مديرو التصوير في سباق الجوائز.. مَن مِنهم أحق بأوسكار 2016؟

ثلاثة من الأفلام التي فازت بالترشيح تقع أحداثها في بيئات مكانية موحشة أو صعب الوصول إليها

من فيلم «ماد ماكس: طريق الغضب»: قافلة الصحراء قادمة
من فيلم «ماد ماكس: طريق الغضب»: قافلة الصحراء قادمة
TT

مديرو التصوير في سباق الجوائز.. مَن مِنهم أحق بأوسكار 2016؟

من فيلم «ماد ماكس: طريق الغضب»: قافلة الصحراء قادمة
من فيلم «ماد ماكس: طريق الغضب»: قافلة الصحراء قادمة

ضمن قائمة الأفلام التي رشحت أخيرا لجائزة الأوسكار برزت المجموعة المرشحة في فئة أفضل تصوير لأوسكار 2016 بشكل أكبر من غيرها. فهناك «كارول» وهو من تصوير إدوارد لاتشمان، وفيلم «الكارهون الثمانية» تصوير روبرت رتشردسون، و«ماد ماكس: طريق الغضب» تصوير جون سيل، و«المنبعث» تصوير إيمانويل لوبيزكي، و«سيكاريو» تصوير روجر ديكنز. خرج من حسابات اللجنة يانوش كامينسكي مدير تصوير فيلم «جسر الجواسيس» وباري أكرويد عن «ذ بيغ شورت» وإيف بيلانجير عن «بروكلين» وداريوش ڤولسكي عن «المريخي» وماسانوبو تاكايناغي عن «سبوتلايت» وداني كوهن عن «غرفة».
* بين الفيلم والديجيتال
ما يلفت النظر أن ثلاثة من الأفلام التي فازت بالترشيح تقع أحداثها في بيئات مكانية موحشة أو صعبة الوصول. المكان يلعب فيها دورًا أساسيًا مما يتطلّب دراية تصوير واتفاق في الرؤية بين مدير التصوير والمخرج.
على هذا الوضع، فإن «الكارهون الثمانية» للمخرج كوينتين تارنتينو يقع في الغرب الأميركي ومكان التصوير الخارجي هو أرض برية مكسوّة بالثلوج، و«المنبعث» لأليخاندرو غونزاليس إيناريتو، خارجي التصوير (أي خارج أي مكان مغلق، معظمه) والطبيعة التي تم تصوير الفيلم فيها شاقّة وثلجية مع مرتفعات ووديان طبيعية. أما «ماد ماكس: طريق الغضب» لجورج ميلر فهو صور في صحراء شاسعة غير قابلة للعيش إلا من قِبل سكانها الخارجين عن أي قانون طبيعي في الأساس. أما «كارول» لتد هاينس، فالزمان هو الذي يتكفل بتمييزه، إذ تقع أحداثه في الخمسينات وموقعه المدينة. «سيكاريو» للمخرج الكندي دنيس فيلنيوف مختلف عن كل ما سبق. هو فيلم يتعامل ومواقع كثيرة منها ما هو داخلي (منازل، وغرف عمليات، وأنفاق) وخارجي (غالبًا طرق دولية).
وجدير بالملاحظة أن فيلما واحدًا بين هذا المجموع صور باستخدام الكاميرا التقليدية وهو «الكارهون الثمانية»، أما الأفلام الأخرى فصورت بكاميرا ديجيتال، واحد منها فقط بكاميرا من نوع Arriflex 416 والباقي استخدم كاميرات Arri Alexa بأنواعها المختلفة. لذلك أهمية بالغة لدى مديري التصوير ومناهجهم في العمل كما للمخرجين وما يحاولون تحقيقه. وسنلاحظ في هذا المجال أن مدير التصوير الوحيد الذي صوّر بكاميرا فيلم (بانافيجين 65 مم) روبرت رتشردسون، لم يصل إلى ترشيحات مهمّة أخرى هو ترشيحات جوائز «جمعية مصوّري السينما الأميركية».
فالخمسة المرشحون لجائزة نقابتهم، التي سيتم توزيعها في الرابع عشر من فبراير (شباط) هم لوبيزكي عن «المنبعث» وسيل عن «ماد ماكس: طريق الغضب» وديكنز عن «سيكاريو» ولاتشمان عن «كارول» ويانوش كامينسكي (الذي لم يرشح للأوسكار) عن «جسر الجواسيس» وهو مصوّر بالفيلم الخام أيضًا.
روبرت رتشردسون، لم يفز مطلقًا بجائزة نقابته الكبيرة رغم ترشيحه عشر مرّات من قبل. لكنه فاز بثلاثة أوسكارات سابقة أولها كان عن «JFK» («جون ف. كندي» للمخرج أوليفر ستون) سنة 1991، ثانيها عن «الملاح» لمارتن سكورسيزي (2004) وثالثها «أوغو» لسكورسيزي أيضًا، سنة 2011.
لكن هذا التجاهل لمدير التصوير رتشردسون لا يعني أنه قد لا يفوز بالأوسكار عن «الكارهون الثمانية» وذلك لسببين، الأول أن أعضاء جمعية المصوّرين يشكلون قلّة بين أعضاء الأكاديمية، والثاني إنه في خلال العقدين الماضيين تلاءمت جوائز الجمعية مع جوائز الأوسكار في فئة التصوير مرتين فقط. باقي المرّات من فاز بالأولى لم يفز بالثانية تلقائيًا.
* ساعتان فقط
على ذلك، ونحن نغوص الآن في مضارب فنية، لا يبدو أن تصوير رتشردسون في «الكارهون الثمانية» سيفوز هذا العام. هو جيد بلا ريب. واضح ومؤسس جيّدًا تحت وضح النهار وفي الأماكن الداخلية المعتمة على حد سواء، لكن أعضاء الأكاديمية لديهم أفلام أخرى ذات حسنات من هذا النوع هذا العام، تحديدًا «المنبعث» و«ماد ماكس: طريق الغضب». وبين هذين الاثنين، فإن «المنبعث» يتصدر التوقعات حاليًا. ويتطلع أعضاء الأكاديمية الذين سيدلون بأصواتهم قبل رفع الستارة عن حفلة الأوسكار في نهاية هذا الشهر، إلى الإنجاز البصري أولاً. وهذا ما يعزز وضع مدير تصوير هذا الفيلم إيمانويل لوبيزكي الذي فرض عليه الفيلم حالات قصوى من العمل المضني. ليس فقط لصعوبة الأماكن التي تم التصوير فيها، ولو أن هذه ناحية مهمّة تفصل ما بين تأقلم مدير التصوير وموهبته مع المكان في مقابل سقوطه في التجربة، بل أيضًا للجهد المبذول في تنفيذ رؤى المخرج إيناريتو.
بعد أكثر من شهر من التدريب والتجارب، بوشر التصوير ليستمر نحو المدّة ذاتها من العمل. المكان المختار لتصوير هذا الفصل من المشاهد في ولاية ألبرتا، في تلك الفترة الزمنية المطلوبة (فصل الشتاء) كان يعني أن شمس النهار لا تشرق إلا بضع ساعات. من بينها ساعتان فقط هي التي يريد المخرج إيناريتو التصوير فيهما. على الجميع، خلال التصوير، الانخراط في هذه الفترة الزمنية كما سبق تدريبهم. الخيول قبل البشر عليها أن تجيد التمثيل ولا تخرج عن نص الصورة المتفق عليها. لا مجال للخطأ لأن الكاميرا بعيدة، معظم الوقت، وتشمل تصوير حركات أخرى تقع على مساحة جغرافية شاسعة، مما يعني أنه إذا ارتكب الممثل أو الحصان خطأ ما في توقيت الحركة، أو إذا ما أخطأ الحركة أصلاً، كان على جميع المشتركين في اللقطة ذاتها إعادة التصوير.
* مرشحون وفائزون
من هذه الناحية، بين نواح أخرى، يبدو أنه من التلقائي أن تذهب الجائزة إلى مدير التصوير الذي كان نال الأوسكار مرّتين متتاليتين: عام 2014 عن «جاذبية» وعام 2015 عن «بيردمان». منحه الأوسكار للمرّة الثالثة على التوالي، لو فاز بها هذا العام، سيكون خروجًا عن المألوف على أكثر من صعيد من أصعدة وفئات الجوائز. وهذا هو الشأن الوحيد الذي قد يضر بفرصة لوبيزكي الثالثة رغم أنه ليس أمرًا مستحيلاً. لوبيزكي هو مدير التصوير الذي يواصل دفع تقنياته إلى أبعد حدود ممكنة وفي سبيل ذلك يسجل سباقات ملحوظة.
أما إذا لم ينالها هو فإن المرشّح الثاني لها هو جون سيل عن فليمه «ماد ماكس: طريق الغضب» وهو كان ربح الأوسكار مرّة واحدة عن تصويره المبدع لفيلم «المريض الإنجليزي» وذلك في عام 1996.
تصوير «ماد ماكس..» يختلف في المنهج قليلاً. هو أيضًا فيلم أكشن وعلى منوال «وسترن» حديث ومثل «المنبعث» يقوم على أساس من مشاهد تشويق بدنية وحركية صعبة طوال فترة الفيلم. مثل الفيلم الآخر فإن مكان التصوير يحمل تضاريس صعبة استخدم فيها مدير التصوير أكثر من حيلة تقنية لكي تجعله مواكبًا لبطلي الفيلم (توم هاردي وتشارليز ثيرون) في سعيهما الدؤوب للنجاة من المطاردين أو للهجوم عليهم.
المشاهد العلوية للصحراء وللمركبات المنطلقة فيها عادية وسهلة. تلك التي على الأرض هي مكمن الصعوبة. كذلك لا ننسى أنه صوّر بكاميرا ثنائية الأبعاد ومنها تم صنع نسخة ثلاثية الأبعاد، مما يفرض على مدير التصوير استخدام حنكته لإجادة عملية دقيقة كهذه.
لكن بعض المشاهد البعيدة تطلّبت جهدًا استثنائيًا كذلك. خذ المشهد الذي تتقدّم فيه سرية من العربات المنطلقة فوق الصحراء على نحو أفقي. المشهد الوحيد الذي يمكن مقارنة تأليفه البصري بما أنجزه فريدي يونغ في «لورنس العرب» (1962): «صحراء صفراوية شاسعة. نقاط سوداء آتية من بعيد كلما اقتربت زاد وضوحها فإذا بها قافلة من الجمال الساعية صوب الكاميرا».
أما روبرت رتشردسون فرشّح ثماني مرّات سابقة ونال أوسكارين، كما ذكرنا. عمله في «الكارهون الثمانية» سيبقى تقنيًا أكثر منه استعراضيًا. هذا الفيلم يمنحه النطاق ذاته الذي مارسه على فيلم «دجانغو طليقًا» من حيث إن كلا الفيلمين وسترن، مع اختلاف البيئة الطبيعية على نحو شاسع، لا يمنح «الكارهون الثمانية» مدير تصويره مناخات وأماكن متعددة، كما الفيلم السابق، و - عمليًا - كما أي من الأفلام التي رشّح عنها سابقًا ومنها «بلاتون» و«الثلوج تغمر الأرز» و«أوغو»، بل يحدّه في مكانين متشابهين: طريق بري مغطّى بالثلوج والمسكن الكبير وما يدور فيه من أحداث.
في الترتيب الرابع لأبرز الحظوظ في الوصول إلى أوسكار التصوير هذه السنة، يتناوب روجر ديكنز، وهو مجرّب وخبير وموهوب شأن الثلاثة أعلاه، عن فيلمه التشويقي «سيكاريو» وإدوارد لاتشمان عن «كارول». كلاهما يقدم نتائج بارعة ومختلفة عن كل ما سبق. لكن بين الاثنين لا بد من منح التقدير الأعلى لديكنز لأسباب موضوعية: حين ترك ديكنز التصوير بالفيلم الخام، واظب منح السينما بعض أفضل النتائج البصرية في تاريخها الحديث، على سبيل المثال، استخدام ديجيتال للتصوير الليلي ومن وجهة نظر ممثله خلال إحدى غاراتهم على الكارتل. المشهد نفسه فيه قدر من الشعور بالرهبة بسبب المكان وتوقيت وجود المشهد في الفيلم أيضًا. أمران يتمنّى الناقد أن يذهب الأوسكار إلى ديكنز لمتانة صنعته. ديكنز، للمناسبة، عاد إلى كاميرا الفيلم الخام في «مرحى، قيصر»، الفيلم الجديد للأخوين كووَن الذي سيفتتح مهرجان برلين هذه السنة.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».