قراءة في الدستور الإيراني الحلقة (2 - 3): سلطة مطلقة للولي الفقيه.. ومؤسسات دستورية تعمل وفق إشارته

المشرع الإيراني وضع رديفًا للمؤسسات الراسخة التي تركها نظام الشاه مثل رئاسة الجمهورية يقابلها ولاية الفقيه والجيش يقابله الحرس الثوري والباسيج

الخميني في صورة له تعود إلى عام 1978 (غيتي)
الخميني في صورة له تعود إلى عام 1978 (غيتي)
TT

قراءة في الدستور الإيراني الحلقة (2 - 3): سلطة مطلقة للولي الفقيه.. ومؤسسات دستورية تعمل وفق إشارته

الخميني في صورة له تعود إلى عام 1978 (غيتي)
الخميني في صورة له تعود إلى عام 1978 (غيتي)

وضع المشرع الإيراني سلطات مطلقة للولي الفقيه، في الدستور، وجعل مؤسسات دستورية كثيرة تحت سلطته. كما قام بإنتاج مجموعةٍ من المؤسسات التي تقع جميعها تحت السلطة المباشرة للقائد، ومنها: مجلس صيانة الدستور، الذي يقوم بالإشراف على انتخابات مجلس خبراء القيادة ورئيس الجمهورية وأعضاء مجلس الشورى الإسلامي وعلى الاستفتاء العام. كما تم إنشاء مجلس جديد سمي «مجلس تشخيص مصلحة النظام» الذي يقوم بتحديد مصلحة النظام، والفصل بين سلطات الدولة، والذي يشكَّل بأمرٍ من القائد الذي يعيّن كل الأعضاء الدائمين والمؤقّتين فيه. ومجلس الأمن القومي الأعلى الذي تُعتبر قراراته المتعلقة بالسياسة العامة، مجرد توصياتٍ تحتاج إلى موافقة المرشد الأعلى، حتى يتمّ تنفيذها. وأيضا مجلس إعادة النظر في الدستور الذي تحتاج قراراته وتعديلاته إلى موافقة القائد، قبل أن تُطرح على الاستفتاء العام. وعمل المشرع الإيراني الذي لم يستطع التخلّص من المؤسسات التقليدية التي كانت فاعلةً ومتحكّمةً في عهد الشاه، لذا قاموا بإنتاج مؤسساتٍ رديفةٍ لها، مثل رئاسة الجمهورية يقابلها ولاية الفقيه، مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان) يقابله مجلس صيانة الدستور، الجيش النظامي تقابله قوات الحرس الثوري والباسيج، المحاكم المدنية العادية يقابلها المحاكم الشرعية والمحاكم الثورية، المدارس والجامعات التقليدية يقابلها التعليم الديني التقليدي في الحوزات، جهاز الإذاعة والتلفزيون يقابله خُطب الجمعة التعبوية في المساجد. وجميع هذه المؤسسات كانت أداةً مناسبةً لتحقيق أعلى درجات الانضباط الجماهيري وراء الولي الفقيه والدولة، ولتكريس «التوأمة» بين المؤسسة الدينية والنظام السياسي.
ب – مؤسساتٌ دستورية تحت سلطة الولي الفقيه
كما لاحظنا، فقد قام الدستور الجديد بإنتاج مجموعةٍ من المؤسسات التي تقع جميعها تحت السلطة المباشرة للقائد، ومنها:
1 - مجلس صيانة الدستور (أو مجلس الرقابة على القوانين). وظيفته تفسير الدستور وضمان توافق القوانين التي يصدّق عليها البرلمان مع الدستور، وتطابقها مع أحكام الشريعة، والإشراف على انتخابات مجلس خبراء القيادة ورئيس الجمهورية وأعضاء مجلس الشورى الإسلامي وعلى الاستفتاء العام (99). ويتألف هذا المجلس من (12) عضوًا، نصفهم من الفقهاء العدول الذين يختارهم القائد الأعلى، والنصف الثاني من رجال القانون. وبالنظر إلى الأدوار التي يقوم بها هذا المجلس، يمكن اعتباره مجلسًا موازيًا أو مشرفًا على مجلس الشورى الإسلامي، بل ويتجاوز دور المجلس التشريعي، إلى ضابطٍ ومتحكّمٍ في هيكل العلاقات السياسية، من خلال قدرته على منع شخصياتٍ سياسية أو تياراتٍ بعينها - عبر رفضه بعض طلبات الترشيح، وغربلته لقوائم المرشحين للانتخابات الرئاسية والنيابية - من خوض التجربة الانتخابية، أو على إصدار قوانين وتوصيات تكون في خدمة أشخاص أو فئةٍ بعينها. خصوصًا أنّ الدستور قد نصّ على أنه «لا مشروعية لمجلس الشورى الإسلامي، دون وجود مجلس صيانة الدستور (المادة 93). والرئيس الحالي لمجلس صيانة الدستور هو آية الله «أحمد جنّتي». ويهيمن المتشددون على هذا المجلس الذي صادق في 2015 على مشروع قانون يوافق بموجبه على «الاتفاق النووي» الذي توصلت إليه إيران مع السداسية الدولية (5+1)، ليفسح بذلك المجال أمام الحكومة لتنفيذ بنوده، والذي سينتج عنه رفع العقوبات الدولية المفروضة على إيران.
2 - مجلس تشخيص مصلحة النظام الذي يقوم بتحديد مصلحة النظام، والفصل بين سلطات الدولة (مجلس صيانة الدستور ومجلس الشورى الإسلامي)، والذي يشكَّل بأمرٍ من القائد الذي يعيّن كل الأعضاء الدائمين والمؤقّتين فيه. والرئيس الحالي لهذا المجلس هو «علي أكبر رفسنجاني». ويتكون من (31) عضوًا يمثّلون مختلف التيارات السياسية الإيرانية.
3 - مجلس الخبراء (أو مجلس الأوصياء)، ومهمة هذا المجلس حسب الدستور، تعيين أو عزل قائد الثورة الإسلامية، بعد وفاة الخميني. وقد قام بعزل آية الله منتظري من منصب نيابة الإمام الخميني، وتعيين حجة الإسلام علي خامنئي بديلاً منه، وكذلك قام بعد وفاة الخميني، بانتخاب خامنئي لمنصب الولي الفقيه الذي تستمر مدة شغله لهذا المنصب إلى حين وفاته. وهذا المجلس يضم (86) عضوًا من الفقهاء المنتخبين من الشعب، الذين يدرسون ويتشاورون بشأن كل الفقهاء جامعي الشرائط، وإذا تشابهت الصفات والشرائط بين أكثر من مرشَح، «يُفضّل مَن كان منهم حائزًا، على رؤية فقهية وسياسية أقوى من غيره» (المادة 109). والرئيس الحالي لهذا المجلس هو آية الله محمد يزدي.
4 - مجلس الأمن القومي الأعلى الذي تُعتبر قراراته المتعلقة بالسياسة العامة، مجرد توصياتٍ تحتاج إلى موافقة المرشد الأعلى، حتى يتمّ تنفيذها. وأمين المجلس الحالي هو وزير الدفاع السابق الجنرال علي شمخاني الذي عيّنه المرشد الأعلى ممثّلاً له، خلفًا لحسن روحاني الذي شغل المنصب لعدة سنواتٍ، قبل انتخابه رئيسًا لإيران في عام 2013. وقد صادق هذا المجلس أيضًا، على «الاتفاق النووي» الإيراني مع الدول الست، بصفته المرجع الأعلى للنظام في اتخاذ القرارات السياسية والعسكرية.
5 - مجلس إعادة النظر في الدستور الذي تحتاج قراراته وتعديلاته إلى موافقة القائد، قبل أن تُطرح على الاستفتاء العام.
6 - وبالإضافة إلى هذه المؤسسات التي تم تكريسها في الدستور، فقد تمّ بعد أسبوع واحد من نجاح الثورة، إنشاء «الحزب الجمهوري الإسلامي»، للقيام بتعبئة الجماهير في دعم مبادئ وقيم الثورة، وشكّلت جماعة «أنصار حزب الله » - الذراع العسكرية للحزب - مصدر قوةٍ إضافيةٍ له. وفي المقابل فقد تمّت تصفية الأحزاب الليبرالية واليسارية داخل المجتمع الإيراني، عن طريق القمع والترهيب والسجن والقتل والاغتيال والإعدام دون حصول أصحابها على محاكماتٍ نزيهة وعادلة. ولكن الخميني حلّ هذا الحزب لاحقًا، فيما استمر حزب الله في العمل، وقد قام بالكثير من أعمال العنف والترهيب داخل إيران، ويدين أعضاء هذا الحزب بالكامل للإمام الخميني وأفكاره فيما يتعلق بشكل إدارة الدولة والمجتمع.
7 - في عام 1980 تمّ تشكيل «لجنة الثورة الثقافية» التي كان معظم أعضائها من علماء الدين. وقد تولت مهمة المراجعة الشاملة للمناهج التربوية وطواقم التدريس، بحيث أضافت مجموعةً من المناهج الفقهية في التعليم ما قبل الجامعي، بهدف خلق أجيالٍ جديدة تتبنَى قيم الثورة، وتكون مصدر قوةٍ للدولة الجديدة. وقد تمّ إغلاق الجامعات الإيرانية لما يزيد على السنتين، بغية التضييق على كل التيارات السياسية (القومية والليبرالية واليسارية و..) الفاعلة في داخل الجامعات. ولتأكيد النظام سيطرته على الجامعات، فقد أُضيفت شروط جديدة للالتحاق بها، تتضمن الحصول على شهادة بأن الطالب يؤمن بقيم الحكومة الإسلامية ومبادئها.
ج - المؤسساتُ الاجتماعية والاقتصادية في خدمة الآيديولوجيا
عرفت النخبة السياسية الجديدة، أي التيار الديني، وعلى رأسه الخميني، أن الأساس الديني لشرعية النظام، بعد هدم شرعية النظام البلهوي، لا يكفي وحده لاستمرار النظام، وأنه لا بدّ من تدعيم شرعية النظام الجديد، بطرقٍ وأساليب متعددة: أولاً من خلال إنشاء مؤسساتٍ اجتماعية واقتصادية وعسكرية وقضائية ودينية وتعليمية وأمنية وقمعية جديدة، تتوافق مع الآيديولوجيا الجديدة للنظام السياسي، والتي تقع فكرة ولاية الفقيه في صميمها، وثانيًا من خلال إعطاء دور مميز لرجال الدين وآيات الله في داخل البناء السياسي للدولة، وفي داخل تلك المؤسسات، لكي يتمكنوا من فرض رؤيتهم الدينية والفقهية على شكل هذه المؤسسات التي يتم من خلالها إدارة كل الشؤون في البلاد، وبالتالي إحكام قبضتهم على كل صغيرة وكبيرة في البلاد، وعلى كامل السلطة في إيران. وأغلب هذه المؤسسات تمّ إنشاؤها من خلال تأميم ومصادرة الأموال والشركات والمؤسسات الاقتصادية والتجارية والعقارية والبنكية التي كانت تابعة للشاه وحاشيته والمقرّبين من نظامه.
ومن أبرز تلك المؤسسات التي يتولى القائد والعلماء والفقهاء العدول الإشراف عليها:
1 - مؤسسة «المستضعفين» التي كانت تُعنى برعاية معوّقي الحرب وأُسرهم بعد اندلاع الحرب الإيرانية - العراقية، والتي تتمتع بميزانية ضخمة. وقد أُسندت إليها بعد عام 1989 مهام خارجية وأمنية، وساهمت في نشر النفوذ الإيراني عن طريق مساعدة المستضعفين من الشيعة في الدول المختلفة، وأبرزها لبنان.
2 - مؤسسة «الشهيد» التي كانت تتكفل بعوائل الشهداء الذين سقطوا في أثناء الحرب العراقية - الإيرانية، عن طريق دفع الرواتب الشهرية للأرامل، وتقديم الخدمات التعليمية والسكنية والرعاية الصحية لأبناء الشهداء.
3 - مؤسسة «إمداد الإمام» التي تُعنى بأعمال الإغاثة، وتقديم المساعدات المتنوعة للمحتاجين.
4 - مؤسسة «15 خرداد» التي أعلنت عن جائزةٍ مالية ضخمة (3.3 مليون دولار) لمن يقوم باغتيال سلمان رشدي صاحب كتاب «آيات شيطانية»، بغية اجتثاث المؤامرات المعادية للإسلام.
5 - مؤسسة «جهاد البناء» التي اهتمّت ببناء الجسور والطرق وغيرها من الأنشطة في أثناء الحرب.
وهذه المؤسسات ذات الطابع الخيري والإنساني والاقتصادي، قد مدّت عملها وأنشطتها الدعائية إلى خارج إيران، حيث قامت بإنشاء بعض المدارس والمراكز الثقافية والطبية في بعض الدول الأفريقية والعربية. وهي خارجةٌ عن رقابة الدولة، ولا تخضع لأي محاسبة قانونية أو إدارية، وهي تمتلك ميزانياتٍ ضخمة نتيجة الخُمس (أو سهم الإمام) والتبرعات المختلفة من رجال البازار (التجّار الإيرانيون) الداعم التقليدي لرجال الدين في إيران، وهي تخضع لمكتب الولي الفقيه القائد الذي يقوم بتوجيه الإنفاق فيها، بحسب ما يراه، وترتبط به ارتباطًا مباشرًا، تكوينًا وإدارة وتنفيذًا لتوجهاته وأجندته وأولوياته. وقد نجحت هذه المؤسسات التي تستفيد من موارد الدولة المالية والاقتصادية، في تثبيت قواعد الآيديولوجيا الجديدة، وفي توسيع قاعدة المستفيدين من النظام القائم، وفي الحصول على الولاء له من شرائح واسعة من الجماهير، ولا سيما الفقراء الذين كانوا وما زالوا، وقود الثورة، وفي نشر «التشيّع» خارج إيران.
وتجدر الإشارة إلى أن حزب الله اللبناني الذي يرتبط مذهبيًا وعقائديًا وآيديولوجيًا بإيران، ويتلقى منها معونات مالية تُقدّر بملايين الدولارات سنويًا، قد قام بإنشاء مؤسسات تحمل نفس الأسماء، وتقوم بنفس الأدوار والوظائف داخل البيئة الشيعية للحزب.
وهكذا يمكننا استنتاج أن القائمين على الثورة وصنّاع القرار، لم يستطيعوا التخلّص من المؤسسات التقليدية التي كانت فاعلةً ومتحكّمةً في عهد الشاه، لذا قاموا بإنتاج مؤسساتٍ رديفةٍ لها، تكون بمنزلة أذرع سياسية واقتصادية ودينية وعسكرية وأمنية للنظام، تحدّ من تأثيرها، وتضبط عملها بضوابط الرؤية الجديدة لمصلحة النظام: رئاسة الجمهورية يقابلها ولاية الفقيه، مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان) يقابله مجلس صيانة الدستور، الجيش النظامي تقابله قوات الحرس الثوري والباسيج، المحاكم المدنية العادية يقابلها المحاكم الشرعية والمحاكم الثورية، المدارس والجامعات التقليدية يقابلها التعليم الديني التقليدي في الحوزات، جهاز الإذاعة والتلفزيون يقابله خُطب الجمعة التعبوية في المساجد.. وجميع هذه المؤسسات كانت أداةً مناسبةً لتحقيق أعلى درجات الانضباط الجماهيري وراء الولي الفقيه والدولة، ولتكريس «التوأمة» بين المؤسسة الدينية والنظام السياسي.
د - الأساس الإسلامي للنظام الإيراني
يقول الخميني: «إنّ المؤسسات الاستعمارية كلها وسوست في صدور الناس أن الدين لا يلتقي مع السياسة، وأنّ الروحانية ليس عليها أو ليس لها أن تتدخّل في الشؤون الاجتماعية، وليس من حقّ الفقهاء أن يعملوا لتقرير مصير الأمة. ومن المؤسف أن البعض منا قد صدّق هذه الأباطيل»(5)
وتعود نشأة المؤسسة الدينية في إيران إلى الدولة الصفوية في القرن السادس عشر، حينما قام مؤسس الدولة الشاه إسماعيل الصفوي (1487 - 1524) الذي ادّعى الانتساب إلى الإمام السابع موسى الكاظم، باستقدام العلماء من جبل عامل في لبنان والبحرين والجزيرة العربية، من أجل فرض عقيدة التشيّع في أوساط الجماهير الإيرانية التي كانت تدين بالمذهب السُنّي آنذاك. وقد أدّى قيام أول نظامٍ سياسي أو أول دولةٍ شيعيّة في التاريخ الإسلامي، في إيران، إلى صبغ «التشيّع» بصبغة قومية إيرانية (فارسية)، وإلى إيجاد التمايز بين التشيّع الإيراني والتشيّع العربي في لبنان أو الخليج العربي. وبعد نجاح الثورة الخمينية، تسلّمت المؤسسة الدينية من جديد، مقاليد السلطة بإيران، معلنةً تبنّي الدين الإسلامي قانونًا وحيدًا للبلاد، والمذهب الشيعي مذهبًا رسميًا للبلاد.
وقد حدثت معارضة - حتى من كبار رجال المؤسسة الدينية وآيات الله - على انخراط رجال الدين في الأمور السياسية اليومية، وعلى الطريقة التي نُفذت بها ولاية الفقيه التي تُعتبر العمود الفقري في النظام الجديد، وعلى تدخّل الفقهاء في الحكم بالصورة التي أقرّها الدستور، معتبرين أن دورهم يجب أن يقتصر على النصح والإرشاد والقضاء والفتوى في الأمور الفقهية. ورغم أنهم كانوا من كبار المنظرّين للثورة الإيرانية، فإن صراعًا قام بينهم وبين النظام الإيراني الجديد، انتهى بإسكات أصواتهم وإنهاء أدوارهم، إما بالعزل والوضع تحت الإقامة الجبرية (آية الله حسين علي منتظري) أو بالضغط والترهيب والدفع إلى اعتزال العمل السياسي (آية الله محمود طالقاني) أو بالتجريد من اللقب والحرمان من التدريس (آية الله محمد كاظم شريعتمداري). وجريمة هؤلاء العلماء أنهم تجرّأوا على الاختلاف مع الخميني، وقاموا بمراجعاتٍ نقديةٍ لنظرية ولاية الفقيه المطلقة، لإظهار مواطن الخلل والزلل والخطورة في تطبيقاتها، ودعوا إلى العمل على تصحيحها قبل أن تصبح مصدرًا للاستبداد والديكتاتورية اللاهوتية التي لا يوجد فيها لـ«الشورى» أو للإرادة أو المرجعية الشعبية إذا ما تعارضت مع مرجعية القائد، أي دور أو قيمة.
وهذا ما حصل أيضًا مع الدكتور أبو الحسن بني صدر، الليبرالي والاقتصادي، والمعارض لنظام الشاه، الذي دعم الخميني وصوله إلى سدة الرئاسة، والذي رأى لاحقًا، بحكم انحيازه إلى منطق الدولة، أنّ على الفقهاء أن يعودوا إلى مساجدهم وحوزاتهم العلمية بعد انتهاء الثورة، وأن يُفتح المجال أمام الثورة المدنية. وكانت النتيجة أن رفض الخميني والتيار الديني هذا المطلب والتوجه، مما اضطر بني صدر إلى الهروب إلى خارج البلاد، حرصًا على حياته، وخوفًا من اتهامه بالخيانة العظمى. أما المهندس الليبرالي ذو التوجّه الإسلامي مهدي بازركان، المناصر للثورة على الشاه، الذي كلّفه الخميني بأول حكومةٍ بعد الثورة، بغية طمأنة القوى الليبرالية بأنه لن يؤسس دولةً دينيةً، فلم يلبث أن قدّم استقالته، بعد أن أدرك عجزه عن تأسيس حكمٍ ديمقراطي إسلامي منفتح، في ظلَ تنامي قوة ونفوذ التيار الديني في إيران بعد الثورة.
يقول الخميني: «إنّ تعاليم الأئمة كتعاليم القرآن، لا تخصّ جيلاً خاصًا، وإنما هي تعاليم للجميع في كل عصر ومِصر، وإلى يوم القيامة، ويجب تنفيذها واتّباعها»(6). وقد قام المشرّع الإيراني الذي كان يخطط كي يقبض التيار الديني بعلمائه وفقهائه ومجتهديه ومراجعه الدينية، على مفاصل الدولة الناشئة، بضبط كل مناحي الحياة بالضوابط والمعايير والموازين الإسلامية، بغية المطابقة التامة بين جهاز الدولة والنظام السياسي والإسلام، بحيث تصبح أي معارضةٍ أو نقدٍ أو رفض لهذا النظام، هي معارضةٌ ونقد ورفض للدين الإسلامي نفسه.
وقد ورد في مقدمة الدستور، أن الدستور «يجب أن يكون وسيلةً لتثبيت أركان الحكومة الإسلامية، ونموذجًا لنظام حكمٍ إسلامي جديد على أنقاض نظام الطاغوت السابق»، وأنّ إدارة المجتمع بناءً على التشريع الإسلامي، يجب أن يشرف عليها «علماء المسلمين المتّصفون بالعدالة والتقوى والالتزام (الفقهاء العدول)».
أما المادة الثانية، فقد نصّت على أنّ «نظام الجمهورية الإسلامية يقوم على الإيمان بالله الأحد (لا إله إلا الله) وتفرّده بالحاكمية والتشريع ولزوم التسليم لأمره»، وعلى أنّ «الموازين الإسلامية يجب أن تكون أساس جميع القوانين والقرارات المدنية والجزائية والمالية والاقتصادية والإدارية والثقافية والعسكرية والسياسية وغيرها.. ويتولّى الفقهاء في مجلس صيانة الدستور تشخيص ذلك» (المادة 4). ولا يغيب عن بال المشرّع الإشارة إلى أن ما يميّز الثورة التي قادها الخميني، عن «سائر النهضات التي قامت في إيران خلال القرن الأخير، إنما هي عقائديتها وإسلاميتها» (المقدمة).
ولذلك يجب على «مجلس الشورى إرسال جميع ما يصادق عليه، إلى مجلس صيانة الدستور الذي عليه دراسته وتقرير مدى مطابقته الموازين الإسلامية ومواد الدستور» (المادة 94)، وعلى السلطة القضائية «أن تمارس وظيفتها وفقًا للموازين الإسلامية، وتقوم بالفصل في الدعاوى وإقامة الحدود الإلهية» (المادة 61). أما الصحافة والمطبوعات فهي «حرّة في بيان المواضيع، ما لم تخلّ بالقواعد الإسلامية والحقوق العامة» (المادة 24)، ويجب على وسائل الإعلام (الإذاعة والتلفزيون)، أن تعمل «على نشر الثقافة الإسلامية.. وأن تحترز بشدة من نشر وإشاعة الاتجاهات الهدَامة والمعادية للإسلام» (مقدمة الدستور).
أما الأحزاب والجمعيات والهيئات السياسية والأقليات الدينية المعترف بها، فيقرر الدستور أنها «تتمتع بالحرية، بشرط ألا تناقض أسس القيم الإسلامية وأساس الجمهورية الإسلامية» (المادة 26). أما بالنسبة إلى الاقتصاد فيجب «بناء اقتصاد سليم وعادل وفق القواعد الإسلامية من أجل توفير الرفاهية والقضاء على الفقر وإزالة كل أنواع الحرمان «(المادة 3).
وحتى المجالس البلدية المنتخبة من الشعب «في المحافظات والأقضية والمدن والقرى، والموكلة بتنفيذ البرامج الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية والصحية والثقافية والتعليمية وسائر الخدمات الاجتماعية - فيجب أن لا تتعارض قراراتها مع الموازين الإسلامية «(المادة 105). بالإضافة إلى ذلك، ينصّ الدستور على أنّ «الحكومة مسؤولةٌ عن إعداد البرامج والإمكانات اللازمة للتدريب العسكري لجميع أفراد الشعب، وذلك وفقًا للموازين الإسلامية «(المادة 151).
والحقيقة أن هذه التأكيدات المتتالية على عقائدية الثورة وإسلامية النظام، لا هدف من ورائها سوى تكريس سلطة رجال الدين في كل مناحي الحياة، ليصبحوا الجهة الوحيدة التي تمنح المشروعية لأي فعلٍ أو تحجبها عنه، وكذلك لربط حياة الناس ومصالحهم، برؤيتهم الدينية وفتاواهم وتفسيراتهم واجتهاداتهم الفقهية. ولا يتمّ ذلك إلا عن طريق تسييس الدين، وتديين السياسة، وإقحام البُعد اللاهوتي والغيبي والأسطوري، في الميدان السياسي والمالي والاقتصادي والعسكري، وإسباغ مشروعية إلهية على قرارات النظام ومشاريعه وطموحاته، التي تُقدّم للناس على أنها «تكليفات» شرعيّة من الإمام المعصوم. وبعبارة أخرى، إنّ هذا الإغفال المقصود للفروق الجوهرية بين الميدانين (الأرضي والسماوي، الواقعي والأسطوري، المعقول واللامعقول، السياسة والعقيدة الإيمانية..) ليس سوى وسيلة لتثبيت أركان الدولة الثيوقراطية، ولتفرّد الفقهاء (وليس الله) بالحاكمية والتشريع والتحليل والتحريم والسلطة والنفوذ ولزوم التسليم لأمرهم، ولتبرير أي ممارسات قمعية أو إلغائية ضد مَن يتمّ تصنيفهم بالخونة والعملاء والمتآمرين، ولإقفال الباب نهائيًا أمام حدوث أي تغيير مستقبلي.
ولعل الطريقة التي تعاملت بها السلطة الدينية - الأمنية مع «الثورة الخضراء» التي اندلعت تظاهرات واحتجاجات شعبية في إيران في عام 2009، ضد النظام، هي الدليل الساطع أولاً، على كيفية توظيف «العنف الشرعي» الذي تجابه به سلطةُ «الإمامة - الملكية» غير المقيّدة وغير المشروطة، أي التهديد بتغيير موازين القوى التي أرستها بقوة الدين والمقدس والعصمة والإمامة والإيمان والتقليد والاتّباع، وثانيًا على أنّ الجمهوريات الناشئة في العالم الثالث، ما هي إلا تطبيقات وتعبيرات شوهاء عن قيم الحداثة ومفاهيم الحرية والديمقراطية، وثالثًا، على أن هذا النظام اللاهوتي يستحيل أن يقدّم «نموذجًا «ناجحًا يصلح «تصديره» إلى خارج الحدود!
قراءة في الدستور الإيراني الحلقة (3 - 3) : القوات المسلّحة ذراع النظام القمعية.. وضع خاص وميزانية ضخمة
قراءة-في-الدستور-الإيراني-الحلقة-1-3-الخميني-سعى-لتكريس-السلطة-بالتمهيد-لقيام



جهود لعقد جولة ثانية من المحادثات بين واشنطن وطهران

رجل دين إيراني يتحدث إلى وسائل الإعلام أمام مبنى سكني تعرض لغارات جوية أميركية - إسرائيلية قبل أيام من دخول وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين بين إيران والولايات المتحدة حيز التنفيذ... اليوم في طهران (أ.ف.ب)
رجل دين إيراني يتحدث إلى وسائل الإعلام أمام مبنى سكني تعرض لغارات جوية أميركية - إسرائيلية قبل أيام من دخول وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين بين إيران والولايات المتحدة حيز التنفيذ... اليوم في طهران (أ.ف.ب)
TT

جهود لعقد جولة ثانية من المحادثات بين واشنطن وطهران

رجل دين إيراني يتحدث إلى وسائل الإعلام أمام مبنى سكني تعرض لغارات جوية أميركية - إسرائيلية قبل أيام من دخول وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين بين إيران والولايات المتحدة حيز التنفيذ... اليوم في طهران (أ.ف.ب)
رجل دين إيراني يتحدث إلى وسائل الإعلام أمام مبنى سكني تعرض لغارات جوية أميركية - إسرائيلية قبل أيام من دخول وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين بين إيران والولايات المتحدة حيز التنفيذ... اليوم في طهران (أ.ف.ب)

أفادت مصادر متطابقة، الثلاثاء، بإمكان عودة فريقَي التفاوض من الولايات المتحدة وإيران إلى إسلام آباد خلال الأيام القليلة المقبلة، في مؤشر على استمرار المسار الدبلوماسي رغم تعثر الجولة السابقة، في وقت يتزامن فيه الضغط السياسي مع تصاعد التوتر العسكري في محيط مضيق هرمز بعد مضي أسبوع من وقف إطلاق النار.

جاء ذلك بينما اشتد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران بعد إعلان واشنطن فرض حصار على الموانئ الإيرانية، ولوّحت طهران بمهاجمة أهداف في أنحاء المنطقة، فيما أكدت باكستان أنها تكثف جهودها لجمع الطرفين لعقد جولة جديدة من المحادثات.

ورغم أن وقف إطلاق النار، الذي أُعلن الأسبوع الماضي، بدا صامداً، فإن المواجهة بشأن مضيق هرمز تنذر بإعادة إشعال الأعمال العدائية وتعميق التداعيات الاقتصادية للحرب على مستوى المنطقة بأكملها.

وكان الاجتماع الذي عقد في بدايات هذا الأسبوع بالعاصمة الباكستانية، بعد 4 أيام من إعلان وقف إطلاق النار الثلاثاء الماضي، أول لقاء مباشر بين مسؤولين أميركيين وإيرانيين منذ أكثر من 10 أعوام، كما كان الأعلى مستوى منذ الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979.

وفشلت المحادثات التي هدفت إلى إنهاء النزاع بشكل دائم، الذي بدأ في 28 فبراير (شباط) الماضي بضربات أميركية وإسرائيلية على إيران، في التوصل إلى اتفاق الأحد الماضي، رغم أن باكستان اقترحت استضافة جولة ثانية خلال الأيام المقبلة.

وأفادت «رويترز»، نقلاً عن مصدر مشارك في المحادثات، بأن الموعد لم يحدَّد بعد، «لكن الجانبين قد يعودان في وقت قريب، ربما في نهاية هذا الأسبوع». وقال مصدر إيراني كبير: «لم يحدَّد موعد بعينه؛ إذ أبقى المفاوضون الفترة من الجمعة إلى الأحد مفتوحة».

وقال المصدر الأول لـ«رويترز» إنه اقتراحاً قُدِّم إلى كل من الولايات المتحدة وإيران لإعادة وفدَيهما واستئناف المحادثات. وذكر مصدران باكستانيان مطلعان على المحادثات أن إسلام آباد تتواصل مع الجانبين بشأن توقيت الجولة التالية، ومن المرجح أن يُعقد الاجتماع في نهاية الأسبوع.

كما أفاد مسؤولان أميركيان، طلبا عدم الكشف عن هويتيهما نظراً إلى حساسية المفاوضات، الاثنين، بأن المناقشات لا تزال جارية بشأن عقد جولة جديدة. وأضافا أن مكان انعقادها وتوقيتها وتركيبة الوفود لم تحدَّد بعد، «لكن من الممكن عقدها الخميس»، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس».

وقال مسؤول حكومي باكستاني كبير: «تواصلنا مع إيران وتلقينا رداً إيجابياً بأنهم سيكونون منفتحين على جولة ثانية من المحادثات». ونقلت وكالة «أسوشييتد برس» عن مسؤولَين باكستانيين، طلبا عدم الكشف عن هويتيهما لعدم تخويلهما الحديث إلى وسائل الإعلام، أن الجولة الأولى من المحادثات كانت جزءاً من عملية دبلوماسية مستمرة وليست محاولة منفردة.

نافذة التفاوض

قاد جيه دي فانس، نائبُ الرئيس الأميركي، ومحمد باقر قاليباف، رئيسُ البرلمان الإيراني، فريقَي التفاوض في الجولة السابقة من المحادثات، التي عُقدت بهدف التوصل إلى حل بشأن عدد من الملفات، من بينها «مضيق هرمز»، وهو ممر بحري رئيسي لإمدادات الطاقة العالمية أغلقته إيران فعلياً، بينما تعهدت الولايات المتحدة بإعادة فتحه، إلى جانب «البرنامج النووي الإيراني» و«العقوبات الدولية» المفروضة على طهران.

وقال فانس للصحافيين بعد انتهاء المحادثات: «نغادر هذا المكان بمقترح بسيط للغاية، وهو طريقة للتفاهم تمثل عرضنا النهائي والأفضل». وأضاف: «سنرى ما إذا كان الإيرانيون سيقبلونه».

وشدد فانس، الاثنين، على أن «الكرة أصبحت في ملعب إيران» للتوصل إلى اتفاق للسلام، بعدما حددت واشنطن خطوطها الحُمر، في ظل تصريحات تشير إلى استمرار الاتصالات بين الطرفين رغم فشل مفاوضات إسلام آباد.

وقال: «هناك أمران على وجه الخصوص أكد الرئيس الأميركي أن لا مجال للمرونة فيهما». وتابع: «من السهل على الإيرانيين القول إنهم لن يمتلكوا سلاحاً نووياً، لكن من الصعب علينا وضع الآلية اللازمة لضمان عدم حدوث ذلك».

وسجلت الأسواق المالية ارتفاعاً الثلاثاء، فيما انخفض سعر النفط، في ظل آمال التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط وإعادة فتح مضيق هرمز، بعدما أكد الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أن الإيرانيين يرغبون في التوصل إلى اتفاق.

وقال ترمب للصحافيين في البيت الأبيض، الاثنين: «أستطيع أن أقول لكم إن الطرف الآخر اتصل بنا. إنهم يريدون التوصل إلى اتفاق بأي ثمن».

وقال فانس على شبكة «فوكس نيوز» إن واشنطن تريد إخراج اليورانيوم المخصب من إيران ليكون تحت سيطرتها، مشدداً على ضرورة منع إيران من تخصيب اليورانيوم مستقبلاً.

ونقلت صحيفة «وول ستريت جورنال»، الاثنين، أن الولايات المتحدة سعت إلى تضمين اتفاق إنهاء الحرب مع إيران «تعليق برنامج تخصيب اليورانيوم الإيراني لمدة 20 عاماً»، وهي مقاربة لا تختلف من حيث الجوهر عن الاقتراح المنسوب إلى إيران بتعليق الأنشطة النووية 5 سنوات، ورفض ترمب هذا العرض، وفق ما نقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن مسؤول أميركي.

وكانت إيران قد استبعدت فرض أي قيود على حقها في تخصيب اليورانيوم، فيما تصر على أن برنامجها النووي مدني. وفي هذا السياق، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إن فانس أبلغه بأن إخراج كل اليورانيوم الإيراني المخصب بنسبة 60 في المائة من البلاد «مسألة محورية» بالنسبة إلى ترمب، إلى جانب ضمان «عدم حدوث أي تخصيب إضافي في السنوات المقبلة، بل وحتى العقود المقبلة».

كما عرضت روسيا، الاثنين، تسلُّم اليورانيوم الإيراني المخصب في إطار أي اتفاق محتمل. وقال المتحدث باسم الكرملين، ديميتري بيسكوف: «ما زال العرض قائماً، لكن لم يُتخذ أي إجراء بشأنه».

وتزداد في الوقت نفسه التحركات الدبلوماسية المرتبطة بالحرب. وقالت وزارة الخارجية الصينية إن الوضع بلغ «مفترقَ طرقٍ حرجاً»، مضيفة أن بكين ستبذل جهوداً للمساعدة في استعادة السلام والاستقرار بالشرق الأوسط.

وفي طهران، شدد الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، خلال محادثة مع الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، على أن بلاده «لن تواصل المحادثات إلا في إطار القانون الدولي».

ودعا ماكرون الولايات المتحدة وإيران إلى استئناف المفاوضات لإنهاء الحرب، وإعادة فتح مضيق هرمز «من دون قيود أو رسوم، في أقرب وقت ممكن». وقال إنه نقل هذه الرسالة خلال اتصالَين مع الرئيسَين؛ الأميركي دونالد ترمب، والإيراني مسعود بزشكيان.

وسيترأس ماكرون الجمعة في باريس، إلى جانب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، اجتماعاً لتحالف دولي يهدف إلى تأمين المضيق بعد انتهاء النزاع.

ضغط الحرب

في مقابل هذا الحراك الدبلوماسي، يتواصل الضغط العسكري والاقتصادي... فبينما تفرض الولايات المتحدة حصاراً على الموانئ الإيرانية، هدد ترمب بتدمير أي سفينة إيرانية تسعى إلى كسر الحصار، وقال إن سيطرة إيران على مضيق هرمز تمثل «ابتزازاً».

وأضاف، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، أن البحرية الإيرانية «دُمرت بالكامل»، لكنها لا تزال تمتلك «زوارق هجومية سريعة». وحذر بأنه «إذا اقتربت أي من هذه السفن من (محاولة كسر) حصارنا، فسيُقضى عليها فوراً».

وفي المقابل، هدّدت إيران بالرد عبر استهداف موانئ في الخليج إذا تعرضت لهجوم، ووصفت الإجراء الأميركي بأنه «غير شرعي» و«قرصنة»، محذرة بأن أياً من الموانئ في المنطقة لن يكون في مأمن إذا تعرضت سلامة الموانئ الإيرانية للخطر.

وكتب المتحدث باسم «لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية» في البرلمان الإيراني، إبراهيم رضائي، في منشور على منصة «إكس»، أن وقف إطلاق النار «يجب ألا يتحول إلى تمهيد لتهديد جديد»، مطالباً بالاعتراف بما وصفها بـ«حقوق إيران»؛ بما فيها سيطرتها على مضيق هرمز، أو العودة إلى الحرب.

وأضاف أن الهدنة «ليست فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة التسلح»، محذراً بأنه إذا لم تُحترم تلك الحقوق، فإن وقف إطلاق النار، الذي قال إنه يفضي إلى «إعادة تعبئة الأميركيين والإسرائيليين»، ينبغي «تجاوزه».

وفي السياق نفسه، قال حميد رضا حاجي بابايي، نائب رئيس البرلمان الإيراني، إن طهران بدأت «فرض سيادتها» في مضيق هرمز، مشيراً إلى أن أي سفينة تعبر المضيق «يجب أن تلتزم القواعد والرسوم المقررة».

وأضاف أن الدول التي تواكب الولايات المتحدة في فرض العقوبات على إيران يجب أن تدرك أن سفنها ستواجه «قيوداً وتكلفة مرتفعة» عند المرور، مؤكداً أن ما وصفها بـ«المطالب الـ10 الأساسية» للإيرانيين لا يحق لأي مسؤول التراجع عنها، وأنها يجب أن تُطرح في المحافل الدولية ومجلس الأمن، وأن تتحول إلى إطار قانوني.

وفي إطار التحرك الداخلي لمواجهة تداعيات الحصار، وجه وزير الداخلية الإيراني، إسكندر مؤمني، تعليمات إلى 16 محافظاً في المحافظات الحدودية للعمل على «إبطال أثر التهديد البحري»، عادّاً أن إيران «غير قابلة للحصار» في ظل امتلاكها أكثر من 8 آلاف كيلومتر من الحدود البرية والبحرية.

ودعا مؤمني إلى استخدام الصلاحيات الاستثنائية الممنوحة للمحافظين، بالتنسيق مع وزارات الاقتصاد والزراعة والطرق والصناعة والجهات المعنية بالتجارة الحدودية؛ لتسهيل استيراد السلع الأساسية وتعزيز الصادرات، بما يضمن تحييد أي ضغوط على معيشة السكان، مع تكليف وزارة الداخلية متابعة تنفيذ هذه الإجراءات والإشراف عليها.

ومنذ اندلاع الحرب، قلّصت إيران حركة الملاحة البحرية، حيث يتجنب معظم السفن التجارية المرور عبر المضيق الذي يبلغ عرضه نحو 21 ميلاً (34 كيلومتراً).

ويهدف الحصار إلى زيادة الضغط على إيران، التي صدّرت ملايين البراميل من النفط، معظمها إلى آسيا، منذ اندلاع الحرب. ويرجح أن جزءاً كبيراً من هذه الشحنات جرى عبر ما يعرف بـ«العبور المظلم» الذي يتجنب العقوبات والرقابة؛ مما وفر تدفقات مالية حيوية للاقتصاد الإيراني.

وظلت طبيعة تنفيذ الحصار ومدى امتثال السفن له غير واضحة خلال أول يوم كامل من سريانه، الثلاثاء؛ فقد غيّرت ناقلات كانت تقترب من المضيق مسارها، الاثنين، بعد وقت قصير من بدء تطبيقه، بينما عادت إحداها وعبرت الممر في وقت مبكر الثلاثاء.

وقال السفير الإيراني لدى الأمم المتحدة، أمير سعيد إيرواني، في رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، إن فرض الحصار البحري الأميركي على الموانئ الإيرانية في الخليج العربي وبحر عمان «يشكل انتهاكاً خطيراً لسيادة إيران وسلامة أراضيها»، كما يمثل «انتهاكاً خطيراً للمبادئ الأساسية لقوانين البحار»، ويزيد «بشكل واضح من خطر التصعيد في منطقة شديدة التقلب».

ومنذ بداية الحرب التي اندلعت في 28 فبراير الماضي، تفرض طهران سيطرتها على المضيق، وأقرت رسوماً على المرور تعتزم الإبقاء عليها. وقال ترمب، الاثنين، إن 34 سفينة عبرت مضيق هرمز في اليوم السابق، وهو، وفق تعبيره، «أعلى رقم منذ بدء هذا الإغلاق المجنون» الذي فرضته إيران.

وقال رئيس الوزراء الباكستاني، شهباز شريف، الاثنين، إن «وقف إطلاق النار لا يزال صامداً، وفي هذه اللحظة، تُبذل جهود مكثفة لحل القضايا العالقة».

وأثّرت الحرب، التي دخلت أسبوعها السابع، بشكل حاد على الأسواق وأثارت قلقاً واسعاً في أوساط الاقتصاد العالمي، في ظل تعطل جزء كبير من حركة الشحن وتعرض بنى تحتية عسكرية ومدنية لضربات جوية في أنحاء المنطقة.

وأسفرت المعارك عن مقتل من لا يقلون 3 آلاف شخص في إيران، وأكثر من ألفين في لبنان، و23 في إسرائيل، وأكثر من 10 في دول الخليج العربية، إضافة إلى مقتل 13 عسكرياً أميركياً.

فاتورة الصراع

قالت المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية، فاطمة مهاجراني، إن الخسائر الناجمة عن الهجمات الأميركية والإسرائيلية «تُقدّر حالياً بنحو 270 مليار دولار»، مشيرة إلى أن الرقم يشمل الأضرار المباشرة وغير المباشرة.

وأضافت، في مقابلة مع وكالة «ريا نوفوستي» الروسية، أن ملف «التعويضات» يشكل أحد المحاور التي يعمل عليها الفريق التفاوضي الإيراني، وكان مطروحاً خلال محادثات إسلام آباد.

وأوضحت أن دفع تعويضات الحرب يُعدّ من بين الشروط الـ10 التي طرحتها طهران في مفاوضاتها مع واشنطن.

وتعكس هذه التقديرات حجم التكلفة الاقتصادية التي تحاول إيران إدراجها ضمن جدول التفاوض، بالتوازي مع تمسكها بمطالبها المتعلقة بـ«البرنامج النووي» و«رفع العقوبات» و«موقعها في معادلة الأمن الإقليمي».


الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل جندي في جنوب لبنان

تصاعد الدخان جراء غارات إسرائيلية على جنوب لبنان اليوم (رويترز)
تصاعد الدخان جراء غارات إسرائيلية على جنوب لبنان اليوم (رويترز)
TT

الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل جندي في جنوب لبنان

تصاعد الدخان جراء غارات إسرائيلية على جنوب لبنان اليوم (رويترز)
تصاعد الدخان جراء غارات إسرائيلية على جنوب لبنان اليوم (رويترز)

أعلن الجيش الإسرائيلي، اليوم الثلاثاء، مقتل جندي في جنوب لبنان، وهو أول قتيل منذ دخول الهدنة الموقتة بين الولايات المتحدة وإيران حيز التنفيذ، وفق ما أوردته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال الجيش الإسرائيلي في بيان: «سقط الرقيب الأول إيال أورييل بيانكو البالغ 30 عاماً، من كتسرين، وهو سائق مركبة إطفاء في اللواء 188، خلال معركة في جنوب لبنان».

كما أُصيب عشرة جنود إسرائيليين في اشتباكات ليلية مع مقاتلي «حزب الله» في مدينة بنت جبيل في جنوب لبنان، والتي أعلن الجيش الأحد تطويقها.

وبحسب الجيش، فإن الاشتباكات التي دارت في الأيام الأخيرة بين الجانبين كانت «وجهاً لوجه ومن الجو».

وقال الجيش في بيان: «أصيب خلال ساعات الليل ثلاثة جنود من الجيش الإسرائيلي بجروح خطيرة، وأصيب جندي آخر بجروح متوسطة في اشتباك مباشر» في مدينة بنت جبيل. وأضاف البيان: «أصيب في الحادثة ذاتها ستة جنود آخرين بجروح طفيفة».

وكان الجيش أعلن، أول من أمس، أن قواته قامت «بتصفية أكثر من 100 عنصر إرهابي من (حزب الله) خلال اشتباكات».

وتكتسب بنت جبيل رمزية خاصة تتجاوز أهميتها الميدانية، إذ ألقى فيها الأمين العام السابق لـ«حزب الله» حسن نصر الله «خطاب التحرير» في 26 مايو (أيار) 2000، غداة انسحاب الدولة العبرية من جنوب لبنان إثر احتلال دام 22 عاماً.

وشهدت المدينة معارك عنيفة خلال حرب عام 2006، من دون أن تتمكن القوات الإسرائيلية من السيطرة عليها.

وتقع بنت جبيل على بعد خمسة كيلومترات فقط من الحدود الإسرائيلية، وقد ظلت لفترة طويلة نقطة اشتعال رمزية واستراتيجية في المواجهات بين القوات الإسرائيلية و«حزب الله».

وأطلق نصر الله، الذي اغتالته الدولة العبرية في 2024، في الخطاب المذكور عبارته الشهيرة: «إسرائيل هذه... والله هي أوهن من بيت العنكبوت».

واندلعت الحرب الأخيرة بين «حزب الله» وإسرائيل في الثاني من مارس (آذار) بعد إطلاق الحزب صواريخ على الدولة العبرية رداً على مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على طهران في 28 فبراير (شباط). وترد إسرائيل بغارات واسعة النطاق على لبنان، وبدأت غزواً برياً لمناطق في جنوبه.


وزير خارجية إسرائيل: نريد «سلاماً وتطبيعاً» للعلاقات مع لبنان

وزير خارجية إسرائيل جدعون ساعر (د.ب.أ)
وزير خارجية إسرائيل جدعون ساعر (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية إسرائيل: نريد «سلاماً وتطبيعاً» للعلاقات مع لبنان

وزير خارجية إسرائيل جدعون ساعر (د.ب.أ)
وزير خارجية إسرائيل جدعون ساعر (د.ب.أ)

قال وزير خارجية إسرائيل جدعون ساعر، اليوم الثلاثاء، إن بلاده تريد «سلاماً وتطبيعاً» للعلاقات مع لبنان، وذلك قبيل محادثات مباشرة بين مسؤولين من البلدين في واشنطن.

وصرح ساعر خلال مؤتمر صحافي: «نريد التوصل إلى سلام وتطبيع مع دولة لبنان... لا توجد أي خلافات كبيرة بين إسرائيل ولبنان. المشكلة هو (حزب الله)».

ويخوض لبنان وإسرائيل، اليوم، غمار محاولة دبلوماسية بوساطة الولايات المتحدة للتغلب على عقود من العداء الدامي بينهما، عبر اجتماع تمهيدي يعقد وجهاً لوجه بين السفيرة اللبنانية في الولايات المتحدة ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر، كمقدمة لمفاوضات لاحقة يمكن أن تستضيفها قبرص.

ووسط مساعٍ مكثفة في واشنطن لفصل المسار اللبناني-الإسرائيلي عن المسار الأميركي-الإيراني، يمثل إدارة الرئيس دونالد ترمب في الوساطة كل من السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى، والمستشار في وزارة الخارجية مدير مكتب تخطيط السياسات مايكل نيدهام، المقرب للغاية من وزير الخارجية ماركو روبيو. ونيدهام، هو خبير استراتيجي في السياسة الخارجية، وعمل لست سنوات كبير الموظفين لدى روبيو عندما كان سيناتوراً ونائباً لرئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الأميركي.

ويتمسّك كلّ من لبنان وإسرائيل بشروطهما التفاوضية، فبيروت تضع أولوية تتمثّل في وقف شامل لإطلاق النار وانسحاب إسرائيل من المناطق التي احتلتها في الجنوب وانتشار الجيش اللبناني في مناطق الاشتباك، ثمّ الانتقال إلى المسار السياسي، فيما تشترط إسرائيل أن تجرى المفاوضات تحت النار وتبدأ بنزع سلاح «حزب الله». وهذا مما ينذر بإفشال المفاوضات قبل بدئها.