قراءة في الدستور الإيراني الحلقة (3 - 3) : القوات المسلّحة ذراع النظام القمعية.. وضع خاص وميزانية ضخمة

مبدأ «تصدير الثورة» رخصة سياسية ألبسها المشرّع ثوبًا دينيًا تسمح للنظام بالعمل على هزّ استقرار دول مناوئة

الشاه الإيراني الراحل رضا بهلوي يستعرض حرس الشرف ({غيتي})
الشاه الإيراني الراحل رضا بهلوي يستعرض حرس الشرف ({غيتي})
TT

قراءة في الدستور الإيراني الحلقة (3 - 3) : القوات المسلّحة ذراع النظام القمعية.. وضع خاص وميزانية ضخمة

الشاه الإيراني الراحل رضا بهلوي يستعرض حرس الشرف ({غيتي})
الشاه الإيراني الراحل رضا بهلوي يستعرض حرس الشرف ({غيتي})

عمل المشرع الإيراني على الاهتمام بالقوات المسلحة، على أنْ تبقى قوات حرس الثورة التي تأسست في الأيام الأولى من قيام النظام، راسخةً ثابتةً من أجل أداء دورها في حراسة الثورة ومكاسبها. كما قام الدستور الإيراني في مقدمته، بتحديد الطبيعة العقائدية لتكوين الجيش الإيراني ومهام الحرس الثوري، معتبرًا أن القوات المسلّحة لا تلتزم بمسؤولية الحماية وحراسة الحدود فحسب، بل تحمل أيضًا أعباء رسالتها التي حددها المشرع وهي بسط حاكمية القانون الإلهي في العالم.
وتُعتبر المؤسسات الثورية مثل الحرس الثوري والباسيج وأنصار حزب الله، أعمدة النظام وذراعه «القمعية» لتنفيذ المهام التي تتطلب درجةً عالية من الالتزام الآيديولوجي، في داخل إيران وخارجها. وقد تورّط الحرس الثوري، الذراع العسكرية للمرشد الأعلى وأداته في تنفيذ السياسة الخارجية المرتبطة بالأمن القومي للجمهورية - وخصوصا فيلق القدس الذي يرأسه الجنرال قاسم سليماني، وبذريعة مناصرة المستضعفين أو تحطيم عروش الطواغيت أو تحرير الأراضي المحتلة - في عدة معارك دموية خارج الحدود الإيرانية، في العراق ولبنان وسوريا واليمن والبوسنة والهرسك.. وقد انتقل حقّ التجنيد الإلزامي - بموافقةٍ من الخميني - من الجيش النظامي إلى الحرس الثوري الذي يمتلك قواتٍ بحرية وبرية وجوّية خاصة به، وترسانةً عسكرية مؤلّفة من الصواريخ والدبابات والطائرات المقاتلة والغواصات، وميزانيةً ماليةً ضخمة، وعددًا من المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية التي وسّعت قاعدة المستفيدين منه والمتعاونين معه. وقد قامت الولايات المتحدة بتصنيفه كمنظمةٍ إرهابية.

يقول الخميني: «كل ما نفتقده هو عصا موسى وسيف علي بن أبي طالب، وعزيمتهما الجبّارة. وإذا عزمنا على إقامة حكم إسلامي، سنحصل على عصا موسى وسيف علي بن أبي طالب أيضًا»(7).
كانت إيران في النصف الثاني من القرن العشرين، تصنّف على أنها سادس قوة عسكرية على مستوى العالم، بفضل دعم الولايات المتحدة التي كانت ترغب في تحجيم النفوذ الروسي في منطقة الشرق الأوسط، وكان الجيش الإيراني (شرطي الخليج) مرتبطًا أو مُلحقًا بالجيش الأميركي (المعسكر الغربي) على مستوى التدريب والتسليح والارتباط الفكري. بعد نجاح الثورة، كان قادة الثورة يشكّكون في ولاء الجيش النظامي لمفاهيم ومبادئ الثورة، ويخشون من حدوث الانقلابات العسكرية، لذلك قاموا بتصفية عددٍ كبير من القيادات العسكرية، وعملوا على تغيير طبيعة تكوين الجيش من الناحية العقائدية، من خلال غرس قيم النظام الجديد في نفوس وعقول عناصره وقياداته، وكذلك قاموا بخلق جهازٍ عسكري موازٍ للجيش ومنافسٍ له، ويدين بالولاء الكامل والطاعة المطلقة لآيديولوجيا الثورة وشعاراتها وتوجيهات قادتها، هو «الحرس الثوري»، الذي انبثق من «اللجان الثورية»، التي قامت منذ الأيام الأولى للثورة - بتشجيعٍ من الخميني - بجمع السلاح من ثكنات الجيش والشرطة، لاستخدامها في خدمة أهداف الثورة في مراحل تالية. وكان من أبرز مهام قوات الحرس الثوري والباسيج (قوات التعبئة الشعبية) التي تتبع مجلس قيادة الثورة: حفظ الأمن الداخلي، وتثبيت الثورة ضد أعدائها الداخليين، وحماية منجزاتها عبر التعبئة الفكرية وتجنيد مختلف شرائح المجتمع الإيراني لدعمها، والتخلص من معارضي النظام، وحماية النقاء الآيديولوجي للثورة، والدفاع عن خطّ الإمام في داخل إيران وخارجها، والدفاع عن المستضعفين والبائسين في الأرض، عبر تصدير مفاهيم الثورة إلى دول أخرى.
وقد نصّت المادة (150) من الدستور الإيراني على أنْ «تبقى قوات حرس الثورة الإسلامية التي تأسست في الأيام الأولى لانتصار هذه الثورة، راسخةً ثابتةً من أجل أداء دورها في حراسة الثورة ومكاسبها». من جهة أخرى، فقد قام الدستور الإيراني في مقدمته، بتحديد الطبيعة العقائدية لتكوين الجيش الإيراني ومهام الحرس الثوري، معتبرًا أنه «في مجال بناء وتجهيز القوات المسلّحة للبلاد، يتركّز الاهتمام على جعل الإيمان والعقيدة أساسًا لذلك.. ولا تلتزم القوات المسلّحة بمسؤولية الحماية وحراسة الحدود فحسب، بل تحمل أيضًا أعباء رسالتها الإلهية، وهي الجهاد في سبيل الله، والجهاد من أجل بسط حاكمية القانون الإلهي في العالم [وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل، ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم].
وينصّ الدستور في المادة (144) على أنه «يجب أن يكون جيش جمهورية إيران الإسلامية، جيشًا إسلاميًا، من خلال كونه جيشًا عقائديًا وشعبيًا، وأن يضم أفرادًا لائقين مؤمنين بأهداف الثورة الإسلامية، ومضحّين بأنفسهم من أجل تحقيقها».
وتُعتبر المؤسسات الثورية مثل الحرس الثوري والباسيج وأنصار حزب الله، أعمدة النظام وذراعه «القمعية» لتنفيذ المهام التي تتطلب درجةً عالية من الالتزام الآيديولوجي، في داخل إيران وخارجها. وقد تورّط الحرس الثوري الذراع العسكرية للمرشد الأعلى، وأداته في تنفيذ السياسة الخارجية المرتبطة بالأمن القومي للجمهورية - وخصوصا فيلق القدس الذي يرأسه الجنرال قاسم سليماني، وبذريعة مناصرة المستضعفين أو تحطيم عروش الطواغيت أو تحرير الأراضي المحتلة من إسرائيل - في عدة معارك دموية خارج الحدود الإيرانية، في العراق ولبنان وسوريا واليمن والبوسنة والهرسك.. وقد انتقل حقّ التجنيد الإلزامي - بموافقةٍ من الخميني - من الجيش النظامي إلى الحرس الثوري الذي يمتلك قواتٍ بحرية وبرية وجوّية خاصة به، وترسانةً عسكرية مؤلّفة من الصواريخ والدبابات والطائرات المقاتلة والغواصات، وميزانيةً ماليةً ضخمة، وعددًا من المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية التي وسّعت قاعدة المستفيدين منه والمتعاونين معه. وقد قامت الولايات المتحدة الأميركية بتصنيفه كمنظمةٍ إرهابية. والقائد الحالي للحرس الثوري هو الفريق محمد جعفري، الذي خلف الفريق يحيى رحيم صفوي.
والحقيقة، إنّ بقاء واستمرار الحرس الثوري الذي يضمّ أبناء الثورة الأوفياء، ولا سيما على مستوى القيادة، والذي كان من أبرز أهداف إنشائه، تثبيت الثورة ضد أعدائها في داخل إيران، يطرحان أكثر من علامة استفهام حول ما إذا كان دوره الحقيقي هو ضمان استمرار دور متمايز للفقهاء وآيات الله في السلطة، وكذلك حول حقيقة عبور إيران، بعد مرور 36 سنة على نجاح الثورة، من مرحلة الثورة الانتقالية والمؤقتّة، إلى مرحلة الدولة الثابتة والمستقرّة التي يُفترض أن القائمين عليها، قد أنجزوا كل الأهداف التي وضعوها قبيل وبعد اندلاع الثورة، ما يعني أن الثورة لم تعُد بحاجة لا إلى حراسة ولا إلى حرّاس. ذلك أنّ الأصل في المجتمع هو الاستقرار، وليس الثورة التي هي حالة سريعة وعنيفة وانتقالٌ راديكالي من وضعٍ يفتقر إلى الشرعية الشعبية، إلى وضعٍ آخر ينال موافقة ورضا وقبول القاعدة الشعبية. ولا يمكن أن نتصور مجتمعًا ما، يعيش في حالة دائمة من الثورة.
في إيران الدولة والثورة وجهان لعملة واحدة!
و - نُصرة المستضعفين في الدستور الإيراني
لقد ظلّت إيران، على مستوى الخطاب السياسي، تعلن عن نفسها باعتبارها حامية المستضعفين ضد قوى الاستكبار العالمي (الولايات المتحدة وإسرائيل وسياساتهما في المنطقة). وكان من أبرز مبادئ الثورة الإسلامية، على مستوى السياسة الخارجية، نُصرة الشعوب المستضعفة والمغلوبة على أمرها، وكانت النتيجة المنطقية والعملية لهذا المبدأ، ما عُرف بمبدأ «تصدير الثورة». فقد كان لدى الإمام الخميني، إحساس غريب بأنه السلطان الأوحد، والزعيم الأول، وروح الله، والسيد المصلح، والمفوّض من الإمام الغائب، والمنقذ الذي يملك صفات المعصوم، والولي المعيّن من الله لتجديد الإسلام وإحياء الشريعة ومناصرة المستضعفين في العالم، والذي يجب أن يخضع لحاكميته مسلمو العالم. ولذلك فقد شعر بواجبه المتخيّل في قيادة الشعوب الإسلامية في الشرق والغرب، على اعتبار أن ثورته في إيران، لم تكن محلية، بل هي تتخطى الحدود الإيرانية، بحيث يجب أن تصل إلى كل بقاع الأرض. وطالما أن دولة الإمام المعصوم عالمية واحدةً لا تعدّد فيها، فكذلك يجب أن تكون دولة نائبه، ومن هنا ضرورة أن تتحدّ الأمة الإسلامية كلها، تحت مظلّة الجمهورية الإيرانية، وبقيادة المرشد الأعلى لثورتها. وإذا عرفنا أنّ الخميني كاد أن يدّعي «العصمة» صراحةً، إضافة إلى كل تلك الصفات المتوّهمة والمنتحلة، وجب علينا أن نفهم أنه رفع مرتبته بالفعل، فوق مرتبة الأنبياء.
وانطلاقًا من الآية القرآنية «إن هذه أمتكم أمةٌ واحدة وأنا ربكم فاعبدون»، فقد اعتبر الدستور الإيراني، أن المسلمين أمةٌ واحدة، وأن على الحكومة الإسلامية أن تقيم كل سياستها العامة على أساس تضامن الشعوب الإسلامية، وأن تواصل سعيها من أجل تحقيق الوحدة السياسية والاقتصادية والثقافية في العالم الإسلامي (المادة 11).
وقد ورد في مقدمة الدستور: «لقد أتمّ مجلس الخبراء المؤلّف من ممثلي الشعب، تدوين هذا الدستور.. في مستهلّ القرن الخامس عشر لهجرة الرسول الأكرم.. على أمل أن يكون هذا القرن قرن تحقّق الحكومة العالمية للمستضعفين، وهزيمة المستكبرين كافة». ويشير المشرّع إلى أن الغرض من إقامة الحكومة الإسلامية، هو إعداد الظروف اللازمة كي «تتحقق حكومة المستضعفين في الأرض [ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمةً ونجعلهم الوارثين].
أما المادة الثالثة فتنصّ على أن تنظيم السياسة الخارجية للبلاد، يقوم على أساس المعايير الإسلامية والالتزامات الأخوية تجاه جميع المسلمين، والحماية الكاملة لمستضعفي الأرض. وتشير المادة (154) إلى أن جمهورية إيران الإسلامية تعتبر «سعادة الإنسان في المجتمع البشري كله، قضيةً مقدسة لها، وتعتبر الاستقلال والحرية وإقامة حكومة الحق والعدل، حقًَا لجميع الناس في أرجاء العالم كافة، وعليه فإن جمهورية إيران الإسلامية تقوم بدعم النضال المشروع للمستضعفين ضد المستكبرين في أي نقطةٍ من العالم. وفي الوقت نفسه، لا تتدخل في الشؤون الداخلية للشعوب الأخرى».
والحقيقة أن الواقع السياسي المأزوم في العالم العربي، يشهد أولاً، بأن إيران الثورة الخمينية التي تمتلك ثرواتٍ نفطية وغازية هائلة، لم تعجز فقط عن تحقيق السعادة والعدل والرفاهية والمساواة لشعبها، وعن المساهمة في بناء وتمتين وحدة الأمة الإسلامية، بل هي على العكس، قد أصبحت بسبب أطماعها، أداةً أساسية من أدوات هدم وتحطيم وتفتيت هذه الأمة، ويكشف ثانيًا أن مبدأ «نصرة المستضعفين» كان مجرد ذريعة لتدخلها العسكري والعقائدي السافر في شؤون الكثير من الدول المجاورة لها، التي باتت مقتنعةً بأن النظام الإيراني هو نظام توسّعي ومعتدٍ ويشكل خطرًا وتهديدًا لأمنها. ويؤكد ثالثًا أنّ مبدأ «تصدير الثورة» إلى كل بقاع الأرض، ليس أكثر من رخصةٍ سياسية ألبسها المشرّع الإيراني ثوبًا دينيًا وإنسانيًا ودستوريًا، تسمح للنظام بالعمل على هزّ استقرار بعض الدول المناوئة له، وإسقاط أنظمتها، عبر التحريض المذهبي وإشعال نار العصبيات والفتن الطائفية بين مكوّنات الشعب الواحد. ولذلك يمكن القول، إنّ السياسات المتبعة من قبل النظام الإيراني، باتت تؤهلّه في نظر كثيرين، للانضمام إلى نادي المستكبرين الذين يدّعي محاربتهم!
وأكثر من هذا، فقد أكد الدستور الإيراني في المادة التاسعة، أن «الحرية والاستقلال ووحدة أراضي البلاد وسلامتها، هي أمور غير قابلة للتجزئة، وأنه لا يحقّ لأي فرد أو مجموعة أو أي مسؤول، أن يلحق أدنى ضرر بالاستقلال السياسي أو الثقافي أو الاقتصادي أو العسكري لإيران، كما أنه لا يحقّ لأي مسؤولٍ أن يسلب الحريات المشروعة بذريعة المحافظة على الاستقلال ووحدة البلاد، ولو كان ذلك عن طريق وضع القوانين والقرارات».
والغريب أن هذا النظام الذي يشدد في دستوره على مسألة استقلال بلاده، وسيادة أراضيه ووحدتها، ويعتبرها خطًّا أحمر يمنع تجاوزه، حتى على مستوى وضع القوانين، والذي يحظر «عقد أي معاهدة تؤدّي إلى السيطرة الأجنبية على الثقافة والجيش وشؤون البلاد» (المادة 153) قد سمح لنفسه باختراق سيادة الدول الأخرى، وشرّع لنفسه الحقّ في انتهاك استقلالها، والتدخل في شؤونها الداخلية، وتهديد أمنها، وزرع بذور الشقاق بين مواطنيها، وتمويل وتسليح وتدريب جماعاتٍ وأحزاب طائفية وميليشياتٍ مذهبية، كي يضمن ولاءها التام وتبعية أفرادها الثقافي والفكري والفقهي للجمهورية الإيرانية، وتبنّيهم الكامل لمشروعها السياسي وآيديولوجيتها الدينية، حتى ولو أدّى ذلك إلى عزلتهم عن بيئاتهم وتخريب الدول الموجودين فيها. ولذلك، يمكن القول إن الاستعمار الذي يدينه المشرّع الإيراني في الدستور، لا يعني فقط الغزو العسكري أو إقامة قواعد عسكرية أجنبية (المادة 146)، بل يعني أيضًا الغزو الفكري والآيديولوجي والاستباحة الثقافية والاستتباع المالي والاقتصادي وتقديم الخدمات والمساعدات المتنوّعة لبعض الجماعات الطائفية الموالية، خارج إطار سلطة ورقابة الدول التي يعيشون فيها، ودائمًا بذريعة نصرة المستضعفين والمضطهدين في العالم الإسلامي.
ز - الصبغةُ المذهبية للدستور الإيراني
يُشترط في أي دستور، أن تتمّ صياغته على أسس إنسانية ووطنية جامعة بعيدةٍ عن روح العنصرية والعرقية والمذهبية التي تفرق ولا توحد، وتولد الشعور بالقهر والظلم والإقصاء، ولا تعزز الوحدة الداخلية بين أبناء الشعب الواحد.
ويشوب الدستور الإيراني الكثير من التأكيدات على الصبغة الطائفية والهُوية المذهبية للحكم وعلى النزعة الفارسية، التي لم تُقم وزنا للأقليات الدينية، ولم تحترم التنوع والتعدد داخل نسيج المجتمع، والتي أسست دستوريًا لحالات الإقصاء والتمييز والاحتكار للسلطة من قِبل فئةٍ معينة من الشعب، ومنعت بقية الفئات من تحقيق مصالحها المشروعة، وحرمتها من تولّي بعض المناصب المؤثّرة في الدولة.
وهذه هي أبرز المواد الدستورية التي كرّست الهُوية المذهبية للحُكم ومؤسساته:
فقد نصّت المادة (12) من الدستور، على أن «الدين الرسمي لإيران هو الإسلام، والمذهب الجعفري الاثني عشري، وهذه المادة تبقى إلى الأبد، وغير قابلةٍ للتغيير». وكذلك «يقوم نظام الجمهورية الإسلامية على أساس الإيمان بالإمامة والقيادة المستمرة والاجتهاد المستمر من قِبل الفقهاء جامعي الشرائط [أي فقهاء الشيعة وعلماؤهم دون غيرهم] (المادة 2).
وتقرّر المادة (15) أن رئيس الجمهورية «يُنتخب من بين الرجال المتدينين السياسيين.. شرط أن يكون مؤمنًا ومعتقدًا بمبادئ جمهورية إيران الإسلامية، والمذهب الرسمي للبلاد، وأن يكون إيراني الأصل ويحمل الجنسية الإيرانية». ويجب على رئيس الجمهورية أن يؤدي اليمين التالية، وأن يوقّع على ورقة القسَم «بسم الله الرحمن الرحيم: إنني باعتباري رئيسًا للجمهورية، أقسم بالله القادر المتعال في حضرة القرآن الكريم، وأمام الشعب الإيراني، أن أكون حاميًا للمذهب الرسمي، ولنظام الجمهورية الإسلامية وللدستور» (المادة 121). وكذلك على النوّاب المنتخبين في مجلس الشورى الإسلامي - ومن ضمنهم نوّاب الأقليات من غير المسلمين - أن يقسموا على الدفاع عن حُرمة الإسلام وحماية مكاسب الثورة وأُسس الجمهورية الإسلامية (المادة 67). ولا يحقّ لمجلس الشورى الإسلامي أن «يسنّ القوانين المغايرة لأصول وأحكام المذهب الرسمي للبلاد، أو المغايرة للدستور» (72). ويستطيع مجلس الشورى «تفويض الموافقة الدائمة على النظم الداخلية للمؤسسات الحكومية والشركات، إلى اللجان ذات العلاقة، أو أن يعطي إجازة الموافقة عليها للحكومة، وحينئذ يجب أن لا تتنافى اللوائح المصادق عليها مع مبادئ وأحكام المذهب الرسمي للبلاد أو الدستور» (85).
وفي حال وُجدت الحاجة لإعادة النظر في الدستور، بغية تعديل بعض مواده، فإن «مضامين المواد المتعلقة بكون النظام إسلاميًا، وقيام القوانين والمقررات على أساس الموازين الإسلامية والأسس الإيمانية وأهداف الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وكون الحكم جمهوريًا، وولاية الأمر وإمامة الأمة، وكذلك إدارة أمور البلاد بالاعتماد على الآراء العامة والدين والمذهب الرسمي لإيران، هي من الأمور التي لا تقبل التغيير» (المادة 177).
والحقيقة، إن ما يميّز الدستور الإيراني - كما رأينا - هو الغلوّ العقائدي والنظرة المذهبية الأحادية في مجتمع متعدد الأديان والمذاهب والقوميات واللغات، والتطابق التام بين نظام الجمهورية والدين الإسلامي والمذهب الشيعي الرسمي، بحيث يمكن اعتبار أي مسٍّ بواحدٍ من هذه العناصر، مسًّا بأُسس ومبادئ الدولة كلها، مما يستوجب المساءلة والمحاسبة وإنزال أقسى أنواع العقوبات بمَن تسوّل له نفسه التعرَض لواحدٍ من هذه الثوابت والمقدّسات، بتهمة الكفر أو الهرطقة أو الخروج على الإمام أو التآمر أو العمالة.
فكيف يمكن للمشرّع الإيراني أن يدّعي أنه يريد تصدير ثورته المظفّرة إلى كل بقاع الأرض، وأن يقيم مجتمعًا نموذجيًا لكل الشعوب، فيما هو يفرض مذهبًا فقهيًا بعينه على هُويّة النظام والحُكم والسلطة في بلدٍ يضمّ الكثير من الديانات والأعراق والانتماءات المذهبية، وفيما يفاخر الإمام الخميني بأنّ «عدد الشيعة ما زال في ازدياد، حتى أنهم اليوم في حدود المائتي مليون شيعي»(8).
أجل، لقد اعترف الدستور في المادة (13) بحقوق الأقليات: «الإيرانيون الزرادشت واليهود والمسيحيون هم وحدهم الأقليّات الدينية المعترف بها»، ولكنه أعطى الأفضلية والأولوية للإيرانيين المنتمين إلى المذهب الشيعي، دون غيرهم من المسلمين وغير المسلمين، بحيث انتفت العدالة والمساواة بين أفراد الشعب الإيراني الواحد، وحلّ محلهما نوعٌ من التمييز والتحيّز والعنف الرمزي الذي يمارَس باسم الدستور، ضد المغايرين والمختلفين. فمثلاً، يبلغ عدد الشعب الإيراني نحو (80) مليون نسمة، وتقدر نسبة الشيعة في إيران بنحو (65%) من الشعب الإيراني، أما نسبة السُنّة فتُقدّر بنحو (25%)، وتتراوح أعدادهم ما بين (14) إلى (19) مليون إيراني سُني من عرقياتٍ مختلفة (البلوش والأكراد والتركمان والعرب)، ويمثلّهم (18) نائبًا سُنيًا في البرلمان الإيراني، من أصل (290) نائبًا، هو عدد نواب مجلس الشورى الإسلامي الذي يهيمن عليه المتشددون والمحافظون ورجال الدين الشيعة. وتبلغ نسبة الأقليات غير المسلمة (اليهودية والمسيحية والزرادشتية) نحو (10%) من عدد السكان، ويمثلهم حسب الدستور (5) نواب، وأعدادهم في تناقصٍ مستمر بسبب هجرتهم من إيران، هربًا من الاضطهاد. ويقيم في العاصمة طهران أكثر من مليون إيراني سُنّي، ومع ذلك تمنعهم السلطات من بناء مسجدٍ لهم، في الوقت الذي يوجد (151) معبدا لليهود والمسيحيين والزرادشتيين في إيران، معظمها في طهران. أضف إلى ذلك، أن الدستور لم يعترف بأقلياتٍ دينية أخرى موجودة في إيران، ومنها البهائية والإسماعيلية والمندائية وغيرها.
ولا شكّ في أن هذا التمييز يناقض صراحةً ما ورد في المادة (19) من الدستور، من أن «أفراد الشعب الإيراني - من أي قوميةٍ أو قبيلة كانوا - يتمتعون بالمساواة في الحقوق، ولا يُعتبر اللون أو العنصر أو اللغة أو ما شابه ذلك، سببًا للتفاضل»، ومن أنه من أولويات الحكومة الإسلامية «رفع التمييز غير العادل، وإتاحة تكافؤ الفرص للجميع في المجالات المادية والمعنوية كلها «(المادة 3).
لقد نصّت المادة (15) على أن «اللغة والكتابة الرسمية والمشتركة هي الفارسية لشعب إيران»، وعلى أن «الدوائر الحكومية تعتمد في أعمالها على التاريخ الهجري الشمسي» (المادة 17). فكيف يمكن لأقليةٍ شيعيةٍ تتراوح نسبتها من 10 إلى 15 في المائة من مجموع عدد المسلمين في العالم الإسلامي الذي يبلغ تعداد أبنائه أكثر من مليار مسلم، وتعتنق في دستورها المذهب الجعفري الاثني عشري، وتتكلم لغةً غير لغة القرآن العربية، وتعتمد تاريخًا غير إسلامي، وتفاخر بقوميتها الفارسية، وأبرز أعيادها هو عيد النوروز الفارسي، وتصادر الحريات والحقوق الدينية والسياسية للكثير من مواطنيها، وتضطهد الأقليات الدينية والاثنية.. أن تدّعي في دستورها أنها تسعى إلى تحقيق الوحدة الإسلامية في العالم، وإلى مناصرة المستضعفين والمقهورين في الأرض من غير الإيرانيين؟! أما كان من الأجدى لها، لو ناصرت المستضعفين من الإيرانيين داخل إيران؟!
يبدو أنّ النظام الإيراني يشعر بأنه يواجه خطرين: الخطر الأول هو على الهُويّة الشيعية، والخطر الثاني هو على الهُوية الفارسية، وذلك بسبب تزايد أعداد الإيرانيين الذين ينتمون إلى أديان ومذاهب أخرى غير المذهب الرسمي للبلاد، وإلى قومياتٍ غير الفارسية (الأكراد والتركمان والعرب والبلوش والأذريين الذين تُقدّر نسبتهم بنحو 40 في المائة من عدد السكان)، ومن هنا حرص النظام على الجمع بين البُعدين الشيعي والفارسي، في هُويّةً واحدة، أعلن في دستوره أنها «باقية إلى الأبد، وغير قابلةٍ للتغيير»(9).
لقد كان النظام الإيراني يسعى إلى تشكيل ما يُعرف باسم بالدولة - القدوة التي تودّ طرح نفسها على الساحة الدولية كنموذجِ حُكمٍ إسلامي يُحتذى، ولكن التطورات السياسية والأمنية الأخيرة التي يشهدها العالم العربي، وخصوصا في سوريا المذبوحة، وارتماء النظام الإيراني في أحضان «الشيطان الأكبر» لإنجاز الاتفاق النووي الذي سيعقبه رفع العقوبات الأميركية والأوروبية المفروضة على إيران منذ عام 2002، وتحالفه مع روسيا - العدو التاريخي لإيران - لتحطيم ما تبقّى من أطلال الدولة السورية، وسعيه ليكون - كما كان النظام البهلوي من قبله - شرطي الخليج.. كل هذه الوقائع أثبتت أنّ رغبة المشرّع الإيراني في تغيير الواقع وبناء الأمة الإسلامية الواحدة، ومواصلة الجهاد لإنقاذ الشعوب المحرومة والمقهورة والمضطهدة في جميع أنحاء الكرة الأرضية، لم تكن أكثر من أضغاث أحلام وتأملاتٍ مجردة وبلاغةٍ كتابية ألهمه إيّاها شعراءُ الجنّ في وادي «عبقر»، ومن نزعةٍ مثاليةٍ أقرب إلى الشوفينية والمبالغة في تقدير الذات وجموح المخيّلة، منها إلى المقدرة الحقيقية على تنفيذ الوعود الخطابية والتعهدات الدستورية!
ح - تقييد الحريات بالضوابط الإسلامية
يتحدث الدستور الإيراني في عددٍ من مواده، عن حقوق أفراد الشعب في حرية الاعتقاد والتعبير والتجمع والتظاهر والحصول على محاكمةٍ نزيهة والتربية والتعليم والسكن والضمان الاجتماعي وعدم التمييز بين مختلف الأقاليم الإيرانية في الحصول على التنمية و... و...
وقد ورد في مقدمة الدستور أن «الدستور يضمن زوال كل نوع من أنواع الديكتاتورية الفكرية والاجتماعية والاحتكار الاقتصادي، ويسعى للخلاص من النظام الاستبدادي. وتؤكد المادة الثانية أنّ «الحكومة الإسلامية تسعى إلى محو الظلم والقهر مطلقًا، ورفض الخضوع لهما»، وإلى «محو أي مظهرٍ من مظاهر الاستبداد واحتكار السلطة، وضمان الحريات السياسية والاجتماعية والحقوق الشاملة للجميع، ومساواتهم أمام القانون» (المادة 3).
والحقيقة، إن الحكومة الإسلامية، أو «حكومة القرآن العادلة الحقّة التي أعقبت الثورة الإسلامية المظفّرة بقيادة المرجع الديني الكبير آية الله العظمى الإمام الخميني» - كما ورد في الدستور – قد مارست كل أنواع الظلم والقهر والاستبداد والديكتاتورية واحتكار السلطة وترسيخ حكم الفرد، ابتداءً من الدستور الذي ركّز أغلب الصلاحيات بيد شخصٍ واحد هو الولي الفقيه، أو بيد الأشخاص التابعين له والخاضعين لإمرته، مرورًا بعمليات التطهير والبطش والتصفية والقتل والاغتيال والترهيب لكل فصائل المعارضة والمخالفين الرافضين لنظام الحكم الديني الذي أرسته المؤسسة الدينية في إيران، ولا سيما أحكام الإعدام التي أصدرتها المحاكم الثورية برئاسة آية الله صادق خلخالي (جزّار الثورة)، بذريعة تطهير المجتمع الإسلامي من المنافقين، وصولاً إلى خنق النظام للحريات الشخصية والعامة، وإحكام قبضته على وسائل الإعلام بذريعة «أسلمتها» ومنعها من إشاعة الاتجاهات المعادية للإسلام.
وبالطبع فإنّ إدانة الدستور للقمع والظلم، تصبح غير ذات قيمة أو مصداقية، إذا عرفنا حجم التوتر والصراع القائم بين حسين الخميني حفيد مؤسس الجمهورية الإمام الخميني، والسلطة الدينية، بسبب معارضته الدائمة تدّخل رجال الدين في الحكم، ومطالبته بفصل الدين عن الدولة، وقربه من التيار الإصلاحي، وانتقاده المستمر لاستبداد وديكتاتورية النظام اللاهوتي الحاكم بقبضةٍ من نارٍ وحديد وعصمة وقداسة، ما اضطره إلى الفرار من إيران إلى العراق، هربًا من الملاحقات الاستخباراتية والأمنية، وحفاظًا على حياته.
إنّ هذه الوقائع والحقائق، مضافًا إليها القمع الوحشي الذي تعرّضت له الانتفاضة الطلابية (الجمعة الدامية) في عام 1999، والثورة الخضراء في عام 2009، هي أدلة وبراهين ساطعة على أن ما كُتب في الدستور عن الحرية والعدالة والرفاهية والسعادة ورفع الظلم ومحاربة الاستبداد، ليس أكثر من صياغاتٍ نثرية أملتها حماسةُ اللحظة الثورية والشعور الغامر بنشوة الانتصار، وبالتالي فإنه من الصعب تحقّقها على أرض الواقع، أو أخذها على محمل الجدّ.
قراءة  في الدستور الإيراني  الحلقة (2 - 3): سلطة مطلقة للولي الفقيه.. ومؤسسات دستورية تعمل وفق إشارته
قراءة  في الدستور الإيراني الحلقة (1 - 3): الخميني سعى لتكريس السلطة.. بالتمهيد لقيام دولة الفقيه



واشنطن توازن بين التصعيد العسكري وفرص التفاوض مع طهران

مقاتلة أميركية تستعد للإقلاع من حاملة طائرات في بحر العرب (سنتكوم)
مقاتلة أميركية تستعد للإقلاع من حاملة طائرات في بحر العرب (سنتكوم)
TT

واشنطن توازن بين التصعيد العسكري وفرص التفاوض مع طهران

مقاتلة أميركية تستعد للإقلاع من حاملة طائرات في بحر العرب (سنتكوم)
مقاتلة أميركية تستعد للإقلاع من حاملة طائرات في بحر العرب (سنتكوم)

تتأرجح واشنطن بين إغراء توجيه ضربة عسكرية خاطفة لإيران ومكاسب التفاوض معها، في وقت لا تزال فيه فرص التسوية معلّقة على تنازلات إيرانية في الملف النووي، وسط خلافات بشأن شروط استئناف المحادثات وترتيب أولوياتها.

وبينما يدرس الجيش الأميركي خيارات لشن حملة عسكرية مكثفة تستغرق 3 أيام وتستهدف ترسانة الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، يراهن تيار داخل الإدارة الأميركية على أن الضغوط الاقتصادية تحتاج إلى مزيد من الوقت لإجبار طهران على تقديم تنازلات ملموسة.

وجاء تراجع الرئيس دونالد ترمب عن شن هجوم وشيك ليطرح تساؤلات بشأن ما إذا كان مرتبطاً بارتفاع أسعار النفط أو بمؤشرات على استعداد إيران للعودة إلى التفاوض.

وفي المقابل، يشترط الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان استبعاد الضغوط والتهديدات، فيما ينتظر الوسطاء القطريون رد طهران على مقترح أميركي يتضمن مطالب تتعلق ببرنامجها النووي، لتبقى احتمالات التسوية مفتوحة على مسارين متنافسين: التفاوض تحت ضغط التصعيد، أو العودة إلى المواجهة العسكرية.

مسارات متعثرة ومخاطر التصعيد

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

تجري هذه التطورات في وقت تواجه فيه الدبلوماسية صعوبات على أكثر من جبهة؛ فالمحادثات الأميركية - الإيرانية لا تزال عالقة بسبب الخلافات حول شروط التسوية والملف النووي. أما داخل الشرق الأوسط، فتبدو الخيارات الأميركية محكومة بتوازن دقيق بين الرغبة في إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، والخشية من الانجرار إلى مواجهة أوسع قد تستنزف الدفاعات الأميركية وتعرض الملاحة والمنشآت الإقليمية لمزيد من المخاطر.

وبينما تراهن طهران على رفع كلفة أي هجوم جديد، تسعى واشنطن إلى استخدام الضغط العسكري والاقتصادي لانتزاع تنازلات. لكن استمرار التصعيد البحري، إلى جانب اتساع الحشد العسكري وتباعد المواقف بشأن شروط التفاوض، يبقي احتمالات التوصل إلى تسوية سريعة محدودة، ويجعل المرحلة المقبلة اختباراً لقدرة الطرفين على احتواء المواجهة قبل انزلاقها إلى حرب أوسع.

وتزايدت مؤخراً مؤشرات التصعيد في المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، على الرغم من استمرار الاتصالات الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الحرب. ففي حين يدرس الجيش الأميركي خيارات لشن حملة عسكرية مكثفة تستغرق 3 أيام وتستهدف القدرات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية، صعّد «الحرس الثوري» تحركاته البحرية في مضيق هرمز، بينما شدّد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على أن أي اتفاق لن يكون ممكناً في ظل ما وصفه بالضغوط والتهديدات الأميركية.

وتأتي هذه التطورات وسط حشد عسكري أميركي متزايد في الشرق الأوسط، بينما تتباين التقديرات داخل الإدارة الأميركية بشأن جدوى استئناف العمليات العسكرية ومخاطرها.

خطط أميركية لحملة عسكرية مكثفة

حاملة الطائرات الأميركية «جورج واشنطن» خلال مشاركتها في فرض حصار بحري على إيران (رويترز)

وأعدّ الجيش الأميركي خيارات لاستئناف عمليات قتالية واسعة ضد إيران، تتضمن حملة مكثفة قد تستمر نحو ثلاثة أيام، وفق مسؤولين أميركيين نقلت عنهم صحيفة «نيويورك تايمز».

وتركز الخطط، التي أُعدّت بتوجيه من الرئيس دونالد ترمب، على استهداف ترسانة الصواريخ والمسيّرات الإيرانية، التي أعاد «الحرس الثوري» بناء جزء كبير منها منذ المرحلة الأولى من الحرب. وقد تشمل الأهداف أيضاً منشآت للطاقة ومقار للقيادة العسكرية الإيرانية.

وناقش مسؤولون كبار، بقيادة نائب الرئيس جي دي فانس، الخيارات العسكرية خلال اجتماع في كامب ديفيد. وسبق أن رفض ترمب خمسة مقترحات لشن عمليات واسعة ضد إيران أو الحوثيين المدعومين منها في اليمن، في مؤشر على استمرار التردد داخل الإدارة بشأن الانتقال إلى مواجهة عسكرية أوسع.

ورغم الاستعدادات، لم يُحسم قرار استئناف الهجمات. فبينما يرى بعض المسؤولين أن الضغوط الاقتصادية تحتاج إلى مزيد من الوقت لدفع طهران إلى تقديم تنازلات، يدعو آخرون إلى حملة عسكرية محدودة تزيد الضغط عليها وتضعف قدرتها على التأثير في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.

وكان ترمب قد قال، الخميس، إن الولايات المتحدة لن تشن هجوماً جديداً على إيران قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني)، مشيراً إلى أن الجانبين يجريان «مناقشات مثمرة».

3 حاملات طائرات أميركية

حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس ثيودور روزفلت» خلال تدريبات في 19 يونيو 2026 (البحرية الأميركية)

بالتوازي مع دراسة الخيارات الهجومية، تستعد الولايات المتحدة لتعزيز وجودها العسكري في المنطقة. ومن المتوقع أن تنضم حاملة الطائرات «ثيودور روزفلت» إلى حاملتين أخريين، في تجمّع بحري سيكون الأول من نوعه لثلاث حاملات طائرات أميركية في الشرق الأوسط منذ عام 2003.

وبحسب التقديرات الواردة في التقارير الأميركية، قد يتجاوز الحشد البحري بحلول نهاية أكتوبر (تشرين الأول) 20 ألف بحار وعنصر من مشاة البحرية، إلى جانب مئات الطائرات، في إطار إعادة ترتيب القوات مع عودة حاملة الطائرات «جورج واشنطن» إلى قاعدتها في اليابان.

لكن توسيع الانتشار العسكري لا يخلو من تحديات؛ إذ يخشى مسؤولون أميركيون أن تكون إيران قد حسّنت تكتيكاتها الهجومية وقدرتها على استهداف القواعد والمنشآت الأميركية في المنطقة، بما قد يفرض استخدام كميات أكبر من الصواريخ الاعتراضية لحماية القوات والأصول العسكرية.

وأفادت معلومات استخباراتية، وفق أشخاص مطلعين عليها، بأن صوراً التقطتها أقمار اصطناعية تابعة لشركات صينية ساعدت إيران على تحسين استهداف القواعد الأميركية. وقد يزيد ذلك المخاوف من استنزاف مخزونات الأسلحة الدفاعية الأميركية في حال تجدد المواجهة على نطاق واسع.

مهاجمة ناقلة غاز عملاقة

أرشيفية لقارب حربي إيراني لـ«الحرس الثوري» خلال مناورة عسكرية في مضيق هرمز (إ.ب.أ)

على الجبهة البحرية، أعلن «الحرس الثوري» الإيراني، الجمعة، مهاجمة ناقلة الغاز العملاقة «إن في سانشاين» في بيان نقلته وسائل إعلام رسمية إيرانية، وأن قواته البحرية نفذت الهجوم في إطار ما وصفه بممارسة السيادة الإيرانية على المضيق، استناداً إلى أوامر القيادة العسكرية العليا.

وأضاف أن أي سفن ترتكب مخالفات خارج مضيق هرمز ستواجه العقاب أيضاً، في تهديد يوسّع نطاق التحذيرات الإيرانية من التعامل مع حركة الملاحة البحرية.

وتشير تقارير إلى أن إيران هاجمت ما لا يقل عن 13 سفينة منذ سبتمبر (أيلول)، وفق مجموعة مراقبة تابعة للبحرية البريطانية، بينما تقترب تقديرات استخباراتية أخرى من 20 سفينة. ولم تؤدِّ هذه الهجمات، بحسب التقارير، إلى رد عسكري أميركي واسع حتى الآن.

ويضع التصعيد البحري واشنطن أمام معادلة صعبة: فاستمرار الهجمات يهدد الملاحة في أحد أهم الممرات البحرية للطاقة والتجارة العالمية، بينما قد يؤدي الرد العسكري إلى توسيع نطاق الحرب ورفع كلفتها على القوات الأميركية وشركائها الإقليميين.

بزشكيان: لا مفاوضات تحت التهديد

في المقابل، تمسكت طهران بشروطها السياسية للتوصل إلى تسوية. وقال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الجمعة، إن نجاح المفاوضات الرامية إلى إنهاء الحرب مع الولايات المتحدة يتوقف على غياب «الضغط والتهديدات»، مؤكداً أن الحوار لا يكتسب معنى ولا تتوافر له فرص النجاح إلا إذا استند إلى الاحترام والالتزامات المتبادلة.

وجاءت تصريحات بزشكيان خلال قمة رابطة الدول المستقلة في منتجع أفازا بتركمانستان، حيث التقى نظيره الروسي فلاديمير بوتين على هامش الاجتماعات.

ونقلت وسائل إعلام رسمية إيرانية عن الرئيس الإيراني قوله إن بلاده منخرطة في الحوار، لكن الولايات المتحدة «تعاود الهجوم في كل مرة نتفاوض معها». كما أكد أن طهران تريد التوصل إلى إطار نهائي لإنهاء الحرب، متهماً واشنطن بمحاولة فرض سياساتها ورؤيتها على الدول الأخرى.

وأضاف أن التوصل إلى حل سيكون مستحيلاً إذا أصرت الولايات المتحدة على اتباع نهج أحادي الجانب.

وتتمحور إحدى أبرز نقاط الخلاف حول ترتيب مناقشة الملف النووي. ففي حين تريد واشنطن بحثه أولاً، تصر طهران على تأجيله إلى المرحلة الأخيرة من المفاوضات، وهو خلاف يعقّد الجهود الرامية إلى تثبيت مسار تفاوضي قابل للاستمرار.

موسكو تعرض الوساطة

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان يوم 8 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

وفي مسعى لإبراز دورها الدبلوماسي، جدّد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استعداد بلاده للمساعدة في تسوية الحرب في الشرق الأوسط، قائلاً إن موسكو مستعدة لبذل كل ما في وسعها للمساهمة في إنهاء النزاع.

واعتبر بوتين أن إيران بذلت «جهوداً حقيقية» لإنهاء الحرب التي اندلعت مع الضربات الأميركية والإسرائيلية عليها في 28 فبراير (شباط)، كما أشاد بما وصفه بالتطور الإيجابي في العلاقات الروسية - الإيرانية.

وعزز البلدان علاقاتهما الدبلوماسية والعسكرية منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022. وفي المقابل، تتهم كييف ودول غربية طهران بتزويد موسكو بطائرات «شاهد» المسيّرة وصواريخ قصيرة المدى استخدمت في الحرب الأوكرانية، فيما وُجهت إلى روسيا اتهامات بتزويد إيران ببيانات لتحديد الأهداف بغرض استهداف المصالح الأميركية في الشرق الأوسط.

وجاء اللقاء بين بوتين وبزشكيان بعد اتصال هاتفي بينهما، الأربعاء، قالت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية إنه تناول استعداد موسكو للتوسط من أجل إنهاء الحرب. وكان الرئيسان قد التقيا في سبتمبر على هامش قمة منظمة شنغهاي للتعاون في قرغيزستان، بعدما اجتمعا في تركمانستان في ديسمبر (كانون الأول) 2025.

ويعكس التحرك الروسي محاولة لتعزيز حضور موسكو في مسار التسوية، في وقت تتعثر فيه الاتصالات بين واشنطن وطهران، وتبقى فيه فرص التوصل إلى اتفاق رهناً بتجاوز الخلافات بشأن شروط التفاوض وترتيب الملفات المطروحة.


«الحرس الثوري» الإيراني يعلن مهاجمة ناقلة خلال عبورها مضيق «هرمز»

قارب يمر بجانب ناقلة نفط في مضيق «هرمز» قبالة بندر عباس يوم 6 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
قارب يمر بجانب ناقلة نفط في مضيق «هرمز» قبالة بندر عباس يوم 6 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

«الحرس الثوري» الإيراني يعلن مهاجمة ناقلة خلال عبورها مضيق «هرمز»

قارب يمر بجانب ناقلة نفط في مضيق «هرمز» قبالة بندر عباس يوم 6 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
قارب يمر بجانب ناقلة نفط في مضيق «هرمز» قبالة بندر عباس يوم 6 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

أعلن «الحرس الثوري» الإيراني، الجمعة، مهاجمة ناقلة غاز في أثناء محاولتها عبور مضيق «هرمز» عبر «مسار غير قانوني»، في حين تسعى طهران إلى فرض سيطرتها على المضيق منذ بدء الحرب في الشرق الأوسط.

كما أفادت جهات تتبّع حركة الملاحة البحرية، الجمعة، بأن مقذوفاً مجهول المصدر تسبَّب في اندلاع حريق على متن سفينة قبالة سواحل الإمارات، لكنها أشارت إلى سفينة مختلفة.

وأوضح «الحرس الثوري»، في بيان أوردته وسائل إعلام رسمية إيرانية، أن قواته البحرية تلبي «أوامر القائد الأعلى للقوات المسلحة ورغبة الشعب الإيراني بممارسة السيادة على مضيق هرمز».

وأضاف، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أنه قام في هذا الإطار «قبل ساعات، بضرب ناقلة الغاز العملاقة إن في سانشاين (NV Sunshine)... خلال محاولتها المرور عبر المسار غير القانوني جنوب مضيق هرمز».

وتصرُّ إيران على أن تطلب السفن إذنها لسلوك المسار الذي تفضِّله في المضيق الحيوي لصادرات المحروقات من الخليج.

لكن عدداً متزايداً من السفن أبدى مخاطرة بسلوك مسار بديل يمرُّ بمحاذاة الساحل الجنوبي للمضيق المحاذي لسواحل سلطنة عمان.

وقالت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (يو كيه إم تي أو) إن سفينة تعرَّضت لضربة بمقذوف؛ ما أدى إلى نشوب حريق على متنها، خلال وجودها على بعد 13 ميلاً بحرياً (24 كيلومتراً) قبالة الجزيرة الحمراء في الإمارات، وإلى الجنوب الغربي من المضيق.

وأضافت الهيئة، في بيان، أن «وضع الطاقم وحجم الأضرار والأثر البيئي غير معروفة في الوقت الراهن، وأن السلطات تحقق في الأمر».

كما أبلغت شركة الأمن البريطانية «فانغارد» عن الحادثة، وحدَّدت هوية السفينة بوصفها ناقلة النفط الخام «جيم إن أو 2 (GEM NO 2)» التي ترفع علم بنما.

تأتي هذه الحادثة بعد أيام من استهداف ناقلة قبالة سواحل قطر، على بُعد نحو 500 كيلومتر غرب المضيق الحيوي.

تعرَّضت السفن الموجودة في الخليج وتلك التي تحاول عبور المضيق إلى هجمات متكررة منذ بدء الحرب بضربات أميركية - إسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط).

وتعطل إيران الملاحة في المضيق منذ ذلك الحين، رغم أن عدداً من السفن ينجح في العبور، كما أفادت وسائل إعلام أميركية بجهود عسكرية أميركية لحماية السفن التي تسلك المسار الجنوبي في «هرمز».

وفرضت الولايات المتحدة حصاراً مضاداً على الموانئ الإيرانية، وفتحت مراراً النار على سفن مرتبطة بطهران.

يؤدي مضيق «هرمز» دوراً حيوياً في الاقتصاد العالمي، إذ كان يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال قبل اندلاع الحرب.


الشرطة الإسرائيلية تؤكد: مكتب نتنياهو زيّف وثائق وبروتوكولات

فلسطينيون في خان يونس يعتلون مركبة عسكرية إسرائيلية تم الاستيلاء عليها ضمن عملية «طوفان الأقصى» (د.ب.أ)
فلسطينيون في خان يونس يعتلون مركبة عسكرية إسرائيلية تم الاستيلاء عليها ضمن عملية «طوفان الأقصى» (د.ب.أ)
TT

الشرطة الإسرائيلية تؤكد: مكتب نتنياهو زيّف وثائق وبروتوكولات

فلسطينيون في خان يونس يعتلون مركبة عسكرية إسرائيلية تم الاستيلاء عليها ضمن عملية «طوفان الأقصى» (د.ب.أ)
فلسطينيون في خان يونس يعتلون مركبة عسكرية إسرائيلية تم الاستيلاء عليها ضمن عملية «طوفان الأقصى» (د.ب.أ)

أكد بيان رسمي من الشرطة الإسرائيلية رواية السكرتير العسكري السابق لرئيس الوزراء، اللواء آفي غيل، الذي شغل منصبه صباح 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وكشف أن مكتب بنيامين نتنياهو قام بتزييف بروتوكولات ووثائق تتعلق بالحرب وغيرها.

وقالت الشرطة إنها حققت في الموضوع في حينه، بناء على عدة شكاوى وتوصيات، وقدمت تلخيصها إلى النيابة منذ سنتين مع توصية واضحة بمحاكمة المسؤولين. لكنها رفضت الكشف عن هوية هؤلاء المسؤولين، وهل نتنياهو نفسه متورط في القضية أو فقط مدير مكتبه، تساحي برفرمان، ومساعدوه.

وكان اللواء غيل قد كشف عن هذا التزييف في مقابلات صحافية عديدة، قال فيها إنه قرر أن يتكلم الآن، بعد صمت طويل، بسبب غياب لجنة تحقيق رسمية مستقلة. وأضاف: «هناك سبب آخر يعود إلى الضغوط من عائلات الأسرى لدى (حماس) التي تطالبه بقول ما يعرف. لكن القشة التي قصمت ظهر البعير هي قصة طائرة (فلاي دبي). فالإخفاقات الأمنية الإسرائيلية التي تظهر في هذه العملية وطريقة الحكومة في الطبطبة عليها، تجعلان المرء ينفجر؛ لأن هناك استخفافاً في معالجة الإخفاقات».

جنود إسرائيليون يشيّعون أحد قتلى عملية «طوفان الأقصى» (أرشيفية - أ.ب)

وفي مقابلة مع «القناة 12»، كشف غيل أنه أعد خلال فترة عمله في الحرب ملفاً دسماً من آلاف الصفحات، وثّق فيها ما شاهده بنفسه من سلوكيات وتصرفات وأحداث، ونقلها إلى حاسوب تابع للاستخبارات العسكرية محفوظ في مكان آمن، لتكون وثيقة جاهزة للجنة التحقيق الرسمية إذا قامت.

وأكد من البداية أن «7 أكتوبر» كان بمنزلة إخفاق كبير للجيش الذي ينتمي إليه ولبقية الأجهزة الأمنية؛ فقد كان واضحاً أن «حماس» تعد لحرب والأجهزة الأمنية لم تستعد لها. لقد توجهت هذه الأجهزة إلى القيادة السياسية، المرة تلو الأخرى، تحذرها بوضوح وتقترح عليها تصفية قادة «حماس»، وفي المقدمة يحيى السنوار، وكان هو (نتنياهو) يستخف.

وعندما سئل عن رأيه في اتهامات اليمين لهذه القيادة بأنها كانت تعرف بالهجوم ولم تخبر نتنياهو؛ لأنها متآمرة وسلوكها كان خيانة، رفض غيل ذلك وقال: «لا توجد خيانة. ما هذا؟! هل يُعقل أن يكون رئيس الأركان ورئيس (الشاباك) وقائد اللواء الجنوبي خونة؟! إنهم أخطأوا الحساب، تصرفوا بغرور، ارتكبوا حماقة. أجل. أفهم. لكن، خيانة لا يمكن».

وفيما يتعلق بالقيادة السياسية، قال إنها سارت وفق قناعة سياسية عندما رفضت الاقتراحات باغتيال قادة «حماس»، وانطلقت من حسابات سياسية وحزبية وشخصية. وعندما حصل الهجوم وتبين مدى مسؤوليتها عن الإخفاق، راحت تتصرف بطريقة جنائية وغير قانونية للتشويش على الحقيقة؛ فقامت بتزوير وثائق وتغيير البروتوكولات وشطب مقاطع، على هواها، من وثائق رسمية. وإنه عندما علم بذلك توجّه إلى المستشارة القضائية للحكومة، طالباً أن توقف ذلك.

دبابة «ميركافا» إسرائيلية قرب الحاجز الفاصل بين جنوب إسرائيل وقطاع غزة... حركة «حماس» اخترقت السياج خلال عملية «طوفان الأقصى» (رويترز)

وبصفته مرافقاً دائماً لرئيس الوزراء ومشاركاً في معظم لقاءاته ومداولاته الأمنية، سئل إن كان يشهد بأن نتنياهو اتخذ قرارات عديدة لأسباب سياسية محضة، أدت إلى بقاء الأسرى الإسرائيليين لدى «حماس»، وبالتالي وفاتهم؛ فقد مات ثلث المخطوفين في أسرهم، وكان بالإمكان إعادتهم أحياء، لكن نتنياهو رفض ذلك؛ لأن مصلحته كانت تقتضي الاستمرار في الحرب وعرقلة الصفقات... أجاب غيل: «أجل، هذا صحيح».

وسئل إن كان هناك تحذير من الشيخ محمد بن زايد، أجاب: «في الفترة التي يتحدثون عنها لم أكن في العمل؛ لذلك لا أعرف شيئاً عن ذلك».

وعندما سئل عن تسلسل الأحداث في ليلة 6 – 7 أكتوبر 2023، رواها على النحو التالي: «في الساعة 3:55 تلقيت خبراً من ضابط استخبارات في مكتبي يتحدث عن حراك (حماس)، وأكد أنه يبدو عادياً وربما يكون تدريباً، ولكننا اتفقنا على العودة والحديث لاحقاً بعد مزيد من المتابعة. في الساعة 6:12 اتصل بي رئيس مكتب رئيس (الشاباك) وطلب مني أن نتحدث في الهاتف الأحمر. فنزلت من الطابق الفوقي إلى الأدنى حيث أضع الهاتف الأحمر، وتواصلنا في الساعة 6:17، فأخبرني بأن تحركات رجال (حماس) تثير الشكوك؛ فهناك تغيير (سيم) الهواتف لرجالات (حماس) بواسطة (سيم) إسرائيلي، وقادتهم ينزلون إلى الأنفاق. فقررت أن أتأكد أكثر، فاتصلت بمدير مكتب قائد (اللواء الجنوبي) في الجيش. فأيقنت بأن أمراً كبيراً يحدث. عندها، صارت الساعة 6:29، أيقظت رئيس الوزراء وأخبرته بأن هناك هجوماً واسعاً لـ(حماس)، وسأفحص المعلومات وأعود إليك باتصال آخر. وبعد 11 دقيقة من الاتصالات مع الميدان، أيقنت أمر الهجوم. وفي الساعة 6:40 اتصلت به مرة أخرى وأبلغته بأننا بتنا في حرب».

وقد حاول مدير مكتب نتنياهو تغيير مواعيد المكالمة الهاتفية بشطب المحادثة الثانية والاكتفاء بالمحادثة الأولى في الساعة 6:29 ليثبت أن الجيش كان يعرف بأمر الهجوم، وفي دقيقة الهجوم بالضبط أخبروا نتنياهو.