أوكرانيا.. من يدفع الثمن؟

خيارات أميركا وأوروبا في التعامل مع طموحات {الدب} الروسي

أوكرانيا.. من يدفع الثمن؟
TT

أوكرانيا.. من يدفع الثمن؟

أوكرانيا.. من يدفع الثمن؟

لا أحد يعرف كيف يمكن أن تتطور الأزمة الأوكرانية، المتفائلون يعزفون على وتر الحلول الدبلوماسية والضغوط الأميركية والأوروبية ومجموعة العقوبات الاقتصادية التي يمكن أن تكون رادعا قويا لرد طموحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وتجبره على التراجع عن مزيد من التحركات العسكرية وإشاعة الإضرابات في أوكرانيا.
والمتشائمون يرون أن الأزمة التي تعد الأسوأ أوروبيا، منذ حرب البوسنة والهرسك، يمكن أن تعيد مرة أخرى أجواء الحرب الباردة بين الولايات المتحدة وروسيا، بل يمكن أن تشعل لهيب حرب بين البلدين قد تتصاعد لحرب نووية حيث يملك كل من الولايات المتحدة وروسيا نحو 16.700 سلاح نووي.
وفي نظر المتشائمين يمكن أن تؤدي حرب نووية بين البلدين إلى نهاية العالم وانقراض الجنس البشري. لكن من غير المرجح أن ينتهي الأمر بحرب نووية أو تقليدية كما يقول أصحاب الرأي الوسط، لكن بزيادة جرعة التعاون بين روسيا وأوروبا والولايات المتحدة لتحقيق السلام في المنطقة.
ووسط هذه الأجواء تشتعل حرب التصريحات المتبادلة بين الجانبين والتهديدات والتأهب العسكري واستعراض القوة العسكرية، والتلويح بإجراءات رادعة، وكلها أمور تفتح الباب أمام سيناريوهات سيئة.
الأمر المؤكد حاليا أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يجيد اللعب بأوراق التاريخ والجغرافيا والسياسة بطرق تضمن له تحقيق أطماعه التوسعية وضم شبه جزيرة القرم إلى روسيا. فهو يتحكم إلى حد كبير في قواعد اللعبة، فالتصويت المقرر في السادس عشر من مارس (آذار) الجاري من المرجح أن يأتي لصالح ضم القرم لروسيا حيث يسيطر نواب من أصول روسية على نسبة كبيرة من البرلمان في شبه جزيرة القرم.
ومن المرجح أيضا أن يتلاعب بوتين في النتيجة لصالح ضم القرم إلى روسيا، والتي كانت جزءا من روسيا حتى نقل رئيس الوزراء السوفياتي (الأوكراني الأصل) نيكيتا خروتشوف تبعيتها لأوكرانيا عام 1954.
وتتوقع واشنطن هذه التطورات واستبقتها بعدة تصريحات عن مسؤولين أميركيين بأن التصويت لن يكون شرعيا بموجب القانون الدولي. وهدد الرئيس أوباما بأن أي تصويت بانفصال القرم من أوكرانيا والانضمام إلى روسيا سيكون خرقا للقانون الدولي.
والسؤال ماذا ستفعل واشنطن إذا صوت برلمان القرم لصالح الانضمام لروسيا، هل سيكون لواشنطن خيارات عسكرية تدرسها، وكيف تقنع بها الرأي العام والكونغرس. من جانب آخر فإن القيام بخطوة عسكرية أميركية من شأنه تعزيز ادعاءات بوتين - الذي يحظى بشعبية كبيرة بين القوميات الروسية في أوكرانيا - أنه يدافع عنهم ضد التدخل الغربي.
* المخاوف الأميركية الأوروبية
من المهم تحديد الهدف في التعامل مع الأزمة الأوكرانية، كما يرى خبراء السياسة، لأن استفزازات بوتين يمكن أن تؤدي إلى تقسيم أوكرانيا كحل لإنهاء الصراع حيث تخضع الأجزاء الشرقية لأوكرانيا (الموالية لروسيا) لسيطرة روسيا وتخضع الأجزاء الغربية (الموالية لأوروبا) للاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، لكن مخاطر هذا السيناريو كارثية حيث يعيد مشهد مواجهة بين القوات الأميركية والروسية عند حدود تم تقسيمها بفرض الأمر الواقع.
يبدو أن بوتين يختبر تحركات واشنطن في رقعة شطرنج يملك فيها اليد العليا، وإذا نجحت خطته في السيطرة على شبه جزيرة القرم فإنه من المرجح أن يتحرك نحو أجزاء أخرى من أوكرانيا. وقد سبق لروسيا القيام بنفس التصرفات في جورجيا عام 2008 ووقتها قامت إدارة الرئيس بوش بإرسال البوارج الأميركية إلى البحر الأسود ومنعت موسكو من تحقيق أهدافها بالإحاطة بالحكومة المنتخبة في جورجيا.
مهلا.. يشير المحللون في واشنطن إلى أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي يملكون الكثير من أوراق اللعب لكن عليهم أولا الاتفاق على استراتيجية للتعامل مع هذه الأوراق. أولى تلك الأوراق هي الترسانة الأميركية المتنامية في إمدادات الطاقة والتي من المتوقع أن تجعل الولايات المتحدة أكبر مصدر للطاقة بحلول عام 2020. وبالاتفاق على خطة لتخفيض اعتماد الدول الأوروبية وبصفة خاصة أوكرانيا على الغاز الروسي فإن النفوذ الروسي سيتلاشى كما سيتأثر الاقتصاد الروسي بانخفاضات أسعار النفط والغاز إذا تبدل اعتماد أوروبا على استيراد الطاقة من الولايات المتحدة.
ويصف المحللون ورقة الطاقة بأنها ستقلب المائدة على بوتين الذي يستخدم ورقة الطاقة كسلاح للضغط على الدول الأوروبية وبصفة خاصة ألمانيا.
ويشير الخبراء إلى أوراق ضغط أخرى مثل فرض عزلة دبلوماسية على روسيا وتجميد الأصول وفرض قيود على منح تأشيرات سفر لطبقة رجال الأعمال الروس الذين يملكون مشاريع واستثمارات ضخمة في أوروبا
ويشير بعض المحللين إلى ضرورة أن تتماشى خطط العقوبات مع خطط لمساعدة أوكرانيا اقتصاديا، وخطط لإجراء مناورات عسكرية تعزيز الدفاع الجوي مع دول البلطيق.
وفي مقابلة تلفزيونية ببرنامج «واجه الصحافة» شدد ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي السابق على ضرورة قيام إدارة أوباما بالإبقاء على الخيارات العسكرية على الطاولة ردا على غزو روسيا لشبه جزيرة القرم. وقال «أشعر بالقلق عندما نبدأ في التعامل مع الأزمات وأول شيء نقوم به هو إسقاط خيارات من على الطاولة». وأضاف «عندما يقول (أوباما) لا خيار عسكريا في أوكرانيا فإن هناك خيارات عسكرية لا تنطوي على وضع قوات على الأرض في شبه جزيرة القرم».
واقترح تشيني استئناف العمل على أنظمة دفاع صاروخية في بولندا وجمهورية التشيك التي بدأتها إدارة الرئيس السابق جورج بوش، وأوقفتها إدارة أوباما منذ بضع سنوات، والقيام بمناورات عسكرية مشتركة في المنطقة وتوفير التدريب والمعدات للقوات الأوكرانية.
وأشار تشيني إلى قدرة الولايات المتحدة على مد أنابيب الغاز «كيستون اكي إل» دون تكلفة كبيرة مما يدعم صادرات الغاز الأميركي إلى أوروبا ويخفض من اعتماد الدول الأوروبية على الغاز الروسي.
وحذر نائب الرئيس الأميركي السابق من أن تردد إدارة أوباما في التعامل مع الأزمة السورية جعل الحلفاء أكثر تشككا في القدرة على الاعتماد على الولايات المتحدة والمشاركة معها في جهود دولية، وقال تشيني «لقد خلقنا صورة من الضعف والتردد (لأميركا) في جميع أنحاء العالم وليس فقط أمام الروس».
يقول الأستاذ بجامعة ميتشغان ملفين ليفيتسكي الدبلوماسي الأميركي السابق والخبير في العلاقات الأميركية الروسية إن روسيا انتهكت التزاماتها وفقا لميثاق الأمم المتحدة الذي يحظر توجيه ضربات عسكرية من جانب واحد، وانتهكت اتفاق عام 1994 مع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة الذي يحظر استخدام القوة في أوكرانيا مقابل تخلي أوكرانيا عن الأسلحة النووية السوفياتية.
وحول السياسة التي يمكن للولايات المتحدة اتباعها يقول ليفيتسكي «أعتقد أن الروس لديهم موقف أفضل من أوروبا الغربية والولايات المتحدة خاصة وهم ينظرون إلى الولايات المتحدة بعد أن خاضت حربين في العراق وأفغانستان ولا تريد خوض حر أخرى وقد بدا ذلك واضحا في الخط الأحمر الذي رسمه الرئيس أوباما بشأن سوريا. ويعتقد الروس أنهم يمكنهم الإفلات».
ويضيف «تستند الإجراءات التي اتخذها بوتين إلى إحساس خاطئ بالفخر والانتصار واستعادة أمجاد روسيا ويجب أن تأخذ واشنطن ذلك في حسبانها خاصة أن تطورات الأحداث تعرض حلفاء مثل جورجيا ومولدوفا والحكومة الأوكرانية الجديدة لمزيد من المخاطر ويجب أن تكون تلك الدول على استعداد للمواجهة، وتعتمد الحكومة الروسية على استراتيجية استفزاز لزيادة وتيرة التوتر العرقي في أوكرانيا، وإذا صعدت الولايات المتحدة الموقف بإرسال سفن حربية إلى البحر الأسود، أو وضعت خطا أحمر فإن تورطها في هذا الصراع سيصبح واجبا وليس مجرد خطوات استراتيجية».
وتشير الباحثة بالشؤون الأوروبية جودي ديمبسي بمعهد كارنيجي إلى أن قادة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة عاجزون عن وقف روسيا ودفعها للتفاوض مع الحكومة المؤقتة في كييف خاصة بعد أن تجاهلت روسيا كافة الجهود الدبلوماسية الأوروبية.
وتقول «إن بوتين يسعى لكسب مزيد من الوقت لترسيخ قبضته على شبه جزيرة القرم والتمادي إلى ما هو أكثر من ذلك؛ إلى بولندا ودول البلطيق والسويد، ويمكن للاتحاد الأوروبي مقاطعة قمة دول الثماني وفرض قيود على تأشيرات السفر للمسؤولين الروس، وهي في أحسن الأحوال تدابير رمزية لكنها لن تغير الحقائق على أرض الواقع، والأفضل هو تجميد الأصول الروسية في جميع أنحاء أوروبا والولايات المتحدة».
وتؤكد الباحثة على ضرورة النظر بجدية لمثل هذه العقوبات وتحرك القادة الأوروبيين لتطبيقها بسرعة قبل أن تضيع شبه جزيرة القرم.
وفي مقال بصحيفة «واشنطن بوست» قال وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر (1973 - 1977) «كل المناقشات حول أزمة أوكرانيا تركز على المواجهة، لكننا لا نعرف أين نحن ذاهبون، وقد رأيت في حياتي أربع حروب بدأت بحماسة كبيرة وتأييد شعبي وجميعها لم نكن نعرف كيف ننهيها، وثلاث حروب منها انسحبنا من جانب واحد، والاختبار الحقيقي للسياسة هو الخاتمة وليس البداية».
يقول كيسنجر إن النقاش ليس هل تنضم أوكرانيا إلى الشرق أم إلى الغرب وإنما كيف يمكن بقاء أوكرانيا على قيد الحياة وأن تكون جسرا بين الشرق والغرب، مشيرا إلى أن أوكرانيا كانت جزءا من روسيا لعدة قرون وتملك تاريخا معقدا وتركيبة سكانية متعددة اللغات وأي محاولة من جناح واحد من أوكرانيا السيطرة على الآخرين من شأنها أن تؤدي إلى حرب أهلية وتعرقل أي احتمال لجلب روسيا والغرب إلى نظام دولي تعاوني.
ويضيف كيسنجر «على بوتين أن يدرك أن سياسة الإملاءات العسكرية من شأنها أن تنتج الحرب الباردة مرة أخرى وعلى واشنطن التعامل بصبر لفرض القواعد».
واقترح كيسنجر خطة يكون لأوكرانيا فيها حق الانضمام بحرية إلى التجمعات الاقتصادية والسياسية وحرية تشكيل حكومة يتوافق عليها الشعب الأوكراني تحقق سياسة المصالحة بين مختلف أجزاء البلاد، والضغط على روسيا للاعتراف بسيادة أوكرانيا على شبه جزيرة القرم، وإزالة أي غموض حول أسطولها في البحر الأسود. ورفض كيسنجر انضمام أوكرانيا لحلف الناتو.
ويرى زيباغو بريجنسكي مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق (1977 - 1981) أن مصير الأزمة الأوكرانية يعتمد على ما سيفعله فلاديمير بوتين في الأيام المقبلة، وتقديراته لما سيقوم به حلف الناتو والولايات المتحدة، وحساباته لرد فعل الشعب الأوكراني ضد تكرار أي عدوان روسي، وأيضا مدى ثقة الأوكرانيين في الاعتماد على الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي.
ويقول بريجنسكي إن نجاح بوتين في ضم شبه جزيرة القرم قد يغريه بالتقدم أكثر في أوكرانيا واستغلال الاضطرابات السياسية في تحقيق مزيد من التقدم للقوات الروسية لقلب نظام الحكم في كييف، وستكون نتيجة مماثلة لما قام به هتلر في ميونيخ عام 1938 واحتلال براغ وتشيكوسلوفاكيا أوائل عام 1939.
ويؤكد مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق أن الأمر يتوقع على قدرة الغرب في إقناع «ديكتاتور الكرملين» أن حلف الناتو لا يمكن أن يقف صامتا إذا اندلعت حرب في أوروبا، لكن هذا لا يعني أن الغرب أو الولايات المتحدة ينبغي أن تهدد بالحرب لكن ينبغي الضغط على روسيا لكي تعترف بالحكومة الحالية لأوكرانيا وعلى الغرب مساعدة الجيش الأوكراني بما يعزز قدراته الدفاعية وألا يكون هناك مجال للشك أن أي هجوم روسي ضد أوكرانيا سيؤدي إلى اشتباك طويل ومكلف.
ويطالب بريجنسكي حلف شمال الأطلسي بالاستعداد بخطط طوارئ، ورفع حالة التأهب وإقامة جسور جوية لوحدات أميركية لأوروبا مما سيكون له مغزى سياسيا وعسكريا، وألا يكون هناك أي غموض لدى الكرملين أن أي تحرك سيكون مغامرة باستخدام القوة في وسط أوروبا، على أن يتوازى ذلك بجهود لتفادي أي حسابات خاطئة يمكن أن تؤدي إلى حرب والتأكيد على رغبة الغرب في إقامة علاقات هادئة مع روسيا ومساعدة أوكرانيا على التعافي اقتصاديا واستعادة الاستقرار سياسيا وطمأنة روسيا أن الغرب لا يسعى لضم أوكرانيا إلى الناتو أو تحويلها ضد روسيا.
وأعلن الناتو أول من أمس، إرسال طائرات استطلاع من نوع «أواكس» للقيام بمهمات استكشافية في أجواء بولندا ورومانيا، في إطار «مراقبة» الأزمة في أوكرانيا.
ويقول مسؤول في الحلف في بروكسل إن مجلس الحلف الأطلسي الذي يضم سفراء الدول الـ28 الأعضاء «قرر القيام بطلعات استطلاعية لطائرات (أواكس) فوق بولندا ورومانيا.. ستعزز قدرة الحلف على مراقبة الوضع» في أوكرانيا. و«ستجري فقط فوق أراضي» الدول الأعضاء في الحلف الأطلسي، وبالتالي لن تحلق فوق أوكرانيا.
ويشعر الاتحاد الأوروبي بالقلق إزاء التطورات المتسارعة للأزمة في أوكرانيا، وما تقوم به روسيا وخاصة فيما يحدث حاليا في شبه جزيرة القرم.
وهناك أسباب كثيرة لهذا القلق، منها ما يتعلق بعوامل اقتصادية أو أمنية أو سياسية أو اجتماعية، ولكن في الوقت نفسه لا يزال يراهن التكتل الأوروبي الموحد على إمكانية إيجاد حل دبلوماسي للأزمة من خلال عملية تفاوضية سواء عبر التفاوض الثنائي بين روسيا وأوكرانيا أو من خلال آلية متعددة الأطراف.
وفي تصريحات لـ«الشرق الأوسط» تقول مايا كوسيانتيش المتحدثة باسم منسقة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي «نحن لا نزال نشعر بالقلق وسط تزايد التصعيد على الأرض، وتزايد الحشود الروسية العسكرية في شبه جزيرة القرم».
وتضيف «هناك تقارير تشير إلى عمليات ضرب واعتقالات وخطف لصحافيين وناشطين مدنيين وأيضا قطع قنوات التلفزة الأوكرانية من البث المباشر، إلى جانب عرقلة وصول مراقبين عسكريين غير مسلحين إلى شبه جزيرة القرم». وحول التعامل الأوروبي مع تلك التطورات تقول المتحدثة باسم كاثرين أشتون، إن هناك إصرارا على الحاجة إلى دخول روسيا في حوار مع أوكرانيا من أجل التفاوض بشأن حلول للخروج من الأزمة في ظل الاحترام الكامل للقانون الدولي وسلامة الأراضي الأوكرانية سواء كانت تلك المفاوضات في إطار ثنائي أو في إطار متعدد الأطراف. و«نحن في أوروبا مستعدون للمشاركة في هذه الآليات من أجل تحقيق نتائج ملموسة وتهدئة الوضع».
وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس حذر بفرض عقوبات جديدة على روسيا قد تبدأ خلال الأسبوع الحالي، في حال عدم تجاوب القيادة الروسية مع الاقتراحات الغربية لوقف التصعيد الأوكراني، ومن أبرزها إلغاء الاستفتاء على انضمام شبه جزيرة القرم إلى روسيا والمقرر له يوم الأحد المقبل.
فابيوس قال متحدثا لإذاعة «فرانس إنتر» «أرسلنا عبر (وزير الخارجية الأميركي) جون كيري اقتراحا للروس من أجل (وقف التصعيد) في أوكرانيا»، دون أن يوضح تفاصيل هذا المقترح. وتابع أن الروس «لم يردوا بعد وإن ردوا إيجابا، فسوف يتوجه جون كيري إلى موسكو، وعندها لن تكون العقوبات فورية. وإذا لم تحدث استجابة أو كان الرد سلبيا، فستكون هناك مجموعة عقوبات قد يجري فرضها اعتبارا من هذا الأسبوع».
وقال إن هذه العقوبات «ستتضمن تجميد أموال شخصية بحق روس وأوكرانيين وعقوبات تستهدف التنقلات على صعيد تأشيرات الدخول».
من جهتها تقول روسيا إن السلطات الأوكرانية الجديدة وصلت إلى الحكم بانقلاب على السلطة الشرعية، وإن واشنطن لم تبد الاستعداد للانضمام إلى المساعي الدبلوماسية التي من شأنها فتح قنوات حوار مباشر بين كييف وموسكو.
وتقول ألمانيا إن عدم استعداد الحكومة الروسية لتقديم تنازلات بخصوص الأزمة الأوكرانية سيؤدي إلى فرض مزيد من العقوبات ضد موسكو.
وذكر وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير في تصريح صحافي أن «روسيا إذا لم تكن مستعدة لتقديم تنازلات في الأزمة الأوكرانية فإن ذلك سيؤدي بالتأكيد إلى الوصول إلى مرحلة العقوبات». وأشار شتاينماير إلى أن العقوبات ستشمل قرارات بحظر السفر على شخصيات سياسية متورطة في الأزمة الأوكرانية بالإضافة إلى تجميد حسابات بنكية لهؤلاء الأشخاص.
ويرى الكثير من المراقبين والمحللين في بروكسل أن أوروبا تريد أن تظهر بصورة المراقب للموقف من بعيد وأنها لم تلعب أي دور في الأحداث فيما عدا دور الوساطة.
في غضون ذلك تواصل القوات الموالية لروسيا تعزيز سيطرتها على شبه جزيرة القرم الأوكرانية دون أي مقاومة، ويواصل الغرب والولايات المتحدة تحقيق التقارب مع حكام أوكرانيا الجدد، من خلال لقاء مرتقب لرئيس الوزراء الأوكراني الجديد أرسيني ياتسينيوك اليوم الأربعاء مع الرئيس باراك أوباما تلبية لدعوة من البيت الأبيض، دعوة تقول واشنطن إنها اعتراف بالدور المسؤول الذي لعبته الحكومة الجديدة في أوكرانيا.
وما زال الرئيس الأوكراني المخلوع فيكتور يانوكوفيتش يؤكد أنه الرئيس الشرعي لأوكرانيا والقائد الأعلى للقوات المسلحة، قائلا إنه يعتقد أنه سيتمكن من العودة قريبا إلى كييف.
ولا تبدي بعض المصادر الأوروبية الكثير من التفاؤل بإمكانية تراجع موسكو عن مواقفها، «هناك من يعتقد في أوروبا أن موسكو ستبذل كل جهدها لمنع أي تقارب مستقبلي لأوكرانيا سواء مع الاتحاد الأوروبي أو مع حلف شمال الأطلسي»، وعبرت عن قناعتها بأن الروس قد يلجأون إلى كافة الوسائل لتحقيق غرضهم، ولو كان ذلك على حساب وحدة أراضي أوكرانيا.

* احتجاجات أوكرانيا
* اندلعت المظاهرات في نوفمبر (تشرين الثاني) بدءا من كييف، بعدما رفض الرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش اتفاقية تؤمن المزيد من التقارب الاقتصادي مع الاتحاد الأوروبي لصالح التقارب مع روسيا. لكن للأزمة جذورها، فأوكرانيا بلد متعدد الإثنيات والأعراق والأديان واللغات. وهو منقسم بين شرق يتكلم سكانه الروسية ويرون في روسيا بلدهم الأم، ويانوكوفيتش واحد من هؤلاء، وبين غرب يتكلم اللغة الأوكرانية ويدعو إلى الانضمام لأوروبا.
الانقسام إذن سياسي ثقافي اقتصادي ويجد عمقه في أزمة الهوية التي يعيشها البلد الذي نال استقلاله في عام 1991 بعد سقوط الاتحاد السوفياتي السابق.
ماذا لو اجتاحت روسيا أوكرانيا؟
من الصعب التكهن بما ستؤول إليه الأمور.. ولكن الحقائق على الأرض تقول الآتي:
* تَمد روسيا بـ31 في المائة من واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز، 27 في المائة من واردات البترول الخام، 24 في المائة من واردات الفحم، و30 في المائة من واردات اليورانيوم. كما أن روسيا ثالث أهم مزود كهرباء للاتحاد الأوروبي.
* لكن هذه المعطيات لا تدل على تبعية اقتصادية أوروبية بحتة، حيث إن الاتحاد الأوروبي ليس فقط أكبر شريك اقتصادي لروسيا، بل يمثل كذلك سوقا استهلاكية لـ88 في المائة من الصادرات الروسية للبترول ولـ70 في المائة من صادراتها الغازية ولـ50 في المائة من صادرات الفحم.
* فضلا عن ذلك فإن صادرات الطاقة للاتحاد الأوروبي تشكل ما يجاوز 40 في المائة من ميزانية روسيا.
* نظرا للترابط الاقتصادي القوي بين الاتحاد الأوروبي وروسيا، فمن الأرجح أن يعاني كلا الطرفين من خسائر اقتصادية جسيمة في حال ما تهورت روسيا وكثفت من وجودها العسكري في أوكرانيا، أو أسوأ من ذلك، إن قررت اجتياحها.
* لكن روسيا، عكس نظيراتها من الدول الأوروبية والولايات المتحدة، ستعاني، بالإضافة إلى التداعيات الاقتصادية، من عزلة في المجتمع الدولي، بدأت علاماتها تظهر من خلال تعليق تحضيرات قمة مجموعة الثماني التي كان من المرتقب أن تنعقد بسوتشي في حزيران (يونيو) المقبل.
* وجدير بالذكر أن بورصة موسكو هبطت بما يعادل 10 في المائة خلال أول يوم مداولات بعد تحركاتها العسكرية التي حدثت في الحدود مع أوكرانيا الأسبوع الماضي.
* ستُعد أي محاولة لاجتياح الأراضي الأوكرانية بمثابة اعتداء إمبريالي بحت سيؤدي إلى عزل روسيا من طرف المجتمع الدولي.
* عواقب اجتياح أوكرانيا قد تنعكس سوءا على المصالح الروسية بالداخل كذلك؛ حيث إن انتهاكها لسيادة أوكرانيا الجغرافية قد يشجع أقلياتها العرقية في مناطق مثل سيبيريا الشرقية، الغنية بمواردها المعدنية وأراضيها الزراعية الخصبة، على المطالبة باستقلالها.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.