70 مليار دولار حجم المساعدات المالية السعودية للبنان مقابل 100 مليون إيرانية

طهران تغدق على حزب الله 200 مليون سنويًا للإنفاق العسكري.. و25 مليونًا مساعدات غذائية وأغطية

70 مليار دولار حجم المساعدات المالية السعودية للبنان مقابل 100 مليون إيرانية
TT

70 مليار دولار حجم المساعدات المالية السعودية للبنان مقابل 100 مليون إيرانية

70 مليار دولار حجم المساعدات المالية السعودية للبنان مقابل 100 مليون إيرانية

وثق تقرير دولي حجم المساعدات التي قدمتها المملكة العربية السعودية للبنان خلال الفترة الواقعة بين عامي 1990 و2015، مقارنة بالتقديمات الإيرانية للبلاد، كاشفًا أن الهبات والمنح التي قدمتها المملكة للبنان، تناهز الـ70 مليار دولار، فيما لا تتعدى التقديمات الإيرانية للحكومة مبلغ الـ100 مليون دولار، بموازاة تقديم 200 مليون دولار سنويًا لحزب الله.
وخلافًا للتشكيك في أوساط وسائل الإعلام المحسوبة على حزب الله في لبنان، بحجم الهبات السعودية، كشف تقرير أعدته قناة «روسيا اليوم» أهمية الدعم المالي والاقتصادي السعودي للبنان اقتصادًا ودولةً، منذ اتفاق الطائف في عام 1989، رغم أن الدعم السعودي يعود إلى فترات أقدم، حيث أسهم دعم المملكة في دعم الاقتصاد اللبناني، فضلاً عن المشاركة في حصة كبيرة من إعادة إعمار ما هدمته الاعتداءات الإسرائيلية.
وضخت السعودية في الدورة الاقتصادية اللبنانية بين 1990 و2015، أكثر من 70 مليار دولار، بشكل مباشر وغير مباشر، بين استثمارات ومساعدات ومنح وهبات، وقروض ميسّرة وودائع في البنوك والمصارف. وبحسب التقرير الذي يستند إلى مراجع علمية موثقة، حولت المملكة، إضافة إلى التقديمات السابقة، وديعة مالية بقيمة مليار دولار خلال حرب 2006، مشيرًا إلى أنه «ما بين 3 إلى 4 مليارات دولار، أي 10 في المائة من الودائع غير المقيمة في لبنان، هي مملوكة لمستثمرين سعوديين».
ويشير إلى أن الاستثمارات السعودية في لبنان بين عامي 2004 و2015 تبلغ نحو 6 مليارات دولار، فضلاً عن أن الصادرات السعودية إلى لبنان عام 2014 بلغت 415.4 مليون دولار، مقابل 50 مليون دولار هي الصادرات الإيرانية.
وفي المقابل، لم يقدم الإيرانيون إلا 25 مليون دولار لإعادة بناء طرق وترميم البنية التحتية في لبنان عام 2007، وبعض الأغطية والمساعدات الغذائية والمعونات الإنسانية عن طريق حزب الله، فيما برز {اقتراح هبة” عام 2014 لدعم الجيش اللبناني، لم تنفذ بعد، وهناك مشروع هبة لإنشاء سد للمياه في منطقة بقيمة 40 مليون دولار. وشدد الناشط السياسي المعارض لحزب الله مجيد مطر لـ«الشرق الأوسط» على أنه «لا مجال للمقارنة بين تقديمات السعودية وتقديمات إيران، فالمملكة تقدم المساعدات لمؤسسات شرعية مثل الجيش اللبناني أو تضع ودائع مالية واضحة في البنك المركزي أو المصارف الأخرى، كذلك الهبات الواضحة للتنمية وبناء الجسور والمرافق العامة وغيرها»، مشيرًا إلى أن تقديمات إيران «تذهب إلى ميليشيا، وعلاقتها بالحزب هي علاقة تبعية تعزز مفهوم الدولة داخل الدولة». وأكد أن علاقة إيران بالحزب «هي خرق للسيادة بالمفهوم الدولي».
وتغيب الأرقام الدقيقة لحجم التقديمات الإيرانية لحزب الله، بحسب معارضيه، الذين يقولون إن التقديرات قد تتخطى مبلغ الـ200 مليون. وتشير دراسة لمعهد واشنطن للدراسات في يوليو (تموز) 2015، أشرف عليها الباحث مايكل ايزنشتات، حول التدخلات الإيرانية في كامل المنطقة العربية، إلى أن تدخل إيران في لبنان ماليًا مرتبط حصريًا بحزب الله، و«تشكّل إيران الجهة الراعية الرئيسية لحزب الله، فهي تموّل الجماعة بما يصل قيمته إلى نحو 200 مليون دولار سنويًا، بالإضافة إلى الأسلحة، والتدريب، والدعم الاستخباراتي، والمساعدة اللوجيستية وأكثر من ذلك».
ويقول الناشط مطر إن «علاقة إيران في لبنان، هي مع ميليشيا خارج الدولة، وبالتالي المدخلات لا تكون محفوظة ومقدرة ولا تتمتع بشفافية»، مشيرًا إلى أن «الأرقام المعلنة يكون مقصودًا الإعلان عنها، كذلك الأرقام المخفية». وأوضح أن التقديمات المعلنة من قبل إيران «تتمثل في بضعة ملايين من الدولارات أنفقت على تأهيل طرقات أو إنشاء خزانات لمياه الشفة وغيرها»، مشيرًا في الوقت نفسه إلى أن «التقديمات الاجتماعية والعسكرية لحزب يدعي الولاء لإيران، أمر لا يمكن إحصاؤه»، مشددًا على «أننا نشجب تلك العلاقات بين الحزب وإيران لأنها خرق فاضح للسيادة اللبنانية».
وقال مطر إن المساعدات الإيرانية «تكون شبه محصورة بحزب الله الذي تربطه بإيران علاقة تبعية»، لافتًا إلى أن المساعدات «تنفق، إلى جانب بعض الأشغال السابقة الذكر، تخصص فيها مؤسسات اجتماعية تابعة للحزب مثل مؤسسة الشهيد ومؤسسة جهاد البناء». لكنه أشار إلى أن «القطاع العسكري في الحزب، يحصل على الحصة الأكبر من تقديمات إيران». وقال إن الإنفاق العسكري «يُصرف على المتفرغين في الحزب، والعناصر الرديفة للمتفرغين، إضافة إلى السرايا والعاطلين عن العمل الذين يستوعبهم الحزب في منظومته العسكرية».
وأضاف مطر: «يُقال إن المدخول السنوي من إيران إلى حزب الله، يقارب المليار دولار، هو يأتي خارج سياق أي موازنة وأي شفافية ولا يسهم بالحركة الاقتصادية في البلاد ولا يسهم في خدمة المواطن اللبناني ولا يعود بدخل ضرائبي على خزينة الدولة»، لافتًا إلى أن تخصيص الحزب «هو اعتراف بأن الحزب كيان موازٍ للدولة»، مشددًا على أن الأرقام «غير واضحة تماما، لأن ما يدخل بالحقائب، غير ما يدخل عبر المصارف».
وفيما قدمت إيران مساعدات عينية للهاربين من حرب، تفيد التقارير بأن السعودية أقامت جسرًا إغاثيًا تاريخيًا قدمت عبره مئات ملايين الدولارات من المساعدات الطبية والإنسانية العاجلة، إضافة إلى الطواقم الطبية، وبادرت فورًا بتحويل وديعة مالية بمبلغ مليار دولار، لا تزال حتى الساعة في خزائن المصرف المركزي اللبناني لمنع انهيار الآلة المالية اللبنانية والليرة، إضافة إلى تقديم أكثر من 700 مليون دولار لإعادة إعمار لبنان بعد الحرب.
وإضافة إلى الدعم الاقتصادي والإنساني غير المحدود، تُشير أرقام رسمية سعودية إلى أن «عدد المشاريع المشتركة بين البلدين يتجاوز الـ200 مشروع، منها 108 مشاريع في القطاعات الصناعية في المملكة، ويبلغ إسهام الجانب اللبناني فيها نحو 43 في المائة من جملة رأس المال المستثمر، الذي يصل إلى 2.4 مليار دولار». ووفق أرقام شبه رسمية لبنانية، صادرة عن مجلس الأعمال اللبناني السعودي، تحتضن المملكة «250 ألف مقيم لبناني، وتستقبل السعودية 26 في المائة من الصادرات اللبنانية إلى المنطقة الخليجية، التي تستحوذ على 50 في المائة من إجمالي الصادرات الزراعية والصناعية واللبنانية إلى الخارج، في حين تُشكل دول الخليج مجتمعةً 85 في المائة من الاستثمارات الأجنبية في لبنان».



مسؤول أممي: الحوثيون صادروا أصول مكاتبنا ومنعوا الرحلات الجوية

نحو 70 موظفاً أممياً لا يزالون في معتقلات الجماعة الحوثية بتهمة مزعومة عن التجسس (أ.ف.ب)
نحو 70 موظفاً أممياً لا يزالون في معتقلات الجماعة الحوثية بتهمة مزعومة عن التجسس (أ.ف.ب)
TT

مسؤول أممي: الحوثيون صادروا أصول مكاتبنا ومنعوا الرحلات الجوية

نحو 70 موظفاً أممياً لا يزالون في معتقلات الجماعة الحوثية بتهمة مزعومة عن التجسس (أ.ف.ب)
نحو 70 موظفاً أممياً لا يزالون في معتقلات الجماعة الحوثية بتهمة مزعومة عن التجسس (أ.ف.ب)

في تصعيد يهدد عمل المنظمات الدولية والتدخلات الإنسانية، أعلنت الأمم المتحدة عن قيام الجماعة الحوثية في صنعاء باتخاذ إجراءات أحادية تمس بشكل مباشر قدرتها على تنفيذ مهامها الإنسانية، وذلك عبر مصادرة معدات وأصول تابعة لها ومنع تسيير الرحلات الجوية الإنسانية، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الإنسانية لملايين اليمنيين.

وجاء ذلك في بيان رسمي، الجمعة، صادر عن المنسق المقيم ومنسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في اليمن، جوليان هارنيس، أوضح فيه أن سلطات الأمر الواقع الحوثية اقتحمت، يوم الخميس 29 يناير (كانون الثاني) 2026، ما لا يقل عن ستة مكاتب أممية في صنعاء، جميعها كانت غير مأهولة بالموظفين، وقامت بنقل معظم معدات الاتصالات وعدد من مركبات الأمم المتحدة إلى موقع غير معلوم، دون أي تنسيق أو إخطار مسبق.

وأكد البيان أن الأمم المتحدة لم تصرح بنقل هذه الأصول، ولم تتلق أي تبرير رسمي يوضح أسباب هذه الخطوة، مشدداً على أن جميع المعدات المصادرة تم إدخالها إلى اليمن وفق الإجراءات القانونية المعتمدة وبالحصول على التصاريح اللازمة من الجهات المختصة، وتشكل جزءاً من الحد الأدنى للبنية التحتية الضرورية لضمان استمرار الوجود الأممي وتنفيذ برامجه الإنسانية.

ولم تقتصر الإجراءات على مصادرة الأصول، إذ أشار البيان إلى أن سلطات الأمر الواقع منعت، منذ أكثر من شهر، تسيير رحلات خدمة الأمم المتحدة الجوية الإنسانية (UNHAS) إلى صنعاء، كما منعت الرحلات إلى محافظة مأرب الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دولياً منذ أكثر من أربعة أشهر، دون تقديم أي توضيحات رسمية.

إحدى طائرات الأمم المتحدة في مطار صنعاء الخاضع للحوثيين (إعلام محلي)

وتُعد رحلات «UNHAS» الوسيلة الوحيدة التي تتيح لموظفي الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الدولية الدخول إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين والخروج منها. ومن ثمّ، فإن هذا التعطيل يفرض قيوداً إضافية على إيصال المساعدات الإنسانية، ويقوض قدرة المنظمات الدولية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة في تلك المناطق.

وحذّر منسق الشؤون الإنسانية من أن هذه الإجراءات تأتي في توقيت بالغ الحساسية، حيث يشهد اليمن تدهوراً إنسانياً غير مسبوق، ولا سيما في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن استمرار هذه الممارسات سيؤدي إلى تفاقم الأوضاع المعيشية ويزيد من معاناة المدنيين.

بيئة عمل منهارة

يتزامن هذا التصعيد الحوثي مع أزمة متفاقمة تتعلق باحتجاز موظفي الأمم المتحدة لدى الجماعة المتحالفة مع إيران، إذ ارتفع عدد المحتجزين تعسفياً إلى 69 موظفاً على الأقل حتى ديسمبر (كانون الأول) الماضي، في واحدة من أخطر موجات الاستهداف التي تطول العاملين في المجال الإنساني.

وشملت الاعتقالات موظفين يمنيين يعملون في وكالات أممية رئيسية، من بينها برنامج الأغذية العالمي، ومنظمة اليونيسف، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إضافة إلى طاقم عيادة الأمم المتحدة في صنعاء.

وتتم هذه الاعتقالات غالباً عبر اقتحام المنازل وترويع العائلات، واقتياد الموظفين إلى جهات مجهولة دون السماح لهم بالتواصل مع أسرهم أو محاميهم.

عناصر حوثيون خلال حشد للجماعة في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء (أ.ف.ب)

وتروج الجماعة الحوثية لاتهامات تتعلق بـ«التجسس» لصالح أطراف خارجية، وهي مزاعم رفضتها الأمم المتحدة بشكل قاطع، مؤكدة أن الموظفين يُستهدفون بسبب قيامهم بمهام إنسانية بحتة.

وفي هذا السياق، ذكّر المنسق الأممي المقيم في اليمن بقراري مجلس الأمن 2801 (2025) و2813 (2026)، اللذين يدعوان الحوثيين إلى توفير بيئة عمل آمنة ومأمونة، والإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع الموظفين المحتجزين.

وأمام هذا الواقع، أعلنت الأمم المتحدة مطلع عام 2025 تعليق أنشطتها غير المنقذة للحياة في مناطق سيطرة الحوثيين، فيما أعلن برنامج الأغذية العالمي، في يناير 2026، تسريح عدد من موظفيه اليمنيين نتيجة تجميد العمليات الإغاثية، ما يعكس خطورة استمرار هذه الممارسات وتداعياتها المباشرة على الوضع الإنساني في اليمن.


بعد «المالية» و«الطاقة»... المنفي يُطلق لجنة جديدة لضبط الإنفاق في ليبيا

المنفي يلقي كلمة خلال لقاء مع مكونات اجتماعية وأمنية في مدينة الزاوية غرب ليبيا 29 يناير (مكتب المنفي)
المنفي يلقي كلمة خلال لقاء مع مكونات اجتماعية وأمنية في مدينة الزاوية غرب ليبيا 29 يناير (مكتب المنفي)
TT

بعد «المالية» و«الطاقة»... المنفي يُطلق لجنة جديدة لضبط الإنفاق في ليبيا

المنفي يلقي كلمة خلال لقاء مع مكونات اجتماعية وأمنية في مدينة الزاوية غرب ليبيا 29 يناير (مكتب المنفي)
المنفي يلقي كلمة خلال لقاء مع مكونات اجتماعية وأمنية في مدينة الزاوية غرب ليبيا 29 يناير (مكتب المنفي)

سلّط قرار رئيس المجلس الرئاسي الليبي، محمد المنفي، بتشكيل لجنة لـ«ضبط الإنفاق العام وإغلاق منافذ الهدر»، الضوء مجدداً على نهج اعتمده المجلس خلال السنوات الأخيرة في ملاحقة الأزمات المتراكمة، عبر تشكيل لجان اقتصادية وأمنية وعسكرية.

وعلى الرغم من تعدّد اللجان التي شكّلها المنفي لمواجهة أزمات الاقتصاد والأمن، يرى مراقبون أن نتائجها بقيت محدودة على الأرض، في ظل الانقسام العسكري والأمني وتنازع الصلاحيات، مما أعاد إلى الواجهة تساؤلات حول جدوى هذه اللجان، وقدرة المجلس الرئاسي على إلزام الأطراف المختلفة بمخرجاتها.

وخلال كلمة ألقاها، الخميس، في مدينة الزاوية بغرب البلاد، بحضور قيادات أمنية وعسكرية وميدانية، تعهد المنفي بإعلان نتائج عمل اللجنة الجديدة «خلال فترة قريبة»، مؤكداً أنها «لن تكون لجنة للاستهلاك الإعلامي». وسوّق قراره بالحديث عن «إنفاق هائل مقابل نتائج ضعيفة، واقتصاد مستنزف، وقطاع مالي مختل، وهدر يفتح أبواب الفساد».

رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي (المجلس الرئاسي)

وقفزت نفقات الدولة الليبية بنحو 13 مليار دينار خلال العام الماضي مقارنة بالعام السابق، إذ ارتفعت إلى 136.8 مليار دينار في 2025 مقابل 123.2 مليار في 2024، وفق بيانات المصرف المركزي، مع بلوغ سعر الدولار 6.28 دينار في السوق الرسمية، و8.95 دينار في السوق الموازية.

غير أن النائب السابق لرئيس «المصرف الليبي الخارجي»، الدكتور خالد الزنتوتي، شكك في جدوى هذه المقاربة، لافتاً إلى أنها «مجرد لجان على الورق لن يلتفت إلى توصياتها، حتى وإن كانت ممهورة بتوقيع رئيس المجلس الرئاسي». وتساءل في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «هل يستطيع رئيس المجلس الرئاسي، بتشكيله الحالي، إلزام أي من الأطراف بتنفيذ ما تصل إليه هذه اللجان، حتى وإن امتلكت الإمكانيات الفنية؟ وهل يمكنه إلزام تلك الأطراف بتقديم ميزانية موحدة تضبط الإنفاق العام؟».

وسبق للمنفي أن شكّل في يوليو (تموز) 2023 «اللجنة المالية العليا»، بعضوية 17 ممثلاً عن أطراف الانقسام، بهدف التوصل إلى آلية وطنية لإدارة موارد الدولة وترشيد الإنفاق. غير أن هذه اللجنة، وبعد أكثر من عامين، لم تحقق، حسب متابعين، الهدف المرجو منها، خصوصاً في ضبط الإنفاق العام، بل تزايد ما يُعرف بـ«الإنفاق الموازي».

بعد ذلك عاد المنفي ليشكّل لجنة أخرى في أغسطس (آب) الماضي لمراجعة عقود النفط والكهرباء والسياسات التعاقدية للمؤسسات العامة العاملة في قطاع الطاقة، بما في ذلك التعاقدات مع الشركات الأجنبية والمحلية.

ورغم محاولة تجاوز الانقسام عبر الاستعانة بتكنوقراط، فإن هذه اللجنة لم تفضِ حتى الآن إلى نتائج ملموسة، وفق ما أفاد به مصدر سابق لـ«الشرق الأوسط»، مشيراً إلى عراقيل تعترض عملها.

محافظ «المركزي الليبي» ناجي عيسى ورئيس ديوان المحاسبة خالد شكشك في اجتماع بطرابلس ديسمبر الماضي (المركزي)

في هذا السياق، يرى الدبلوماسي الليبي السابق، فرج الزروق، أن «المشكلة في الحالة الليبية هي أن هذه اللجان أصبحت بديلاً عن بناء المؤسسات»، وفق ما تحدث به لـ«الشرق الأوسط».

لكن الزروق لا يستبعد جدوى هذه اللجان «بشروط صارمة»، محدداً إياها في أن تكون اللجان مؤقتة بجدول زمني معلن، وخاضعة لرقابة جهة مستقلة، مثل ديوان المحاسبة أو النيابة العامة، وأن تعلن مخرجاتها للرأي العام لضمان الشفافية، وألا تحل محل المؤسسات الدستورية الدائمة، بل تكون جسراً مؤقتاً لتفعيلها.

ولا يقتصر توجه المجلس الرئاسي على الجانب الاقتصادي، بل يمتد إلى الملفات الأمنية والعسكرية. ففي يونيو (حزيران) الماضي، شكّل المنفي لجنة مؤقتة للترتيبات الأمنية والعسكرية في طرابلس، عقب اشتباكات دامية بين قوات موالية لحكومة طرابلس وميليشيات مسلحة، قُتل خلالها رئيس «جهاز الدعم والاستقرار» عبد الغني الككلي، الشهير بـ«غنيوة»، وكادت المواجهات تتسع مع ميليشيا «الردع». كما أتبع ذلك بقرار لتشكيل لجنة حقوقية مؤقتة لمتابعة أوضاع السجون وأماكن الاحتجاز.

ويرى الأكاديمي والباحث السياسي الليبي، الدكتور علام الفلاح، أن «قرارات (الرئاسي) يغلب عليها الطابع المالي والاقتصادي والأمني لملاحقة أزمات بعينها»، مشيراً إلى الحاجة لمقاربة أوسع تعالج ملفات محورية، مثل أمن الحدود، والهجرة غير النظامية، والسلاح المنفلت، والميليشيات والمرتزقة الأجانب، والخلايا الإرهابية النائمة، لافتاً إلى أن هذه القضايا تمثّل «اختباراً حاسماً لقدرات المجلس الرئاسي».

وتأسس المجلس الرئاسي بعد خمس سنوات من انهيار نظام الرئيس السابق معمر القذافي في عام 2011، بموجب «اتفاق الصخيرات»، وأُعيد تشكيله في فبراير (شباط) 2021 وفق «اتفاق جنيف»، برئاسة الدبلوماسي السابق محمد المنفي، ونائبَين يمثّلان إقليمَي طرابلس وفزان.

وأعاد قرار المنفي الأخير بتشكيل لجنة «ضبط الإنفاق» طرح النقاش حول حدود صلاحيات المجلس التي تتركز في تمثيل ليبيا خارجياً، وقيادة المؤسسة العسكرية وتوحيدها، وتيسير الانتخابات، وإدارة ملف المصالحة الوطنية، وتعيين بعض المناصب السيادية.

غير أن الفلاح يشير إلى أن «ليبيا تعيش مرحلة انتقالية معقّدة تتسم بتنازع الاختصاصات وغياب الشرعية»، موضحاً أن المجلس الرئاسي «يتخذ قرارات بوصفه أحد الأطراف الفاعلة، مستنداً إلى اتفاقَي جنيف والصخيرات، وربما متجاوزاً ذلك في ظل الصراع على القوانين».

وتعيش ليبيا منذ سنوات على وقع صراع بين حكومتَين: الأولى حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس وتدير غرب البلاد، والأخرى حكومة أسامة حماد المكلفة من مجلس النواب في بنغازي، وتدير شرق البلاد ومناطق في الجنوب.

وبينما يرى البعض في لجان المنفي حلولاً مؤقتة في ظرف استثنائي، يتمسك الزنتوتي برؤية أكثر جذرية، قائلاً: «لا بديل عن قيام دولة واحدة برئيس منتخب، ومجلس تشريعي منتخب، وفي إطار دستور يقره الشعب الليبي الواحد».

يأتي ذلك في بلد يعاني انقساماً سياسياً ومؤسسياً حاداً منذ سنوات، ويفتقر إلى ميزانية موحدة، وسط ضغوط اقتصادية متصاعدة وتساؤلات حول فاعلية هذه الأدوات.


ترحيب يمني بقرار أوروبا تصنيف «الحرس الإيراني» منظمة إرهابية

«الحرس الثوري الإيراني» يتحكم في الأنشطة العسكرية لكل تشكيلات الحوثيين (إ.ب.أ)
«الحرس الثوري الإيراني» يتحكم في الأنشطة العسكرية لكل تشكيلات الحوثيين (إ.ب.أ)
TT

ترحيب يمني بقرار أوروبا تصنيف «الحرس الإيراني» منظمة إرهابية

«الحرس الثوري الإيراني» يتحكم في الأنشطة العسكرية لكل تشكيلات الحوثيين (إ.ب.أ)
«الحرس الثوري الإيراني» يتحكم في الأنشطة العسكرية لكل تشكيلات الحوثيين (إ.ب.أ)

رحّبت الحكومة اليمنية بالقرار الصادر عن الاتحاد الأوروبي القاضي بتصنيف «الحرس الثوري الإيراني» منظمةً إرهابية، وعدّت القرار خطوة مهمة وفي الاتجاه الصحيح لمواجهة أحد أخطر مصادر زعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة، وللحد من التهديدات المباشرة التي يُمثلها هذا الكيان للسلم والأمن الإقليميين والدوليين.

وأكدت الحكومة اليمنية، في بيان رسمي، أن هذا القرار يعكس إدراكاً أوروبياً متقدماً لطبيعة الدور التخريبي الذي اضطلع به «الحرس الثوري الإيراني» على مدى سنوات، من خلال تغذية النزاعات المسلحة، ودعمه المنهجي للجماعات والميليشيات الخارجة عن مؤسسات الدولة الوطنية، وتهديده المتكرر للممرات المائية الدولية، وتقويضه المستمر لأسس الاستقرار والأمن العالميين.

وشدد البيان على أن تصنيف «الحرس الثوري» منظمة إرهابية يُمثل تحولاً نوعياً في مقاربة المجتمع الدولي لسلوكيات إيران، وينهي مرحلة طويلة من التساهل السياسي مع أنشطة باتت تُشكل تهديداً مباشراً للأمن الجماعي، سواء في الشرق الأوسط أو خارجه.

وأكّد البيان أن الجماعة الحوثية ليست سوى إحدى الأذرع العسكرية المباشرة لـ«الحرس الثوري الإيراني»، وأن مشروعها القائم على العنف والانقلاب وفرض الأمر الواقع بالقوة يُمثل امتداداً صريحاً للدور التخريبي الذي يقوده هذا الجهاز العسكري خارج حدود إيران.

حريق على متن سفينة شحن بريطانية جراء هجوم حوثي في خليج عدن (إ.ب.أ)

وأوضحت الحكومة أن سجل الحوثيين الحافل باستهداف المدنيين، وقصف الأعيان المدنية، وشن الهجمات العابرة للحدود، وتهديد سفن الشحن والملاحة البحرية في البحر الأحمر وخليج عدن، يعكس بوضوح طبيعة الارتباط العضوي والعملياتي بين الجماعة و«الحرس الثوري»، سواء على مستوى العقيدة أو التمويل أو التسليح أو التخطيط العسكري.

وأضاف البيان أن تعطيل جهود السلام الإقليمية والدولية في اليمن، وعرقلة المسارات السياسية، واستخدام العنف المنظم بوصفه أداة تفاوض، كلها ممارسات تتسق مع النموذج الذي اعتمده «الحرس الثوري» في إدارة وكلائه في المنطقة، وتحويلهم إلى أدوات ضغط وابتزاز للمجتمع الدولي.

ودعت الحكومة اليمنية الاتحاد الأوروبي إلى استكمال هذه الخطوة المهمة باتخاذ قرار مماثل وحاسم بتصنيف الحوثيين منظمة إرهابية، انسجاماً مع القوانين والتشريعات الأوروبية، وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وبما يُسهم في تجفيف مصادر تمويل هذه المليشيات، وردع سلوكها العدواني، وتعزيز فرص السلام العادل والمستدام في اليمن والمنطقة.

إجراءات عملية

في سياق هذا الترحيب اليمني، قال وزير الإعلام والثقافة والسياحة في حكومة تصريف الأعمال، معمر الإرياني، إن قرار الاتحاد الأوروبي تصنيف «الحرس الثوري الإيراني» منظمة إرهابية يُمثل «خطوة في الاتجاه الصحيح، ورسالة واضحة بأن المجتمع الدولي بدأ يتعامل بجدية مع أحد أخطر مصادر زعزعة الاستقرار في المنطقة، بعد سنوات من التغاضي عن أدواره العسكرية والأمنية العابرة للحدود».

وأضاف الإرياني، في تصريح رسمي، أن أهمية القرار لا تكمن في رمزيته السياسية فحسب، بل فيما يجب أن يتبعه من إجراءات تنفيذية عملية، تشمل تجفيف منابع التمويل، وتجميد الأصول، وملاحقة الشبكات والواجهات المرتبطة بـ«الحرس الثوري»، وقطع قنوات الدعم والتهريب والتسليح التي يديرها عبر دول ومناطق متعددة.

تعنت الحوثيين أدى إلى تعطيل مسار السلام في اليمن (أ.ب)

وأشار الوزير اليمني إلى أن «الحرس الثوري» لعب في الملف اليمني دوراً مباشراً ومنظماً في إدارة مشروع الانقلاب الحوثي، ولم يقتصر تدخله على إمداد الميليشيات بالأسلحة والخبراء والتقنيات والتمويل، بل امتد إلى الإشراف العملياتي وإدارة الشبكات العسكرية والأمنية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، مؤكداً أن ذلك تثبته الأدلة الميدانية والأدوار التي اضطلع بها عناصره، ومنهم حسن إيرلو وعبد الرضا شهلائي، بوصفها أدوات تشغيل ميداني للمشروع الإيراني.

ولفت الإرياني إلى أن ما جرى في اليمن لا يُمثل حالة استثنائية، بل يندرج ضمن نمط إقليمي ثابت يعتمد على بناء ميليشيات مسلحة موازية للدولة، وتغذية الصراعات، ونشر الفوضى والإرهاب، واستخدام الوكلاء فرض وقائع بالقوة وابتزاز المجتمع الدولي.

قرار تاريخي

يأتي هذا الموقف اليمني في أعقاب القرار التاريخي الذي اتخذه وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في 29 يناير (كانون الثاني) 2026، بإدراج «الحرس الثوري الإيراني» على قائمة التكتل للمنظمات الإرهابية، في تحول وُصف بأنه نهاية مرحلة «الحذر الدبلوماسي»، وبداية عهد جديد من المواجهة الاقتصادية والقانونية مع العمود الفقري للنظام الإيراني.

وجاء القرار استجابةً مباشرة للقمع العنيف الذي مارسته السلطات الإيرانية ضد موجة الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها البلاد أواخر 2025 ومطلع 2026، وأسفرت عن مقتل آلاف المدنيين وفق تقديرات منظمات حقوقية، إضافة إلى الدور الإقليمي المتصاعد لـ«الحرس الثوري»، بما في ذلك تزويد روسيا بالطائرات المسيّرة، وتهديد أمن الطاقة والملاحة الدولية.

عناصر حوثيون في صنعاء خلال تجمع حاشد دعا له زعيمهم (أ.ف.ب)

ويترتب على هذا التصنيف حزمة من التداعيات القانونية والسياسية الصارمة، تشمل تجميد الأصول، وحظر السفر، وتجريم أي شكل من أشكال التعاون أو الدعم، إلى جانب تشديد العزلة الدبلوماسية، بما يحد من قدرة «الحرس الثوري» على العمل تحت أغطية سياسية أو اقتصادية داخل أوروبا.

وأكدت الحكومة اليمنية أن الطريق إلى أمن المنطقة واستقرارها يبدأ بإنهاء سياسة الإفلات من العقاب بحق الجهات التي ترعى وتدير الميليشيات المسلحة العابرة للحدود، ودعم الدولة الوطنية ومؤسساتها الشرعية، واحترام وحدة وسيادة الدول وسلامة أراضيها.

وجددت الحكومة اليمنية التزامها الكامل بالعمل الوثيق مع المجتمع الدولي، وفي مقدمته الاتحاد الأوروبي، من أجل إحلال السلام، ومكافحة الإرهاب، وحماية الملاحة الدولية، وبناء مستقبل آمن ومستقر لشعوب المنطقة.