وسط الغيوم الكثيفة للشتاء الباريسي القاتم، يبزغ شعاع نور من بلد يعاني أهله من أقسى احتلال مرت به منطقتنا. إنهم الفنانون الفلسطينيون، فوتوغرافيون وسينمائيون، ينشرون إبداعاتهم في فعالية تستمر حتى 20 من شهر مارس (آذار) المقبل.
ويشارك في معرض الصور 5 فنانين يقدمون لقطات تختلف عن تلك التي اعتدنا رؤيتها في وسائل الإعلام عن تلك البقعة المنكوبة. وبدل صور النار والدم تحضر أمام الزوار فلسطين تعبيرية أخرى، ومشاهد تجمع ما بين الواقع المعتاد والخيال الفني. وهنا فإن وصف «معرض فوتوغرافي» لا ينطبق تمامًا على ما يراه الزائر بل يمكن القول إنها نظرة حداثية جديدة يتبناها فوتوغرافيون شباب في محاولة لتحويل الصورة الحقيقية إلى رؤية تشكيلية جديرة باتجاهات العصر. وإذا كان هؤلاء الفنانون يقيمون خارج وطن آبائهم وأجدادهم فإن هذه الأعمال هي بمثابة بيان انتماء إلى فلسطين ويؤكدون حقهم في هويتهم الوطنية. ولهذا فإن الأعمال المعروضة تقترح تعاملاً فنيًا مبتكرًا مع مفهوم الأرض وإعادة تعريف للفضاء الفلسطيني. تلفت النظر أعمال لاريسا صنصور التي جاءت تحت عنوان: «فلسطين الخيالية العلمية». ولتحقيق ذلك فإنها تشتغل على المزج، في صورة واحدة، بين ما هو قائم وما تريده أو تتمناه أن يكون. ويقول دليل المعرض إن الفنانة تقدم «نظرة مستقبلية معقمة» للواقع الراهن. ومن أجمل أعمالها ذاك الذي يصور امرأة في محيط بالغ الحداثة، تسقي زيتونة محتجزة في غرفة زجاجية، بينما تلوح من النافذة قبة مسجد الصخرة في القدس. إن لاريسا، من خلال تطلعها لفضاء نظيف يتحرك فيه أناس أنيقون، تكشف عن رغبة عميقة في انتهاء الاحتلال الإسرائيلي وخلاص الفلسطينيين من حالة الحرب التي تعرقل يومياتهم ويجثمون تحت ثقلها منذ منتصف القرن الماضي. وهي قد برعت في التعبير عن ذلك التداخل المعقد بين الحنين من جهة والرغبة في التطلع للمستقبل ولقيام دولة مستقلة وطبيعية. وفي لوحات أخرى تتجاوز الفنانة الموضوع الفلسطيني لتقدم أعمالاً مستلهمة من الواقع العربي ككل. وكانت لاريسا منصور قد تحولت إلى عنوان سياسي في الأخبار، حين تقدمت للمشاركة في مسابقة عالمية للتصوير برعاية شركة «لاكوست» الفرنسية للثياب. لكن الراعي قرر استبعاد المشروع الذي تقدمت به الفنانة الفلسطينية، والمؤلف من 3 أعمال بعنوان «الأمة العقارية»، بحجة أنه «مناصر للفلسطينيين كثيرًا» وبشكل يفوق قدرة العلامة التجارية الشهيرة على دعمه. وأثار الرفض عاصفة احتجاج عالمية رددت أصداءها مواقع التواصل الاجتماعي. وكانت النتيجة أن قرر المتحف السويسري، الذي كان المكان المقرر لعرض الأعمال المتنافسة، إلغاء الجائزة. من الفنانين الآخرين بشير مخول المقيم في بريطانيا منذ أكثر من 20 سنة. إنه يصف دوره بأنه مثل المقاومة الهدامة، حيث يسعى لإظهار الفساد في فكرة الاحتلال ويدعو المُشاهد لأن يضع اليد على الفضاء بهدف مساءلة الاحتلال بمفهومه الواسع وتأثير سياسة سلب الأراضي على تطور الهوية. الفنانون الآخرون هم خالد جرار، شادي الزقزوق ونداء بدوان. وهم كانوا حاضرين في أيام محددة للحوار مع الجمهور حول الهاجس الفني لكل منهم. إن الأسئلة المطروحة هي: «ماذا يعني لك أن تكون فنانًا فلسطينيًا؟ ما هو موقع الفن والفنان في المجتمع الفلسطيني؟ أي حرية تتوفر للعرض وللتعبير؟ أي رقابة؟ وما هي حدود التزام الفنان؟ كيف تؤثر قضايا الهوية والأرض على المشهد الفلسطيني المعاصر؟ يذكر أنه بموازاة المعرض التشكيلي، يقدم معهد العالم العربي سلسلة من العروض السينمائية لأفلام قصيرة ومتوسطة أنجزها مخرجون فلسطينيون. كما جاءت من غزة فرقة «وتر» الغنائية الفلسطينية للمشاركة في الفعالية الباريسية. وهي فرقة من الشباب يؤدي أفرادها، إلى جانب المعزوفات العربية الكلاسيكية، أنواعًا من موسيقى «الراب» و«الروك» ذي التأثيرات الفولكلورية المحلية. وتكرس فرقة «وتر» فنها لمقاومة الاحتلال وبث الأمل في نفوس الشباب. وهي تستلهم عروضها من اليوميات الصعبة لأهالي غزة وهمومهم ويسعى عازفوها لتمهيد درب الحلم بسلام دائم في فلسطين. وما باريس سوى محطة في جولة عالمية تقوم بها الفرقة خارج غزة.
10:19 دقيقه
فلسطين كما يتصورها مغتربوها تحل في معرض بالعاصمة الفرنسية
https://aawsat.com/home/article/578021/%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86-%D9%83%D9%85%D8%A7-%D9%8A%D8%AA%D8%B5%D9%88%D8%B1%D9%87%D8%A7-%D9%85%D8%BA%D8%AA%D8%B1%D8%A8%D9%88%D9%87%D8%A7-%D8%AA%D8%AD%D9%84-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%B9%D8%B1%D8%B6-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D8%B5%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D9%8A%D8%A9
فلسطين كما يتصورها مغتربوها تحل في معرض بالعاصمة الفرنسية
ازدواجية الواقع والخيال الفني بالصورة والكاميرا والموسيقى
«فلسطين الخيالية العلمية» للاريسا صنصور
فلسطين كما يتصورها مغتربوها تحل في معرض بالعاصمة الفرنسية
«فلسطين الخيالية العلمية» للاريسا صنصور
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

