«ذا بيغ شورت» و«99 منزلاً».. الأزمة الاقتصادية ما زالت تنتج أفلامها

«ذا بيغ شورت» و«99 منزلاً».. الأزمة الاقتصادية ما زالت تنتج أفلامها

الفيلم الثاني أفضل إخراجا وتمثيلا.. ولكنه لم يفز بأي ترشيحات
الخميس - 25 شهر ربيع الثاني 1437 هـ - 04 فبراير 2016 مـ
لقطة من «99 منزلاً» - أحد مشاهد «التقليص الكبير»

سواء أكانت التوقعات التي تتحدث اليوم عن انهيار وشيك للاقتصاد الأميركي، ومن ثم العالمي، على غرار ما حدث سنة 2008 مجرد بالونات هوائية، أو تحذيرات تماثل في جديتها تلك التي أطلقت قبل أزمة العام المذكور، فإن هوليوود لا تفتأ التعامل مع الموضوع على أساس أنه من تلك التي تثير اهتمام قطاع كبير من الأميركيين، خصوصًا أنه يشمل جوانب مختلفة ويكشف، في كل فيلم جديد حول الموضوع، عن وجوه متعددة كانت تقف وراء الأزمة أو قطاعات أصيبت مباشرة بها.
في سباق الأوسكار الحالي، وبين مواضيع تتوزع ما بين الخيال العلمي («المريخي») والوسترن («المنبعث») وما بين الأكشن الصافي («ماد ماكس») والأحداث المأخوذة عن الواقع («سبوتلايت») هناك فيلم يتعامل والوضع الاقتصادي للولايات المتحدة في الفترة السابقة مباشرة لانهيار 2008 وهو «ذا بيغ شورت».
وخارج التداول بالنسبة للأوسكار، فيلم آخر عن الفترة ذاتها والموضوع العريض نفسه هو «99 منزلاً». وقبلهما عدّة أفلام تدحرجت من حكايات الواقع المؤلم (ثمانية ملايين أميركي خسروا أشغالهم اليومية، و6 ملايين خسروا بيوتهم، اقتنوها) إلى أفلام منسوجة استنادًا إليه مع قدر كبير من الرغبة في نقد الوضع وتوجيه أصابع الاتهام لمن تسبب به.
«ذا بيغ شورت» لديه اسم جاذب. في اللغة الاقتصادية فإن كلمة «Short» تعني تقليص الاستثمار في جانب معيّن من الأعمال. بالتالي فإن العنوان تركيبة تناقض بين كلمتي «كبير» و«تقليص» (وليس كبيرًا وقصيرًا). في الفيلم يكتشف عدد من رجال وول ستريت ما يرونه احتمالاً كبيرًا لانهيار سوق العقارات، الأمر الذي لم يكن واردًا في بال معظم المستثمرين ورجال الأعمال والمصرفيين كون هذا القطاع عُرف بأنه الأكثر أمانة لدرجة أنه دائمًا ما أغرى رجال الأعمال بالاستثمار فيه. لكن أذكياء المهنة نظروا إلى المسألة من زوايا مختلفة وتوقعوا حدوث انهيار اقتصادي شامل سيكون القطاع العقاري أهم ضحاياه. فقاموا بالمضاربة ضد صكوك التأمين التي تقوم بها المصارف والمؤسسات الاقتصادية حيال هذا القطاع حتى إذا ما حدث الانهيار خرج هؤلاء وقد جنوا مئات ملايين الدولارات من عملياتهم.


* سمكة قرش
مثل «ذئب وول ستريت»، فيلم مارتن سكورسيزي الأمتن صنعًا قبل أربعة أعوام، لا يبدي «التقليص الكبير» أي موقف سلبي حيال شخصياته الرئيسية. في فيلم سكورسيزي قدر ملحوظ من الاحتفاء برجل ارتكب كل المعاصي غير الإنسانية ليبني ثروته على ضحايا الأزمة الاقتصادية. هنا نجد الشخصيات الثلاث تتحرك بمنأى عن أي رادع أخلاقي أو إحساس بالمسؤولية باستثناء الشخصية التي يؤديها براد بت (كرجل أعمال سابق كاد يشترك في العمليات الحالية) والشخصية التي يؤديها ستيف كاريل الذي يتوقف، قبل نهاية الفيلم، مترددًا في الاستمرار في عملية نصب يدرك أنها ستنسف آمال الملايين العريضة، لكنه بعد دقيقة من التردد يمضي كون الثروة التي سيجنيها هي أكبر من أن يستطيع إغفالها.
كل ذلك يتم بأسلوب مزركش بالخفة والاستعراضات السريعة التي تقرن الكوميديا بالسخرية من دون أي نصيب يذكر من السوداوية. يستبدل المخرج أدام ماكاي رغبة المشاهدين في استيعاب ما يحدث على الشاشة برغبته في توفير قدر من الترفيه حول ذلك الوضع المتأزم. صحيح أنه يوفر بعض الأرقام والإحصاءات ولديه شخصيّتان تقومان بخطابات تدور حول ما يحدث، إلا أن الشخصية الأولى (تلك التي يؤديها كرستيان بايل) لا تتبدّى كأهل للثقة، والثانية (رايان غوزلينغ) تبقى مكروهة.
الفيلم الذي لم يُقدر له الاشتراك في سباق الجوائز الأساسية هو «99 منزلاً»، وهو أفضل بكثير رغم بعض الإسهاب في منطقة ما بعد الوسط. أخرجه رامين بحراني حول طرد أصحاب المنازل من بيوتهم عندما يعجزون عن الاستمرار في دفع مستحقاتهم الشهرية للمصارف، وهو ما يسبب إصدار قرارات من القضاة لمصادرة الممتلكات. يتسلح بالقرار المضارب الشرس ريك (مايكل شانون) ويقصد المنازل المعنية، بصحبة شرطيين ليطرد من فيها، ويستولي على المكان فورًا. مع مطلع الفيلم نرى ريك وهو يتوجه إلى منزل دنيس (أندرو غارفيلد) طالبًا منه إخلاء المنزل، بعدما عجز عن سداد فاتورته الشهرية. دنيس يعيش مع أمّه (لورا درين) وابنه كونور (نواه لوماكس) وهؤلاء يفجعون، إذ يجدون أنفسهم خارج البيت بعد عشر دقائق من مطالبتهم بإخلائه. ينتقلون إلى فندق وضيع منضمين، على الأرجح، إلى عائلات أخرى خسرت منازلها على النحو ذاته.
لكن مهارة الكتابة هنا هي أن دنيس، في بحثه عن عمل، يرضى بالعمل عند ريك، وبالتدرج السريع يتحوّل من ضحية إلى سمكة قرش في الآلة الرأسمالية التي كان يشكو منها. الآن، وقد بدأ يرى المال يملأ جيبه، وأخذ يفهم السوق ويعرف كيف يستفيد من أزمة 2008 التي حجبت قدرة الدفع عن الملايين، لم يعد قادرًا على التخلّي عن هذه المكتسبات إلى أن يشهد حادثة كادت تتحوّل إلى مأساة عنيفة بسبب ما يقوم به.


* من دون وجل
رامين بحراني، مخرج «99 منزلاً»، حقق للآن 13 فيلمًا انتقل فيها من الحديث عن شخصيات لاجئة لأميركا (كحالته) لشخصيات من صميم أميركا كما الحال في هذا الفيلم وفيلمه السابق «بأي ثمن»، حيث تناول مزارعًا مشتركًا في فرض المسؤولين عن القطاع الزراعي استخدام بذور المحاصيل المصنوعة كيمائيًا عوض تلك الطبيعية رغم معارضة أصحاب الأراضي. كلاهما عن كيف ينسج ابن البيئة الكادحة طريقًا مختلفًا حال يرى مكمن مصلحته المادية.
«99 منزلاً» أفضل من فيلم أدام ماكاي «التقليص الكبير» وممثليه يؤديان دورين خليقين بالترشيحات، لكن في حين كريستيان بايل مرشّح عن دوره في الفيلم الآخر، يخرج مايكل شانون بلا حسبان، وهو كان رشح لهذه الجائزة سنة 2008 عن دوره في «رفوليوشناري رود» وحظي ببضعة جوائز نقدية أخيرًا عن دوره في هذا الفيلم الجديد له.
بطبيعة الحال، عالجت السينما أزمة 2008 أكثر من مرّة. بل تنبأت بها في الكثير من المرّات عبر أفلام تتحدث عن هوان المؤسسة المالية مثل ذلك الفيلم الذي أخرجه بيتر إلكيند وبيتاني مكلين عن مؤسسة إنرون سنة 2005 (عنوانه «إنرون: أذكي ناس في المهنة»).
من عام 2009، بوشر الاهتمام بما حط على الاقتصاد الأميركي من خسائر بسبب شره المؤسسات الاقتصادية الكبرى هناك، فأخرج مايكل مور «الرأسمالية: حكاية حب» وقام مايكل سامويلز بتحقيق فيلمه التقريري «آخر أيام الأخوين ليمان» (صاحبا مؤسسة اقتصادية كبيرة أخرى). بعد ذلك شاهدنا فيلمين هما من أفضل ما تم إطلاقه من أعمال سينمائية حول هذا الموضوع وهما «نداء هامشي» للمخرج ج. س. شاندور و«رجال الشركة» لجون وَلز. كلاهما في عام 2010، وكلاهما رصد الواقع من دون وجل ولا محاولة لتخفيف العبء أو لتسلية الجمهور بمأساة ليس فيها ما يدعو لتناولها بأقل مما هي عليه من وجوم.
لاحقًا أخفق أوليفر ستون في تقديم أي إضافة مفيدة عبر «المال لا ينام» (2012) الذي كان عن الجشع المفيد في نهاية مطافه أكثر مما كان عن سلبياته، أفضل منه كان فيلم مارتن سكورسيزي «ذئب وول ستريت» (2013) لكنه لم يتقدّم كثيرًا على صعيد الإدانة تاركًا مفادات الفيلم «فالتة» على هذا الصعيد.


اختيارات المحرر

فيديو