تصعيد الحوثيين ضد الموظفين الأمميين ينذر بوقف العمل الإغاثي

3 ملايين يمني مهددون بفقد المساعدات الإنسانية

3 ملايين شخص في مناطق الحوثيين مهددون بعدم الحصول على المساعدات الشهرية (إعلام محلي)
3 ملايين شخص في مناطق الحوثيين مهددون بعدم الحصول على المساعدات الشهرية (إعلام محلي)
TT

تصعيد الحوثيين ضد الموظفين الأمميين ينذر بوقف العمل الإغاثي

3 ملايين شخص في مناطق الحوثيين مهددون بعدم الحصول على المساعدات الشهرية (إعلام محلي)
3 ملايين شخص في مناطق الحوثيين مهددون بعدم الحصول على المساعدات الشهرية (إعلام محلي)

أكدت مصادر يمنية عاملة في قطاع الإغاثة أن تصعيد الحوثيين حملتهم ضد موظفي الأمم المتحدة، واحتلالهم مكاتبها، واعتقال العشرات منهم، يهدد بحرمان أكثر من 3 ملايين شخص يحصلون على مساعدات غذائية شهرية حالياً منها، إذا ما تقرر وقف النشاط الإغاثي في تلك المناطق مع ازدياد المخاطر الأمنية على العاملين في مكاتب المنظمات الأممية والدولية أيضاً.

وذكر 4 مصادر من العاملين في قطاع الإغاثة لـ«الشرق الأوسط» أن حملة الاعتقالات الأخيرة التي استهدفت 10 من موظفي الأمم المتحدة، إلى جانب اعتقال أكثر من 44 سابقاً، والاستيلاء على مكاتب عدد من الوكالات الأممية ومصادرة أصولها، شكّلت «لحظة فاصلة» في العمل الإغاثي قد تدفع باتجاه تعليق الأنشطة الإنسانية كافة في مناطق سيطرة الحوثيين، حيث تعكف هذه المنظمات حالياً على مراجعة وتقييم بيئة العمل وتحديد الإجراءات المطلوبة تجاه تصعيد الجماعة.

ووفق المصادر، فإن خيارات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية أصبحت محدودة للغاية بعد فشل رهان الممثل المقيم - الذي تنتهي فترته في نهاية العام الحالي - على إمكانية إطلاق سراح الموظفين الأمميين وزملائهم العاملين في منظمات دولية عبر الضغوط الدبلوماسية والتفاوض.

الحوثيون لم يتركوا أي خيارات للأمم المتحدة للبقاء في مناطق سيطرتهم (إعلام محلي)

وقالت المصادر إن الممثل المقيم «راهن كثيراً» على وعود قطعها له وزير خارجية الحوثيين الراحل جمال عامر، قبل مقتله في غارة إسرائيلية أخيراً، بإطلاق سراح جزء من المعتقلين والحصول على «عفو» من زعيم الجماعة عن الجزء الآخر، غير أن شيئاً من ذلك لم يحدث؛ إذ لم يفرَج سوى عن موظف واحد فقط، بينما أوقفت الجماعة إحالة دفعة جديدة من المعتقلين إلى المحكمة المختصة بـ«قضايا الإرهاب وأمن الدولة»، بعد أن كانت قد أحالت دفعة أولى تضم نحو 18 موظفاً.

مخاطر أمنية

ووفق إفادة المصادر العاملة في الإغاثة، فإن معظم المنظمات الدولية لم تعد تعمل في مناطق الحوثيين بسبب النقص الحاد في التمويل، إلى جانب المخاطر الأمنية التي تهدد موظفيها، وبالتالي، فإن قرار هذه المنظمات الرحيل بالكامل - كما يُتوقع - سيجعل من الصعب على الأمم المتحدة الاعتماد على شركاء محليين في توزيع المساعدات؛ لأن أغلب المنظمات المحلية هناك تتبع قيادات حوثية وتعمل لمصلحة الجماعة.

من جهتها، انتقدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدة شريف، احتجاز الحوثيين موظفي الأمم المتحدة، وقالت إن ملايين الأشخاص في شمال اليمن «يحتاجون إلى مساعدات إنسانية عاجلة لإنقاذ حياتهم، بينما يواجه الآلاف خطر المجاعة».

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء خلال فعالية تعبوية للجماعة (إ.ب.أ)

وأضافت أن الجماعة الحوثية، رغم هذه الظروف، «تواصل احتجاز ومضايقة موظفي الأمم المتحدة العاملين في المجال الإنساني، وعرقلة وصول المساعدات المنقذة للحياة إلى الفئات الأشد ضعفاً؛ مما يسبب معاناة لا يمكن تصورها».

وأكدت السفيرة، في تغريدة على منصة «إكس»، أن تصرفات الحوثيين «تؤجج الأزمة الإنسانية وتفاقم معاناة اليمنيين»، ودعتهم إلى «الاستجابة فوراً للدعوات المتكررة الصادرة عن مجلس الأمن، والإفراج الفوري عن جميع المحتجزين تعسفياً».

تنديد حكومي

من جهته، أدان وزير الإعلام اليمني، معمر الإرياني، بـ«أشد العبارات جريمة اختطاف الحوثيين المواطنة أمل، ابنة السياسي الراحل نجيب قحطان الشعبي، وزوجها محمود سعيد عثمان، الموظف في إدارة الأمن والسلامة بـ(منظمة الأمم المتحدة للطفولة - يونيسف)، عقب مداهمة منزلهما في العاصمة المختطفة صنعاء».

وأوضح الإرياني، في تصريحات رسمية، أن «هذه الجريمة تأتي في سياق حملة اختطافات متصاعدة تنفذها الجماعة ضد موظفي الأمم المتحدة ووكالاتها والمنظمات الدولية»، التي شهدت خلال الأيام الماضية اعتقال عدد إضافي من العاملين في مكاتب المنظمة بصنعاء، في «تحدٍ صارخ» لكل «الأعراف والمواثيق الدولية، وتقويض متعمد للعمل الإنساني» في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة.

موارد المؤسسات الخاضعة للحوثيين يتم إنفاقها على التعبئة واستقطاب المجندين والدعاية (إ.ب.أ)

وأشار الوزير إلى أن هذه الممارسات تؤكد مجدداً أن الجماعة الحوثية «لا تُقيم أي اعتبار للقوانين والاتفاقيات الإنسانية، ولا تحترم مكانة وحرمة العمل الدولي»، بل «تمعن في استهداف كوادر الأمم المتحدة والعاملين في المجال الإنساني»، في محاولة لفرض وصايتها على النشاط الإغاثي وتحويله إلى أداة لخدمة أجندتها السياسية والعسكرية.

وأكد الإرياني أن هذه الجرائم «تكشف عن طبيعة الميليشيا الإجرامية التي تتخذ من الاختطاف والابتزاز وسيلة لإرهاب المدنيين والعاملين في المجال الإنساني وأسرهم، في انتهاك ممنهج لكل القيم والمبادئ التي تأسست عليها الأمم المتحدة، وتجسد حالة من الانفلات الكامل من القانون الدولي والإنساني».

ولفت الوزير إلى أن الجماعة الحوثية «دأبت منذ انقلابها على الدولة على استهداف المنظمات الأممية والعاملين فيها بالاختطاف والتعذيب، والملاحقة والتضييق، ونهب الأصول والمساعدات وتحويل مسارها لخدمة عملياتها العسكرية، في سلوك ممنهج يعكس عداءها العميق لكل ما يتصل بالقيم الإنسانية، ويؤكد أنها جماعة خارجة عن نطاق القانون والشرعية الدولية».

ودعا الإرياني الأمم المتحدة ومجلس الأمن والاتحاد الأوروبي إلى «اتخاذ موقف حازم إزاء جرائم الاختطاف والإخفاء القسري التي ترتكبها الميليشيا بحق موظفيها والعاملين في المنظمات الإنسانية»، والشروع في تصنيف الجماعة منظمةً إرهابيةً، والضغط للإفراج الفوري عن جميع المختطفين دون قيد أو شرط.

تحذير من الجوع

وتتزامن هذه التطورات مع تقرير «شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة» التي توقعت أن يواجه ما بين 50 و55 في المائة من سكان اليمن فجوات بين متوسطة وشديدة في استهلاك الغذاء، مشيرة إلى أن 354 ألف شخص تضرروا من الفيضانات الواسعة التي وقعت خلال الشهرين الماضيين في 125 مديرية ضمن 19 محافظة من محافظات البلاد.

وأكدت «الشبكة» أن الفيضانات في محافظة لحج غمرت مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، وألحقت أضراراً بآبار مياه الشرب والمنازل، وجرفت المحاصيل وممتلكات الأسر، كما تسببت في خسائر فادحة بمحافظة تعز نتيجة تضرر الأراضي الزراعية والمحاصيل الدائمة، مثل الطماطم ومستعمرات نحل العسل. كما أُبلغ عن خسائر زراعية وحيوانية في مديرية مأرب الوادي بمحافظة مأرب، ومديرية بني حشيش بمحافظة صنعاء.

الكوليرا تفشت وزادت حالات الإسهال المائي الحاد في مناطق الحوثيين (إعلام محلي)

ووفق التقرير الحديث، تُعدّ مديريات البريقة والتواهي ودار سعد في محافظة عدن من أشد المناطق تضرراً من حيث الأضرار الواسعة التي لحقت بممتلكات الأسر. كما ألحقت الفيضانات أضراراً جسيمة بالبنية التحتية الحيوية، بما في ذلك الجسور والطرق والخدمات العامة والمرافق الصحية وشبكات المياه والصرف الصحي.

وتوقعت «الشبكة» زيادة خطر الإصابة بالأمراض المنقولة بالمياه، مثل الكوليرا، لا سيما في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، مشيرة إلى أن حالات الإسهال المائي الحاد ارتفعت بنسبة 65 في المائة بمحافظتي الحديدة وحجة خلال شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، مقارنة بشهر أغسطس (آب) الذي سبقه.


مقالات ذات صلة

تعز ولحج تشعلان نذر المعركة اليمنية الكبرى

العالم العربي تحرك القيادة اليمنية للتعبئة العامة ينذر بإطلاق معركة مصيرية ضد الحوثيين (إعلام عسكري)

تعز ولحج تشعلان نذر المعركة اليمنية الكبرى

دخلت المواجهات بين الحكومة اليمنية والجماعة الحوثية مرحلة أكثر حدة، مع اشتداد المعارك في جبهات تعز ولحج، وتزامن العمليات البرية والجوية والصاروخية مع تحرك.

«الشرق الأوسط» (عدن)
رياضة عربية  رامي الوصماني، لاعب المنتخب اليمني (الشرق الأوسط)

لاعبو اليمن لـ «الشرق الأوسط»: ودعنا «خليجي 27» بشخصية مختلفة

أكد رامي الوصماني، لاعب المنتخب اليمني، أن الفوز على البحرين بنتيجة 5-2 في ختام دور المجموعات لـ«خليجي 27»، يعكس التطور الذي طرأ على أداء المنتخب خلال البطولة.

عبد الله الزهراني (جدة )
رياضة عربية الجزائري نور الدين ولد علي يحتفل رفقة لاعبي اليمن (تصوير: عدنان مهدلي)

ولد علي: انتصارنا على البحرين لن يجعل الحياة جميلة.. دقائق اللعب «مشكلتنا»

أكد الجزائري نور الدين ولد علي، مدرب المنتخب اليمني، أن الفوز على البحرين يمثل دفعة معنوية مهمة للمنتخب، رغم عدم التأهل إلى الدور نصف النهائي من كأس الخليج.

روان الخميسي (جدة )
العالم العربي تحرك القيادة اليمنية للتعبئة العامة ينذر بإطلاق معركة مصيرية ضد الحوثيين (إعلام عسكري)

نُذر إطلاق معركة يمنية شاملة ضد الحوثيين

تتصاعد معارك تعز ولحج مع كثافة الضربات، والخسائر المعلنة، بالتزامن مع تفعيل التعبئة العامة، ورفع الجاهزية، بما يرسم ملامح استعداد يمني لمعركة شاملة ضد الحوثيين

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي توزيع مواد صحية على الفارين من الهجمات الحوثية في مخيمات النازحين (إعلام محلي)

«الكوليرا» يطرق مخيمات اليمنيين الفارّين من الهجمات الحوثية

رصدت «الصحة العالمية» 7784 حالة كوليرا مشتبه بها في اليمن، بينها تنبيهات في مخيمين للنازحين بعدن، وسط ازدياد النزوح وضغوط الحرب على الخدمات الصحية.

محمد ناصر (عدن)

«العزم الصلب» تغادر العراق

عنصران من الأمن العراقي يرفعان علامة النصر في بغداد أمس بمناسبة انسحاب القوات الأميركية (إ.ب.أ)
عنصران من الأمن العراقي يرفعان علامة النصر في بغداد أمس بمناسبة انسحاب القوات الأميركية (إ.ب.أ)
TT

«العزم الصلب» تغادر العراق

عنصران من الأمن العراقي يرفعان علامة النصر في بغداد أمس بمناسبة انسحاب القوات الأميركية (إ.ب.أ)
عنصران من الأمن العراقي يرفعان علامة النصر في بغداد أمس بمناسبة انسحاب القوات الأميركية (إ.ب.أ)

أنهى «التحالف الدولي» مهمة «العزم الصلب» في العراق، بعد سنوات من طلب الحكومة في بغداد المساعدة لمكافحة تنظيم «داعش».

وقالت وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) إن الولايات المتحدة وشركاءها في التحالف اختتموا عملية «العزم الصلب»، مضيفة أنه تم الانتقال إلى الأردن مع مواصلة تقديم الدعم الاستخباري للشركاء العراقيين.

وأفاد رئيس الوزراء العراقي، علي فالح الزيدي، بأن «انتهاء مهمة التحالف الدولي لا يعني انتهاء معركتنا مع الإرهاب، بل هو انتقال إلى مرحلة يتولى فيها العراق المسؤولية الكاملة عن الأمن». وبشأن السلاح المنفلت، قال الزيدي: «لا سلاح خارج مظلة القانون، ولا قوة خارج مؤسسات الدولة، وفق ما يقضي الدستور».

وطمأن زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، مسعود بارزاني، أمس (الأربعاء)، مواطنيه بأن الإقليم ليس عرضة للتهديد بعد انتهاء مهام قوات التحالف الدولي.

وفي واشنطن، أفاد خبراء بأن الولايات المتحدة تركز في المرحلة الراهنة، بعد الانسحاب، على تفكيك الميليشيات وعزل النفوذ الإيراني.

وكان لافتاً أن تحتفي إيران وحلفاؤها بانسحاب آخر القوات - والذي كان بشكل أساسي من قاعدة جوية في أربيل بإقليم كردستان - بوصفه «انتصاراً»، رغم قلق طيف من العراقيين إزاء تحديات جيوسياسية.


تعز ولحج تشعلان نذر المعركة اليمنية الكبرى

تحرك القيادة اليمنية للتعبئة العامة ينذر بإطلاق معركة مصيرية ضد الحوثيين (إعلام عسكري)
تحرك القيادة اليمنية للتعبئة العامة ينذر بإطلاق معركة مصيرية ضد الحوثيين (إعلام عسكري)
TT

تعز ولحج تشعلان نذر المعركة اليمنية الكبرى

تحرك القيادة اليمنية للتعبئة العامة ينذر بإطلاق معركة مصيرية ضد الحوثيين (إعلام عسكري)
تحرك القيادة اليمنية للتعبئة العامة ينذر بإطلاق معركة مصيرية ضد الحوثيين (إعلام عسكري)

دخلت المواجهات بين الحكومة اليمنية والجماعة الحوثية مرحلة أكثر حدة، مع اشتداد المعارك في جبهات تعز ولحج، وتزامن العمليات البرية والجوية والصاروخية مع تحرك مؤسسات الدولة لتفعيل التعبئة العامة ورفع الجاهزية العسكرية، في مؤشر على استعداد رسمي لمعركة كبرى ضد الجماعة المتحالفة مع إيران.

وتتركز المعارك في غرب تعز والمناطق المتصلة بلحج، حيث تخوض القوات الحكومية، بمشاركة «ألوية العمالقة» و«درع الوطن» ومقاتلين قبليين، مواجهات عنيفة مع هجمات حوثية ومحاولات تسلل والتفاف. وشهدت جبهة الأغبرة في المضاربة والعارة معارك ليلية، بالتزامن مع غارات جوية على مواقع حوثية في الوازعية والبازلة والظهورة.

وفي تعز، صعّدت الجماعة قصفها الصاروخي على مناطق سكنية في الشمايتين والتربة، مما أسفر عن أضرار مادية وإصابة مدنيين، فيما أعلنت القوات الحكومية تنفيذ 414 عملية استهداف خلال 24 ساعة، بعد يوم من إعلانها 356 عملية قالت إنها أوقعت 476 قتيلاً وجريحاً حوثياً، لترفع حصيلتها المعلنة خلال 4 أيام إلى نحو 3 آلاف قتيل وجريح.

ويتزامن التصعيد الميداني مع إقرار الجيش اليمني عملياته للتعبئة العامة، ومناقشة مجلس الدفاع الوطني رفع جاهزية القوات وتوحيد الموارد والجهود الوطنية.


«العزم الصلب» تنتهي في بغداد... و«عُقدة» الفصائل دون حل

المؤسسات الحكومية والسياسية عدّت انسحاب «التحالف الدولي لمحاربة داعش» انتصاراً (أ.ف.ب)
المؤسسات الحكومية والسياسية عدّت انسحاب «التحالف الدولي لمحاربة داعش» انتصاراً (أ.ف.ب)
TT

«العزم الصلب» تنتهي في بغداد... و«عُقدة» الفصائل دون حل

المؤسسات الحكومية والسياسية عدّت انسحاب «التحالف الدولي لمحاربة داعش» انتصاراً (أ.ف.ب)
المؤسسات الحكومية والسياسية عدّت انسحاب «التحالف الدولي لمحاربة داعش» انتصاراً (أ.ف.ب)

أنهت القوات الأميركية، الأربعاء، مغادرة قواعدها المتبقية في العراق، وسط مخاوف من ترك ملف سلاح الفصائل الموالية لإيران «عقدة دون حل»، ومنح تنظيم «داعش» فرصة لإعادة تنظيم صفوفه. وكان لافتاً أن تحتفي إيران وحلفاؤها بانسحاب آخر القوات - الذي سيكون بشكل أساسي من قاعدة جوية في أربيل بإقليم كردستان - بوصفه «انتصاراً»، على الرغم من قلق عدد من العراقيين إزاء عدم جاهزية قوات الأمن العراقية.

وجرت الموافقة على الانسحاب عام 2024 في عهد الرئيس الأميركي السابق، جو بايدن، وتنفذه إدارة دونالد ترمب الحالية حتى في الوقت الذي تشن فيه حرباً على إيران. وغادرت القوات الأميركية في البداية آخر عام 2011، لكنها عادت بعد ذلك بأقل من ‌3 سنوات بعد ‌أن استولى تنظيم «داعش» على ثلث أراضي العراق.

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي متحدثاً خلال عرض في بغداد بمناسبة انسحاب «التحالف الدولي لمحاربة داعش» يوم 30 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

نهاية «العزم الصلب»

وقالت وزارة الدفاع الأميركية إن الولايات المتحدة وشركاءها في «التحالف الدولي لمحاربة (داعش)» اختتموا رسمياً عملية «العزم الصلب»، مضيفة أنها انتقلت إلى مقرها في الأردن بينما ستواصل تقديم التدريب والدعم الاستخباري الموجه للشركاء العراقيين.

كما أعلنت «القيادة المركزية الأميركية»، في بيان، إكمال الانسحاب المنظم للقوات والمعدات الأميركية من قاعدة أربيل الجوية؛ مما يمثل نهاية مهمة عملية «العزم الصلب».

وأشارت إلى أن «هذه الخطوة جزء من انتقال مخطط له نحو علاقة دفاعية ثنائية بين الولايات المتحدة والعراق».

وقال رئيس الوزراء العراقي، علي فالح الزيدي، في بيان: «انتهاء مهمة التحالف الدولي لا يعني انتهاء معركتنا مع الإرهاب، بل هو انتقال العراق إلى مرحلة يتولى فيها المسؤولية الكاملة عن أمنه واستقراره».

وأضاف الزيدي، خلال احتفال حضرته «الشرق الأوسط» في بغداد، أن «مهام العمليات المشتركة انتقلت إلى مكتب القائد العام للقوات المسلحة ضمن صيغة مؤسسية لإدارة هذا الجهد تحت سلطة الدولة وقيادتها العليا».

وبشأن قصة السلاح المنفلت في العراق، قال الزيدي: «لا سلاح خارج مظلة القانون، ولا قوة خارج مؤسسات الدولة، وفق ما يقضي الدستور».

كما أقامت «هيئة الحشد الشعبي»، التي تضم مجموعات مسلحة موالية لإيران، احتفالاً بمناسبة «يوم السيادة»؛ وشهد كلمات خطابية وصفت الحدث بـ«الانتصار».

يرفع أحد عناصر الأمن العراقي علامة النصر خلال عرض في بغداد بمناسبة انسحاب «التحالف الدولي لمحاربة داعش» يوم 30 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

الصدر يحل «اليوم الموعود»

في غضون ذلك، أعلن زعيم «التيار الصدري»، مقتدى الصدر، الأربعاء، حل لواء «اليوم الموعود» وتحويل فصيله المسلح مؤسسةً مدنية، داعياً إلى حصر السلاح بيد الدولة واعتزال القيادات السياسية العمل السياسي وفتح المجال أمام وجوه جديدة.

وقال الصدر، في تدوينة على منصة «إكس»، إنه يعلن «استقلال العراق وانتهاء حقبة التواجد الأميركي والتحالف الدولي بصورة نهائية»، مقدماً الشكر إلى «المقاومين السابقين الأولين من المجاهدين والأنصار».

وطالب الصدر الجيش الأميركي بتعويضات عن الأضرار التي قال إنها حدثت بسبب «احتلاله الأراضي العراقية»، داعياً إلى تقديم شكاوى قانونية بهذا الشأن.

وحث الصدر الجهات السياسية على إجراء التعديلات اللازمة، وإعطاء الأولوية للعمل السياسي فوراً، وفتح الباب أمام الوجوه الجديدة لإنهاء الفساد والعمل على الإصلاح، مشدداً على وجوب تعزيز القوات الأمنية بكامل صنوفها وتفعيلها، لا سيما حرس الحدود.

بينما عدّ فصيل يحمل اسم «أصحاب أهل الكهف»، يُعتقد أنه واجهة لأحد الفصائل الكبيرة الموالية لإيران، أن حصر السلاح «أوهام يحلم بها الضعفاء والأذلاء»، متوعداً بقطع أي يد تمتدّ إلى عناصره أو تمس سلاحه.

وحذر الفصيل في بيان بأنه «ابتداء من اليوم؛ فإن أي وجود أجنبي، برياً كان أم جوياً، سيشهد رداً عسكرياً» من قبل الفصيل.

كما شككت «كتائب حزب الله»، الأربعاء، في إتمام انسحاب القوات الأميركية من البلاد، مؤكدة في بيان أن ما وصفتها «أجهزتها الاستخبارية» رصدت استمرار تحليق الطيران «التجسسي والحربي في الأجواء العراقية»، إلى جانب «الحصول على برقيات توثق تحركات ميدانية لأفراد (الجيش الأميركي) تستمر حتى نهاية أكتوبر (تشرين الأول) المقبل».

أحد عناصر الأمن العراقي يؤدي التحية العسكرية خلال عرض في بغداد بمناسبة انسحاب «التحالف الدولي لمحاربة داعش» يوم 30 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

«عقدة دون حل»

ومع الانسحاب الأميركي، تعزز طهران نفوذها من خلال حلفائها في العراق منذ سقوط نظام الرئيس الراحل صدام حسين. ويشعر طيف سياسي وشعبي بالقلق من أن قوات الأمن التي دربتها ومولتها الولايات المتحدة لا تزال غير قادرة ‌على حماية البلد، بينما تبقى الفصائل المسلحة التي تعمل من كثب مع «الحرس الثوري» الإيراني «عقد بلا حل»، على حد وصف قيادي بارز في «تحالف إدارة الدولة». ونقلت «رويترز» عن جاسم البهادلي، وهو محلل يقدم المشورة لقوات الأمن: «الدرس المستفاد ‌من العقدين الماضيين هو أن الفراغات الأمنية يمكن أن تكون بالغة الخطورة».

لكن مقربين من الحكومة يميلون إلى التفاؤل بما ستؤول إليه الأوضاع بعد الانسحاب. وقال الخبير في الشؤون الاستراتيجية الدكتور حسين علاوي لـ«الشرق الأوسط» إن العلاقات العراقية - الأميركية دخلت مرحلة جديدة بعد 12 سنة من العمل المشترك لهزيمة تنظيم «داعش»، مشيراً إلى أن «التنسيق الأمني سيتحول تعاوناً اقتصادياً وتنموياً واستثمارياً، بدأت بوارده في الظهور مع لقاء رئيس الوزراء علي الزيدي بالرئيس دونالد ترمب الأسبوع الماضي».

مرحلة ما بعد الانسحاب

ورجح الباحث في الشأن الأميركي عبد الرحمن الجبوري، في حديث مع «الشرق الأوسط» أن «العلاقة بين واشنطن وبغداد لن تتغير كثيراً بسبب تعاظم نفوذ واشنطن السياسي والمالي في بغداد»، لكنه أشار إلى «تأثرها بواقع واستمرار الحرب الإيرانية - الأميركية ورغبة واشنطن إنهاء النفوذ الإيراني في العراق».

وفي حرب هذا العام على إيران، سقط في العراق 7 من أصل 18 جندياً أميركياً أعلن عن مقتلهم خلال الصراع؛ آخرهم جندي برتبة ‌سيرجنت لقي حتفه في أثناء تفجير محكم لطائرة مسيّرة بقاعدة قرب أربيل خلال يوليو (تموز) الماضي.

وتعدّ إيران، التي تقول إن هدفها النهائي هو إجبار القوات الأميركية على ⁠مغادرة الشرق الأوسط بأكمله، انسحاب ⁠الولايات المتحدة من العراق انتصاراً لما يسمى «محور المقاومة»؛ الذي يضم جماعات وفصائل مسلحة متحالفة معها في أنحاء المنطقة. ونقلت «رويترز» عن المحلل السياسي أحمد يونس أن «ما يثير القلق ليس بالضرورة التدخل الإيراني المباشر، وإنما احتمال أن تشعر الجماعات الوكيلة لإيران بمزيد من القوة في غياب الوجود العسكري الغربي. وقد تحاول توسيع دورها في رسم سياسات الدولة وترسيخ وجودها داخل المؤسسات الرئيسية».