حين خطّأ هيوم التصور السائد حول السببية التي تقوم على الضرورة

الاستدلال الشائع عن طريقها ومحاججة الغزالي وبرتراند راسل

حين خطّأ هيوم التصور السائد حول السببية التي تقوم على الضرورة
TT

حين خطّأ هيوم التصور السائد حول السببية التي تقوم على الضرورة

حين خطّأ هيوم التصور السائد حول السببية التي تقوم على الضرورة

تعد لفظة «السببية»، من الألفاظ الشائعة جدا، ليست فقط في إطار العلم، بل حتى في لغتنا الدارجة. فنسمع كلاما وكأنه قول مأثور من قبيل «لكل شيء سبب»، أو إذا «عرف السبب بطل العجب»، أو «تعددت الأسباب والموت واحد». وهذا يدل على توغل الاستدلال بطريق السببية، لتفسير الأشياء، إلى عمق التفكير البشري. فالحرارة سبب تمدد الحديد. وكسر الأنف، في ملاكمة، هو نتيجة اللكمة. وارتفاع منسوب الزئبق في الترمومتر، هو نتيجة ارتفاع الحرارة. ووجود أثر قدم في مكان، يدل على أن شخصا قد مر من هناك. ووجود الغيوم يدل على تساقط المطر. وهكذا، فحياتنا مغمورة بالأحداث التي تفسر وفق السبب الذي تتبعه النتيجة. فالعقل البشري، يرى الطبيعة تتصرف وفق هيئة مطردة ونظام ثابت. فهي ليست فوضى ولا خبط عشواء. إذ لا تحصل الأحداث من دون أسباب. لهذا يعد مبدأ «إن لكل شيء سببا»، مبدأ أساسيا في كل معرفة بشرية عامة أو علمية.
إن مبدأ السببية، يبدو واضحا حتى في مملكة الحيوان. فالحيوانات، تتجنب مثلا، مكانا تعرضت فيه للأذى في الماضي، ظنا منها أن ما آذاها مرة يمكن أن يؤذيها مرة أخرى. كما أنها تعود إلى المكان الذي وجدت فيه غذاءها يوما. فالحيوانات تتحرك، بدورها، وفق مبدأ التكرار والتتابع، وكأن في ذهنها، يترابط السبب والنتيجة، أو ما يسميه العقل البشري، «اطراد الطبيعة»، أي أن ما حدث مرة سوف يحدث ثانية في الظروف المتشابهة. فالأمور تسير وفق نمط واحد ومحدد.
إن التفسير بالسببية، أمر صاحب الإنسان على الدوام. فمثلا، في العصور القديمة والعصور الوسطى، اعتبرت السببية العنصر الأساسي والحاسم، سواء في الفيزياء لتفسير الظواهر الطبيعية أو ما وراء الطبيعية، لإثبات وجود كائن أسمى، هو علة أولى، أو صانع، أو محرك أول، أو منظم ومتحكم في سير الظواهر. وإذا ما أخذنا نموذج أرسطو باعتباره المعلم الأول، فنحن نعرف أنه قد وضع للظواهر أربعة أسباب، وهي: السبب الصوري، والسبب المادي، والسبب الفاعل، والسبب الغائي. فإذا أخذنا الكرسي، فسببه الصوري هو شكله، وسبب المادي هو الخشب، وسببه الفاعل هو النجار، وسببه الغائي هو الجلوس.
أما في الزمن الحديث، فسيجري الاقتصار فقط على سبب واحد هو السبب الفاعل، وسيعتبر الركيزة الأساس للعلم الحديث. فالعلوم الطبيعية، منذ غاليليو حتى الآن، تتم بفضل العبارة الشرطية» إذا.. فإن..» وتعبر عن مبدأ السببية، باعتباره يقوم على خاصية الضرورة، التي هي روح قوانين العلم. هذا المبدأ، سيقود إلى نزعة ميكانيكية، ستجر إلى القول بنظرة تسودها الحتمية. أي أن أحداث العالم الحالية، مرتبطة بأحداث العالم السابقة، وهي بدورها أساس للاحق من الأحداث. وهذا ما روج له العالم بيير سيمون دو لابلاس «1749 / 1827»، باعتباره أحد أقطاب الفيزياء الكلاسيكية، وأقوى دعاة الحتمية.
لقد اعتقد معظم الفلاسفة والعلماء، أن مبدأ السببية يحمل سمة الضرورة، وأن عدم افتراض هذه الضرورة سيجعل صياغة قوانين الطبيعة أمرا غير ممكن، ومن ثم ستهتز أركان العلم. فمن المستحيل مثلا، تصور قطعة من الحديد جرى تسخينها من دون أن تتمدد، وأن جسما ترك في الهواء ولم يسقط، أو أن وجود النار لا يؤدي إلى الحرق. فبين السبب الفاعل والنتيجة المترتبة عليه، هناك ضرورة لازمة.
لكن مع مجيء الفيلسوف ديفيد هيوم، في القرن الثامن عشر، سيتغير الأمر إذ سيعمل هذا الرجل على إزعاج العلم بإثبات خطأ التصور السائد حول مبدأ السببية، وأنه يقوم على الضرورة. لقد بث هيوم الشك والريبة في فكرة الحتمية الصارمة، وهو ما أدى إلى نشوب صراع حاد بين الفلاسفة والعلماء، بين القائلين بالحتمية لضمان التنبؤ، ومن ثم إعطاء الأساس الصلب للعلم، والقائلين بالاحتمالية، وأن لا أحد سيضمن أن الشمس ستشرق غدا. كل هذا أدى إلى ظهور ما اصطلح عليه بـ«مشكلة هيوم» أو مشكلة الاستقراء، والتي ستتناسل عنه مشكلات أخرى، من قبيل مشكلة القانون العلمي، ومشكلة مدى عقلانية العلم؟ فما هي مشكلة هيوم؟ وبأي معنى نفهم أن العلاقة بين السبب والنتيجة ليست ضرورية؟ وما تأثيرات ذلك على صلابة العلم؟
مشكلة هيوم
تكمن أصالة هيوم، في تحليله المشهور للسببية، الذي حاول من خلاله، أن ينزع عنها طابع الضرورة، وأن يبرز أن علاقة السبب بالنتيجة علاقة قائمة على العادة فقط. بمعنى أنه سيخرج السببية من عالم المنطق إلى عالم السيكولوجية. فكيف ذلك؟
في كتابه «تحقيق في الذهن البشري»، وهو من ترجمة الدكتور محمد محجوب، وصدر عن المنظمة العربية للترجمة، الطبعة الأولى 2008، يبرز هيوم شكوكه في عمليات الذهن، وبالضبط قضية السببية. فيدعونا مثلا، إلى تخيل كيف ستكون نظرة الإنسان الأول، التي يسميها الحالة الآدمية، للشمس وهو يراها لأول مرة تشرق؟ فهل هذا ضمانة بأنها ستشرق مرة ثانية؟ فليس هناك دليل عقلي. بل كل ما هنالك هو أن العملية ستتكرر مرات كثيرة، وجراء الألفة والعادة، سيستنتج أنها ستطلع يوميا. وبالمثل، كيف سأعرف أن النار ستحرق، وأن الماء يمكن أن يخنقني؟ فالأمر بالنسبة لهيوم لا يعود أبدا للضرورة العقلية، بل الأمر يعود للتجربة والعادة. فإذا ما تأملنا جيدا أي سبب، فلن نجد أي مؤشرات تضمن أنه ستتبعه نتيجة معينة. فالرابط بين السبب والنتيجة ليس مضمونا. وظهور سبب معين لا يلزم عنه ضرورة حدوث نتيجة معينة. وحدوث نتيجة معينة لا يعني مباشرة، أن لها علاقة لازمة مع سببها. بعبارة أخرى، يريد هيوم إثبات أن السببية لا تكشف بالعقل وإنما بالتجربة. فهل من دليل أن الشمس ستشرق غدا؟ لا دليل عقليا إلا انتظار التجربة غدا.
إذن، إذا كانت السببية بالنسبة للإنسان الأول مجرد رابط بين حدثين، أي «أ» يتبعها «ب»، ستصبح مع مر التاريخ، بالنسبة للإنسانية، رابطا ضروريا، أي «أ» تعني «ب». فالإنسان سيحول مجرد تتابع الأحداث، إلى علاقة ضرورية على الرغم من أنها ليست أبدا كذلك.
إن تحليل هيوم للسببية يجرنا إلى ريبة أكيدة. فكأن هيوم يقول لنا إننا ملزمون بالقيام بعدد لا محدود من الاستدلالات، لكن من دون سند عقلي. بعبارة أخرى، وكأن هيوم كان يمرح بأن يعري السببية من شرط الضرورة، للقول بأنها مجرد عادة وتكرار، ومن ثم كان يحاول إظهار أن العلم القائم على السببية، هو مجرد معتقد وبأساسات هشة.
إن ما طرحه هيوم كان زلزالا بالنسبة للفيلسوف كانط، فهو يقول عنه أنه أيقظه من سباته الدغمائي، لأن كلام هيوم خطير، ليس لأنه فقط يزعزع أركان العلم ويظهره بمظهر المعتقد، بل لأن كلامه له تبعات دينية على مستوى العلاقة بين الإله والعالم بما هي علاقة سببية، وتبعات أخلاقية. أي على مستوى العلاقة بين المجرم والجريمة مثلا، بما هي، أيضا علاقة سببية. فنزع الضرورة عن السببية يضعنا في ريبة طاحنة.
إن مسألة التعود التي نبه إليها هيوم، تجرنا أيضا إلى موقف برتراند راسل من مشكلة هيوم. فهو يقول: إن الارتباط بين السبب والنتيجة ليس حكرا على الإنسان، بل هو قوي حتى عند الحيوان. فالحصان الذي ظل يساق على طريق معين، يقاوم أي محاولة لقيادته في اتجاه مختلف. بل حتى الدواجن، تتوقع الطعام من يد من تعودت أن يطعمها. لكن راسل يرى أن كل هذه التوقعات الغشيمة للاطراد، معرضة لأن تكون مضللة. وأن الرجل الذي ظل يطعم الدواجن كل يوم على مدى حياتها، هو الذي يذبحها بدلا من إطعامها مستقبلا. إن مثال الدواجن هذا، يريد راسل أن يبرز من خلاله هشاشة الاستقراء والتنبؤ، لكن على الرغم من ذلك، يؤكد أننا يجب أن نؤمن، وإن يكن على مضض، بصدق مبدأ الاستقراء، ولو كفعل أعمى من أفعال الإيمان، حتى يتسنى لنا المضي قدما في طريق العلم.
إن مشكلة هيوم تذكرنا مباشرة بموقف «حجة الإسلام» ، وإن كان في سياق مختلف وبآفاق أخرى مرتبطة بأسئلة كلامية تخص زمانه. فهو أيضا طرح القضية نفسها، حيث كان الغزالي من دعاة الاقتران والتلازم، منكرا أن السببية تتسم بالضرورة، بل هي عادة وتكرار. فهو أيضا، وضع العالم في مجال الاحتمال بدل الحتمية. ومن ثم يمكن تبرير المعجزات، الأمر الذي دفع ابن رشد للرد وبقوة دفاعا عن الضرورة.



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.