قراءة في الدستور الإيراني الحلقة (3 - 3) : القوات المسلّحة ذراع النظام القمعية.. وضع خاص وميزانية ضخمة

مبدأ «تصدير الثورة» رخصة سياسية ألبسها المشرّع ثوبًا دينيًا تسمح للنظام بالعمل على هزّ استقرار دول مناوئة

الشاه الإيراني الراحل رضا بهلوي يستعرض حرس الشرف ({غيتي})
الشاه الإيراني الراحل رضا بهلوي يستعرض حرس الشرف ({غيتي})
TT

قراءة في الدستور الإيراني الحلقة (3 - 3) : القوات المسلّحة ذراع النظام القمعية.. وضع خاص وميزانية ضخمة

الشاه الإيراني الراحل رضا بهلوي يستعرض حرس الشرف ({غيتي})
الشاه الإيراني الراحل رضا بهلوي يستعرض حرس الشرف ({غيتي})

عمل المشرع الإيراني على الاهتمام بالقوات المسلحة، على أنْ تبقى قوات حرس الثورة التي تأسست في الأيام الأولى من قيام النظام، راسخةً ثابتةً من أجل أداء دورها في حراسة الثورة ومكاسبها. كما قام الدستور الإيراني في مقدمته، بتحديد الطبيعة العقائدية لتكوين الجيش الإيراني ومهام الحرس الثوري، معتبرًا أن القوات المسلّحة لا تلتزم بمسؤولية الحماية وحراسة الحدود فحسب، بل تحمل أيضًا أعباء رسالتها التي حددها المشرع وهي بسط حاكمية القانون الإلهي في العالم.
وتُعتبر المؤسسات الثورية مثل الحرس الثوري والباسيج وأنصار حزب الله، أعمدة النظام وذراعه «القمعية» لتنفيذ المهام التي تتطلب درجةً عالية من الالتزام الآيديولوجي، في داخل إيران وخارجها. وقد تورّط الحرس الثوري، الذراع العسكرية للمرشد الأعلى وأداته في تنفيذ السياسة الخارجية المرتبطة بالأمن القومي للجمهورية - وخصوصا فيلق القدس الذي يرأسه الجنرال قاسم سليماني، وبذريعة مناصرة المستضعفين أو تحطيم عروش الطواغيت أو تحرير الأراضي المحتلة - في عدة معارك دموية خارج الحدود الإيرانية، في العراق ولبنان وسوريا واليمن والبوسنة والهرسك.. وقد انتقل حقّ التجنيد الإلزامي - بموافقةٍ من الخميني - من الجيش النظامي إلى الحرس الثوري الذي يمتلك قواتٍ بحرية وبرية وجوّية خاصة به، وترسانةً عسكرية مؤلّفة من الصواريخ والدبابات والطائرات المقاتلة والغواصات، وميزانيةً ماليةً ضخمة، وعددًا من المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية التي وسّعت قاعدة المستفيدين منه والمتعاونين معه. وقد قامت الولايات المتحدة بتصنيفه كمنظمةٍ إرهابية.

يقول الخميني: «كل ما نفتقده هو عصا موسى وسيف علي بن أبي طالب، وعزيمتهما الجبّارة. وإذا عزمنا على إقامة حكم إسلامي، سنحصل على عصا موسى وسيف علي بن أبي طالب أيضًا»(7).
كانت إيران في النصف الثاني من القرن العشرين، تصنّف على أنها سادس قوة عسكرية على مستوى العالم، بفضل دعم الولايات المتحدة التي كانت ترغب في تحجيم النفوذ الروسي في منطقة الشرق الأوسط، وكان الجيش الإيراني (شرطي الخليج) مرتبطًا أو مُلحقًا بالجيش الأميركي (المعسكر الغربي) على مستوى التدريب والتسليح والارتباط الفكري. بعد نجاح الثورة، كان قادة الثورة يشكّكون في ولاء الجيش النظامي لمفاهيم ومبادئ الثورة، ويخشون من حدوث الانقلابات العسكرية، لذلك قاموا بتصفية عددٍ كبير من القيادات العسكرية، وعملوا على تغيير طبيعة تكوين الجيش من الناحية العقائدية، من خلال غرس قيم النظام الجديد في نفوس وعقول عناصره وقياداته، وكذلك قاموا بخلق جهازٍ عسكري موازٍ للجيش ومنافسٍ له، ويدين بالولاء الكامل والطاعة المطلقة لآيديولوجيا الثورة وشعاراتها وتوجيهات قادتها، هو «الحرس الثوري»، الذي انبثق من «اللجان الثورية»، التي قامت منذ الأيام الأولى للثورة - بتشجيعٍ من الخميني - بجمع السلاح من ثكنات الجيش والشرطة، لاستخدامها في خدمة أهداف الثورة في مراحل تالية. وكان من أبرز مهام قوات الحرس الثوري والباسيج (قوات التعبئة الشعبية) التي تتبع مجلس قيادة الثورة: حفظ الأمن الداخلي، وتثبيت الثورة ضد أعدائها الداخليين، وحماية منجزاتها عبر التعبئة الفكرية وتجنيد مختلف شرائح المجتمع الإيراني لدعمها، والتخلص من معارضي النظام، وحماية النقاء الآيديولوجي للثورة، والدفاع عن خطّ الإمام في داخل إيران وخارجها، والدفاع عن المستضعفين والبائسين في الأرض، عبر تصدير مفاهيم الثورة إلى دول أخرى.
وقد نصّت المادة (150) من الدستور الإيراني على أنْ «تبقى قوات حرس الثورة الإسلامية التي تأسست في الأيام الأولى لانتصار هذه الثورة، راسخةً ثابتةً من أجل أداء دورها في حراسة الثورة ومكاسبها». من جهة أخرى، فقد قام الدستور الإيراني في مقدمته، بتحديد الطبيعة العقائدية لتكوين الجيش الإيراني ومهام الحرس الثوري، معتبرًا أنه «في مجال بناء وتجهيز القوات المسلّحة للبلاد، يتركّز الاهتمام على جعل الإيمان والعقيدة أساسًا لذلك.. ولا تلتزم القوات المسلّحة بمسؤولية الحماية وحراسة الحدود فحسب، بل تحمل أيضًا أعباء رسالتها الإلهية، وهي الجهاد في سبيل الله، والجهاد من أجل بسط حاكمية القانون الإلهي في العالم [وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل، ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم].
وينصّ الدستور في المادة (144) على أنه «يجب أن يكون جيش جمهورية إيران الإسلامية، جيشًا إسلاميًا، من خلال كونه جيشًا عقائديًا وشعبيًا، وأن يضم أفرادًا لائقين مؤمنين بأهداف الثورة الإسلامية، ومضحّين بأنفسهم من أجل تحقيقها».
وتُعتبر المؤسسات الثورية مثل الحرس الثوري والباسيج وأنصار حزب الله، أعمدة النظام وذراعه «القمعية» لتنفيذ المهام التي تتطلب درجةً عالية من الالتزام الآيديولوجي، في داخل إيران وخارجها. وقد تورّط الحرس الثوري الذراع العسكرية للمرشد الأعلى، وأداته في تنفيذ السياسة الخارجية المرتبطة بالأمن القومي للجمهورية - وخصوصا فيلق القدس الذي يرأسه الجنرال قاسم سليماني، وبذريعة مناصرة المستضعفين أو تحطيم عروش الطواغيت أو تحرير الأراضي المحتلة من إسرائيل - في عدة معارك دموية خارج الحدود الإيرانية، في العراق ولبنان وسوريا واليمن والبوسنة والهرسك.. وقد انتقل حقّ التجنيد الإلزامي - بموافقةٍ من الخميني - من الجيش النظامي إلى الحرس الثوري الذي يمتلك قواتٍ بحرية وبرية وجوّية خاصة به، وترسانةً عسكرية مؤلّفة من الصواريخ والدبابات والطائرات المقاتلة والغواصات، وميزانيةً ماليةً ضخمة، وعددًا من المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية التي وسّعت قاعدة المستفيدين منه والمتعاونين معه. وقد قامت الولايات المتحدة الأميركية بتصنيفه كمنظمةٍ إرهابية. والقائد الحالي للحرس الثوري هو الفريق محمد جعفري، الذي خلف الفريق يحيى رحيم صفوي.
والحقيقة، إنّ بقاء واستمرار الحرس الثوري الذي يضمّ أبناء الثورة الأوفياء، ولا سيما على مستوى القيادة، والذي كان من أبرز أهداف إنشائه، تثبيت الثورة ضد أعدائها في داخل إيران، يطرحان أكثر من علامة استفهام حول ما إذا كان دوره الحقيقي هو ضمان استمرار دور متمايز للفقهاء وآيات الله في السلطة، وكذلك حول حقيقة عبور إيران، بعد مرور 36 سنة على نجاح الثورة، من مرحلة الثورة الانتقالية والمؤقتّة، إلى مرحلة الدولة الثابتة والمستقرّة التي يُفترض أن القائمين عليها، قد أنجزوا كل الأهداف التي وضعوها قبيل وبعد اندلاع الثورة، ما يعني أن الثورة لم تعُد بحاجة لا إلى حراسة ولا إلى حرّاس. ذلك أنّ الأصل في المجتمع هو الاستقرار، وليس الثورة التي هي حالة سريعة وعنيفة وانتقالٌ راديكالي من وضعٍ يفتقر إلى الشرعية الشعبية، إلى وضعٍ آخر ينال موافقة ورضا وقبول القاعدة الشعبية. ولا يمكن أن نتصور مجتمعًا ما، يعيش في حالة دائمة من الثورة.
في إيران الدولة والثورة وجهان لعملة واحدة!
و - نُصرة المستضعفين في الدستور الإيراني
لقد ظلّت إيران، على مستوى الخطاب السياسي، تعلن عن نفسها باعتبارها حامية المستضعفين ضد قوى الاستكبار العالمي (الولايات المتحدة وإسرائيل وسياساتهما في المنطقة). وكان من أبرز مبادئ الثورة الإسلامية، على مستوى السياسة الخارجية، نُصرة الشعوب المستضعفة والمغلوبة على أمرها، وكانت النتيجة المنطقية والعملية لهذا المبدأ، ما عُرف بمبدأ «تصدير الثورة». فقد كان لدى الإمام الخميني، إحساس غريب بأنه السلطان الأوحد، والزعيم الأول، وروح الله، والسيد المصلح، والمفوّض من الإمام الغائب، والمنقذ الذي يملك صفات المعصوم، والولي المعيّن من الله لتجديد الإسلام وإحياء الشريعة ومناصرة المستضعفين في العالم، والذي يجب أن يخضع لحاكميته مسلمو العالم. ولذلك فقد شعر بواجبه المتخيّل في قيادة الشعوب الإسلامية في الشرق والغرب، على اعتبار أن ثورته في إيران، لم تكن محلية، بل هي تتخطى الحدود الإيرانية، بحيث يجب أن تصل إلى كل بقاع الأرض. وطالما أن دولة الإمام المعصوم عالمية واحدةً لا تعدّد فيها، فكذلك يجب أن تكون دولة نائبه، ومن هنا ضرورة أن تتحدّ الأمة الإسلامية كلها، تحت مظلّة الجمهورية الإيرانية، وبقيادة المرشد الأعلى لثورتها. وإذا عرفنا أنّ الخميني كاد أن يدّعي «العصمة» صراحةً، إضافة إلى كل تلك الصفات المتوّهمة والمنتحلة، وجب علينا أن نفهم أنه رفع مرتبته بالفعل، فوق مرتبة الأنبياء.
وانطلاقًا من الآية القرآنية «إن هذه أمتكم أمةٌ واحدة وأنا ربكم فاعبدون»، فقد اعتبر الدستور الإيراني، أن المسلمين أمةٌ واحدة، وأن على الحكومة الإسلامية أن تقيم كل سياستها العامة على أساس تضامن الشعوب الإسلامية، وأن تواصل سعيها من أجل تحقيق الوحدة السياسية والاقتصادية والثقافية في العالم الإسلامي (المادة 11).
وقد ورد في مقدمة الدستور: «لقد أتمّ مجلس الخبراء المؤلّف من ممثلي الشعب، تدوين هذا الدستور.. في مستهلّ القرن الخامس عشر لهجرة الرسول الأكرم.. على أمل أن يكون هذا القرن قرن تحقّق الحكومة العالمية للمستضعفين، وهزيمة المستكبرين كافة». ويشير المشرّع إلى أن الغرض من إقامة الحكومة الإسلامية، هو إعداد الظروف اللازمة كي «تتحقق حكومة المستضعفين في الأرض [ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمةً ونجعلهم الوارثين].
أما المادة الثالثة فتنصّ على أن تنظيم السياسة الخارجية للبلاد، يقوم على أساس المعايير الإسلامية والالتزامات الأخوية تجاه جميع المسلمين، والحماية الكاملة لمستضعفي الأرض. وتشير المادة (154) إلى أن جمهورية إيران الإسلامية تعتبر «سعادة الإنسان في المجتمع البشري كله، قضيةً مقدسة لها، وتعتبر الاستقلال والحرية وإقامة حكومة الحق والعدل، حقًَا لجميع الناس في أرجاء العالم كافة، وعليه فإن جمهورية إيران الإسلامية تقوم بدعم النضال المشروع للمستضعفين ضد المستكبرين في أي نقطةٍ من العالم. وفي الوقت نفسه، لا تتدخل في الشؤون الداخلية للشعوب الأخرى».
والحقيقة أن الواقع السياسي المأزوم في العالم العربي، يشهد أولاً، بأن إيران الثورة الخمينية التي تمتلك ثرواتٍ نفطية وغازية هائلة، لم تعجز فقط عن تحقيق السعادة والعدل والرفاهية والمساواة لشعبها، وعن المساهمة في بناء وتمتين وحدة الأمة الإسلامية، بل هي على العكس، قد أصبحت بسبب أطماعها، أداةً أساسية من أدوات هدم وتحطيم وتفتيت هذه الأمة، ويكشف ثانيًا أن مبدأ «نصرة المستضعفين» كان مجرد ذريعة لتدخلها العسكري والعقائدي السافر في شؤون الكثير من الدول المجاورة لها، التي باتت مقتنعةً بأن النظام الإيراني هو نظام توسّعي ومعتدٍ ويشكل خطرًا وتهديدًا لأمنها. ويؤكد ثالثًا أنّ مبدأ «تصدير الثورة» إلى كل بقاع الأرض، ليس أكثر من رخصةٍ سياسية ألبسها المشرّع الإيراني ثوبًا دينيًا وإنسانيًا ودستوريًا، تسمح للنظام بالعمل على هزّ استقرار بعض الدول المناوئة له، وإسقاط أنظمتها، عبر التحريض المذهبي وإشعال نار العصبيات والفتن الطائفية بين مكوّنات الشعب الواحد. ولذلك يمكن القول، إنّ السياسات المتبعة من قبل النظام الإيراني، باتت تؤهلّه في نظر كثيرين، للانضمام إلى نادي المستكبرين الذين يدّعي محاربتهم!
وأكثر من هذا، فقد أكد الدستور الإيراني في المادة التاسعة، أن «الحرية والاستقلال ووحدة أراضي البلاد وسلامتها، هي أمور غير قابلة للتجزئة، وأنه لا يحقّ لأي فرد أو مجموعة أو أي مسؤول، أن يلحق أدنى ضرر بالاستقلال السياسي أو الثقافي أو الاقتصادي أو العسكري لإيران، كما أنه لا يحقّ لأي مسؤولٍ أن يسلب الحريات المشروعة بذريعة المحافظة على الاستقلال ووحدة البلاد، ولو كان ذلك عن طريق وضع القوانين والقرارات».
والغريب أن هذا النظام الذي يشدد في دستوره على مسألة استقلال بلاده، وسيادة أراضيه ووحدتها، ويعتبرها خطًّا أحمر يمنع تجاوزه، حتى على مستوى وضع القوانين، والذي يحظر «عقد أي معاهدة تؤدّي إلى السيطرة الأجنبية على الثقافة والجيش وشؤون البلاد» (المادة 153) قد سمح لنفسه باختراق سيادة الدول الأخرى، وشرّع لنفسه الحقّ في انتهاك استقلالها، والتدخل في شؤونها الداخلية، وتهديد أمنها، وزرع بذور الشقاق بين مواطنيها، وتمويل وتسليح وتدريب جماعاتٍ وأحزاب طائفية وميليشياتٍ مذهبية، كي يضمن ولاءها التام وتبعية أفرادها الثقافي والفكري والفقهي للجمهورية الإيرانية، وتبنّيهم الكامل لمشروعها السياسي وآيديولوجيتها الدينية، حتى ولو أدّى ذلك إلى عزلتهم عن بيئاتهم وتخريب الدول الموجودين فيها. ولذلك، يمكن القول إن الاستعمار الذي يدينه المشرّع الإيراني في الدستور، لا يعني فقط الغزو العسكري أو إقامة قواعد عسكرية أجنبية (المادة 146)، بل يعني أيضًا الغزو الفكري والآيديولوجي والاستباحة الثقافية والاستتباع المالي والاقتصادي وتقديم الخدمات والمساعدات المتنوّعة لبعض الجماعات الطائفية الموالية، خارج إطار سلطة ورقابة الدول التي يعيشون فيها، ودائمًا بذريعة نصرة المستضعفين والمضطهدين في العالم الإسلامي.
ز - الصبغةُ المذهبية للدستور الإيراني
يُشترط في أي دستور، أن تتمّ صياغته على أسس إنسانية ووطنية جامعة بعيدةٍ عن روح العنصرية والعرقية والمذهبية التي تفرق ولا توحد، وتولد الشعور بالقهر والظلم والإقصاء، ولا تعزز الوحدة الداخلية بين أبناء الشعب الواحد.
ويشوب الدستور الإيراني الكثير من التأكيدات على الصبغة الطائفية والهُوية المذهبية للحكم وعلى النزعة الفارسية، التي لم تُقم وزنا للأقليات الدينية، ولم تحترم التنوع والتعدد داخل نسيج المجتمع، والتي أسست دستوريًا لحالات الإقصاء والتمييز والاحتكار للسلطة من قِبل فئةٍ معينة من الشعب، ومنعت بقية الفئات من تحقيق مصالحها المشروعة، وحرمتها من تولّي بعض المناصب المؤثّرة في الدولة.
وهذه هي أبرز المواد الدستورية التي كرّست الهُوية المذهبية للحُكم ومؤسساته:
فقد نصّت المادة (12) من الدستور، على أن «الدين الرسمي لإيران هو الإسلام، والمذهب الجعفري الاثني عشري، وهذه المادة تبقى إلى الأبد، وغير قابلةٍ للتغيير». وكذلك «يقوم نظام الجمهورية الإسلامية على أساس الإيمان بالإمامة والقيادة المستمرة والاجتهاد المستمر من قِبل الفقهاء جامعي الشرائط [أي فقهاء الشيعة وعلماؤهم دون غيرهم] (المادة 2).
وتقرّر المادة (15) أن رئيس الجمهورية «يُنتخب من بين الرجال المتدينين السياسيين.. شرط أن يكون مؤمنًا ومعتقدًا بمبادئ جمهورية إيران الإسلامية، والمذهب الرسمي للبلاد، وأن يكون إيراني الأصل ويحمل الجنسية الإيرانية». ويجب على رئيس الجمهورية أن يؤدي اليمين التالية، وأن يوقّع على ورقة القسَم «بسم الله الرحمن الرحيم: إنني باعتباري رئيسًا للجمهورية، أقسم بالله القادر المتعال في حضرة القرآن الكريم، وأمام الشعب الإيراني، أن أكون حاميًا للمذهب الرسمي، ولنظام الجمهورية الإسلامية وللدستور» (المادة 121). وكذلك على النوّاب المنتخبين في مجلس الشورى الإسلامي - ومن ضمنهم نوّاب الأقليات من غير المسلمين - أن يقسموا على الدفاع عن حُرمة الإسلام وحماية مكاسب الثورة وأُسس الجمهورية الإسلامية (المادة 67). ولا يحقّ لمجلس الشورى الإسلامي أن «يسنّ القوانين المغايرة لأصول وأحكام المذهب الرسمي للبلاد، أو المغايرة للدستور» (72). ويستطيع مجلس الشورى «تفويض الموافقة الدائمة على النظم الداخلية للمؤسسات الحكومية والشركات، إلى اللجان ذات العلاقة، أو أن يعطي إجازة الموافقة عليها للحكومة، وحينئذ يجب أن لا تتنافى اللوائح المصادق عليها مع مبادئ وأحكام المذهب الرسمي للبلاد أو الدستور» (85).
وفي حال وُجدت الحاجة لإعادة النظر في الدستور، بغية تعديل بعض مواده، فإن «مضامين المواد المتعلقة بكون النظام إسلاميًا، وقيام القوانين والمقررات على أساس الموازين الإسلامية والأسس الإيمانية وأهداف الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وكون الحكم جمهوريًا، وولاية الأمر وإمامة الأمة، وكذلك إدارة أمور البلاد بالاعتماد على الآراء العامة والدين والمذهب الرسمي لإيران، هي من الأمور التي لا تقبل التغيير» (المادة 177).
والحقيقة، إن ما يميّز الدستور الإيراني - كما رأينا - هو الغلوّ العقائدي والنظرة المذهبية الأحادية في مجتمع متعدد الأديان والمذاهب والقوميات واللغات، والتطابق التام بين نظام الجمهورية والدين الإسلامي والمذهب الشيعي الرسمي، بحيث يمكن اعتبار أي مسٍّ بواحدٍ من هذه العناصر، مسًّا بأُسس ومبادئ الدولة كلها، مما يستوجب المساءلة والمحاسبة وإنزال أقسى أنواع العقوبات بمَن تسوّل له نفسه التعرَض لواحدٍ من هذه الثوابت والمقدّسات، بتهمة الكفر أو الهرطقة أو الخروج على الإمام أو التآمر أو العمالة.
فكيف يمكن للمشرّع الإيراني أن يدّعي أنه يريد تصدير ثورته المظفّرة إلى كل بقاع الأرض، وأن يقيم مجتمعًا نموذجيًا لكل الشعوب، فيما هو يفرض مذهبًا فقهيًا بعينه على هُويّة النظام والحُكم والسلطة في بلدٍ يضمّ الكثير من الديانات والأعراق والانتماءات المذهبية، وفيما يفاخر الإمام الخميني بأنّ «عدد الشيعة ما زال في ازدياد، حتى أنهم اليوم في حدود المائتي مليون شيعي»(8).
أجل، لقد اعترف الدستور في المادة (13) بحقوق الأقليات: «الإيرانيون الزرادشت واليهود والمسيحيون هم وحدهم الأقليّات الدينية المعترف بها»، ولكنه أعطى الأفضلية والأولوية للإيرانيين المنتمين إلى المذهب الشيعي، دون غيرهم من المسلمين وغير المسلمين، بحيث انتفت العدالة والمساواة بين أفراد الشعب الإيراني الواحد، وحلّ محلهما نوعٌ من التمييز والتحيّز والعنف الرمزي الذي يمارَس باسم الدستور، ضد المغايرين والمختلفين. فمثلاً، يبلغ عدد الشعب الإيراني نحو (80) مليون نسمة، وتقدر نسبة الشيعة في إيران بنحو (65%) من الشعب الإيراني، أما نسبة السُنّة فتُقدّر بنحو (25%)، وتتراوح أعدادهم ما بين (14) إلى (19) مليون إيراني سُني من عرقياتٍ مختلفة (البلوش والأكراد والتركمان والعرب)، ويمثلّهم (18) نائبًا سُنيًا في البرلمان الإيراني، من أصل (290) نائبًا، هو عدد نواب مجلس الشورى الإسلامي الذي يهيمن عليه المتشددون والمحافظون ورجال الدين الشيعة. وتبلغ نسبة الأقليات غير المسلمة (اليهودية والمسيحية والزرادشتية) نحو (10%) من عدد السكان، ويمثلهم حسب الدستور (5) نواب، وأعدادهم في تناقصٍ مستمر بسبب هجرتهم من إيران، هربًا من الاضطهاد. ويقيم في العاصمة طهران أكثر من مليون إيراني سُنّي، ومع ذلك تمنعهم السلطات من بناء مسجدٍ لهم، في الوقت الذي يوجد (151) معبدا لليهود والمسيحيين والزرادشتيين في إيران، معظمها في طهران. أضف إلى ذلك، أن الدستور لم يعترف بأقلياتٍ دينية أخرى موجودة في إيران، ومنها البهائية والإسماعيلية والمندائية وغيرها.
ولا شكّ في أن هذا التمييز يناقض صراحةً ما ورد في المادة (19) من الدستور، من أن «أفراد الشعب الإيراني - من أي قوميةٍ أو قبيلة كانوا - يتمتعون بالمساواة في الحقوق، ولا يُعتبر اللون أو العنصر أو اللغة أو ما شابه ذلك، سببًا للتفاضل»، ومن أنه من أولويات الحكومة الإسلامية «رفع التمييز غير العادل، وإتاحة تكافؤ الفرص للجميع في المجالات المادية والمعنوية كلها «(المادة 3).
لقد نصّت المادة (15) على أن «اللغة والكتابة الرسمية والمشتركة هي الفارسية لشعب إيران»، وعلى أن «الدوائر الحكومية تعتمد في أعمالها على التاريخ الهجري الشمسي» (المادة 17). فكيف يمكن لأقليةٍ شيعيةٍ تتراوح نسبتها من 10 إلى 15 في المائة من مجموع عدد المسلمين في العالم الإسلامي الذي يبلغ تعداد أبنائه أكثر من مليار مسلم، وتعتنق في دستورها المذهب الجعفري الاثني عشري، وتتكلم لغةً غير لغة القرآن العربية، وتعتمد تاريخًا غير إسلامي، وتفاخر بقوميتها الفارسية، وأبرز أعيادها هو عيد النوروز الفارسي، وتصادر الحريات والحقوق الدينية والسياسية للكثير من مواطنيها، وتضطهد الأقليات الدينية والاثنية.. أن تدّعي في دستورها أنها تسعى إلى تحقيق الوحدة الإسلامية في العالم، وإلى مناصرة المستضعفين والمقهورين في الأرض من غير الإيرانيين؟! أما كان من الأجدى لها، لو ناصرت المستضعفين من الإيرانيين داخل إيران؟!
يبدو أنّ النظام الإيراني يشعر بأنه يواجه خطرين: الخطر الأول هو على الهُويّة الشيعية، والخطر الثاني هو على الهُوية الفارسية، وذلك بسبب تزايد أعداد الإيرانيين الذين ينتمون إلى أديان ومذاهب أخرى غير المذهب الرسمي للبلاد، وإلى قومياتٍ غير الفارسية (الأكراد والتركمان والعرب والبلوش والأذريين الذين تُقدّر نسبتهم بنحو 40 في المائة من عدد السكان)، ومن هنا حرص النظام على الجمع بين البُعدين الشيعي والفارسي، في هُويّةً واحدة، أعلن في دستوره أنها «باقية إلى الأبد، وغير قابلةٍ للتغيير»(9).
لقد كان النظام الإيراني يسعى إلى تشكيل ما يُعرف باسم بالدولة - القدوة التي تودّ طرح نفسها على الساحة الدولية كنموذجِ حُكمٍ إسلامي يُحتذى، ولكن التطورات السياسية والأمنية الأخيرة التي يشهدها العالم العربي، وخصوصا في سوريا المذبوحة، وارتماء النظام الإيراني في أحضان «الشيطان الأكبر» لإنجاز الاتفاق النووي الذي سيعقبه رفع العقوبات الأميركية والأوروبية المفروضة على إيران منذ عام 2002، وتحالفه مع روسيا - العدو التاريخي لإيران - لتحطيم ما تبقّى من أطلال الدولة السورية، وسعيه ليكون - كما كان النظام البهلوي من قبله - شرطي الخليج.. كل هذه الوقائع أثبتت أنّ رغبة المشرّع الإيراني في تغيير الواقع وبناء الأمة الإسلامية الواحدة، ومواصلة الجهاد لإنقاذ الشعوب المحرومة والمقهورة والمضطهدة في جميع أنحاء الكرة الأرضية، لم تكن أكثر من أضغاث أحلام وتأملاتٍ مجردة وبلاغةٍ كتابية ألهمه إيّاها شعراءُ الجنّ في وادي «عبقر»، ومن نزعةٍ مثاليةٍ أقرب إلى الشوفينية والمبالغة في تقدير الذات وجموح المخيّلة، منها إلى المقدرة الحقيقية على تنفيذ الوعود الخطابية والتعهدات الدستورية!
ح - تقييد الحريات بالضوابط الإسلامية
يتحدث الدستور الإيراني في عددٍ من مواده، عن حقوق أفراد الشعب في حرية الاعتقاد والتعبير والتجمع والتظاهر والحصول على محاكمةٍ نزيهة والتربية والتعليم والسكن والضمان الاجتماعي وعدم التمييز بين مختلف الأقاليم الإيرانية في الحصول على التنمية و... و...
وقد ورد في مقدمة الدستور أن «الدستور يضمن زوال كل نوع من أنواع الديكتاتورية الفكرية والاجتماعية والاحتكار الاقتصادي، ويسعى للخلاص من النظام الاستبدادي. وتؤكد المادة الثانية أنّ «الحكومة الإسلامية تسعى إلى محو الظلم والقهر مطلقًا، ورفض الخضوع لهما»، وإلى «محو أي مظهرٍ من مظاهر الاستبداد واحتكار السلطة، وضمان الحريات السياسية والاجتماعية والحقوق الشاملة للجميع، ومساواتهم أمام القانون» (المادة 3).
والحقيقة، إن الحكومة الإسلامية، أو «حكومة القرآن العادلة الحقّة التي أعقبت الثورة الإسلامية المظفّرة بقيادة المرجع الديني الكبير آية الله العظمى الإمام الخميني» - كما ورد في الدستور – قد مارست كل أنواع الظلم والقهر والاستبداد والديكتاتورية واحتكار السلطة وترسيخ حكم الفرد، ابتداءً من الدستور الذي ركّز أغلب الصلاحيات بيد شخصٍ واحد هو الولي الفقيه، أو بيد الأشخاص التابعين له والخاضعين لإمرته، مرورًا بعمليات التطهير والبطش والتصفية والقتل والاغتيال والترهيب لكل فصائل المعارضة والمخالفين الرافضين لنظام الحكم الديني الذي أرسته المؤسسة الدينية في إيران، ولا سيما أحكام الإعدام التي أصدرتها المحاكم الثورية برئاسة آية الله صادق خلخالي (جزّار الثورة)، بذريعة تطهير المجتمع الإسلامي من المنافقين، وصولاً إلى خنق النظام للحريات الشخصية والعامة، وإحكام قبضته على وسائل الإعلام بذريعة «أسلمتها» ومنعها من إشاعة الاتجاهات المعادية للإسلام.
وبالطبع فإنّ إدانة الدستور للقمع والظلم، تصبح غير ذات قيمة أو مصداقية، إذا عرفنا حجم التوتر والصراع القائم بين حسين الخميني حفيد مؤسس الجمهورية الإمام الخميني، والسلطة الدينية، بسبب معارضته الدائمة تدّخل رجال الدين في الحكم، ومطالبته بفصل الدين عن الدولة، وقربه من التيار الإصلاحي، وانتقاده المستمر لاستبداد وديكتاتورية النظام اللاهوتي الحاكم بقبضةٍ من نارٍ وحديد وعصمة وقداسة، ما اضطره إلى الفرار من إيران إلى العراق، هربًا من الملاحقات الاستخباراتية والأمنية، وحفاظًا على حياته.
إنّ هذه الوقائع والحقائق، مضافًا إليها القمع الوحشي الذي تعرّضت له الانتفاضة الطلابية (الجمعة الدامية) في عام 1999، والثورة الخضراء في عام 2009، هي أدلة وبراهين ساطعة على أن ما كُتب في الدستور عن الحرية والعدالة والرفاهية والسعادة ورفع الظلم ومحاربة الاستبداد، ليس أكثر من صياغاتٍ نثرية أملتها حماسةُ اللحظة الثورية والشعور الغامر بنشوة الانتصار، وبالتالي فإنه من الصعب تحقّقها على أرض الواقع، أو أخذها على محمل الجدّ.
قراءة  في الدستور الإيراني  الحلقة (2 - 3): سلطة مطلقة للولي الفقيه.. ومؤسسات دستورية تعمل وفق إشارته
قراءة  في الدستور الإيراني الحلقة (1 - 3): الخميني سعى لتكريس السلطة.. بالتمهيد لقيام دولة الفقيه



مؤتمر ميونيخ للأمن يسحب دعوته لوزير الخارجية الإيراني

عراقجي على متن طائرة تقلّه إلى بيروت في 8 يناير الحالي (الخارجية الإيرانية)
عراقجي على متن طائرة تقلّه إلى بيروت في 8 يناير الحالي (الخارجية الإيرانية)
TT

مؤتمر ميونيخ للأمن يسحب دعوته لوزير الخارجية الإيراني

عراقجي على متن طائرة تقلّه إلى بيروت في 8 يناير الحالي (الخارجية الإيرانية)
عراقجي على متن طائرة تقلّه إلى بيروت في 8 يناير الحالي (الخارجية الإيرانية)

سحب مؤتمر ميونيخ للأمن الدعوة الموجهة لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، على خلفية الحملة الأمنية التي شنّتها حكومة طهران على ‌الاحتجاجات الشعبية، التي اندلعت في 28 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

وجاء في ​بيان، ‌أُرسل بالبريد الإلكتروني، اليوم (الجمعة): «منذ عدة أسابيع، جرى توجيه الدعوات لممثلين حكوميين من إيران». وأضاف: «في ضوء الأحداث الراهنة، لن يُبقي مؤتمر ميونيخ للأمن ⁠على هذه الدعوات».

ويعدّ مؤتمر ميونيخ من بين أهم ​المنتديات الأمنية في العالم. ويُعقد اجتماع هذا ‌العام لخبراء الأمن ‍وصانعي ‍السياسات في الفترة من 13 ‍إلى 15 فبراير (شباط).

وقال المنظمون إنهم يهدفون إلى دعوة المشاركين الذين يمكنهم تقديم ​رؤى سياسية مهمة، لكنهم دائماً ما يأخذون في الاعتبار ⁠المستجدات السياسية قبل وضع اللمسات الأخيرة على قائمة المدعوين.

وقالت وزارة الخارجية الألمانية إن برلين تعارض دعوة مسؤولين إيرانيين نظراً للأحداث في إيران، حيث أشارت تقارير إلى مقتل آلاف الأشخاص في حملة قمع الاحتجاجات ‌المناهضة لنظام الحكم.


تباين بشأن حصيلة قتلى الاحتجاجات الإيرانية

محتجون يحرقون لافتة معلقة فوق جسر للمشاة في حي بونك شمال غربي طهران الجمعة (تلغرام)
محتجون يحرقون لافتة معلقة فوق جسر للمشاة في حي بونك شمال غربي طهران الجمعة (تلغرام)
TT

تباين بشأن حصيلة قتلى الاحتجاجات الإيرانية

محتجون يحرقون لافتة معلقة فوق جسر للمشاة في حي بونك شمال غربي طهران الجمعة (تلغرام)
محتجون يحرقون لافتة معلقة فوق جسر للمشاة في حي بونك شمال غربي طهران الجمعة (تلغرام)

أسفرت موجة الاحتجاجات التي هزّت إيران في الأسابيع الأخيرة عن مقتل الآلاف، وفقاً لمراقبين ومنظمات حقوقية، إلا أن هناك تبايناً في تقدير عدد القتلى الذي تشير بعض التقديرات إلى أنه قد يصل إلى 20 ألفاً.

تؤكد جميع الجهات العاملة على حصر عدد القتلى أن حجب السلطات الإيرانية خدمة الإنترنت على نحو شامل عقَّد مهمتها؛ ما يعني أن بعض الأرقام المنشورة حالياً لا تمثل سوى الحد الأدنى من الحالات المؤكدة.

فيما يلي تفصيل لحصائل القتلى المختلفة، حسب «وكالة الصحافة الفرنسية»:

منظمات حقوقية معنية بإيران

أكدت منظمة «إيران لحقوق الإنسان» ومقرها النرويج، مقتل 3428 متظاهراً على يد قوات الأمن.

وتستند هذه الحصيلة إلى الحالات التي تحققت منها المنظمة بنفسها أو عبر مصدرين مستقلين. كما تشمل بيانات وردت من مصادر داخل وزارة الصحة للفترة من 8 إلى 12 يناير (كانون الثاني)، وفقاً لتقرير حديث صادر عن المنظمة.

وأشارت المنظمة إلى أن عدد القتلى قد يكون أعلى بكثير، مستشهدة بتقديرات تراوح بين 5000 و20 ألف قتيل، إلا أن انقطاع الإنترنت الذي فُرض في 8 يناير جعل التحقق من المعلومات مهمة صعبة جداً.

وفي 15 يناير، أعلنت منظمة نشطاء حقوق الإنسان في إيران (هرانا) أنه تم التأكد من 2677 حالة وفاة، وأنها تحقق في 1693 حالة أخرى. وأضافت أن 2677 شخصاً آخرين أصيبوا بجروح خطيرة.

وسائل إعلام خارج إيران

قالت قناة «إيران الدولية»، وهي قناة معارضة ناطقة بالفارسية مقرها خارج البلاد، نقلاً عن مصادر حكومية وأمنية رفيعة المستوى، إن ما لا يقل عن 12000 شخص قُتلوا خلال الاحتجاجات، وأن معظم القتلى سقطوا في 8 و9 يناير.

وأضافت القناة: «بعد التحقق من المعلومات الواردة من مصادر موثوقة، بما في ذلك المجلس الأعلى للأمن القومي ومكتب الرئاسة، تشير التقديرات الأولية لمؤسسات الأمن في الجمهورية الإسلامية إلى مقتل ما لا يقل عن 12000 شخص».

وذكرت شبكة «سي بي إس» الإخبارية هذا الأسبوع أن «مصدرين، أحدهما من داخل إيران»، أبلغا الشبكة الإخبارية الأميركية «بأن ما لا يقل عن 12 ألف شخص قُتلوا، وربما يصل العدد إلى 20 ألفاً».

مسؤولون إيرانيون

صرح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لقناة «فوكس نيوز» بأن عدد القتلى «بالمئات»، نافياً الأرقام التي نشرتها منظمات في الخارج ووصفها بأنها «مبالَغ فيها» وتندرج ضمن «حملة تضليل» تهدف إلى دفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب لتنفيذ تهديده بضرب إيران في حال مقتل متظاهرين.

وأفادت السلطات الإيرانية بمقتل عشرات من عناصر قوات الأمن، لكن لم يُعلن عن حصيلة إجمالية حديثة. وتحولت جنازات عناصر قوات الأمن مسيرات حاشدة داخل الجمهورية الإسلامية.

منظمات دولية

أعرب المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك هذا الأسبوع عن «صدمته» إزاء العنف ضد المتظاهرين، قائلاً إن «التقارير تشير إلى مقتل المئات».

وتحدثت منظمة العفو الدولية عن وقوع «مجزرة»، مشيرة إلى أن عدد القتلى، وفقاً لتقرير صدر في 14 يناير، بلغ ألفي قتيل «باعتراف رسمي»، إلا أن منظمات حقوقية أخرى قدّرت العدد بأكثر من ذلك بكثير.

وقالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» إنه «يُعتقد أن آلاف المتظاهرين والمارة قد قُتلوا... القيود الصارمة التي فرضتها الحكومة على الاتصالات أخفت الحجم الحقيقي للفظائع».

في جنيف، صرّح متحدث باسم الأمم المتحدة لشؤون حقوق الإنسان لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» بأن المنظمة على اتصال بالكثير من المنظمات، بما فيها منظمة «إيران لحقوق الإنسان» بشأن حصيلة القتلى، وأنها «تتلقى تقارير تشير إلى ارتفاع عدد القتلى، وهو أعلى بكثير من عدد قتلى الاحتجاجات السابقة؛ ما يدل على مستويات محتملة من العنف لم نشهدها من قبل».


كيف تقرأ باريس الأزمة الإيرانية والسيناريوهات المحتملة؟

مظاهرة في روما الجمعة تأييداً لرضا بهلوي ابن شاه إيران الساعي للعب دور في الحراك الحالي والرغبة في العودة إلى طهران (رويترز)
مظاهرة في روما الجمعة تأييداً لرضا بهلوي ابن شاه إيران الساعي للعب دور في الحراك الحالي والرغبة في العودة إلى طهران (رويترز)
TT

كيف تقرأ باريس الأزمة الإيرانية والسيناريوهات المحتملة؟

مظاهرة في روما الجمعة تأييداً لرضا بهلوي ابن شاه إيران الساعي للعب دور في الحراك الحالي والرغبة في العودة إلى طهران (رويترز)
مظاهرة في روما الجمعة تأييداً لرضا بهلوي ابن شاه إيران الساعي للعب دور في الحراك الحالي والرغبة في العودة إلى طهران (رويترز)

رغم تراجع الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن خططه لتوجيه ضربة عسكرية ضد إيران، ترى باريس أن جميع السيناريوهات لا تزال مفتوحة، بما في ذلك احتمال أن يعمد ترمب إلى تغيير موقفه مجدداً.

وتقارن القراءة الفرنسية بين إحجام ترمب الحالي من جهة، وما حصل مع الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما من جهة ثانية، عندما تراجع عام 2013 عن توجيه ضربات عسكرية للنظام السوري عقب استخدام الأسلحة الكيماوية في الغوطة الشرقية.

وتتوقف المقاربة الفرنسية عند مجموعة أسباب تفسر تراجع ترمب، الذي تصفه بأنه «مؤقت». في مقدم هذه الأسباب الضغوط الخليجية، ومطالبة بعض العواصم بإعطاء إيران «فرصة ثانية» لتغيير مسارها.

وتضيف باريس أن التخوف من تداعيات أي تدخل عسكري أميركي، سواء على المستوى الإقليمي أو داخل إيران، شكل عاملاً حاسماً، لا سيما ما قد يفضي إليه ذلك من فوضى داخلية أو نزاعات واسعة، وربما حتى حرب أهلية.

تضاف إلى ما سبق أسباب داخلية؛ أولها أن ضربة عسكرية سريعة على غرار ما قامت به القوات الأميركية في فنزويلا مؤخراً لن تفلح في إسقاط النظام، وبالتالي كان سيترتب على ترمب الدخول في مواجهة قد تكون طويلة الأمد، وهو ما لا يريده بأي شكل. وبحسب باريس، فإن ترمب لا يحب الحروب الطويلة والمكلفة.

وترهن باريس مستقبل الوضع في إيران بالقرار الذي سيرسو عليه موقف سيد البيت الأبيض. وبما أن هذا العامل حاسم، فإن المقاربة الفرنسية تضع سيناريوهين رئيسيين لمسار المرحلة المقبلة.

السيناريو الأول يقوم على أن يثبت ترمب عند موقفه الراهن، وأن يحصل في المقابل على «ثمن» من السلطات الإيرانية، سواء في ملف القمع أو المحاكمات القضائية، أو في الملفات التقليدية المرتبطة بالبرنامج النووي والصاروخي والسياسة الإقليمية.

غير أن باريس تنقل عن تقديرات ترى أن الوعود التي قد تكون طهران قدمتها ليست سوى محاولة لكسب الوقت وإخماد الحركة الاحتجاجية، التي تلاحظ فرنسا أنها تراجعت بشكل كبير تحت ضغط القبضة الأمنية.

أما السيناريو الثاني فيقوم على تراجع ترمب عن الإحجام الحالي؛ إذ إنه معروف بتبدل مواقفه وخططه، وقد يقدم على إصدار أمر بمهاجمة إيران، خصوصاً مع شروعه في تعزيز القدرات الهجومية لقواته في المنطقة.

وفي حال حصول ذلك، ترى باريس أن الأهداف الأميركية ستكون متنوعة، وتتراوح بين ضرب المراكز الأمنية، وعلى رأسها «الحرس الثوري»، والمؤسسات القضائية، وصولاً إلى شن هجمات سيبرانية، بما يشمل استهداف المنشآت النووية والصاروخية، لاستكمال تدمير ما لم يُدمَّر خلال هجمات يونيو (حزيران) الماضي.

كذلك ترى باريس أن الإدارة الأميركية قد تسعى، في سيناريو متقدم، إلى استهداف القيادة السياسية الإيرانية مباشرة، بهدف «قطع رأس النظام». وهنا يبرز السؤال الأساسي حول طبيعة الرد الإيراني المحتمل. وتتوقف باريس عند هذا السؤال تحديداً: هل سيكون الرد الإيراني «مخففاً» كما حصل في صيف العام الماضي، أم أن طهران ستذهب هذه المرة في اتجاه مختلف وأكثر تصعيداً؟

عودة الحركة الجمعة إلى أسواق طهران بعد أن نجحت السلطات في قمع الاحتجاجات (رويترز)

سواء حصلت الضربة الأميركية أم لم تحصل، ترى باريس أن النظام الإيراني سيخرج من هذا الاختبار، الذي تصفه بالأخطر منذ قيام الجمهورية الإسلامية، ضعيفاً في الداخل، ومعزولاً في الخارج. ورغم نجاحه في الحفاظ على وحدته وقمع الاحتجاجات، تتوقع باريس أن يدفعه ذلك إلى مزيد من التشدد، لكنها لا ترى، في الظروف الراهنة، سقوطاً وشيكاً للنظام أو وجود بديل واضح له.

في المقابل، لا تستبعد فرنسا أن تدرك السلطات الإيرانية ضرورة تغيير نهجها الداخلي والانفتاح على الخارج، عبر العودة إلى طاولة المفاوضات مع الأميركيين والأوروبيين والتجاوب مع مطالبهم المطروحة منذ سنوات. وتقارن باريس هذا السيناريو بما حصل في فنزويلا، حيث «طار رأس النظام»، في إشارة إلى الرئيس نيكولاس مادورو، من دون أن يسقط النظام نفسه، بل قبل بتغيير في السياسات المعتمدة.

أما السيناريو الثالث فعنوانه تغيير النظام، وهو، وفق القراءة الفرنسية، الأقل احتمالاً وغير المطروح حالياً، سواء عبر الحراك الداخلي أو بفعل الضربات الأميركية المباشرة. وتميل باريس إلى اعتبار أن هذا السيناريو قد يفضي إلى حرب أهلية، وربما إلى تشظي إيران، نظراً إلى أن المعارضة غير منظمة في أطر واضحة، ولا تملك قيادات تحظى بدعم كافٍ.

رجال أمن عراقيون يحرسون الجمعة السفارة الإيرانية في بغداد (د.ب.أ)

وتشير باريس إلى أن ذلك يشمل أيضاً رضا بهلوي، نجل الشاه، الذي ترى أنه لعب دوراً غير متوقع في الحراك الأخير، لكنه لا يمثل، في نظرها، بديلاً متماسكاً أو جامعاً. وفي جميع الأحوال، تفضل باريس أن يأتي التغيير من داخل إيران، معتبرة أن التجارب التاريخية أظهرت أن التغيير المفروض من الخارج لم ينجح أبداً، والأمثلة على ذلك كثيرة.

وبناءً عليه، ترى فرنسا أن علامات الاستفهام تبقى كبيرة حول صورة «اليوم التالي» في إيران، الذي لا يعرف أحد حتى الآن الشكل الذي قد يستقر عليه.

وتخلص القراءة الفرنسية إلى أن الوصف الأدق للنظام الإيراني اليوم هو أنه بالغ الهشاشة، وأنه لم يعد يملك ترف الاستمرار في نهجه الحالي، رغم نجاحه في إجهاض الحراك الأخير بالقمع.

وبحسب باريس، فإن الخيارين المطروحين أمام النظام؛ إما تغيير عميق وجوهري، وإما أن يصبح، في مرحلة لاحقة، عرضة للسقوط، ولو بعد حين.

وتقارن فرنسا وضع إيران الراهن بحالة الاتحاد السوفياتي بعد انسحاب قواته من أفغانستان مطلع عام 1989، قبل انهياره الكامل في نهاية عام 1991. وترى أن استمرار السلطات الإيرانية على النهج الحالي غير ممكن وغير قابل للحياة؛ لأنها وصلت إلى طريق مسدود، ما يجعل إطلاق مبادرات داخلية ضرورة لا خياراً.

وفي هذا السياق، تلفت باريس إلى السرعة التي تحولت خلالها الاحتجاجات من مطالب اقتصادية واجتماعية إلى مطالب سياسية صريحة، بلغت حد الدعوة إلى إسقاط المرشد الأعلى علي خامنئي. أما محاور السياسة الفرنسية حيال الأزمة الإيرانية، فتقوم على أربعة عناصر: أولها دعم الحريات والحقوق الأساسية للإيرانيين، والضغط لوقف القمع.

وثانيها التمسك بضرورة أن يأتي التغيير من الداخل، مع الإعراب عن القلق من أي تدخلات خارجية قد تهدد استقرار المنطقة.

أما المحور الثالث فيتمثل في حماية المصالح الفرنسية والدفاع عنها، فيما يتمحور الرابع حول التشديد على التضامن مع دول المنطقة الصديقة لفرنسا، ولا سيما تلك المرتبطة معها باتفاقيات دفاعية.

ولا تريد باريس أن تكون بعيدة عن التطورات الجارية في الخليج، وهي مصرة على أن تكون جزءاً فاعلاً منها، دفاعاً عن مصالحها، واستباقاً لاحتمال العودة إلى طاولة المفاوضات مع إيران. ولهذا الغرض، تنشط الدبلوماسية الفرنسية على مختلف المستويات، سواء فيما يتعلق بالملفات النووية والباليستية وسياسة طهران الإقليمية، أو التطورات الداخلية المتسارعة داخل إيران.