في سبتمبر (أيلول) من عام1787 زار شاعر ألمانيا الكبير فولفغانغ فون غوته العاصمة الإيطالية روما، وعرج على معرض رسومات الفنان الفرنسي لويس - فرنسوا كاساس عن بالميرا (تدمر). كتب بعدها غوته في مذكراته إنها تخطيطات رسمت بحس مرهف ووعي كبير. وعبر غوته عن إعجابه بلوحة شارع الأعمدة وقال عنها إنها «جمال أخاذ.. ليتني أراه على حقيقته».
ما شاهده شاعر «الديوان الغربي - الشرقي» بروما قبل نحو 230 سنة يتم عرضه الآن في متحف فالراف - ريتشارتز في كولون (26 / 2 - 8 / 5 / 2016)، ويجتذب آلاف المهتمين والمتخصصين والفضوليين، ناهيكم تلاميذ مدارس صغار تشرح لهم معلماتهم عن أهمية بالميرا كإرث تاريخي يخضع لحماية اليونيسكو وقام الإرهابيون بتفجيره.
ولا أحد يعرف فعلاً ماذا تبقى من تدمر بعد أن عبثت بها يد الإرهاب بالتدمير، وهذا هو الجانب السياسي التحريضي من المعرض، الذي أراده له منظموه. وقال توماس كيتيلسن، رئيس المعرض، والمسؤول عن قسم الغرافيك في المتحف، لـ«الشرق الأوسط»، إن العلماء لا يعرفون مدى التدمير الذي لحق بآثار تدمر على يد الإرهابيين. وكل ما يملكونه، وعرضوه في المعرض، هو صورة من الأقمار الصناعية تظهر الدمار الشامل الذي ألحقه الجهلة بمعبد بعل، وهو أحد أهم مكونات المدينة - الواحة المسماة «تدمر».
وبحسب كيتلسين، ستكون هناك كثير من الندوات، التي تقام على هامش المعرض، وتناقش طرق إنقاذ ما تبقى من تدمر، وتضع خطة للتدخل السريع حال خروج «داعش» من بالميرا بهدف إنقاذ ما يمكن إنقاذه. ووصف كيتلسين المعرض الحالي عن آثار تدمر، في ضوء الأخبار الواردة، عبارة عن «نعي» لأحد أهم الآثار في العالم.. وهو معرض استعادي لـ«مدينة أشباح في الذاكرة». وفي الكتالوج الذي طبع بمناسبة المعرض كتب البروفيسور هورست بريكامب مقالة يطالب فيها الأمم المتحدة بتشكيل وحدة خاصة (قبعات زرق ثقافية) لحماية آثار العالم، بل وتحدث فيها عن «الاستعادة القتالية» للآثار ومحاولة ترميمها، ويعني بذلك القتال فعلاً مستقبلاً لإنقاذ الإرث التاريخي للبشرية من أيدي المعتوهين. إذ استخدم الداعشيون المسرح القديم في تدمر كساحة إعدامات وقطع رؤوس، بحسب أقوال شهود عيان، لكن لا أحد يعرف ماذا حل بالمسرح الآن.
وعلى أية حال لم يتبق ما يعد بإمكانية إعادة بناء المدينة غير رسومات كاساس، لأنها صورت تفاصيل الآثار كافة. وهذا ما قاله هيلموت بارزغنر، مدير متحف فالراف - ريتشارتز، في الافتتاح: «إذا أردنا يومًا إعادة بناء أو ترميم تدمر، فلا بد لنا من العودة إلى كاساس».
يتألف المعرض من 41 لوحة، أو مخطط، رسمها الفنان الفرنسي، والباحث المعماري، كاساس (1756 - 1872) أثناء رحلته إلى الشرق الأوسط. استقر كاساس لمدة شهرين في تدمر في عام 1789 ورسم 41 لوحة للآثار بالقلم الرصاص وباستخدام أقل ما يمكن من ألوان. وتعود كل هذه اللوحات إلى متحف فالراف - ريتشارتز، يضاف إليها كتاب قديم نشر قبل أكثر من قرنين وضم أعمال كاساس وشروحاته، وهو من ممتلكات متحف مدينة آخن الألمانية.
رسم كاساس اللوحات بأحجام مختلفة، وصور معظم الآثار المهمة من كل الجهات، ومن الأعلى، كما رسم أساساتها. ورسم الفنان التفاصيل المتوفرة أيضًا من تماثيل وشرفات وأعمدة وزخارف بالقلم الرصاص أيضًا، ورسم تصوراته للأشياء المفقودة بلون وردي فاقع لتمييزها عن الواقع، فكانت اللوحات المرسومة على الورق الأسمر تعطي انطباعًا بالجمال والرهبة في آن واحد. كما يظهر لون السماء الزرقاء في خلفيات بعض اللوحات، وخصوصًا الخاص منها بالقبور البرجية الشكل، فتحول المخطوطات إلى لوحات كلاسيكية هادئة.
رسم الفنان بعض لوحاته بأبعاد صغيرة لا تزيد عن 30 في 50 سم، بينما رسم البعض الآخر مثل جداريات يزيد طول بعضها عن أربعة أمتار. المهم أيضًا، في أعمال الرسام والمعماري، أنه رسم الآثار، في أماكن أخرى من نفس اللوحة، بمقاطع عرضية تشبه مقطعًا تحت المجهر. كما تكشف اللوحات المواد التي استخدمت في البناء، والتقنيات التي استخدمت في ذلك الزمان، وخصوصًا في بناء الأقواس والقبب والأبراج.
فضلاً عن ذلك رسم كاساس مقاطع عرضية، ومقاطع طولية أيضًا، للآثار التي تعود إلى القرن الثاني أو الثالث بعد الميلاد، وأعلنت اليونيسكو ضمها إلى الإرث الثقافي التاريخي العالمي في عام 1980. ويعتبر معبد بعل والبوابة المقوسة وشارع الأعمدة والمسرح الدائري وقوس النصر والقبور الأبراج من أهم معالم تدمر. وهي آثار وضعت عليها الحضارات الإغريقية والرومانية والفارسية لمساتها عليه بفعل تعاقب الهيمنة عليها. كانت حاضرة عظيمة تنافس روما في عظمتها، وخصوصًا في زمن الملكة زنوبيا، ويقال إن معنى اسمها بالآرامية القديمة هو «المعجزة».
في وصف بالميرا «ملكة الصحراء» كتب الشاعر الألماني الكبير فريدريش هولدرلين (1770 - 1843) ما يلي:
مدنكم على الفرات!
أزقتكم في بالميرا!
وغابات أعمدتكم،
على حافة الصحراء!
ماذا أنتم؟
ماذا تبقى من تدمر؟
https://aawsat.com/home/article/584731/%D9%85%D8%A7%D8%B0%D8%A7-%D8%AA%D8%A8%D9%82%D9%89-%D9%85%D9%86-%D8%AA%D8%AF%D9%85%D8%B1%D8%9F
ماذا تبقى من تدمر؟
معرض في كولونيا يقدم جولة استعادية في تخطيطات الفنان كاساس دمرها «داعش»
من مجموعة كاساس
- كولون: ماجد الخطيب
- كولون: ماجد الخطيب
ماذا تبقى من تدمر؟
من مجموعة كاساس
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

