بصبر أيوب، حمل المخرج العراقي عباس فاضل كاميرته السينمائية ودار بها في أرجاء بيت العائلة، من صالة المعيشة حتى غرف النوم والمطبخ والحديقة. ولم يغفل حركة أو حوارًا وكأنه كان يعرف أن هذه الحياة المتوترة والمحاصرة ستنقلب بعد أسابيع قلائل، وليس بالضرورة إلى الأفضل. ومن مجموع عشرات الساعات من التصوير، استخلص 5 ساعات و45 دقيقة ليجعل منها فيلمًا بعنوان «أرض الوطن» يثير ضجة إعلامية مع بدء عرضه على الشاشات الباريسية، هذا الأسبوع.
ولد عباس فاضل في الحلة، وجاء باريس ليدرس السينما في جامعتها. كان في الثامنة عشرة من العمر وفي رأسه أحلام كبيرة بأن يصبح سينمائيًا معروفًا. وقد استغرق منه الأمر 35 عامًا لكي يشهد حلمه يتحقق. وهو يستطيع اليوم أن يقول إن الفضل يعود لأسرته التي تركها في بغداد وعاد إليها قبل حرب الخليج الثانية بأسابيع. لقد أخذ معه كاميرا سينمائية صغيرة وبدأ يسجل اليوميات العادية لأسرة بغدادية متوسطة، تزوج فيها الأشقاء والشقيقات وكبر أطفالهم في غفلة منه وصاروا مراهقين يضجرون ما بين النوم فوق السطح، أو على عشب الحديقة، بسبب القيظ وانقطاع الكهرباء.
الكل يتفرج على الشاشة دون تعليق، وهي تعرض مشاهد من عيد ميلاد الرئيس القائد، أو تدريبات الجيش الذي يستعد للقتال، أو مجرد أفلام كرتون وأغنيات مكررة. وهو يقول اليوم: «ما كان يمكن لي أن استنطقهم أمام الكاميرا ليعبروا عن ضيقهم وسخطهم. إن ذلك كفيل بأن يودي بهم إلى التهلكة». وفي المرات القليلة التي خرج فيها للتصوير في الشارع والسوق، فإنه كان بصحبة الممثل المعروف سامي قفطان. وقد فرت نجومية قفطان نوعًا من الحماية لمخرج لم يأخذ رخصة من وزارة الإعلام للتصوير في الأماكن العامة. والسبب هو أن الوزارة كانت سترسل معه مرافقًا يلتصق به ويمنعه من تصوير ما يريد، بل ويوجهه لأخذ لقطات تخدم الدعاية السياسية للنظام.
قامت الحرب وعمت الفوضى وتغيرت يوميات الأسرة. وعاد عباس فاضل ليستكمل ما بدأه دون أن يخطر على باله، ربما، أن هذه الأشرطة يمكن أن تصنع فيلمًا خافت النبرة لكنه يصرخ بالصدق. إنه الوثيقة التي تختلف عن آلاف الأفلام الوثائقية التي سجّلتها عدسات مصوري العالم في العراق، طوال فترات النزاع والحروب. إن الكاميرا في هذا الفيلم تتوجه نحو البشر العاديين، ولا تلتفت لخطب القادة وتصريحات السياسيين. فماذا نرى؟ أطفالاً يلعبون بالرشاش والمسدس وكأنها دمى للتسلية. أربع شقيقات يجلسن على السرير ويتبادلن الحديث والضحك مع أمنية بأن تتزوج إحداهن لعلها تفتح الطريق أمام الأخريات. شاب يخلع نعليه ويصفق بهما لكي يقلد أصوات القذائف التي تحرمه من النوم. والدة تضع في حجرها صورة مؤطرة لولدها «الشهيد» وكأنه ما زال طفلاً يجلس في حضنها. أبناء ينطلقون بالسيارة باحثين عن أبيهم المختطف. رجال يتجادلون في السوق هل كان الوضع أفضل في زمن صدام أم بعده؟ فيلم بلا ممثلين ودون أبطال، لأن كل شخصية أدت دورها الحقيقي في الحياة. ولعل الأطفال سرقوا الكاميرا، بعفويتهم، من الكبار. ومن كان منهم في الثانية عشرة عند بدء التصوير صار اليوم في الخامسة والعشرين.
ثم جاءت الساعة الأصعب عند المباشرة بعمل «المونتاج»، وهي المحنة التي يعرفها كل مخرج للأفلام الوثائقية حين يضطر لاقتطاع مشاهد كثيرة وطويلة يحبها، وكان قد تعب في التقاطها. لكن تحدي عباس فاضل كان فوق المعقول. لقد قرر أن يكون يقارب فيلمه الساعات الست. وهو أمر أرعب كل المنتجين ورفضوا المضي في المغامرة. وهكذا قرر أن ينتجه بنفسه وينفق عليه مما يملك، وهو قليل. لكن النتيجة كانت مذهلة وأدهشته قبل غيره. لقد هلل النقاد للفيلم واحتفت به الصحافة احتفاء كبيرًا ووصفته بـ«التحفة». ومن يتصفح كبريات الجرائد والمجلات الفرنسية، ويتابع برامج التلفزيون والإذاعة يطلع له المخرج العراقي مثل «الجوكر» فيها كلها. من كان يصدق أن يذهب الجمهور إلى السينما ليشاهد فيلمًا وثائقيًا طويلاً جدًا عن العراق، يعرض على دفعتين؟
9:14 دقيقه
«أرض الوطن».. فيلم عراقي يأسر انتباه الإعلام الفرنسي
https://aawsat.com/home/article/566931/%C2%AB%D8%A3%D8%B1%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B7%D9%86%C2%BB-%D9%81%D9%8A%D9%84%D9%85-%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A-%D9%8A%D8%A3%D8%B3%D8%B1-%D8%A7%D9%86%D8%AA%D8%A8%D8%A7%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D9%8A
«أرض الوطن».. فيلم عراقي يأسر انتباه الإعلام الفرنسي
عباس فاضل يسجل يوميات عائلته قبل الاجتياح الأميركي وبعده
أثناء تصوير أحد مشاهد {أرض الوطن}
«أرض الوطن».. فيلم عراقي يأسر انتباه الإعلام الفرنسي
أثناء تصوير أحد مشاهد {أرض الوطن}
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

