلى عالم يملأه القتل والدماء، ووسط كل هذا يجد خيطاً ربما يدله على قاتل زوجته وابنته بعد أن عاد للظهور من جديد.

هكذا بمساعدة عالمة نفس شابة واثنين من المجرمين المحترفين، ينطلق باركر باحثاً عن الحقيقة، متورطاً في عالم لم يتخيل أنه دخله من قبل؛ إذ يسعى إلى مواجهة نهائية ووحشية مع رجل تجاوز جميع مفاهيم الإنسانية، ليفتح أبواب الجحيم على القاتل المتسلسل المعروف باسم «الرجل المسافر»، في نص مليء بالإثارة ومشحون بالتوتر عبر حبكة متقنة تحفل بشخصيات استثنائية.

ورغم أجواء التشويق، فإن المؤلف يمنح الجانب النفسي العاطفي في الشخصيات اهتماماً واضحاً، من خلال استكشاف قصص الحب المستحيلة والإخفاق العاطفي وذكريات المشاعر القديمة التي يظن أصحابها أنها اختفت إلى الأبد، غير أنها سرعان ما تندلع في لحظة هاربة من الزمن والمنطق والعقلانية.

ورغم التماسك الظاهري للشخصيات وما تُظهره من صلابة، يستكشف النص تلك الحالة من الهشاشة الداخلية التي تنتاب الجميع، وتظهر في مواقف بعينها في إطار عام من الخيبة والخذلان.

وُلد جون كونولي في 31 مايو (أيار) عام 1968، واشتُهر بسلسلة رواياته من بطولة المحقق الخاص «تشارلي باركر». درس اللغة الإنجليزية وآدابها في كلية «ترنينتي» في دبلن، كما درس الصحافة، لكنه سرعان ما أحس بالإحباط من عمله كصحافي، وبدأ في التفرغ للكتابة الأدبية.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«وصلت منزل والتر بعد التاسعة بقليل، فتح لي الباب بنفسه وأدخلني. لو كنت شخصاً متوسط التعليم لسميت المكان وكراً، لكن هذا اللفظ ما كان ليصف حقيقة المكان، فالمكتبة صغيرة تحوي كتباً جمعها والتر كقارئ نهم على مدار نصف قرن. كان بإمكانك أن ترى كتباً تحوي سير كتاب وشعراء مثل كيتس وسانت إكسبري جنباً إلى جنب مع كتب عن الطب الشرعي والجرائم الجنسية وعلم نفس الجريمة، إلى جانب كتب بورخيس وهيمنجواي.

رأيت أيضاً جهاز كمبيوتر من نوع (ماكنتوش باوربوك) فوق مكتب غطت قمته طبقة من الجلد، وإلى جانب المكتب اصطفت ثلاث خزائن لوضع الملفات. كانت الحوائط مزينة بلوحات بعض الفنانين المحليين، وفي أحد الأركان وقفت خزانة ذات واجهة زجاجية تحوي جوائز حصل عليها والتر في الرماية، وقد وُضعت الجوائز دون تنسيق وكأنه شعر بالحرج جراء افتخاره بقدراته. كان النصف الأعلى من النافذة مفتوحاً، فانسابت من الخارج روائح الحشائش المقصوصة للتو، وأصوات أطفال يلعبون هوكي الشارع في المساء الدافئ.

دخلت زوجته لي إلى الوكر عبر الباب، مضى على زواجها بوالتر أربعة وعشرين عاماً، وخلال هذه المدة امتازت حياتهما معاً باللين والتسامح بشكل لم أستطع أنا وسوزان أن نحققه حتى في أفضل مراحل علاقتنا. ارتدت لي قميصاً أبيض وجينز أسود أظهرا قواماً لم يتأثر بإنجاب طفلين، ولا بولع والتر بالمطبخ الشرقي. كان شعرها الأسود الذي لاحت فيه بعض الخصلات البيضاء كقمر وسط المياه المظلمة مرفوعاً...».


«الزمن البرّي»...استعادة الذاكرة السورية

«الزمن البرّي»...استعادة الذاكرة السورية
TT

«الزمن البرّي»...استعادة الذاكرة السورية

«الزمن البرّي»...استعادة الذاكرة السورية

صدرت حديثاً عن منشورات «رامينا» في لندن، رواية «الزمن البرّي» للروائيّ والقاصّ السوريّ حسين سليمان، المقيم في الولايات المتحدة الأميركية. وتقدّم الرواية عالماً روائياً مشبعاً بالذاكرة والحنين والأسئلة الوجودية التي تتقاطع فيها مصائر الأفراد مع تحولات المكان والزمن.

منذ الصفحات الأولى، يضع حسين سليمان قارئه داخل فضاء روائي تتداخل فيه الواقعية مع التأمل، وتتجاور فيه الحياة اليومية مع طبقات عميقة من الذاكرة الفردية والجماعية. تدور الأحداث في بلدة سورية تبدو مألوفة في ظاهرها، غير أنّها تتحول تدريجياً إلى مسرح واسع لاستكشاف العلاقات الإنسانية، وأثر الزمن في البشر والأمكنة، والكيفية التي تتوارث بها العائلات حكاياتها وأسرارها وأوجاعها عبر الأجيال.

تتمحور الرواية حول شخصية «كندة» التي تتحرك بين البيت والسطوح والطرقات والنهر والبراري، حاملةً أسئلة تتجاوز عمرها وتجربتها المباشرة. ومن خلال هذه الشخصية، ينسج الكاتب شبكة واسعة من العلاقات التي تضم الآباء والأمهات والأجداد والأقارب، فتغدو الحكاية رحلة داخل الذاكرة العائلية بقدر ما هي رحلة في الجغرافيا الداخلية للإنسان.

ويمنح حسين سليمان للمكان حضوراً استثنائياً في الرواية؛ فالبلدة ليست خلفية للأحداث، وإنما كائن حي ينبض بالتاريخ والذكريات والرموز. السطوح والأزقة والبيوت القديمة والنهر والبراري تشارك جميعها في تشكيل المعنى، وتتحول إلى عناصر فاعلة في السرد، تحمل آثار من مرّوا بها وتحتفظ بأصداء أصواتهم وحكاياتهم.

ومن أبرز ملامح العمل انشغاله بفكرة الزمن، الذي يتحرك في اتجاهات متعددة، ويستدعي الماضي باستمرار داخل الحاضر، ويجعل الشخصيات تعيش بين ما حدث وما يمكن أن يحدث. لذلك تبدو الرواية أقرب إلى محاولة لفهم أثر السنوات في الوعي الإنساني، وفي العلاقات العائلية، وفي صورة الإنسان عن نفسه وعن العالم المحيط به.

ويتوقف النص طويلاً عند موضوع الحب بمستوياته المختلفة؛ حب العائلة، وحب الأرض، وحب الإنسان للآخر، وحب الحياة ذاتها. وتأتي هذه الثيمة ضمن سياق تأملي يربط العاطفة بالذاكرة والإيمان والبحث الدائم عن المعنى. لذلك تكتسب الشخصيات أبعاداً إنسانية تتجاوز أدوارها المباشرة داخل الحبكة، وتتحول إلى أصوات تعبّر عن رؤى وتجارب متباينة للحياة.

يعتمد حسين سليمان على لغة سردية كثيفة ومشحونة بالتأملات والصور والاستعادات الزمنية. وتميل الجمل إلى التوسع والتدفق، مع حضور واضح للنبرة الفلسفية والوجدانية التي تمنح النص طابعه الخاص. كما تتكئ الرواية على حوارات داخلية وأسئلة مفتوحة تمنح القارئ مساحة واسعة للمشاركة في إنتاج المعنى وتأويل الأحداث.

وتكشف الرواية عن اهتمام واضح بالعالم الداخلي للشخصيات، حيث تتجاور الهواجس الفردية مع التحولات الاجتماعية، وتتشابك الرغبات الشخصية مع الموروث العائلي والثقافي. ومن خلال هذا التشابك تنجح الرواية في بناء عالم متعدد الطبقات، يفتح أبواباً واسعة للتأمل في الإنسان ومصيره وعلاقته بالماضي والحاضر.

بهذا العمل يواصل حسين سليمان مشروعه الروائي القائم على استنطاق الذاكرة السورية، والبحث في مصائر البشر تحت تأثير الزمن والتحولات الكبرى، عبر نص يزاوج بين السرد والتأمل، ويعيد طرح أسئلة الهوية والانتماء والعائلة والحب ضمن رؤية إنسانية واسعة الأفق.

تقع الرواية تقع في 277 صفحة من القطع الوسط.

وكان المؤلف قد أصدر عدداً من الروايات، ومنها: «صدى الزور البعيد»، و«ينزلون من الرحبة» و«الضجيج»، ومجموعة قصصية بعنوان «رموز العربة».