اللواء الحاج علي: ضبط المعايير يؤسس لجيش وطني سوري من النظام والمعارضة

أكبر ضابط سوري منشق قال إن الدول الصديقة عرقلت مشروع جسم عسكري

اللواء محمد الحاج علي  - مقاتل من «جيش الإسلام» المعارض في جوبر قرب دمشق يسارع إلى حماية نفسه من الاستهداف بالدخول إلى مبنى قريب (أ.ف.ب)
اللواء محمد الحاج علي - مقاتل من «جيش الإسلام» المعارض في جوبر قرب دمشق يسارع إلى حماية نفسه من الاستهداف بالدخول إلى مبنى قريب (أ.ف.ب)
TT

اللواء الحاج علي: ضبط المعايير يؤسس لجيش وطني سوري من النظام والمعارضة

اللواء محمد الحاج علي  - مقاتل من «جيش الإسلام» المعارض في جوبر قرب دمشق يسارع إلى حماية نفسه من الاستهداف بالدخول إلى مبنى قريب (أ.ف.ب)
اللواء محمد الحاج علي - مقاتل من «جيش الإسلام» المعارض في جوبر قرب دمشق يسارع إلى حماية نفسه من الاستهداف بالدخول إلى مبنى قريب (أ.ف.ب)

اللواء محمد حاج علي هو أعلى رتبة لضابط سوري انشق عن النظام، وكان ذلك في أغسطس (آب) 2012. ومنذ ذلك الحين لم يندمج بأي جسم عسكري ظهر على هامش المعارضة، من منطلق أنه لم يجد في الأجسام المعلنة مؤسسات عسكرية تأسست على أسس صحيحة.
وبخصوص إعادة هيكلة الجيش الوطني السوري في المرحلة الانتقالية بعد سقوط النظام و المعايير التي ستتم على أساسها الهيكلة قال اللواء حاج علي إن إعادة هيكلة الجيش والأجهزة الأمنية في حال تم الاتفاق على عملية الانتقال السياسي واجبة التنفيذ، ولا يمكن أن يكتب للعملية السياسية النجاح من دونها رغم صعوبتها وتعقيدها. فمن جهة، الحالة السيئة لجيش النظام كونه تحول إلى ميليشيات ومجموعات غير منضبطة، والحالة المشتتة وغير المنضبطة والمؤدلجة لفصائل المعارضة المسلحة من جهة أخرى، أضف إلى ذلك حالة الاحتقان والكراهية وصور الجرائم المرتكبة من قبل هذه القوى بحق الشعب السوري ووجود الميليشيات الأجنبية ذات الطابع الطائفي والقومي، والتدخلات الإقليمية والدولية، كل هذه المسائل ستكون حاضرة في إعادة هيكلة الجيش والقوى الأمنية.
أمام هذه الحالة لا بد من رعاية دولية وإشراف دولي على عملية الإعادة والتأهيل لهذا الجيش ليصبح وطنيا يخضع للسلطة السياسية، وفق معايير عسكرية ومهنية، وذلك من خلال دمج ما تبقى من جيش النظام مع من انخرط من الفصائل المسلحة المعارضة في العملية السياسية أو قبل معطيات الحل السياسي، وهذه العملية تحتاج إلى فترة زمنية طويلة تنفذ على مراحل بتنسيق وانسجام تام مع السلطة السياسية الجديدة.
وتعتمد هذه المراحل على التالي وفق ما يلي:
1 - تشكيل مجلس عسكري أعلى من كبار ضباط النظام والضباط المنشقين عنه من أصحاب الكفاءة والخبرة والنزاهة، على أن لا يتجاوز عدد أعضائه 15 ضابطا يتولى مهمة إعادة الهيكلة وحماية مؤسسات الدولة ومحاربة الإرهاب وجمع السلاح غير الخاضع لسلطة الدولة الجديدة، وإخراج الميليشيات الطائفية وغير السورية من الأراضي السورية.
2 - إبعاد كل القادة الذين ارتكبوا جرائم حرب وتقديمهم للقضاء من خلال تشكيل محاكم مختصة بذلك.
3 - إجراء عملية الدمج بين جيش النظام وقوى المعارضة المسلحة وفق معايير مهنية وعسكرية بإشراف المجلس العسكري المشكل.
4 - إعادة تشكيل القوات المسلحة وفق متطلبات ومقتضيات الحاجة الوطنية من حيث التعداد والأسلحة وتحقيق الأمن الوطني.
5 - إجراء عمليات التسريح والإحالة إلى وظائف مدنية للعناصر التي لا تنسجم مع المعطيات الجديدة للدولة المنشودة.
6 - إعادة النظر بديموغرافية جيش النظام الذي تحول على مر السنين إلى جيش طائفي وسلطوي يخدم سلطة آل الأسد ولا يخدم سوريا الوطن.
إضافة إلى إجراءات كثيرة يتم العمل عليها لتأسيس جيش وطني على أسس وقواعد العمل العسكري المحترف.
وحول ما إذا كان يتوقع تمردا من بعضهم على المؤسسة العسكرية الأكبر، أي الجيش الوطني قال اللواء حاج علي إنه بالتأكيد سيبقى هناك بعض قادة الفصائل خارج العملية السياسية من جهة، وفصائل أخرى منخرطة حاليا بالعملية السياسية، قد لا يعجبهم معطيات الحل السياسي، أو لا يكون لها الدور المأمول في الحل، ويمكن أن تكون معادية لعملية الحل، وبالتالي عدم الاندماج في الجيش الوطني، وهؤلاء أعتقد أنه يمكن التعامل معهم إذا تمت عملية الدمج والمساندة الدولية والأممية لهذا الجيش وفق حزمة الحل السياسي المعقول للقضية السورية.
وبخصوص رأيه حول أسباب فشل مشروع الجيش السوري الحر، وإن كان ذلك بسبب التدخلات الخارجية أم بسبب الخلافات بين الضباط المنشقين وعدم توحدهم وتورطهم بأمراض المعارضة السياسية. قال اللواء علي حاج إنه لم يتشكل الجيش السوري الحر من الناحية البنيوية، ولم تكن له قيادة فعلية نظمت شؤونه وقادت أداءه في معاركه ضد النظام، وإنما اكتفت بالتمثيل الرمزي دون وجود أي نوع من السيطرة عليه. على ذلك، فالجيش الحر كان عبارة عن رمز اجتمع تحته كل من حمل السلاح بوجه نظام الأسد. إضافة إلى افتقار هذه القيادة إلى الكفاءة والخبرة في القيادة والتنظيم، وعدم تواجدها في الميدان، وعدم قبول التعامل مع الكفاءات التي انشقت بعد تشكيل هذه القيادة الرمزية للجيش الحر، مما أدى إلى اختلافات كبيرة بينها وبين الضباط الذين انشقوا لاحقا، والذين بدأوا يشكلون مكونات عسكرية أخرى تحت مسميات مختلفة، الأمر الذي أفقد الجيش الحر مشروعيته، وتهميش من ادعوا قيادته.
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى: لعب السياسيون وبشكل خاص رجالات المجلس الوطني ومن بعدهم الائتلاف، دورا سلبيا ساهم في زيادة الفرقة بين الضباط وقيادات ما سمي بالجيش الحر، والذين كانوا طامحين بالسلطة، معتقدين بأن أيام نظام الأسد معدودة، فلم يسعوا إلى إنشاء جيش منظم قائم على الأسس والقواعد العسكرية، تحت ذرائع مختلفة أهمها، أنهم لا يريدون أن تتكرر تجربة العسكر في حكم سوريا مرة أخرى.
أما موقف الدول الداعمة للثورة السورية فيما يخص الجيش الحر، فقد كان دورها مريبا وغير مفهوم من خلال اعتماد الدعم لمجموعات غير منضبطة وغير خبيرة في العمل العسكري، كما وقفت موقفا سلبيا من الضباط الذين تم احتجازهم في الأردن وتركيا ضمن معسكرات تحت السيطرة. وعند تشكيل الجيش الوطني من قبل أغلب الضباط في بداية الشهر التاسع عام 2012. تم محاربته من قبل كل دول ما يسمى (أصدقاء الشعب السوري)، وبشكل خاص الولايات المتحدة الأميركية. وبعدها تم تشكيل المجالس العسكرية التي نجحت مؤقتا قبل أن يتم تشكيل الأركان المشتركة من قبل (أصدقاء الشعب السوري)، والتي لا تحمل من الأركان إلا الاسم، حيث تم تعيين بعض الضباط غير المؤهلين وغير المختصين، ومعهم قادة فصائل مدنية بنسبة ثلثين إلى ثلث لصالح المدنيين، والتي لا تحمل من المعرفة العسكرية شيئا، الأمر الذي أدى إلى إجهاض العمل العسكري المنظم، وزاد من دور المدنيين، كما ازدادت سطوة الآيديولوجيات الدينية على الثورة وقويت شوكتها، حتى أصبح ممثلوها القوة الأساسية في الصراع مع نظام الأسد. كما زادت قوات «داعش» والنصرة وغيرهما من الفصائل التي لا تحمل مشروعا وطنيا قوة على حساب الجيش الحر.
كل ذلك تم بمعرفة وتسهيل من استخبارات (أصدقاء الشعب السوري) على اختلاف مستوى المساهمة بين دولة وأخرى.



16 قتيلاً ومصاباً بهجوم حوثي على سفينة في باب المندب

سفينة شحن في باب المندب تعرضت لهجوم حوثي أوقع قتلى وجرحى (رويترز)
سفينة شحن في باب المندب تعرضت لهجوم حوثي أوقع قتلى وجرحى (رويترز)
TT

16 قتيلاً ومصاباً بهجوم حوثي على سفينة في باب المندب

سفينة شحن في باب المندب تعرضت لهجوم حوثي أوقع قتلى وجرحى (رويترز)
سفينة شحن في باب المندب تعرضت لهجوم حوثي أوقع قتلى وجرحى (رويترز)

وسّعت الجماعة الحوثية المدعومة من إيران نطاق تصعيدها العسكري في اليمن، الثلاثاء، باستهداف سفينة تجارية في أثناء إبحارها في مضيق باب المندب، في هجوم متكرر بالصواريخ أسفر، وفق الحصيلة الأولية لمصلحة خفر السواحل اليمنية، عن مقتل ستة أشخاص وإصابة 10 آخرين من أفراد طاقم السفينة وعدد من العسكريين، بالتزامن مع استمرار القصف لمدينة المخا ومينائها وأحياء سكنية في مأرب، وهجمات أخرى في تعز.

وأعلنت مصلحة خفر السواحل اليمنية أن الهجوم استهدف السفينة التجارية «تهامة» في أثناء إبحارها في باب المندب، موضحة أن القتلى الستة بينهم أربعة من أفراد الطاقم، ثلاثة باكستانيين وإندونيسي، إضافة إلى اثنين من منتسبي القوات المسلحة.

وأضافت أن المصابين العشرة بينهم سبعة من أفراد طاقم السفينة، واثنان من منتسبي خفر السواحل، وأحد منتسبي اللواء الثاني بحري.

وقالت المصلحة اليمنية إن السفينة، التي كان على متنها 11 بحاراً من الجنسيتين الباكستانية والإندونيسية، تعرضت لهجوم متكرر بصواريخ حوثية أدى إلى اندلاع حريق على متنها وإلحاق أضرار جسيمة بها.

أضرار بالغة تعرض لها ميناء المخا اليمني جراء الهجمات الحوثية (أ.ف.ب)

وبحسب مصلحة خفر السواحل، تحركت فرقها، بالتعاون مع فرق الإنقاذ التابعة للقوات المسلحة، فور وقوع الهجوم إلى موقع السفينة لإجلاء القتلى والمصابين وإنقاذ أفراد الطاقم.

لكن الجماعة الحوثية عاودت استهداف السفينة بصاروخ آخر في أثناء مباشرة عمليات الإنقاذ، ما طال موقع الاستجابة، وأسفر عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف القوات المشاركة في عمليات الإجلاء، وفق رواية المصلحة.

وبعد نحو ثلاث ساعات من الهجوم، بحسب خفر السواحل اليمني، رصدت القوات زورقاً مفخخاً مسيّراً تابعاً للحوثيين يحاول الاقتراب من موقع السفينة من جهة البحر، قبل أن تعترضه القوات المسلحة وخفر السواحل وتدمره قبل وصوله إلى هدفه.

واعتبرت مصلحة خفر السواحل اليمنية الهجوم الحوثي تصعيداً خطيراً وتهديداً مباشراً لأمن وسلامة الملاحة البحرية وحياة البحارة وفرق الإنقاذ في مضيق باب المندب، مؤكدة استمرارها في الاستجابة لنداءات الاستغاثة وحماية الملاحة والتعامل مع التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية.

تصعيد في كل الجبهات

جاء الهجوم الحوثي في وقت واصلت فيه الجماعة استهداف مدينة المخا ومينائها على الساحل الغربي، بعد هجوم واسع تعرضت له المدينة والمنشآت التابعة للميناء خلال اليومين الماضيين.

وأعلنت قوات المقاومة الوطنية اليمنية في الساحل الغربي أن الحوثيين استهدفوا المخا بخمسة صواريخ باليستية وعدد من الطائرات المسيّرة، بينما أفادت مصادر محلية بأن ثلاث ضربات صاروخية طالت المدينة، أصابت إحداها الميناء.

ويأتي ذلك بعد الهجوم الحوثي الواسع السابق على المخا، الذي أسفر، وفق الإعلام العسكري للمقاومة الوطنية، عن مقتل أربعة عسكريين وثلاثة مدنيين وإصابة 30 آخرين، بينما أعلنت الدفاعات إسقاط 11 طائرة مسيّرة شاركت في الهجوم.

من آثار الهجمات الحوثية على مدينة المخا اليمنية (أ.ف.ب)

وفي مأرب (شرق صنعاء)، قال الجيش اليمني إن الحوثيين استهدفوا أحياء سكنية في المدينة بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، في وقت تحدث فيه سكان عن سماع انفجارات داخل المدينة، قالت مصادر إنها ناجمة عن تصدي الدفاعات الجوية لهجمات مسيّرة.

وفي تعز (جنوب غرب)، أعلن الجيش إحباط محاولة تسلل حوثية في جبهة الكريفات شرق المدينة، مؤكداً أسْر عدد من عناصر الجماعة، من دون تحديد عددهم أو تقديم تفاصيل إضافية عن العملية.

كما استمرت الهجمات الحوثية على المناطق المدنية في المحافظة؛ إذ قصفت الجماعة الأعيان المدنية وممتلكات المواطنين في منطقة الشقب جنوب شرقي تعز بقذائف المدفعية الثقيلة، ما أدى إلى أضرار مادية في عدد من الممتلكات، وفق مصادر محلية.

وتأتي هذه الهجمات بعد تصعيد حوثي متزامن خلال الأيام الماضية، شمل جبهتَي مأرب وشبوة، حيث قُتل جنديان من قوات دفاع شبوة وأصيب تسعة آخرون في هجوم بطائرة مسيّرة على مواقع عسكرية في جبهة حريب، بعد أيام من مقتل اثنين من أفراد القوات نفسها في هجوم آخر على مديرية حريب.

تهديد محلي ودولي

في عدن، حيث العاصمة المؤقتة، عقد مجلس الوزراء اليمني اجتماعاً برئاسة رئيس الحكومة شائع محسن الزنداني، لمناقشة التصعيد الحوثي وتداعياته الأمنية والاقتصادية والإنسانية.

واعتبر المجلس أن الهجمات الأخيرة، بما فيها استهداف ميناء المخا والمنشآت المدنية والنازحين في حضرموت ومأرب وتعز والضالع والسفن التجارية، تمثل نمطاً متزامناً لتوسيع دائرة التوتر، معتبراً أن الجماعة أصبحت أداة لتهديد الأمن الإقليمي والدولي.

وشدد المجلس على أن الحكومة لن تتعامل مع التصعيد باعتباره أمراً واقعاً، مؤكداً مواصلة حماية المواطنين والمنشآت الحيوية والمصالح الوطنية، ورفع مستوى الجاهزية في القطاعات العسكرية والأمنية والخدمية والاقتصادية.

مسيرة حوثية استهدفت ميناء المخا اليمني (رويترز)

ودعا مجلس الوزراء المجتمع الدولي إلى إعادة النظر في طريقة تعامله مع التصعيد الحوثي، وعدم الاكتفاء بإدارة نتائجه أو احتوائه مؤقتاً، مطالباً بالتعامل مع مصادر القوة التي تمكّن الجماعة من مواصلة هجماتها، وفي مقدمتها الدعم الإيراني.

كما شدد على أهمية حماية سلاسل الإمداد وحركة المواطنين والسلع، وتأمين المنشآت الحيوية، في ظل اتساع رقعة الهجمات.

من جهتها، قالت وزارة الخارجية وشؤون المغتربين اليمنية إن الهجوم على السفينة «تهامة» يمثل تصعيداً جديداً في اعتداءات الحوثيين على المصالح اليمنية والمنشآت والموانئ وشرايين الإمداد الحيوية، وتهديداً مباشراً للملاحة البحرية والتجارة الدولية.

وأكدت الوزارة أن السفينة كانت مرتبطة بحركة التجارة والإمدادات الغذائية للشعب اليمني، معتبرة أن استهدافها، بعد يومين فقط من الاعتداء على ميناء المخا ومنشآته المدنية والاقتصادية، يقدم، بحسب قولها، دليلاً على استهداف الجماعة للموانئ والسفن وشرايين الإمداد.

وربطت الخارجية اليمنية بين الهجوم على سفينة «تهامة» والهجمات التي استهدفت مأرب والمخا، معتبرة أنها تمثل نمط تهديد واحداً يمتد من الداخل اليمني إلى دول الجوار والممرات البحرية.

ودعت الوزارة مجلس الأمن والدول المعنية بأمن الملاحة إلى الانتقال من الإدانة إلى إجراءات رادعة وملموسة، تشمل التنفيذ الصارم لقرارات مجلس الأمن ونظام العقوبات وحظر السلاح، وتجفيف مصادر تمويل وتسليح الحوثيين، بالتوازي مع تعزيز قدرات خفر السواحل والقوات البحرية وأمن الموانئ.


خبراء: قدرات اليمن الجوية تعيد رسم معادلة الردع مع الحوثيين

وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي خلال اجتماع مع قيادات عسكرية في مأرب (سبأ)
وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي خلال اجتماع مع قيادات عسكرية في مأرب (سبأ)
TT

خبراء: قدرات اليمن الجوية تعيد رسم معادلة الردع مع الحوثيين

وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي خلال اجتماع مع قيادات عسكرية في مأرب (سبأ)
وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي خلال اجتماع مع قيادات عسكرية في مأرب (سبأ)

رأى خبراء عسكريون وسياسيون يمنيون أن دخول قدرات جوية جديدة، خصوصاً الطائرات المسيّرة، إلى الخدمة لدى القوات الحكومية، يمكن أن ينقلها تدريجياً من موقع الدفاع والاستنزاف إلى المبادرة، ويوسع خيارات القيادة العسكرية والسياسية، بما يسهم في إعادة بناء معادلة القوة والردع في مواجهة الجماعة الحوثية.

وأكد الخبراء أن فاعلية هذه القدرات تبقى مرهونة بتوحيد القرار العسكري، ودمجها في منظومة عمليات مشتركة تشمل القوات البرية والبحرية والجوية والدفاع الجوي، إلى جانب منظومات الاستطلاع والاتصالات والقيادة والسيطرة.

ورأوا أن التصعيد الحوثي الأخير لا يستهدف بالضرورة تحقيق نصر ميداني مباشر، بقدر ما يسعى إلى إرباك مسار إعادة بناء القوات الحكومية، واستنزاف قدراتها، واختبار جاهزيتها، ومنعها من الانتقال إلى المبادرة.

وجاءت هذه التقديرات خلال ندوة نظمها «مركز عناوين للبحوث ودراسة التحولات»، تحت عنوان «التحولات العسكرية في اليمن: موازين القوى ومسارات التصعيد ومستقبل الصراع»، بمشاركة خبراء عسكريين وسياسيين وقيادات في المقاومة الشعبية.

تحول في القوة الجوية

قال العميد الركن ياسر صالح، الخبير العسكري والاستراتيجي، إن اليمن والمنطقة يمران بمرحلة بالغة الحساسية، في ظل تحولات إقليمية ودولية وضعت الصراع اليمني في قلب معادلات أمنية متداخلة.

وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي خلال اجتماع مع قيادات عسكرية في مأرب (سبأ)

وأوضح أن الحديث لا يزال يدور عن قدرات جوية حكومية محدودة، وليس عن سلاح جو متكامل بمفهومه التقليدي، إلا أن دخول مجموعات من الطائرات المسيّرة إلى الخدمة يمثل إضافة نوعية قد تحدث تحولاً في موازين القوة.

وأشار صالح إلى أن هذه القدرات تتيح تنفيذ مهام الاستطلاع، والإسناد القريب للقوات البرية، ومراقبة محاور الاقتراب، واستهداف التعزيزات وخطوط الإمداد، بما يمنح القيادة خيارات عملياتية أوسع.

وشدد، في المقابل، على أن امتلاك المسيّرات لا يكفي وحده لإحداث تغيير حاسم؛ إذ تتوقف فاعليتها على دمجها في منظومة موحدة للقيادة والنيران، وتوفير التدريب والصيانة والاتصالات الآمنة والمعلومات الاستخباراتية.

وعدّ صالح تعيين قيادة للقوات الجوية مؤشراً إلى توجه لإعادة بناء أحد أهم صنوف القوات المسلحة، موضحاً أن الاعتماد المرحلي على الطائرات غير المأهولة قد يوفر قيمة عملياتية وردعية تتناسب مع الإمكانات المتاحة، على أن يجري تطوير سلاح الجو وفق متطلبات الحرب الحديثة واحتياجات الدولة بعد انتهاء الصراع.

توحيد القرار العسكري

من جهته، قال العميد الركن محمد الكميم، الخبير العسكري والاستراتيجي، إن المؤسسة العسكرية الحكومية اضطرت إلى خوض الحرب وإعادة بناء نفسها في الوقت نفسه، بعدما سيطر الحوثيون على مراكز قيادة ومعسكرات ومخازن رئيسية للدولة.

ميناء المخا تعرض لأضرار واسعة جراء الهجمات الحوثية (إعلام محلي)

وأوضح أن تعدد مراكز القرار انعكس سابقاً على أداء الجبهات، وأتاح للحوثيين نقل الضغط بين المحاور واختيار توقيت الهجمات ومواقعها، لكنه أشار إلى أن المرحلة الأخيرة شهدت خطوات متقدمة لإعادة ربط التشكيلات العسكرية بوزارة الدفاع والقيادة العليا، وتوسيع التدريب والتأهيل، وتحسين التنسيق بين الجبهات.

ورأى الكميم أن توحيد القيادة والسيطرة يمثل العامل الأهم في تغيير معادلة الحرب؛ لأن تعدد القوات لا ينتج أثراً حاسماً ما دامت كل جبهة تعمل بقرار منفصل، بينما يتيح القرار الموحد توزيع الضغط، وتحريك الاحتياط، وفتح مسارات بديلة، وانتزاع زمام المبادرة من الخصم.

وبحسب الكميم، يسعى الحوثيون من خلال التصعيد الراهن إلى تثبيت القوات الحكومية في وضع دفاعي، واستنزاف ذخائرها، واختبار جاهزيتها، وإثارة القلق في حواضنها الاجتماعية، بالتزامن مع محاولات إعادة تنظيمها وتوحيد قيادتها.

ثغرة الاتصالات

وناقشت الندوة استمرار سيطرة الحوثيين على جزء مهم من البنية الوطنية للاتصالات، وما يمثله ذلك من ثغرة استراتيجية وأمنية ومورد مالي للجماعة.

وقال العميد ياسر صالح إن القوات المسلحة طورت وسائل بديلة لإدارة العمليات ونقل الأوامر، إلا أن ذلك لا يغني عن إنشاء منظومة اتصالات وطنية مستقلة وآمنة ومشفرة ومتعددة المسارات، محذراً من أن أي مواجهة مقبلة ستتطلب انضباطاً صارماً في استخدام الاتصالات للحد من الاختراق والرصد.

عوامل بقاء الحوثيين

وحدد ياسر صالح جملة من العوامل التي مكّنت الحوثيين من الاستمرار، من بينها التعبئة الآيديولوجية، والسيطرة على مؤسسات الدولة ومواردها، والاستفادة من تشتت الخصوم، والدعم الإيراني في مجالات الصواريخ والمسيّرات والتكتيكات العسكرية، فضلاً عن التحكم بكتلة سكانية كبيرة وموقع جيوسياسي مؤثر.

صورة وزعها الحوثيون لطائرة مسيرة استهدفت ميناء المخا اليمني (إ.ب.أ)

بدوره، رأى الدكتور محمد الحميري، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، أن التصعيد الحوثي لا ينفصل عن التوترات الإقليمية وأمن الطاقة والملاحة في البحر الأحمر. وقال إن الجماعة تستخدم التهديد باستهداف المنشآت الحيوية والممرات البحرية للضغط على السعودية والقوى الدولية، وانتزاع تنازلات في مسار التسوية، وتحسين موقعها التفاوضي عبر نقل الأزمة اليمنية من نطاقها المحلي إلى دائرة المصالح الإقليمية والدولية.


«الحرس» الإيراني يعيد رسم خريطة تحصينات الحوثيين

مسيّرة أطلقها الحوثيون من مكان غير معروف باتجاه ميناء المخا اليمني (أ.ف.ب)
مسيّرة أطلقها الحوثيون من مكان غير معروف باتجاه ميناء المخا اليمني (أ.ف.ب)
TT

«الحرس» الإيراني يعيد رسم خريطة تحصينات الحوثيين

مسيّرة أطلقها الحوثيون من مكان غير معروف باتجاه ميناء المخا اليمني (أ.ف.ب)
مسيّرة أطلقها الحوثيون من مكان غير معروف باتجاه ميناء المخا اليمني (أ.ف.ب)

بالتزامن مع التصعيد العسكري الذي بدأته الجماعة الحوثية في اليمن، أعادت قياداتها توزيع مراكز وجودها وإدارة مؤسساتها في مناطق سيطرتها، وسط إجراءات أمنية مشددة؛ تحسباً لاستهدافها، شملت تحويل فنادق رئيسية في صنعاء والحديدة وصعدة ومدن أخرى إلى مقار مؤقتة لإدارة الأجهزة الأمنية والمخابراتية والمؤسسات المدنية.

وقالت مصادر أمنية يمنية لـ«الشرق الأوسط» إن ضباطاً من «الحرس الثوري» الإيراني يتولون الإشراف على إدارة التصعيد، وإن ما يسمى السفير الإيراني لدى الحوثيين، علي محمد رضائي، يشرف شخصياً على غرفة عمليات تدير الجوانب العسكرية والأمنية في مناطق سيطرة الجماعة.

ووفق المصادر، فقد تلقى مسؤولون أمنيون ومخابراتيون ووزراء ورؤساء هيئات حكومية في حكومة الحوثيين غير المعترف بها دولياً تعليمات بالانتقال إلى فنادق والإقامة فيها ومواصلة أداء مهامهم من هناك، في إجراء قالت المصادر إنه يهدف إلى الاحتماء بالمدنيين والنزلاء وتجنب استهداف القيادات.

القيادي الإيراني محمد رضائي (يسار) يشرف على غرفة التصعيد الحوثي (إعلام محلي)

وأفادت المصادر بأن «الحرس الثوري» أنشأ غرفة عمليات خاصة لمتابعة التصعيد الميداني والخطاب الإعلامي المواكب له، بما في ذلك الترويج لمزاعم الحصار والمطالبة بصرف رواتب الموظفين الحكوميين، في محاولة، وفق المصادر، لإظهار التصعيد على أنه مرتبطاً بقضايا داخلية، بينما يتمثل هدفه الرئيسي في دعم طهران خلال مواجهتها مع الولايات المتحدة.

وأضافت أن الضباط الإيرانيين يتوقعون أن يرد تحالف دعم الشرعية على التصعيد باستهداف القيادات الحوثية الأمنية والعسكرية والحكومية، على غرار ما حدث خلال مراحل سابقة؛ الأمر الذي دفع بالجماعة إلى اتخاذ احتياطات إضافية لحماية قادتها.

الفنادق «مخابئ»

وفق المصادر، فقد جرى نقل عدد من القيادات الحوثية إلى فنادق داخل المدن الرئيسية الخاضعة للحوثيين، واختيار عناصر مخابراتية موثوقة لتكون حلقة وصل بينها وبين الجهات التي تديرها.

وتتولى هذه العناصر نقل التوجيهات والطلبات إلى المستويات الأدنى في المؤسسات والمرافق الحكومية، إضافة إلى توفير المعلومات والاحتياجات للقيادات الموجودة في أماكن الإقامة الجديدة.

قيادات حوثية اختفت عن المشهد عقب استهداف اجتماع سري لحكومتهم (إعلام محلي)

وقالت المصادر إن هذا التغيير شمل وزراء في حكومة الحوثيين ورؤساء هيئات ومؤسسات، تلقوا توجيهات بمواصلة أعمالهم من داخل الفنادق التي جرى توزيعهم عليها في صنعاء ومدن أخرى، بينما أوكلت إلى قيادات الصف الثاني مهمة إدارة النشاط العام.

وتزامنت هذه الإجراءات مع اختفاء عدد من قادة الصف الأول وامتناعهم عن الظهور العلني، وانتقالهم إلى أماكن أكبر أمناً، وفق المصادر، التي أشارت إلى أن الجماعة فرضت في الوقت نفسه إجراءات أمنية إضافية على الفنادق، وربطت بعضها بشبكات تابعة لأجهزة المخابرات والشرطة الخاضعة لسيطرتها؛ بهدف مراقبة النزلاء والتحقق من هوياتهم ومنع أي اختراقات أمنية.

صعدة منطقة مغلقة

بشأن قيادات الصف الأول في الجماعة الحوثية، قالت المصادر إن عدداً منهم انتقل إلى محافظة صعدة، المعقل الرئيسي للجماعة في شمال اليمن، التي تحولت، وفق وصفها، منطقةً أمنيةً مغلقةً تخضع إجراءات الدخول إليها والخروج منها لتدقيق وموافقات مسبقة.

وأشارت المصادر إلى وجود مواقع حوثية محصنة تحت الجبال في المحافظة تُستخدم للاحتماء وإدارة العمليات العسكرية وتخزين الأسلحة، إضافة إلى مواقع أخرى استُحدثت في محافظات مختلفة.

قيادات الصف الثاني في الجماعة الحوثية تتولى إدارة النشاط العام (إعلام محلي)

كما تلقى قادة ومشرفون حوثيون يديرون المؤسسات الحكومية المحتلة تعليمات من عناصر «الحرس الثوري» بالانتقال إلى فنادق المدن الرئيسية، في حين أُبلغ قادة الوحدات العسكرية بالبقاء في خنادق ومواقع محصنة جرى تجهيزها في مناطق مختلفة.

وقالت المصادر إن الجماعة الحوثية استحدثت شبكة من الأنفاق والمواقع المحصنة للاختباء وإدارة العمليات العسكرية، خصوصاً في محافظات إب وحجة والحديدة، ضمن إجراءات تقول المصادر إنها تستهدف تقليل احتمالات رصد القيادات ومراكز القيادة والسيطرة.

وتُرجع المصادر هذه الإجراءات إلى تجربة الجماعة خلال فترة هجماتها على حركة الملاحة في جنوب البحر الأحمر، منذ أواخر 2023 وحتى الربع الأول من 2025، حين لجأت القيادات العسكرية والأمنية إلى مواقع سرية ومساكن بعيدة عن مراكز النشاط العلني؛ مما ساعد، وفق المصادر، على تجنيب عدد من القيادات الاستهداف خلال الضربات الأميركية والإسرائيلية.

إلا إن تلك الإجراءات لم تمنع استهداف اجتماع سري لحكومة الحوثيين، وفق المصادر؛ ما أدى إلى مقتل رئيس الحكومة و9 من وزرائها، إضافة إلى استهداف رئيس أركان الجماعة، رغم الإجراءات التي اتخذتها القيادات لإخفاء أماكن وجودها.

مواقع إطلاق متعددة

بالتوازي مع إجراءات حماية القيادات الحوثية، أشرف ضباط إيرانيون، وفق المصادر، على استحداث مواقع إضافية في مناطق التماس، واختيار مواقع لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة؛ حتى لا تعتمد الجماعة على نقطة واحدة لإطلاق هجماتها.

وتقول المصادر إن توزيع مواقع الإطلاق يهدف إلى تقليل فرص رصدها واستهدافها، وإن هذه المواقع توزعت بين محافظات إب وتعز والبيضاء، وظهر ذلك خلال الهجوم الصاروخي المكثف الذي استهدف ميناء المخا.

ووفق المصادر، فقد أطلقت الجماعة نحو 20 صاروخاً من مناطق في محافظة إب، سقط بعضها في أطراف المحافظة، كما استخدمت مناطق خاضعة لسيطرتها بريف تعز لإطلاق دفعات أخرى من الصواريخ والطائرات المسيّرة.

أضرار واسعة لحقت بمنشآت ميناء المخا اليمني جراء الاعتداءات الحوثية (أ.ف.ب)

وأفادت مصادر يمنية بأن الحوثيين استخدموا معسكرَي الأمن المركزي والحرس الجمهوري في مدينة إب لإطلاق عدد من الصواريخ، فيما أُطلقت صواريخ أخرى من منطقة الأقحوز بمديرية مقبنة غرب تعز، ومن منطقة الحوبان في ضواحي مدينة تعز.

كما استخدمت الجماعة، وفق المصادر نفسها، معسكراً تابعاً لها في منطقة البرح بمديرية مقبنة، القريبة من المخا، لإطلاق معظم الطائرات المسيّرة المشاركة في الهجوم.

وتشير هذه التحركات، وفق المصادر، إلى محاولة الحوثيين إعادة توزيع منظومة القيادة والسيطرة ومواقع إطلاق الأسلحة، بالتوازي مع إخفاء القيادات السياسية والأمنية والعسكرية داخل تجمعات سكانية وفنادق ومواقع محصنة؛ في مسعى لتقليل تكلفة الاستهداف خلال مرحلة التصعيد الحالية.