قبل حفلة «الغولدن غلوبس» التي امتدت لثلاث ساعات قبل أن يتوزع الحاضرون على حفلات ساهرة عدة، كل منها كفيلة بالتفوق على سواها من حيث التنظيم والبذخ معًا، كان العامل المشترك بين فيلم «المريخي» و«المنبعث» يكمن في أن كل واحد منهما تدور أحداثه، في الواقع، حول كيفية البقاء حيًّا في بيئة غير مواتية للحياة وفي ظروف محفوفة بالمخاطر.
بعد إعلان نتائج «الغولدن غلوبس»، ازدادت العلاقة بين هذين الفيلمين قوة، ففيلم «المريخي» نال جائزة أفضل فيلم كوميدي (ولو أنه ليس كوميدي النوع على الإطلاق، لكن رغبة الشركة المنتجة؛ فوكس، كانت ترويجية في موسم الجوائز على هذا النحو)، بينما نال «المنبعث» جائزة أفضل فيلم درامي.
«المريخي» من إخراج ريدلي سكوت الذي لم يسبق أن نال أي فيلم له «غولدن غلوبس» من قبل. ولا هو نال تقدير جمعية «مراسلي هوليوود الأجانب»؛ موزِّعة هذه الجائزة الثمينة. في مطلع هذا العام سيضع المخرج في مفكرته أنه استحوذ أخيرًا، ولو عبر أحد أعماله، على ما يعوّض الكثير من الصبر وأن عليه الآن أن ينظر إلى الأمام لعل «الغولدن غلوبس» الذي نال يكون فاتحة خير آخر؛ اسمه «الأوسكار».
«المريخي» فيلم خيال علمي تقع أحداثه فوق ذلك الكوكب (كان أحمر اللون في آخر تقارير ناسا)، وبطله مات دامون وجد نفسه منسيًا بعدما اعتبره ملاحو الفضاء أنه مات نتيجة عاصفة كبيرة دفعتهم للعودة إلى المركبة من دونه والانطلاق عائدين إلى الأرض. لكن بطل الفيلم كان لا يزال حيًّا ويحافظ على حياته باستنباط سبلها وعناصرها الأولى: صنع الماء وزراعة البطاطا. على الفكاهة الكامنة في الطريقة التي استطاع فيها العيش فوق سطح المريخ لعدة أسابيع أو أشهر (يتوقف ذلك إذا ما كان العد حسب كوكب الأرض أم لا)، إلا أن الفيلم شق طريقه كعمل جاد في معظمه على قدر من التشويق. ليس أفضل أفلام ريدلي سكوت، لكنه في نهاية الأمر عمل بارز له.
مثله، فإن بطل «المنبعث» يترك لمصيره، لقد هاجمه دب في تلك الصقاع الأرضية البعيدة وتركه مصابًا بالكثير من الجروح المثخنة. سنشاهده، بواقعية أكثر، وهو يجهد في سبيل البقاء على قيد الحياة رغم كل المخاطر المناوئة من هجوم القبائل الهندية إلى غدر رفاقه البيض إلى المصاعب الطبيعية التي قد لا ينجو منها أحد، فما البال بمصاب على شفير الموت.
* رحابة صدر
حفلة «الغولدن غلوبس»، إذ منحت جائزتيها الكبيرتين لهذين الفيلمين، منحت كذلك جائزة التمثيل الرجالي الأولى لبطلي هذين الفيلمين، فخرج مات دامون، بجائزة أفضل ممثل في فيلم كوميدي، ونال ليوناردو ديكابريو جائزة أفضل ممثل في فيلم درامي. كلاهما استحقها كما توقعنا في تقرير سابق.
توقعنا أيضًا فوز كايت وينسلت عن دورها المساند في «ستيف جوبز»، ونالت بالفعل هذه الجائزة وسط استغراب الكثير من المتابعين الأميركيين الذين راهنوا على هيلين ميرين عن دورها في «ترومبو» أو أليسا فيكاندر عن دورها في «إكس ماشينا». كذلك توقع هذا الناقد فوز المخرج أليخاندرو غونزاليس إيناريتو بجائزة أفضل إخراج عن «المنبعث»، وهذا ما حدث فعلاً رغم أن منافسيه كانوا بدورهم قوة لا يستهان بها، وهم تود هاينز عن «كارول» وتوم ماكارثي عن «سبوتلايت» ثم ريدلي سكوت عن «المريخي» وجورج ميلر عن «ماد ماكس: طريق الغضب».
لم يكن هناك طريق غضب صوب الاحتفال الكبير، بل كان طريق الحيطة والحذر. أكثر من أي عام مضى، كان الهاجس الأمني كبيرًا. وأكثر من أي عام مضى وجد بعض المدعوين (غير الرئيسيين) أنفسهم وقد شارفوا على التأخر عن موعد بدء الحفل بسبب الحواجز الأمنية المقامة. لكن ما أن بدأ الحفل حتى استلم مقدّمه ريكي جرفيز المناسبة بأجمعها ووضعها في جيبه. منه أخذ يوزّع النكات التي يصيب بها من يشاء. لا يهمّه ولا يهم حتى وإن توجه بعضها إلى الجمعية ذاتها. على عكس ما حدث قبل ثلاث سنوات عندما استاء رئيس الجمعية آنذاك (فيليب بيرك) من سهام وجهها جرفيز إليه، تقبّل الرئيس الجديد (لورنزو سوريا) النكات برحابة صدر. لِم لا وقد ثبت أن طريق اعتلاء النجاح التلفزيوني وما يشكله من عائدات إعلانية للمحطة الباثّة «NBC منذ عقود» يمر عبر نجاح المقدّم في إثارة الحاضرين والمتابعين عبر أجهزة التلفزيون بتعليقاته، وهي بقدر ما تكون ساخرة ومتحررة من القيود (أو «بلا عقد نرجسية» كما قال جرفيز نفسه) بقدر ما تستهوي الجمهور.
على ذلك، ذكر جرفيز في مستهل تعليقاته أن رئيس الجمعية السوري (Soria) الإيطالي المولد أخبره: «إذا قلت أي شيء مهين سأصعد المسرح وأحاسبك عنه بنفسي». في مكانه القريب من المنصّة ضحك الرئيس وهز رأسه نافيًا.
والواقع أن معظم النكات التي يطلقها جرفيز تصب على مسامع الممثلين والممثلات، ولا يمكن لأي منهم تجاهل رد الفعل حيالها حتى ولو كان داخليًا عميقًا. معظمهم، كما الحال مع رابحة «غولدن غلوبس» كأفضل ممثلة في فيلم كوميدي أو موسيقي جنيفر لورنس (عن دورها في «جوي») التي ركزت الكاميرا عليها وهي تجبر نفسها على الابتسام عندما وجّه المقدّم نقدًا لاذعًا لها. فقد شكت أنها تتقاضى أجرًا أقل من زملائها الرجال؛ مما منح جرفيز الفرصة ليقول لها: «معظم نساء أميركا يريدون معرفة كيف تعيش ابنة الـ25 سنة بثروتها الـ52 مليون دولار؟».
لكن الجمهور ضحك أكثر عندما قال: «أعترف بأني أتقاضى قدر ما تقاضاه مقدّما الحفلة في العام الماضي، لكن هذا ليس ذنبي إذا ما قاما باقتسام المبلغ بينهما».
وفي مطلع الحفل، وتعليقًا على المقابلة التي نجح الممثل شون بن في إجرائها مع رئيس الكارتل المكسيكي آل شابو، قال موجهًا حديثه للحضور: «صمتًا أيها الحثالة المدمنون على الحبوب والجنس. سأقدم هذا المونولوج ثم أسارع للاختباء. لن يستطيع حتى شون بن أن يجدني».
وكان مصيبًا عندما ذكر لاحقًا: «كتبت إحدى الصحف تقول إن بعض نجوم هوليوود سيقررون عدم حضور الحفل خشية أن ألقي نكاتًا عليهم، كما لو أن أحدًا منهم يستطيع أن يبقى بعيدًا عن احتمال أن يخرج بجائزة في حفلة (الغولدن غلوبس)».
ومما يذكر له من نكات أثارت عاصفة من الضحك قوله، رغم قسوتها: «الفيلم الممتاز (سبوتلايت) كشف أن خمسة في المائة من الرهبان مارسوا الجنس مع الأولاد وسمح لهم بممارسة أعمالهم كما لو أن شيئًا لم يقع. (المخرج) رومان بولانسكي اعتبر أن هذا الفيلم هو أفضل فيلم في التاريخ»، وذلك استعادة للقضية العالقة في المحاكم الأميركية التي قضت بسجن المخرج البولندي بتهمة ممارسة الجنس مع قاصر في مطلع السبعينات، مما دفعه للهرب من أميركا والبقاء في أوروبا منذ ذلك الحين.
* المتوقع وغير المتوقع
فوز «المنبعث» بجائزة أفضل فيلم يمنح المخرج إيناريتو، الذي كان اعتلى المنصة قبل دقائق لاستلام جائزة أفضل إخراج، الثقة لمعترك «الأوسكار» المقبل كما سواه من المسابقات الموازية. هناك على المرمى القريب جائزتي جمعية المخرجين وجمعية المنتجين وبعدهما جائزة «البافتا» البريطانية.
والأمر نفسه، يمكن أن يُقال عن الممثل ليوناردو ديكابريو الذي بز منافسيه؛ برايان كرانستون عن «ترامبو» ومايكل فاسبيندر «ستيف جوبز» وإيدي ردماين «الفتاة الدنماركية» ووول سميث «ارتجاج». لدى ديكابريو (كما المجموعة المذكورة) معركة أخرى مقبلة قبل معركة «الأوسكار» متمثلة بجوائز جمعية الممثلين خلال الأيام القليلة المقبلة.
المفاجأة كمنت في مكان آخر لأن ما حظي به «المنبعث» ومخرجه وممثله الأول من تقدير كان في عداد الاحتمالات القوية، هذا على عكس فوز بري لارسن عن دورها في «غرفة» أمام كايت بلانشيت «كارول» وروني مارا «كارول» وساويريس رونان «بروكلين» وأليسا فيكاندر «الفتاة الدنماركية».
مات دامون بدوره كان متوقعًا بكثرة في حين حام الشك من البداية فوق كرستيان بايل («ذا بيغ شورت») وستيف كارل («ذا بيغ شورت») وآل باتشينو (أكبرهم سنا عن «داني كولينز») ثم مارك روفالو («بالقطع دب قطبي»).
جنيفر لورنس ربحت أفضل ممثلة في فيلم كوميدي أو موسيقي تبعًا لإعجاب كبير بين الأعضاء الإناث في الجمعية، لكن ذلك لا يجب أن يعني أنها لم تكن تستحق عنوة عن زميلاتها ماغي سميث وليلي توملين وآمي شومر وميلسيا ماكارثي.
في الواقع، كل هذه الأسماء المذكورة هنا تعكس مدى جديّة الجمعية في اختياراتها وتمتعها بالإدراك والقليل من الاندفاع العاطفي أو الشخصي. لكن، لا أحد نال التقدير المستحق بعد سنوات طويلة من العمل الشاق أكثر من سلفستر ستالون الذي لعب دورًا مساندًا في فيلم «كريد» الذي هو تتابع، من نوع مختلف، لسلسلة أفلام «روكي» التي قام ستالون ببطولتها سابقًا من دون حيازته أي جائزة عنها. كان قال في حديث قبل إعلان النتائج: «سيضعني الأمر إذا ما فزت بـ(الغولدن غلوبس) أمام معضلة: لقد مثلت الدور الرئيسي في كل أفلام السلسلة ولم يلتفت إليَّ أحد. الآن أنا مرشّح عن دوري المساند في السلسلة ذاتها». لكن ستالون لم يخفِ سعادته خصوصًا أنه نال الجائزة هذه المرة في مواجهة خصوم رائعين هم مايكل شانون «99 منزلاً» ومارك ريلانس «جسر الجواسيس»، إدريس ألبا «وحوش بلا أمّة» وبول دانو «حب ورحمة».
وكما توقعنا كذلك، فاز الفيلم المجري «ابن شاوول» للازلو نيميش بـ«غولدن غلوبس» أفضل فيلم أجنبي والغالب إنه سيتوج نفسه ثانية بأوسكار في الفئة ذاتها.
* الخاسرون
جوائز «الغولدن غلوبس» ليست سينمائية فقط، بل تلفزيونية وتنقسم إلى أعمال درامية وكوميدية في الأساس. وفي مجال أفضل مسلسل تلفزيوني درامي خرج «مستر روبوت» بالجائزة الأولى وهو من إنتاج محطة USA. على المقابل الكوميدي أو الموسيقي فاز «موتزار الغابة» وهو من إنتاج مؤسسة Amazon وكان فوزه مفاجئًا.
في التمثيل الدرامي كأفضل ممثل مساند خطف كرستيان سلايتر الجائزة عن «مستر روبوتس» ونالتها مورا تييرني عن مسلسل بعنوان «العلاقة».
أفضل تمثيل رجالي في مسلسل قصير أو فيلم تلفزيوني كان من نصيب أوسكار أيزاك عن «قدّم لي بطلاً»، وأحد الخاسرين كان مارك ريلانس نفسه الذي خسر في مسابقة أفضل ممثل مساند عن «جسر الجواسيس».
على الصعيد النسائي فازت تراجي هنسون بجائزة أفضل ممثلة في مسلسل درامي عن دورها في «إمباير»، والمقابل الرجالي في هذه الفئة كان من نصيب جون هام عن دوره في «رجال غاضبون» ولو أن الممثل العربي الأصل رامي مالك كان أحد أقوى المرشّحين المحتملين.
كوميديًا، نال الجائزة ذاتها غايل غارسيا برنال عن «موتزار في الغابة» ولادي غاغا عن دورها في «أميركان هورور ستوري». ونال «قاعة الذئب» من إنتاج شركة BBC جائزة أفضل فيلم تلفزيوني أو مسلسل محدود. وكما هو الحال دائمًا في مقابل كل فائز هناك أربعة خاسرون وأكثر من ذلك من الذين يتساءلون عن السبب.
في طليعة هذا الشأن الطريقة التي اعتبر فيها البعض تجاهل «الغولدن غلوبس» لفيلم «كارول» الذي، مثل «الفتاة الدنماركية» يدور حول موضوع له علاقة بالعاطفة المثلية. هذا الفيلم ومن فيه كان مطروحًا في أكثر من مسابقة وفي المقدّمة بطلتيه كايت بلانشيت وروني مارا.
«سبوتلايت» الذي يدور حول أربعة صحافيين كشفوا عشرات الرهبان الذين اعتدوا على براءة أطفال وأولاد قصّر، خرج خالي الوفاض تمامًا أيضًا، كذلك حال فيلم «ذا بيغ شورت» ومن رشح عنه.
لكن كل هذا هو ماء تحت جسر الأيام. الرابح هو الوحيد الذي يتسلق الضفاف ناجيًا ولو أن بعض الأفلام والأشخاص الخاسرين سيجد نفسه أمام مسابقات أخرى قادمة وقد يعوّض خسارته.
وراء نجاح حفلة «الغولدن غلوبس» جدية الجوائز وسخرية جرفيز
«المنبعث» و«المريخي» يتقاسمان الجوائز الأولى
أليخاندرو إيناريتو أفضل مخرج لأفضل فيلم
وراء نجاح حفلة «الغولدن غلوبس» جدية الجوائز وسخرية جرفيز
أليخاندرو إيناريتو أفضل مخرج لأفضل فيلم
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

