ضمن قائمة الأفلام التي رشحت أخيرا لجائزة الأوسكار برزت المجموعة المرشحة في فئة أفضل تصوير لأوسكار 2016 بشكل أكبر من غيرها. فهناك «كارول» وهو من تصوير إدوارد لاتشمان، وفيلم «الكارهون الثمانية» تصوير روبرت رتشردسون، و«ماد ماكس: طريق الغضب» تصوير جون سيل، و«المنبعث» تصوير إيمانويل لوبيزكي، و«سيكاريو» تصوير روجر ديكنز. خرج من حسابات اللجنة يانوش كامينسكي مدير تصوير فيلم «جسر الجواسيس» وباري أكرويد عن «ذ بيغ شورت» وإيف بيلانجير عن «بروكلين» وداريوش ڤولسكي عن «المريخي» وماسانوبو تاكايناغي عن «سبوتلايت» وداني كوهن عن «غرفة».
* بين الفيلم والديجيتال
ما يلفت النظر أن ثلاثة من الأفلام التي فازت بالترشيح تقع أحداثها في بيئات مكانية موحشة أو صعبة الوصول. المكان يلعب فيها دورًا أساسيًا مما يتطلّب دراية تصوير واتفاق في الرؤية بين مدير التصوير والمخرج.
على هذا الوضع، فإن «الكارهون الثمانية» للمخرج كوينتين تارنتينو يقع في الغرب الأميركي ومكان التصوير الخارجي هو أرض برية مكسوّة بالثلوج، و«المنبعث» لأليخاندرو غونزاليس إيناريتو، خارجي التصوير (أي خارج أي مكان مغلق، معظمه) والطبيعة التي تم تصوير الفيلم فيها شاقّة وثلجية مع مرتفعات ووديان طبيعية. أما «ماد ماكس: طريق الغضب» لجورج ميلر فهو صور في صحراء شاسعة غير قابلة للعيش إلا من قِبل سكانها الخارجين عن أي قانون طبيعي في الأساس. أما «كارول» لتد هاينس، فالزمان هو الذي يتكفل بتمييزه، إذ تقع أحداثه في الخمسينات وموقعه المدينة. «سيكاريو» للمخرج الكندي دنيس فيلنيوف مختلف عن كل ما سبق. هو فيلم يتعامل ومواقع كثيرة منها ما هو داخلي (منازل، وغرف عمليات، وأنفاق) وخارجي (غالبًا طرق دولية).
وجدير بالملاحظة أن فيلما واحدًا بين هذا المجموع صور باستخدام الكاميرا التقليدية وهو «الكارهون الثمانية»، أما الأفلام الأخرى فصورت بكاميرا ديجيتال، واحد منها فقط بكاميرا من نوع Arriflex 416 والباقي استخدم كاميرات Arri Alexa بأنواعها المختلفة. لذلك أهمية بالغة لدى مديري التصوير ومناهجهم في العمل كما للمخرجين وما يحاولون تحقيقه. وسنلاحظ في هذا المجال أن مدير التصوير الوحيد الذي صوّر بكاميرا فيلم (بانافيجين 65 مم) روبرت رتشردسون، لم يصل إلى ترشيحات مهمّة أخرى هو ترشيحات جوائز «جمعية مصوّري السينما الأميركية».
فالخمسة المرشحون لجائزة نقابتهم، التي سيتم توزيعها في الرابع عشر من فبراير (شباط) هم لوبيزكي عن «المنبعث» وسيل عن «ماد ماكس: طريق الغضب» وديكنز عن «سيكاريو» ولاتشمان عن «كارول» ويانوش كامينسكي (الذي لم يرشح للأوسكار) عن «جسر الجواسيس» وهو مصوّر بالفيلم الخام أيضًا.
روبرت رتشردسون، لم يفز مطلقًا بجائزة نقابته الكبيرة رغم ترشيحه عشر مرّات من قبل. لكنه فاز بثلاثة أوسكارات سابقة أولها كان عن «JFK» («جون ف. كندي» للمخرج أوليفر ستون) سنة 1991، ثانيها عن «الملاح» لمارتن سكورسيزي (2004) وثالثها «أوغو» لسكورسيزي أيضًا، سنة 2011.
لكن هذا التجاهل لمدير التصوير رتشردسون لا يعني أنه قد لا يفوز بالأوسكار عن «الكارهون الثمانية» وذلك لسببين، الأول أن أعضاء جمعية المصوّرين يشكلون قلّة بين أعضاء الأكاديمية، والثاني إنه في خلال العقدين الماضيين تلاءمت جوائز الجمعية مع جوائز الأوسكار في فئة التصوير مرتين فقط. باقي المرّات من فاز بالأولى لم يفز بالثانية تلقائيًا.
* ساعتان فقط
على ذلك، ونحن نغوص الآن في مضارب فنية، لا يبدو أن تصوير رتشردسون في «الكارهون الثمانية» سيفوز هذا العام. هو جيد بلا ريب. واضح ومؤسس جيّدًا تحت وضح النهار وفي الأماكن الداخلية المعتمة على حد سواء، لكن أعضاء الأكاديمية لديهم أفلام أخرى ذات حسنات من هذا النوع هذا العام، تحديدًا «المنبعث» و«ماد ماكس: طريق الغضب». وبين هذين الاثنين، فإن «المنبعث» يتصدر التوقعات حاليًا. ويتطلع أعضاء الأكاديمية الذين سيدلون بأصواتهم قبل رفع الستارة عن حفلة الأوسكار في نهاية هذا الشهر، إلى الإنجاز البصري أولاً. وهذا ما يعزز وضع مدير تصوير هذا الفيلم إيمانويل لوبيزكي الذي فرض عليه الفيلم حالات قصوى من العمل المضني. ليس فقط لصعوبة الأماكن التي تم التصوير فيها، ولو أن هذه ناحية مهمّة تفصل ما بين تأقلم مدير التصوير وموهبته مع المكان في مقابل سقوطه في التجربة، بل أيضًا للجهد المبذول في تنفيذ رؤى المخرج إيناريتو.
بعد أكثر من شهر من التدريب والتجارب، بوشر التصوير ليستمر نحو المدّة ذاتها من العمل. المكان المختار لتصوير هذا الفصل من المشاهد في ولاية ألبرتا، في تلك الفترة الزمنية المطلوبة (فصل الشتاء) كان يعني أن شمس النهار لا تشرق إلا بضع ساعات. من بينها ساعتان فقط هي التي يريد المخرج إيناريتو التصوير فيهما. على الجميع، خلال التصوير، الانخراط في هذه الفترة الزمنية كما سبق تدريبهم. الخيول قبل البشر عليها أن تجيد التمثيل ولا تخرج عن نص الصورة المتفق عليها. لا مجال للخطأ لأن الكاميرا بعيدة، معظم الوقت، وتشمل تصوير حركات أخرى تقع على مساحة جغرافية شاسعة، مما يعني أنه إذا ارتكب الممثل أو الحصان خطأ ما في توقيت الحركة، أو إذا ما أخطأ الحركة أصلاً، كان على جميع المشتركين في اللقطة ذاتها إعادة التصوير.
* مرشحون وفائزون
من هذه الناحية، بين نواح أخرى، يبدو أنه من التلقائي أن تذهب الجائزة إلى مدير التصوير الذي كان نال الأوسكار مرّتين متتاليتين: عام 2014 عن «جاذبية» وعام 2015 عن «بيردمان». منحه الأوسكار للمرّة الثالثة على التوالي، لو فاز بها هذا العام، سيكون خروجًا عن المألوف على أكثر من صعيد من أصعدة وفئات الجوائز. وهذا هو الشأن الوحيد الذي قد يضر بفرصة لوبيزكي الثالثة رغم أنه ليس أمرًا مستحيلاً. لوبيزكي هو مدير التصوير الذي يواصل دفع تقنياته إلى أبعد حدود ممكنة وفي سبيل ذلك يسجل سباقات ملحوظة.
أما إذا لم ينالها هو فإن المرشّح الثاني لها هو جون سيل عن فليمه «ماد ماكس: طريق الغضب» وهو كان ربح الأوسكار مرّة واحدة عن تصويره المبدع لفيلم «المريض الإنجليزي» وذلك في عام 1996.
تصوير «ماد ماكس..» يختلف في المنهج قليلاً. هو أيضًا فيلم أكشن وعلى منوال «وسترن» حديث ومثل «المنبعث» يقوم على أساس من مشاهد تشويق بدنية وحركية صعبة طوال فترة الفيلم. مثل الفيلم الآخر فإن مكان التصوير يحمل تضاريس صعبة استخدم فيها مدير التصوير أكثر من حيلة تقنية لكي تجعله مواكبًا لبطلي الفيلم (توم هاردي وتشارليز ثيرون) في سعيهما الدؤوب للنجاة من المطاردين أو للهجوم عليهم.
المشاهد العلوية للصحراء وللمركبات المنطلقة فيها عادية وسهلة. تلك التي على الأرض هي مكمن الصعوبة. كذلك لا ننسى أنه صوّر بكاميرا ثنائية الأبعاد ومنها تم صنع نسخة ثلاثية الأبعاد، مما يفرض على مدير التصوير استخدام حنكته لإجادة عملية دقيقة كهذه.
لكن بعض المشاهد البعيدة تطلّبت جهدًا استثنائيًا كذلك. خذ المشهد الذي تتقدّم فيه سرية من العربات المنطلقة فوق الصحراء على نحو أفقي. المشهد الوحيد الذي يمكن مقارنة تأليفه البصري بما أنجزه فريدي يونغ في «لورنس العرب» (1962): «صحراء صفراوية شاسعة. نقاط سوداء آتية من بعيد كلما اقتربت زاد وضوحها فإذا بها قافلة من الجمال الساعية صوب الكاميرا».
أما روبرت رتشردسون فرشّح ثماني مرّات سابقة ونال أوسكارين، كما ذكرنا. عمله في «الكارهون الثمانية» سيبقى تقنيًا أكثر منه استعراضيًا. هذا الفيلم يمنحه النطاق ذاته الذي مارسه على فيلم «دجانغو طليقًا» من حيث إن كلا الفيلمين وسترن، مع اختلاف البيئة الطبيعية على نحو شاسع، لا يمنح «الكارهون الثمانية» مدير تصويره مناخات وأماكن متعددة، كما الفيلم السابق، و - عمليًا - كما أي من الأفلام التي رشّح عنها سابقًا ومنها «بلاتون» و«الثلوج تغمر الأرز» و«أوغو»، بل يحدّه في مكانين متشابهين: طريق بري مغطّى بالثلوج والمسكن الكبير وما يدور فيه من أحداث.
في الترتيب الرابع لأبرز الحظوظ في الوصول إلى أوسكار التصوير هذه السنة، يتناوب روجر ديكنز، وهو مجرّب وخبير وموهوب شأن الثلاثة أعلاه، عن فيلمه التشويقي «سيكاريو» وإدوارد لاتشمان عن «كارول». كلاهما يقدم نتائج بارعة ومختلفة عن كل ما سبق. لكن بين الاثنين لا بد من منح التقدير الأعلى لديكنز لأسباب موضوعية: حين ترك ديكنز التصوير بالفيلم الخام، واظب منح السينما بعض أفضل النتائج البصرية في تاريخها الحديث، على سبيل المثال، استخدام ديجيتال للتصوير الليلي ومن وجهة نظر ممثله خلال إحدى غاراتهم على الكارتل. المشهد نفسه فيه قدر من الشعور بالرهبة بسبب المكان وتوقيت وجود المشهد في الفيلم أيضًا. أمران يتمنّى الناقد أن يذهب الأوسكار إلى ديكنز لمتانة صنعته. ديكنز، للمناسبة، عاد إلى كاميرا الفيلم الخام في «مرحى، قيصر»، الفيلم الجديد للأخوين كووَن الذي سيفتتح مهرجان برلين هذه السنة.
مديرو التصوير في سباق الجوائز.. مَن مِنهم أحق بأوسكار 2016؟
ثلاثة من الأفلام التي فازت بالترشيح تقع أحداثها في بيئات مكانية موحشة أو صعب الوصول إليها
من فيلم «ماد ماكس: طريق الغضب»: قافلة الصحراء قادمة
مديرو التصوير في سباق الجوائز.. مَن مِنهم أحق بأوسكار 2016؟
من فيلم «ماد ماكس: طريق الغضب»: قافلة الصحراء قادمة
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

