قرى الهند تتحول إلى الطاقة الشمسية بكلفة شراء الكيروسين

المستثمرون تمكنوا من إقناع الأهالي والبنوك بجدوى المشروعات

وحدات الطاقة الشمسية بدأت تغزو قرى الهند الصغيرة (نيويورك تايمز)
وحدات الطاقة الشمسية بدأت تغزو قرى الهند الصغيرة (نيويورك تايمز)
TT

قرى الهند تتحول إلى الطاقة الشمسية بكلفة شراء الكيروسين

وحدات الطاقة الشمسية بدأت تغزو قرى الهند الصغيرة (نيويورك تايمز)
وحدات الطاقة الشمسية بدأت تغزو قرى الهند الصغيرة (نيويورك تايمز)

قبل عدة سنوات، تجمع سكان قرية باراديشاباناماثا الصغيرة النائية في ولاية كارناتاكا الهندية الجنوبية على طول الطريق الرئيسي المار بين 22 منزلا من المنازل ذات الكثافة السكانية العالية، حيث كانوا يشاهدون عمال الحكومة وهم ينصبون عمودا للإنارة يعمل بالطاقة الشمسية. ولأنه كان المشهد الأول لوصول الطاقة الكهربائية إلى تلك القرية البعيدة، فلم يستأثر بكثير من الاهتمام لدى سكانها، حيث إن ضوء ذلك المصباح لا يساعد أحدا على الطهي أو الاستذكار، ولم يكن يجذب إلا اهتمام الحشرات الطائرة والهوام فحسب.
مع ذلك، عندما وصل السيد براساد إلى هذه القرية بعد عامين لتشجيع الناس هناك على التخلي عن استخدام الإضاءة بالكيروسين واستبدالها بأنظمة الطاقة الشمسية، كان لدى الناس فكرة ما عما يقوله الرجل. ولكن الأمر الذي بدأ منافيا للعقل حينها لسكان القرية كان السعر المطلوب. كان السيد براساد، وهو مندوب مبيعات لشركة لايت للطاقة الشمسية الكهربية، أو سيلكو، يبيع اللوحة والبطارية الواحدة التي يمكنها توفير الطاقة لثلاث لمبات ومنفذ مرفق لشحن الهواتف بسعر يقارب 12.800 روبية، أو نحو 192 دولارا.
يقول السيد كالايا، وهو من سكان القرية «ليست هناك طريقة تمكننا من تحمل ذلك». حيث يستيقظ هو وجيرانه في الصباح الباكر لكي يسيروا أميالا طويلة عبر طريق ترابي غير معبد وصولا إلى عملهم في مزارع البن والفلفل والجوز. يحصل السيد كالايا على 3 دولارات في اليوم – وكان يتحصل فقط على 2.25 دولار باليوم حتى زاد راتبه خلال العام الماضي – كما أن صاحب العمل يحتجز نصف راتبه اليومي لسداد بعض الديون المستحقة.
وحتى الآن، وعلى الرغم مما يبدو في ظاهره بأنها تكلفة باهظة ومستحيلة، نجح مندوبو الشركة في إقناع السيد كالايا وعشرة سكان آخرين من أهل القرية باستخدام نظام الطاقة الجديد. والآن، تستطيع زوجته معرفة كمية التوابل التي تستعملها في الطهي، كما تتمكن ابنتها، براتيما (18 عاما)، أن تستذكر دروسها بعد حلول الظلام.
وتكمن الفكرة لدى شركة سيلكو، وغيرها من الشركات المماثلة، في إنشاء نموذج أعمال يساعد بعضا من 1.2 مليار شخص في العالم ممن ليس لديهم كهرباء للانتقال من شبكة الطاقة المعتمدة على الفحم إلى مصادر الطاقة المتجددة.
ويعيش نحو ربع سكان العالم خارج شبكة التغطية الكهربائية، ومنهم نحو 300 مليون شخص في الهند وحدها، وأغلبهم من سكان المناطق النائية والمجتمعات الريفية مثل قرية باراديشاباناماثا، أو يعيشون في العشوائيات الحضرية غير الرسمية. ويحصل مئات الملايين من الناس حاليا على الكهرباء لساعات معدودة في اليوم. ولقد تعهد رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بتوصيل الكهرباء إلى كافة أرجاء الهند بحلول عام 2022. وتدور الجهود الرئيسية في ذلك حول إضافة المئات من محطات توليد الكهرباء بالفحم، والتي ساهمت، ولا تزال، في ارتفاع مستويات التلوث المروعة عبر مساحات شاسعة من البلاد.
ومن ناحية أخرى، تعهد السيد مودي أيضا بجلب الاستثمارات التي من شأنها زيادة الإنتاج من مصادر الطاقة المتجددة. ولتحقيق هذه الغاية جزئيا، دشن رئيس الوزراء الهندي برفقة الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند «التحالف الدولي للطاقة الشمسية» خلال محادثات قمة المناخ الأخيرة التي عقدت في باريس. مع التزام مبدئي بقيمة 30 مليون دولار من الهند، وصرح السيد مودي بأن الهدف النهائي هو الوصول إلى تريليون دولار من التمويل العالمي لتنمية تكنولوجيا الطاقة الشمسية بحلول عام 2030.
تمثل الطاقة الشمسية نسبة 1 في المائة فقط من الإنتاج الكهربائي الحالي في الهند، ويأتي معظمها من خلال المحطات الكبيرة التي تساهم بإنتاجها من الطاقة للشبكة المحلية الكبيرة، ولكن جيلا من رجال الأعمال العاملين في صناعة الطاقة قد انطلق لإثبات أن من أسرع وأنظف السبل، وربما من أكثرها فائدة من الناحية الاقتصادية، هو توصيل الكهرباء إلى كافة أرجاء البلاد عبر أنظمة الطاقة الشمسية المنزلية.
تشتمل أنظمة شركة سيلكو، في المعتاد، على لوحة صغيرة متصلة ببطارية تعمل على تخزين ما يكفي من الطاقة لتشغيل مصباح أو أكثر من مصابيح الإضاءة، ومع خيارات أكبر من القوة الكهربية، يمكن تشغيل بعض الأجهزة المنزلية الصغيرة كذلك. ومنذ إنشائها في عام 1995. قامت شركة سيلكو ببيع نحو 318.400 من أنظمة الطاقة الشمسية المنزلية، كما وفرت نظم الطاقة الأخرى لأكثر من 10 آلاف مدرسة، ومستشفى، وغيرها من المؤسسات، وأغلبها في ولاية كارناتاكا.
يقول روبرت ستونر، مدير مركز تاتا للتكنولوجيا والتصميم لدى معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، والذي يعمل بصورة مباشرة مع شركة سيلكو الهندية وغيرها من الشركات، بما في ذلك الحكومة الهندية، حول مشروعات تنمية تكنولوجيا الطاقة المتجددة: «كانت أنظمة الطاقة الشمسية المنزلية متواجدة منذ فترة طويلة حتى الآن، ولقد أثبتت كفاءتها كنموذج أعمال ناجح. ولكن التحدي الرئيسي يكمن في ارتفاع التكاليف – لأكثر مما يتحمله الشخص العادي، وربما الشخص الثري نسبيا.. لذا، إذا كان من الصعب إقناع أسرة من الطبقة المتوسطة في دولة صناعية بالاستثمار في مجال الطاقة الشمسية، فكيف يمكن إقناع الأسرة التي تعيش على دولارين في اليوم؟».
عملت شركة سيلكو، عبر عقدين من الزمان، على إقناع شبكة من البنوك الهندية لتوفير خيارات التمويل للفقراء من المواطنين الذين يعتبرون، من منظور البنوك، من ذوي المخاطر الكبيرة. وكما أشار موهان هيغد، مدير العمليات بالشركة «فكرة الشركة تدور حول تقديم الرجل الفقير للبنك لمراجعة ما إذا كان يتحمل سداد الأقساط الشهرية من جانب المقرضين».
ويعتبر عرض المبيعات، بمجرد حصوله على تأكيد بالتمويل من البنك، أكثر قبولا بصورة كبيرة لدى العملاء المحتملين: وهو يدور حول سداد الأقساط الشهرية للبنك بنفس السعر الذي تنفقه على شراء الكيروسين تقريبا، وسوف تمتلك نظاما جديدا من شأنه تلبية احتياجاتك الأساسية من الطاقة مجانا بواسطة الشمس.
ومن دون التمويل، لا يمكن للطاقة المتجددة غير المركزية أن تتنافس في الهند مع الكيروسين الرخيص نظرا لأن الحكومة تدعم مبيعاته بتكلفة تبلغ أكثر من 5 مليارات دولار سنويا. ويساهم استخدام الكيروسين في انبعاثات الكربون، ولكن يساهم أيضا وبشكل أعمق في المزيد من المخاطر الشخصية الفورية مثالا بالتهابات الجلد، ومشاكل الجهاز التنفسي، وأخطار الحرائق الكبيرة. وفي نهاية المطاف، فهو لا يوفر إلا الإضاءة الخافتة القاتمة للمنازل.
وبالنسبة للكثير من عملاء شركة سيلكو، فإن تمويل أنظمة الطاقة الشمسية المنزلية يعتبر أول تعامل لهم مع البنوك. كما أن التجربة نفسها تعتبر جديدة للبنوك كذلك.
وتقول شاهاناز علي، مديرة فرع بنك كافيري غرامينا، الذي فتح فيه السيد كالايا وجيرانه حسابات جديدة مؤخرا: «بكل وضوح، لم أسمع قط عن قرية باراديشاباناماثا، وبصرف النظر عن ذلك، فإنني لم أتعامل من قبل مع تمويلات المبالغ الصغيرة تلك. إن تلك العملية جديدة تماما بالنسبة لي، ولذلك فإن المخاطرة مع هذا النوع من المواطنين يسبب لي قلقا بالغا. فليست لديهم ضمانات كافية، وبالتالي ليس لدي التأمين الكافي لمنحهم القروض».
وتواصلت شاهاناز علي مع مديرها الكائن مقر عمله في بلدة مجاورة وهو من الذين تواصلوا مع عملاء شركة سيلكو من قبل، ولقد طمأنها مؤكدا أن القليل للغاية ممن تعثروا في سداد ديونهم المستحقة للبنك. ثم عرض عليها فكرة التمويل الذي طبقته شركة سيلكو بالنسبة للقرى الصغيرة النائية.
وتمكنت شركة سيلكو، من خلال التعاون بين مئات البنوك مثل بنك كافيري غرامينا، من استبعاد مخاطر التمويل بعيدا عن العملاء، وبعيدا أيضا عن مستثمري الشركة. وإلى حد كبير، كانت المخاطر التي أعلنت عنها البنوك حقيقية – حيث عجزت نسبة 7.4 في المائة من مئات الآلاف من عملاء الشركة عن سداد الديون المستحقة. ولكن باتت الحاجة قوية لإقناع كل بنك من البنوك بالمشاركة، وبالتالي فإن مندوبي المبيعات مثل السيد براساد لم يعد بإمكانهم وعد العملاء بتوفير التمويل منذ البداية.
ولدى شركة سيلكو ثلاث من المؤسسات الاستثمارية، اثنتان من أوروبا وواحدة من الولايات المتحدة، والتي تعمل مثل شركات رأس المال الاستثماري، ولكنها تركز على الأثر الاجتماعي أكثر من تأكيدها على الربحية. وتدور هوامش الأرباح لشركة سيلكو حول 3 إلى 4 في المائة فقط، وبلغ صافي الأرباح مبلغ 62.500 دولار فحسب في السنة المالية لعامي 2013 - 2014.
وتخيرت الشركات الأخرى الموفرة لخدمات الطاقة الشمسية المنزلية، في الهند وفي أفريقيا كذلك، الابتعاد عن نموذج التمويل البنكي وفضلت الخطط سابقة الدفع، والتي تشبه خدمات الهواتف الجوالة سابقة السداد. ويدفع المستخدم لصاحب المتجر لقاء كمية محددة من الكهرباء في حين أنه يستأجر النظام بدلا من امتلاكه.

* خدمة «نيويورك تايمز»



رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
TT

رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)

«أصبح ذهابنا للعمل خسارة علينا»... كلمات صدرت من المصري أحمد فاروق، وهو يتأمل تذكرة القطار التي قطعها صبيحة الاثنين، مُعلقاً على قيمتها الجديدة، مع تطبيق الزيادات على أسعار التذاكر.

وبدأت الحكومة المصرية، الجمعة الماضي، تطبيق زيادات على أسعار تذاكر القطارات و«مترو أنفاق القاهرة»، على خلفية ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، وذلك بعد أقل من أسبوعين على تطبيق زيادات على أسعار المحروقات تتجاوز 30 في المائة.

وأضاف فاروق، وهو موظف بإحدى شركات الإنشاءات بالقاهرة، يقطع يومياً مسافة 60 كيلومتراً من مدينة قويسنا بمحافظة المنوفية (دلتا النيل) وصولاً إلى عمله بالقاهرة، ومثلها في رحلة العودة، لـ«الشرق الأوسط»: «رحلتي تبدأ بالقطار ثم مترو الأنفاق... (الآن) أصبحت مطالباً بدفع 24 جنيهاً إضافية يومياً، بعد زيادة تذاكر الوسيلتين، أي ما يزيد على 700 جنيه شهرياً (الدولار تجاوز 54 جنيهاً)». وتابع متسائلاً: «ما يشغلني في ظل ثبات الراتب... هل أقتطع هذه الزيادة من ميزانية احتياجات المنزل أم الدروس الخصوصية للأبناء؟».

يعكس التساؤل حال آلاف المصريين من قاطني الأقاليم الذين تستقبلهم القاهرة صباح كل يوم، ويعتمدون على شبكة النقل العام من قطارات ومترو الأنفاق للوصول إلى عملهم. وفي ظل زيادة قيمة تذاكر القطارات و«المترو» وكذلك وسائل المواصلات المختلفة، تحولت رحلة العمل اليومية إلى عبء مالي جديد يرهق هذه الأسر.

وزادت أسعار تذاكر القطارات في المسافات القصيرة بنسبة 25 في المائة، و12.5 في المائة للمسافات الطويلة، بينما زادت أسعار تذاكر «المترو» بنسبة 20 في المائة مع تثبيت أسعار المسافات الطويلة.

ووفقاً لهذه الزيادة، يبيّن الأربعيني فاروق أن «قيمة تذكرة القطار الروسي المكيف زادت من 30 جنيهاً إلى 40 جنيهاً»، وزادت قيمة تذكرة «المترو» من 10 جنيهات لـ12 جنيهاً، مما جعل «رحلة العمل» تمثل له حيرة في تدبير نفقاتها.

مصري يطالع القيمة الجديدة لتذاكر «مترو الأنفاق» عقب قرار زيادتها (الشرق الأوسط)

الخبير الاقتصادي والمالي، الدكتور ياسر حسين، أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن زيادة أسعار تذاكر المترو والقطارات تمثل عبئاً إضافياً ثقيلاً على الأسر المصرية، فهذه الزيادات تضع الأسر أمام خيارات صعبة، إذ تضطر لتقليص إنفاقها على بنود أخرى؛ مثل التعليم والصحة، كما تلاشت البنود الترفيهية تقريباً من حسابات كثيرين لأجل تغطية تكاليف المواصلات، لأن الوصول إلى العمل بند إجباري لا يمكن الاستغناء عنه.

وأضاف: «تنفق الأسر ما بين 10 و20 في المائة من دخلها الشهري على التنقل، وهو رقم كبير إذا وضعناه بجانب بنود الإنفاق الأساسية الأخرى مثل الغذاء والسكن والتعليم». وأشار إلى أن «رحلة العمل اليومية لا تقتصر على التنقل بـ(مترو الأنفاق) أو القطار فقط؛ بل تتضمن وسائل مواصلات إضافية فرعية، ما يضاعف التكلفة النهائية للتنقل، ويضغط على ميزانية الأسر».

وداخل القطار، تجاذب فاروق وجيرانه من الركاب الحديث عن إرهاق «ثمن المشوار اليومي»، وطرق مواكبة «سرعة» تكاليف المعيشة، وكيفية التعامل مع «فاتورة الوصول» الجديدة بحساب الخسائر والبدائل.

وقال رمزي نبيل، الذي يقطن بمدينة طنطا في محافظة الغربية (دلتا مصر)، ويعمل في أحد محال المستلزمات الطبية بالقاهرة: «لم نفق بعد من صدمة تحريك أسعار المحروقات التي رفعت أجرة المواصلات العامة، حتى فوجئنا بزيادة تذاكر القطارات والمترو... بالفعل أفكر في ترك العمل بالقاهرة، فقيمة التذاكر الجديدة سوف تستنزف جزءاً لا يُستهان به من الدخل».

تذاكر القطارات في مصر زادت بنسب تتراوح بين 12.5 و25 في المائة (الشرق الأوسط)

وتعدّ القاهرة أكثر المحافظات جذباً للسكان، نظراً لفرص العمل ومراكز التعليم والخدمات، ويتجاوز عدد سكانها 11 مليون نسمة، ويتردد عليها يومياً عدد يقارب ذلك الرقم، وفق تصريحات سابقة لمحافظ القاهرة، إبراهيم صابر.

ويبيّن حسين أن زيادة أسعار تذاكر القطارات تضع سكان الضواحي والأقاليم في موقف بالغ الصعوبة، إذ يعتمد هؤلاء بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار العمل في القاهرة. ويتابع: «حتى بعد الزيادة، لن يتوقف هؤلاء عن ركوب القطار، والنتيجة أن الأسر ستتحمل عبئاً مالياً إضافياً، وسيسعى العمال إلى التفاوض مع أصحاب الأعمال لزيادة الأجور بدعوى ارتفاع تكاليف المواصلات، وهذه المطالب ستنعكس بدورها على أصحاب الأعمال الذين سيضطرون لرفع أسعار بعض السلع لتعويض زيادة بند الأجور، وبالتالي رفع تذكرة القطار لا يتوقف عند جيوب الركاب فقط؛ بل يؤدي إلى حلقة جديدة من التضخم».

وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي، 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

سكان الأقاليم يعتمدون بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار عملهم بالقاهرة (الشرق الأوسط)

وفي قطارات المترو، التي تنقل الملايين يومياً، انشغل الركاب بحساب قيمة فاتورة الركوب اليومية. وبالنسبة للعشرينية سارة أيمن، التي تُدرّس اللغة الألمانية بأحد مراكز اللغات الخاصة، فإن ميزانيتها المحدودة باتت أمام اختبار صعب مع زيادة قيمة التذكرة. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أعتبر (المترو) الوسيلة الأرخص والأسرع؛ لكن مع الزيادات الأخيرة، بدأت أفكر في المطالبة بتقليل أيام ذهابي لـ(المركز) أو الاتجاه للتدريس (أون لاين)، فكل جنيه إضافي في المواصلات يعني استقطاعاً من الراتب البسيط».

الخبيرة الاجتماعية والأسرية، داليا الحزاوي، تؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ظل اعتماد شريحة واسعة من المواطنين، لا سيما محدودي ومتوسطي الدخل على وسائل المواصلات المختلفة بشكل يومي، سواء في الانتقال إلى أماكن العمل أو في تنقل الأبناء إلى المدارس والجامعات، أصبحت هذه الأسر تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة، خصوصاً في الحالات التي يضطر فيها رب الأسرة لقطع مسافات طويلة للوصول إلى مقر عمله، أو عندما يلتحق الأبناء بمؤسسات تعليمية بعيدة عن محل السكن». وتشير إلى أن «هذه الزيادات الأخيرة قد تدفع إلى لجوء بعض الطلاب للغياب توفيراً للنفقات، أو يضطر رب الأسرة لترك عمله لبعده عن مكان إقامته والبحث عن فرصة عمل جديدة، مما يزيد القلق والتوتر، ويؤثر بالسلب على الاستقرار الأسري».


مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
TT

مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)

ارتفع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الجنيه خلال تعاملات، الاثنين، بشكل قياسي في مصر. وأظهرت شاشات التداول تحركاً صعودياً جديداً للعملة الأميركية في عدد من البنوك الكبرى، لتتخطى حاجز 54 جنيهاً للمرة الأولى، وسط تباين بين خبراء الاقتصاد حول عودة «السوق السوداء» مجدداً.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط متهمين بإخفاء عملات أجنبية. وقالت في بيان، الاثنين، إنه «استمراراً للضربات الأمنية ضد جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات عن طريق إخفائها عن التداول والاتجار بها خارج نطاق السوق المصرفية، تم ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية بقيمة 9 ملايين جنيه خلال 24 ساعة».

وواصل الدولار ارتفاعه مقابل العملة المصرية خلال الأسبوع الحالي، وكان الجنيه قد اختتم عام 2025 بأداء قوي، فيما يتزايد اهتمام المواطنين بمتابعة سعر الدولار بشكل يومي، نظراً إلى ارتباطه المباشر بأسعار السلع والخدمات خاصة المستوردة منها، وسط مخاوف من «عودة السوق السوداء».

وكانت مصر قد شهدت أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار و«السوق السوداء» التي جاوز فيها الدولار آنذاك 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«تعويم الجنيه»، ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 50 جنيهاً.

ويرى أستاذ الاقتصاد، الدكتور محمد علي إبراهيم، أن «أزمة الحرب الحالية قد تفتح الباب مجدداً لعودة (السوق السوداء)». وعزز رأيه بالقول إن «الطلب سوف يزداد على الدولار بغرض الاكتناز واعتباره (ملاذاً آمناً)، وهذا الطلب المتزايد على العملة الأميركية سوف يدفع إلى وجود (سوق سوداء)، خصوصاً في ظل تراجع إيرادات قناة السويس، والسياحة، وتأثر تحويلات المصريين العاملين في الخارج».

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

لكن إبراهيم يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة أكبر من عودة (السوق السوداء) للعملة، وتتمثل في الخطوات المقبلة خصوصاً مع استمرار أمد الحرب الإيرانية وتداعياتها، فالدولار عالمياً يرتفع على حساب كل العملات الآسيوية، والاقتصاد المصري مرهون بالدولار، لذا حدث ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد». ويوضح أن «هذا المشهد يعيدنا إلى (المربع صفر)، وسيدفع إلى ضغوط تضخمية كبيرة على الاقتصاد القومي»، وفق قوله. ويضيف أن «جميع الجهود التي تمت خلال الفترة الماضية من أجل الحد من التضخم قد تأثرت الآن، والأخطر هو الذهاب إلى ركود تضخمي».

وتشهد مصر موجات مرتفعة من التضخم وسط توقعات أن يشهد معدله في مارس (آذار) الحالي ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالشهور الماضية. وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

لكن الخبير الاقتصادي، الدكتور وليد جاب الله، يرى أن «الارتفاع القياسي للدولار ليس مؤشراً على عودة (السوق السوداء)». ودلل على ذلك بقوله إن «البنوك توفر الدولار وتقدم سعر صرف مرناً، وتوفر الاحتياجات المطلوبة من الدولار، لذا لا توجد (سوق سوداء)».

ويوضح أن «عودة (السوق السوداء) تكون مرتبطة بعدم وجود إتاحة للدولار في البنوك، وعدم الإتاحة يحدث عند استنفاد الاحتياطي بإتاحات من الاحتياطي وليست بإتاحات من البنوك نفسها». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الجنيه يشهد انخفاضات يومية، فماذا سيحدث له أقل من ذلك في (السوق السوداء)؟». ويلفت إلى أن «سعر الدولار مقابل الجنيه صعد من 46 إلى 54 جنيهاً للدولار الواحد، وهذا الرقم لو كان في (السوق السوداء) فلن يصل إليه»، على حد قوله.

رئيس الوزراء المصري خلال لقاء سابق مع مديرة صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

ووفق الإعلامي المصري، عمرو أديب، فإن «بعض التجار في السوق المحلية يتعاملون بحساسية شديدة مع تطورات سعر الدولار». وأشار خلال برنامجه التلفزيوني، مساء السبت الماضي، إلى أن «بعض التجار يحسبون سعر الدولار عند مستويات تصل إلى 60 و70 جنيهاً، وهو ما ينعكس في النهاية على المواطن المصري».

وتنفّذ الحكومة المصرية برنامجاً اقتصادياً مع صندوق النقد الدولي، منذ مارس 2024، بقيمة 8 مليارات دولار، وتلتزم فيه القاهرة بتحرير سعر صرف الجنيه وفق آليات السوق (العرض والطلب)، بخفض دعم الوقود والكهرباء وسلع أولية أخرى، مما دفع إلى موجة غلاء يشكو منها مصريون.

وحدّد الصندوق موعد المراجعة السابعة لبرنامج التسهيل الممدد لمصر في 15 يونيو (حزيران) المقبل، تمهيداً لصرف 1.65 مليار دولار، فيما ستُعقد المراجعة الثامنة الأخيرة في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تمهيداً لصرف شريحة مماثلة قيمتها 1.65 مليار دولار.

ويرى جاب الله أن «استمرار أمد الحرب الإيرانية سوف يدفع إلى ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد»، مشيراً إلى أن «مصر من جانبها رشّدت إنفاقها، وقللت دوام العمل في الأسبوع، وجميع هذه الإجراءات تقلل الخطر، لكن الخطر لا يزال قائماً».

وأعلنت الحكومة المصرية أخيراً إجراءات لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، و«الإغلاق المبكر» للمحال التجارية، وتخفيض استهلاك الكهرباء في الشوارع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)

حذر صندوق النقد الدولي، يوم الاثنين، من أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطراب خطير لاقتصادات دول المواجهة، وتُلقي بظلالها على آفاق العديد من الاقتصادات التي بدأت للتو في التعافي من أزمات سابقة.

وفي مدونة نشرها كبار خبراء الاقتصاد في الصندوق، قال صندوق النقد الدولي إن الحرب التي شنتها الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) تسببت في صدمة عالمية، لكنها غير متكافئة، وأدت إلى تشديد الأوضاع المالية.

حسب الصندوق، تسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز وتضرر البنية التحتية الإقليمية في أكبر اضطراب تشهده سوق النفط العالمية في التاريخ. وسيتوقف الكثير على مدة الحرب، ومدى اتساع رقعة انتشارها، وحجم الأضرار التي ستلحقها بالبنية التحتية وسلاسل الإمداد.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن الدول منخفضة الدخل معرضة بشكل خاص لخطر انعدام الأمن الغذائي، نظراً لارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة، وقد تحتاج إلى مزيد من الدعم الخارجي في وقت تُقلّص فيه العديد من الاقتصادات المتقدمة مساعداتها الدولية.

وكتب الاقتصاديون: «على الرغم من أن الحرب قد تُؤثر على الاقتصاد العالمي بطرق مختلفة، فإن جميع الطرق تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو».

وأعلن صندوق النقد الدولي أنه سيصدر تقييماً أكثر شمولاً في تقريره «آفاق الاقتصاد العالمي»، المقرر نشره في 14 أبريل (نيسان)، خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن.

وأشار الباحثون إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء سيؤدي إلى تفاقم التضخم عالمياً، مُلاحظين أن الارتفاعات المُستمرة في أسعار النفط تاريخياً تميل إلى رفع التضخم وخفض النمو. وأضافوا أن الحرب قد تُؤجج أيضاً التوقعات باستمرار ارتفاع التضخم لفترة أطول، ما قد يُترجم إلى ارتفاع الأجور والأسعار، ويُصعّب احتواء الصدمة دون تباطؤ حاد في النمو.