قراءة في الدستور الإيراني الحلقة (3 - 3) : القوات المسلّحة ذراع النظام القمعية.. وضع خاص وميزانية ضخمة

مبدأ «تصدير الثورة» رخصة سياسية ألبسها المشرّع ثوبًا دينيًا تسمح للنظام بالعمل على هزّ استقرار دول مناوئة

الشاه الإيراني الراحل رضا بهلوي يستعرض حرس الشرف ({غيتي})
الشاه الإيراني الراحل رضا بهلوي يستعرض حرس الشرف ({غيتي})
TT

قراءة في الدستور الإيراني الحلقة (3 - 3) : القوات المسلّحة ذراع النظام القمعية.. وضع خاص وميزانية ضخمة

الشاه الإيراني الراحل رضا بهلوي يستعرض حرس الشرف ({غيتي})
الشاه الإيراني الراحل رضا بهلوي يستعرض حرس الشرف ({غيتي})

عمل المشرع الإيراني على الاهتمام بالقوات المسلحة، على أنْ تبقى قوات حرس الثورة التي تأسست في الأيام الأولى من قيام النظام، راسخةً ثابتةً من أجل أداء دورها في حراسة الثورة ومكاسبها. كما قام الدستور الإيراني في مقدمته، بتحديد الطبيعة العقائدية لتكوين الجيش الإيراني ومهام الحرس الثوري، معتبرًا أن القوات المسلّحة لا تلتزم بمسؤولية الحماية وحراسة الحدود فحسب، بل تحمل أيضًا أعباء رسالتها التي حددها المشرع وهي بسط حاكمية القانون الإلهي في العالم.
وتُعتبر المؤسسات الثورية مثل الحرس الثوري والباسيج وأنصار حزب الله، أعمدة النظام وذراعه «القمعية» لتنفيذ المهام التي تتطلب درجةً عالية من الالتزام الآيديولوجي، في داخل إيران وخارجها. وقد تورّط الحرس الثوري، الذراع العسكرية للمرشد الأعلى وأداته في تنفيذ السياسة الخارجية المرتبطة بالأمن القومي للجمهورية - وخصوصا فيلق القدس الذي يرأسه الجنرال قاسم سليماني، وبذريعة مناصرة المستضعفين أو تحطيم عروش الطواغيت أو تحرير الأراضي المحتلة - في عدة معارك دموية خارج الحدود الإيرانية، في العراق ولبنان وسوريا واليمن والبوسنة والهرسك.. وقد انتقل حقّ التجنيد الإلزامي - بموافقةٍ من الخميني - من الجيش النظامي إلى الحرس الثوري الذي يمتلك قواتٍ بحرية وبرية وجوّية خاصة به، وترسانةً عسكرية مؤلّفة من الصواريخ والدبابات والطائرات المقاتلة والغواصات، وميزانيةً ماليةً ضخمة، وعددًا من المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية التي وسّعت قاعدة المستفيدين منه والمتعاونين معه. وقد قامت الولايات المتحدة بتصنيفه كمنظمةٍ إرهابية.

يقول الخميني: «كل ما نفتقده هو عصا موسى وسيف علي بن أبي طالب، وعزيمتهما الجبّارة. وإذا عزمنا على إقامة حكم إسلامي، سنحصل على عصا موسى وسيف علي بن أبي طالب أيضًا»(7).
كانت إيران في النصف الثاني من القرن العشرين، تصنّف على أنها سادس قوة عسكرية على مستوى العالم، بفضل دعم الولايات المتحدة التي كانت ترغب في تحجيم النفوذ الروسي في منطقة الشرق الأوسط، وكان الجيش الإيراني (شرطي الخليج) مرتبطًا أو مُلحقًا بالجيش الأميركي (المعسكر الغربي) على مستوى التدريب والتسليح والارتباط الفكري. بعد نجاح الثورة، كان قادة الثورة يشكّكون في ولاء الجيش النظامي لمفاهيم ومبادئ الثورة، ويخشون من حدوث الانقلابات العسكرية، لذلك قاموا بتصفية عددٍ كبير من القيادات العسكرية، وعملوا على تغيير طبيعة تكوين الجيش من الناحية العقائدية، من خلال غرس قيم النظام الجديد في نفوس وعقول عناصره وقياداته، وكذلك قاموا بخلق جهازٍ عسكري موازٍ للجيش ومنافسٍ له، ويدين بالولاء الكامل والطاعة المطلقة لآيديولوجيا الثورة وشعاراتها وتوجيهات قادتها، هو «الحرس الثوري»، الذي انبثق من «اللجان الثورية»، التي قامت منذ الأيام الأولى للثورة - بتشجيعٍ من الخميني - بجمع السلاح من ثكنات الجيش والشرطة، لاستخدامها في خدمة أهداف الثورة في مراحل تالية. وكان من أبرز مهام قوات الحرس الثوري والباسيج (قوات التعبئة الشعبية) التي تتبع مجلس قيادة الثورة: حفظ الأمن الداخلي، وتثبيت الثورة ضد أعدائها الداخليين، وحماية منجزاتها عبر التعبئة الفكرية وتجنيد مختلف شرائح المجتمع الإيراني لدعمها، والتخلص من معارضي النظام، وحماية النقاء الآيديولوجي للثورة، والدفاع عن خطّ الإمام في داخل إيران وخارجها، والدفاع عن المستضعفين والبائسين في الأرض، عبر تصدير مفاهيم الثورة إلى دول أخرى.
وقد نصّت المادة (150) من الدستور الإيراني على أنْ «تبقى قوات حرس الثورة الإسلامية التي تأسست في الأيام الأولى لانتصار هذه الثورة، راسخةً ثابتةً من أجل أداء دورها في حراسة الثورة ومكاسبها». من جهة أخرى، فقد قام الدستور الإيراني في مقدمته، بتحديد الطبيعة العقائدية لتكوين الجيش الإيراني ومهام الحرس الثوري، معتبرًا أنه «في مجال بناء وتجهيز القوات المسلّحة للبلاد، يتركّز الاهتمام على جعل الإيمان والعقيدة أساسًا لذلك.. ولا تلتزم القوات المسلّحة بمسؤولية الحماية وحراسة الحدود فحسب، بل تحمل أيضًا أعباء رسالتها الإلهية، وهي الجهاد في سبيل الله، والجهاد من أجل بسط حاكمية القانون الإلهي في العالم [وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل، ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم].
وينصّ الدستور في المادة (144) على أنه «يجب أن يكون جيش جمهورية إيران الإسلامية، جيشًا إسلاميًا، من خلال كونه جيشًا عقائديًا وشعبيًا، وأن يضم أفرادًا لائقين مؤمنين بأهداف الثورة الإسلامية، ومضحّين بأنفسهم من أجل تحقيقها».
وتُعتبر المؤسسات الثورية مثل الحرس الثوري والباسيج وأنصار حزب الله، أعمدة النظام وذراعه «القمعية» لتنفيذ المهام التي تتطلب درجةً عالية من الالتزام الآيديولوجي، في داخل إيران وخارجها. وقد تورّط الحرس الثوري الذراع العسكرية للمرشد الأعلى، وأداته في تنفيذ السياسة الخارجية المرتبطة بالأمن القومي للجمهورية - وخصوصا فيلق القدس الذي يرأسه الجنرال قاسم سليماني، وبذريعة مناصرة المستضعفين أو تحطيم عروش الطواغيت أو تحرير الأراضي المحتلة من إسرائيل - في عدة معارك دموية خارج الحدود الإيرانية، في العراق ولبنان وسوريا واليمن والبوسنة والهرسك.. وقد انتقل حقّ التجنيد الإلزامي - بموافقةٍ من الخميني - من الجيش النظامي إلى الحرس الثوري الذي يمتلك قواتٍ بحرية وبرية وجوّية خاصة به، وترسانةً عسكرية مؤلّفة من الصواريخ والدبابات والطائرات المقاتلة والغواصات، وميزانيةً ماليةً ضخمة، وعددًا من المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية التي وسّعت قاعدة المستفيدين منه والمتعاونين معه. وقد قامت الولايات المتحدة الأميركية بتصنيفه كمنظمةٍ إرهابية. والقائد الحالي للحرس الثوري هو الفريق محمد جعفري، الذي خلف الفريق يحيى رحيم صفوي.
والحقيقة، إنّ بقاء واستمرار الحرس الثوري الذي يضمّ أبناء الثورة الأوفياء، ولا سيما على مستوى القيادة، والذي كان من أبرز أهداف إنشائه، تثبيت الثورة ضد أعدائها في داخل إيران، يطرحان أكثر من علامة استفهام حول ما إذا كان دوره الحقيقي هو ضمان استمرار دور متمايز للفقهاء وآيات الله في السلطة، وكذلك حول حقيقة عبور إيران، بعد مرور 36 سنة على نجاح الثورة، من مرحلة الثورة الانتقالية والمؤقتّة، إلى مرحلة الدولة الثابتة والمستقرّة التي يُفترض أن القائمين عليها، قد أنجزوا كل الأهداف التي وضعوها قبيل وبعد اندلاع الثورة، ما يعني أن الثورة لم تعُد بحاجة لا إلى حراسة ولا إلى حرّاس. ذلك أنّ الأصل في المجتمع هو الاستقرار، وليس الثورة التي هي حالة سريعة وعنيفة وانتقالٌ راديكالي من وضعٍ يفتقر إلى الشرعية الشعبية، إلى وضعٍ آخر ينال موافقة ورضا وقبول القاعدة الشعبية. ولا يمكن أن نتصور مجتمعًا ما، يعيش في حالة دائمة من الثورة.
في إيران الدولة والثورة وجهان لعملة واحدة!
و - نُصرة المستضعفين في الدستور الإيراني
لقد ظلّت إيران، على مستوى الخطاب السياسي، تعلن عن نفسها باعتبارها حامية المستضعفين ضد قوى الاستكبار العالمي (الولايات المتحدة وإسرائيل وسياساتهما في المنطقة). وكان من أبرز مبادئ الثورة الإسلامية، على مستوى السياسة الخارجية، نُصرة الشعوب المستضعفة والمغلوبة على أمرها، وكانت النتيجة المنطقية والعملية لهذا المبدأ، ما عُرف بمبدأ «تصدير الثورة». فقد كان لدى الإمام الخميني، إحساس غريب بأنه السلطان الأوحد، والزعيم الأول، وروح الله، والسيد المصلح، والمفوّض من الإمام الغائب، والمنقذ الذي يملك صفات المعصوم، والولي المعيّن من الله لتجديد الإسلام وإحياء الشريعة ومناصرة المستضعفين في العالم، والذي يجب أن يخضع لحاكميته مسلمو العالم. ولذلك فقد شعر بواجبه المتخيّل في قيادة الشعوب الإسلامية في الشرق والغرب، على اعتبار أن ثورته في إيران، لم تكن محلية، بل هي تتخطى الحدود الإيرانية، بحيث يجب أن تصل إلى كل بقاع الأرض. وطالما أن دولة الإمام المعصوم عالمية واحدةً لا تعدّد فيها، فكذلك يجب أن تكون دولة نائبه، ومن هنا ضرورة أن تتحدّ الأمة الإسلامية كلها، تحت مظلّة الجمهورية الإيرانية، وبقيادة المرشد الأعلى لثورتها. وإذا عرفنا أنّ الخميني كاد أن يدّعي «العصمة» صراحةً، إضافة إلى كل تلك الصفات المتوّهمة والمنتحلة، وجب علينا أن نفهم أنه رفع مرتبته بالفعل، فوق مرتبة الأنبياء.
وانطلاقًا من الآية القرآنية «إن هذه أمتكم أمةٌ واحدة وأنا ربكم فاعبدون»، فقد اعتبر الدستور الإيراني، أن المسلمين أمةٌ واحدة، وأن على الحكومة الإسلامية أن تقيم كل سياستها العامة على أساس تضامن الشعوب الإسلامية، وأن تواصل سعيها من أجل تحقيق الوحدة السياسية والاقتصادية والثقافية في العالم الإسلامي (المادة 11).
وقد ورد في مقدمة الدستور: «لقد أتمّ مجلس الخبراء المؤلّف من ممثلي الشعب، تدوين هذا الدستور.. في مستهلّ القرن الخامس عشر لهجرة الرسول الأكرم.. على أمل أن يكون هذا القرن قرن تحقّق الحكومة العالمية للمستضعفين، وهزيمة المستكبرين كافة». ويشير المشرّع إلى أن الغرض من إقامة الحكومة الإسلامية، هو إعداد الظروف اللازمة كي «تتحقق حكومة المستضعفين في الأرض [ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمةً ونجعلهم الوارثين].
أما المادة الثالثة فتنصّ على أن تنظيم السياسة الخارجية للبلاد، يقوم على أساس المعايير الإسلامية والالتزامات الأخوية تجاه جميع المسلمين، والحماية الكاملة لمستضعفي الأرض. وتشير المادة (154) إلى أن جمهورية إيران الإسلامية تعتبر «سعادة الإنسان في المجتمع البشري كله، قضيةً مقدسة لها، وتعتبر الاستقلال والحرية وإقامة حكومة الحق والعدل، حقًَا لجميع الناس في أرجاء العالم كافة، وعليه فإن جمهورية إيران الإسلامية تقوم بدعم النضال المشروع للمستضعفين ضد المستكبرين في أي نقطةٍ من العالم. وفي الوقت نفسه، لا تتدخل في الشؤون الداخلية للشعوب الأخرى».
والحقيقة أن الواقع السياسي المأزوم في العالم العربي، يشهد أولاً، بأن إيران الثورة الخمينية التي تمتلك ثرواتٍ نفطية وغازية هائلة، لم تعجز فقط عن تحقيق السعادة والعدل والرفاهية والمساواة لشعبها، وعن المساهمة في بناء وتمتين وحدة الأمة الإسلامية، بل هي على العكس، قد أصبحت بسبب أطماعها، أداةً أساسية من أدوات هدم وتحطيم وتفتيت هذه الأمة، ويكشف ثانيًا أن مبدأ «نصرة المستضعفين» كان مجرد ذريعة لتدخلها العسكري والعقائدي السافر في شؤون الكثير من الدول المجاورة لها، التي باتت مقتنعةً بأن النظام الإيراني هو نظام توسّعي ومعتدٍ ويشكل خطرًا وتهديدًا لأمنها. ويؤكد ثالثًا أنّ مبدأ «تصدير الثورة» إلى كل بقاع الأرض، ليس أكثر من رخصةٍ سياسية ألبسها المشرّع الإيراني ثوبًا دينيًا وإنسانيًا ودستوريًا، تسمح للنظام بالعمل على هزّ استقرار بعض الدول المناوئة له، وإسقاط أنظمتها، عبر التحريض المذهبي وإشعال نار العصبيات والفتن الطائفية بين مكوّنات الشعب الواحد. ولذلك يمكن القول، إنّ السياسات المتبعة من قبل النظام الإيراني، باتت تؤهلّه في نظر كثيرين، للانضمام إلى نادي المستكبرين الذين يدّعي محاربتهم!
وأكثر من هذا، فقد أكد الدستور الإيراني في المادة التاسعة، أن «الحرية والاستقلال ووحدة أراضي البلاد وسلامتها، هي أمور غير قابلة للتجزئة، وأنه لا يحقّ لأي فرد أو مجموعة أو أي مسؤول، أن يلحق أدنى ضرر بالاستقلال السياسي أو الثقافي أو الاقتصادي أو العسكري لإيران، كما أنه لا يحقّ لأي مسؤولٍ أن يسلب الحريات المشروعة بذريعة المحافظة على الاستقلال ووحدة البلاد، ولو كان ذلك عن طريق وضع القوانين والقرارات».
والغريب أن هذا النظام الذي يشدد في دستوره على مسألة استقلال بلاده، وسيادة أراضيه ووحدتها، ويعتبرها خطًّا أحمر يمنع تجاوزه، حتى على مستوى وضع القوانين، والذي يحظر «عقد أي معاهدة تؤدّي إلى السيطرة الأجنبية على الثقافة والجيش وشؤون البلاد» (المادة 153) قد سمح لنفسه باختراق سيادة الدول الأخرى، وشرّع لنفسه الحقّ في انتهاك استقلالها، والتدخل في شؤونها الداخلية، وتهديد أمنها، وزرع بذور الشقاق بين مواطنيها، وتمويل وتسليح وتدريب جماعاتٍ وأحزاب طائفية وميليشياتٍ مذهبية، كي يضمن ولاءها التام وتبعية أفرادها الثقافي والفكري والفقهي للجمهورية الإيرانية، وتبنّيهم الكامل لمشروعها السياسي وآيديولوجيتها الدينية، حتى ولو أدّى ذلك إلى عزلتهم عن بيئاتهم وتخريب الدول الموجودين فيها. ولذلك، يمكن القول إن الاستعمار الذي يدينه المشرّع الإيراني في الدستور، لا يعني فقط الغزو العسكري أو إقامة قواعد عسكرية أجنبية (المادة 146)، بل يعني أيضًا الغزو الفكري والآيديولوجي والاستباحة الثقافية والاستتباع المالي والاقتصادي وتقديم الخدمات والمساعدات المتنوّعة لبعض الجماعات الطائفية الموالية، خارج إطار سلطة ورقابة الدول التي يعيشون فيها، ودائمًا بذريعة نصرة المستضعفين والمضطهدين في العالم الإسلامي.
ز - الصبغةُ المذهبية للدستور الإيراني
يُشترط في أي دستور، أن تتمّ صياغته على أسس إنسانية ووطنية جامعة بعيدةٍ عن روح العنصرية والعرقية والمذهبية التي تفرق ولا توحد، وتولد الشعور بالقهر والظلم والإقصاء، ولا تعزز الوحدة الداخلية بين أبناء الشعب الواحد.
ويشوب الدستور الإيراني الكثير من التأكيدات على الصبغة الطائفية والهُوية المذهبية للحكم وعلى النزعة الفارسية، التي لم تُقم وزنا للأقليات الدينية، ولم تحترم التنوع والتعدد داخل نسيج المجتمع، والتي أسست دستوريًا لحالات الإقصاء والتمييز والاحتكار للسلطة من قِبل فئةٍ معينة من الشعب، ومنعت بقية الفئات من تحقيق مصالحها المشروعة، وحرمتها من تولّي بعض المناصب المؤثّرة في الدولة.
وهذه هي أبرز المواد الدستورية التي كرّست الهُوية المذهبية للحُكم ومؤسساته:
فقد نصّت المادة (12) من الدستور، على أن «الدين الرسمي لإيران هو الإسلام، والمذهب الجعفري الاثني عشري، وهذه المادة تبقى إلى الأبد، وغير قابلةٍ للتغيير». وكذلك «يقوم نظام الجمهورية الإسلامية على أساس الإيمان بالإمامة والقيادة المستمرة والاجتهاد المستمر من قِبل الفقهاء جامعي الشرائط [أي فقهاء الشيعة وعلماؤهم دون غيرهم] (المادة 2).
وتقرّر المادة (15) أن رئيس الجمهورية «يُنتخب من بين الرجال المتدينين السياسيين.. شرط أن يكون مؤمنًا ومعتقدًا بمبادئ جمهورية إيران الإسلامية، والمذهب الرسمي للبلاد، وأن يكون إيراني الأصل ويحمل الجنسية الإيرانية». ويجب على رئيس الجمهورية أن يؤدي اليمين التالية، وأن يوقّع على ورقة القسَم «بسم الله الرحمن الرحيم: إنني باعتباري رئيسًا للجمهورية، أقسم بالله القادر المتعال في حضرة القرآن الكريم، وأمام الشعب الإيراني، أن أكون حاميًا للمذهب الرسمي، ولنظام الجمهورية الإسلامية وللدستور» (المادة 121). وكذلك على النوّاب المنتخبين في مجلس الشورى الإسلامي - ومن ضمنهم نوّاب الأقليات من غير المسلمين - أن يقسموا على الدفاع عن حُرمة الإسلام وحماية مكاسب الثورة وأُسس الجمهورية الإسلامية (المادة 67). ولا يحقّ لمجلس الشورى الإسلامي أن «يسنّ القوانين المغايرة لأصول وأحكام المذهب الرسمي للبلاد، أو المغايرة للدستور» (72). ويستطيع مجلس الشورى «تفويض الموافقة الدائمة على النظم الداخلية للمؤسسات الحكومية والشركات، إلى اللجان ذات العلاقة، أو أن يعطي إجازة الموافقة عليها للحكومة، وحينئذ يجب أن لا تتنافى اللوائح المصادق عليها مع مبادئ وأحكام المذهب الرسمي للبلاد أو الدستور» (85).
وفي حال وُجدت الحاجة لإعادة النظر في الدستور، بغية تعديل بعض مواده، فإن «مضامين المواد المتعلقة بكون النظام إسلاميًا، وقيام القوانين والمقررات على أساس الموازين الإسلامية والأسس الإيمانية وأهداف الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وكون الحكم جمهوريًا، وولاية الأمر وإمامة الأمة، وكذلك إدارة أمور البلاد بالاعتماد على الآراء العامة والدين والمذهب الرسمي لإيران، هي من الأمور التي لا تقبل التغيير» (المادة 177).
والحقيقة، إن ما يميّز الدستور الإيراني - كما رأينا - هو الغلوّ العقائدي والنظرة المذهبية الأحادية في مجتمع متعدد الأديان والمذاهب والقوميات واللغات، والتطابق التام بين نظام الجمهورية والدين الإسلامي والمذهب الشيعي الرسمي، بحيث يمكن اعتبار أي مسٍّ بواحدٍ من هذه العناصر، مسًّا بأُسس ومبادئ الدولة كلها، مما يستوجب المساءلة والمحاسبة وإنزال أقسى أنواع العقوبات بمَن تسوّل له نفسه التعرَض لواحدٍ من هذه الثوابت والمقدّسات، بتهمة الكفر أو الهرطقة أو الخروج على الإمام أو التآمر أو العمالة.
فكيف يمكن للمشرّع الإيراني أن يدّعي أنه يريد تصدير ثورته المظفّرة إلى كل بقاع الأرض، وأن يقيم مجتمعًا نموذجيًا لكل الشعوب، فيما هو يفرض مذهبًا فقهيًا بعينه على هُويّة النظام والحُكم والسلطة في بلدٍ يضمّ الكثير من الديانات والأعراق والانتماءات المذهبية، وفيما يفاخر الإمام الخميني بأنّ «عدد الشيعة ما زال في ازدياد، حتى أنهم اليوم في حدود المائتي مليون شيعي»(8).
أجل، لقد اعترف الدستور في المادة (13) بحقوق الأقليات: «الإيرانيون الزرادشت واليهود والمسيحيون هم وحدهم الأقليّات الدينية المعترف بها»، ولكنه أعطى الأفضلية والأولوية للإيرانيين المنتمين إلى المذهب الشيعي، دون غيرهم من المسلمين وغير المسلمين، بحيث انتفت العدالة والمساواة بين أفراد الشعب الإيراني الواحد، وحلّ محلهما نوعٌ من التمييز والتحيّز والعنف الرمزي الذي يمارَس باسم الدستور، ضد المغايرين والمختلفين. فمثلاً، يبلغ عدد الشعب الإيراني نحو (80) مليون نسمة، وتقدر نسبة الشيعة في إيران بنحو (65%) من الشعب الإيراني، أما نسبة السُنّة فتُقدّر بنحو (25%)، وتتراوح أعدادهم ما بين (14) إلى (19) مليون إيراني سُني من عرقياتٍ مختلفة (البلوش والأكراد والتركمان والعرب)، ويمثلّهم (18) نائبًا سُنيًا في البرلمان الإيراني، من أصل (290) نائبًا، هو عدد نواب مجلس الشورى الإسلامي الذي يهيمن عليه المتشددون والمحافظون ورجال الدين الشيعة. وتبلغ نسبة الأقليات غير المسلمة (اليهودية والمسيحية والزرادشتية) نحو (10%) من عدد السكان، ويمثلهم حسب الدستور (5) نواب، وأعدادهم في تناقصٍ مستمر بسبب هجرتهم من إيران، هربًا من الاضطهاد. ويقيم في العاصمة طهران أكثر من مليون إيراني سُنّي، ومع ذلك تمنعهم السلطات من بناء مسجدٍ لهم، في الوقت الذي يوجد (151) معبدا لليهود والمسيحيين والزرادشتيين في إيران، معظمها في طهران. أضف إلى ذلك، أن الدستور لم يعترف بأقلياتٍ دينية أخرى موجودة في إيران، ومنها البهائية والإسماعيلية والمندائية وغيرها.
ولا شكّ في أن هذا التمييز يناقض صراحةً ما ورد في المادة (19) من الدستور، من أن «أفراد الشعب الإيراني - من أي قوميةٍ أو قبيلة كانوا - يتمتعون بالمساواة في الحقوق، ولا يُعتبر اللون أو العنصر أو اللغة أو ما شابه ذلك، سببًا للتفاضل»، ومن أنه من أولويات الحكومة الإسلامية «رفع التمييز غير العادل، وإتاحة تكافؤ الفرص للجميع في المجالات المادية والمعنوية كلها «(المادة 3).
لقد نصّت المادة (15) على أن «اللغة والكتابة الرسمية والمشتركة هي الفارسية لشعب إيران»، وعلى أن «الدوائر الحكومية تعتمد في أعمالها على التاريخ الهجري الشمسي» (المادة 17). فكيف يمكن لأقليةٍ شيعيةٍ تتراوح نسبتها من 10 إلى 15 في المائة من مجموع عدد المسلمين في العالم الإسلامي الذي يبلغ تعداد أبنائه أكثر من مليار مسلم، وتعتنق في دستورها المذهب الجعفري الاثني عشري، وتتكلم لغةً غير لغة القرآن العربية، وتعتمد تاريخًا غير إسلامي، وتفاخر بقوميتها الفارسية، وأبرز أعيادها هو عيد النوروز الفارسي، وتصادر الحريات والحقوق الدينية والسياسية للكثير من مواطنيها، وتضطهد الأقليات الدينية والاثنية.. أن تدّعي في دستورها أنها تسعى إلى تحقيق الوحدة الإسلامية في العالم، وإلى مناصرة المستضعفين والمقهورين في الأرض من غير الإيرانيين؟! أما كان من الأجدى لها، لو ناصرت المستضعفين من الإيرانيين داخل إيران؟!
يبدو أنّ النظام الإيراني يشعر بأنه يواجه خطرين: الخطر الأول هو على الهُويّة الشيعية، والخطر الثاني هو على الهُوية الفارسية، وذلك بسبب تزايد أعداد الإيرانيين الذين ينتمون إلى أديان ومذاهب أخرى غير المذهب الرسمي للبلاد، وإلى قومياتٍ غير الفارسية (الأكراد والتركمان والعرب والبلوش والأذريين الذين تُقدّر نسبتهم بنحو 40 في المائة من عدد السكان)، ومن هنا حرص النظام على الجمع بين البُعدين الشيعي والفارسي، في هُويّةً واحدة، أعلن في دستوره أنها «باقية إلى الأبد، وغير قابلةٍ للتغيير»(9).
لقد كان النظام الإيراني يسعى إلى تشكيل ما يُعرف باسم بالدولة - القدوة التي تودّ طرح نفسها على الساحة الدولية كنموذجِ حُكمٍ إسلامي يُحتذى، ولكن التطورات السياسية والأمنية الأخيرة التي يشهدها العالم العربي، وخصوصا في سوريا المذبوحة، وارتماء النظام الإيراني في أحضان «الشيطان الأكبر» لإنجاز الاتفاق النووي الذي سيعقبه رفع العقوبات الأميركية والأوروبية المفروضة على إيران منذ عام 2002، وتحالفه مع روسيا - العدو التاريخي لإيران - لتحطيم ما تبقّى من أطلال الدولة السورية، وسعيه ليكون - كما كان النظام البهلوي من قبله - شرطي الخليج.. كل هذه الوقائع أثبتت أنّ رغبة المشرّع الإيراني في تغيير الواقع وبناء الأمة الإسلامية الواحدة، ومواصلة الجهاد لإنقاذ الشعوب المحرومة والمقهورة والمضطهدة في جميع أنحاء الكرة الأرضية، لم تكن أكثر من أضغاث أحلام وتأملاتٍ مجردة وبلاغةٍ كتابية ألهمه إيّاها شعراءُ الجنّ في وادي «عبقر»، ومن نزعةٍ مثاليةٍ أقرب إلى الشوفينية والمبالغة في تقدير الذات وجموح المخيّلة، منها إلى المقدرة الحقيقية على تنفيذ الوعود الخطابية والتعهدات الدستورية!
ح - تقييد الحريات بالضوابط الإسلامية
يتحدث الدستور الإيراني في عددٍ من مواده، عن حقوق أفراد الشعب في حرية الاعتقاد والتعبير والتجمع والتظاهر والحصول على محاكمةٍ نزيهة والتربية والتعليم والسكن والضمان الاجتماعي وعدم التمييز بين مختلف الأقاليم الإيرانية في الحصول على التنمية و... و...
وقد ورد في مقدمة الدستور أن «الدستور يضمن زوال كل نوع من أنواع الديكتاتورية الفكرية والاجتماعية والاحتكار الاقتصادي، ويسعى للخلاص من النظام الاستبدادي. وتؤكد المادة الثانية أنّ «الحكومة الإسلامية تسعى إلى محو الظلم والقهر مطلقًا، ورفض الخضوع لهما»، وإلى «محو أي مظهرٍ من مظاهر الاستبداد واحتكار السلطة، وضمان الحريات السياسية والاجتماعية والحقوق الشاملة للجميع، ومساواتهم أمام القانون» (المادة 3).
والحقيقة، إن الحكومة الإسلامية، أو «حكومة القرآن العادلة الحقّة التي أعقبت الثورة الإسلامية المظفّرة بقيادة المرجع الديني الكبير آية الله العظمى الإمام الخميني» - كما ورد في الدستور – قد مارست كل أنواع الظلم والقهر والاستبداد والديكتاتورية واحتكار السلطة وترسيخ حكم الفرد، ابتداءً من الدستور الذي ركّز أغلب الصلاحيات بيد شخصٍ واحد هو الولي الفقيه، أو بيد الأشخاص التابعين له والخاضعين لإمرته، مرورًا بعمليات التطهير والبطش والتصفية والقتل والاغتيال والترهيب لكل فصائل المعارضة والمخالفين الرافضين لنظام الحكم الديني الذي أرسته المؤسسة الدينية في إيران، ولا سيما أحكام الإعدام التي أصدرتها المحاكم الثورية برئاسة آية الله صادق خلخالي (جزّار الثورة)، بذريعة تطهير المجتمع الإسلامي من المنافقين، وصولاً إلى خنق النظام للحريات الشخصية والعامة، وإحكام قبضته على وسائل الإعلام بذريعة «أسلمتها» ومنعها من إشاعة الاتجاهات المعادية للإسلام.
وبالطبع فإنّ إدانة الدستور للقمع والظلم، تصبح غير ذات قيمة أو مصداقية، إذا عرفنا حجم التوتر والصراع القائم بين حسين الخميني حفيد مؤسس الجمهورية الإمام الخميني، والسلطة الدينية، بسبب معارضته الدائمة تدّخل رجال الدين في الحكم، ومطالبته بفصل الدين عن الدولة، وقربه من التيار الإصلاحي، وانتقاده المستمر لاستبداد وديكتاتورية النظام اللاهوتي الحاكم بقبضةٍ من نارٍ وحديد وعصمة وقداسة، ما اضطره إلى الفرار من إيران إلى العراق، هربًا من الملاحقات الاستخباراتية والأمنية، وحفاظًا على حياته.
إنّ هذه الوقائع والحقائق، مضافًا إليها القمع الوحشي الذي تعرّضت له الانتفاضة الطلابية (الجمعة الدامية) في عام 1999، والثورة الخضراء في عام 2009، هي أدلة وبراهين ساطعة على أن ما كُتب في الدستور عن الحرية والعدالة والرفاهية والسعادة ورفع الظلم ومحاربة الاستبداد، ليس أكثر من صياغاتٍ نثرية أملتها حماسةُ اللحظة الثورية والشعور الغامر بنشوة الانتصار، وبالتالي فإنه من الصعب تحقّقها على أرض الواقع، أو أخذها على محمل الجدّ.
قراءة  في الدستور الإيراني  الحلقة (2 - 3): سلطة مطلقة للولي الفقيه.. ومؤسسات دستورية تعمل وفق إشارته
قراءة  في الدستور الإيراني الحلقة (1 - 3): الخميني سعى لتكريس السلطة.. بالتمهيد لقيام دولة الفقيه



ترمب: لا أعتقد أن مجتبى خامنئي مات

صورة للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي معروضة في متجر بسوق محلية ببندر عباس الثلاثاء (رويترز)
صورة للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي معروضة في متجر بسوق محلية ببندر عباس الثلاثاء (رويترز)
TT

ترمب: لا أعتقد أن مجتبى خامنئي مات

صورة للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي معروضة في متجر بسوق محلية ببندر عباس الثلاثاء (رويترز)
صورة للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي معروضة في متجر بسوق محلية ببندر عباس الثلاثاء (رويترز)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، إنه لا يعتقد أن المرشد الإيراني مجتبى خامنئي توفي، لكنه قال أيضاً إنه أصيب «بجروح خطيرة جداً»، بعد تقارير أعادت إثارة الشكوك بشأن مصيره، مع استمرار غيابه عن الظهور العلني.

وقال ترمب، خلال مقابلة هاتفية: «لا أعتقد أنه مات. لقد أُصيب بجروح خطيرة جداً. الجانب الأيسر من جسده، الذراع والساق، وكل شيء. لقد أُصيب بجروح خطيرة جداً»، حسبما أوردت شبكة «فوكس نيوز».

وأضاف: «إذا كان قد مات، فهم يقدمون عرضاً مقنعاً جداً، لأنهم يتحدثون طوال الوقت عن العودة إليه للحصول على الموافقة النهائية على الأمور».

ولم يظهر مجتبى خامنئي أمام الجمهور منذ اختياره مرشداً لإيران في 8 مارس (آذار)، خلفاً لوالده علي خامنئي الذي قُتل في الضربات الافتتاحية للحرب في 28 فبراير (شباط).

ترمب يتحدث خلال فعالية بمناسبة العودة إلى المدارس في حديقة الورود بالبيت الأبيض بواشنطن الاثنين (أ.ب)

وظلت المواد الرسمية المتعلقة به طوال الأشهر الماضية مقتصرة إلى حد كبير على بيانات ورسائل مكتوبة منسوبة إليه، من دون صور حديثة أو تسجيلات صوتية أو مصورة موثقة زمنياً.

ونفت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» هذا الأسبوع، أن يكون مقطع فيديو متداول لمجتبى خامنئي قد صُوِّر بعد توليه منصب المرشد.

ويظهر خامنئي في التسجيل إلى جانب عدد من رجال الدين خلال مناقشة أطروحة في الحوزة العلمية، تحت إشراف محبتي.

وكانت وسائل إعلام حكومية إيرانية قد بثت في وقت سابق تسجيلاً مصوراً آخر غير مؤرخ قالت إنه يظهر خامنئي، من دون أن يتضح توقيت تصوير اللقطات.

وفي 10 أغسطس (آب)، أعلن الموقع الرسمي لمكتب خامنئي أنه التقى الرئيس مسعود بزشكيان وبحث معه تطورات الحرب والأوضاع الاقتصادية والمعيشية ومستقبل البلاد، في ثاني لقاء معلن بينهما منذ اختيار خامنئي، من دون نشر صورة أو تسجيل مصور للاجتماع.

وقال المكتب إن اللقاء تناول «قضايا ومشكلات البلاد»، وتأمين الاحتياجات المعيشية، والتطورات العسكرية والمرحلة المقبلة، إلى جانب الموارد والإنفاق بالريال والعملات الأجنبية والطاقة والتعاون الاقتصادي الخارجي.

وحينها، قال قاسم قريشي، نائب قائد قوات «الباسيج»، إن صوراً وتسجيلات لخامنئي «بين الناس وفي الشوارع» وخلال اجتماعات مع قادة عسكريين ستُنشر لاحقاً.

وكان بزشكيان قد قال قبل ذلك بأيام إن التواصل مع خامنئي «صعب جداً في الوقت الراهن»، لكنه أضاف أن صعوبة الاتصال لا تقلل من أهمية وجود المرشد، مشيراً إلى أنه عقد معه اجتماعات «مثمرة».

وكانت ثلاثة مصادر مقربة من خامنئي قد أبلغت «رويترز» في أبريل (نيسان) أن الضربة التي قتلت والده أصابته أيضاً بجروح بالغة في الوجه والساقين، فيما عزت مصادر أخرى في يوليو (تموز) استمرار غيابه إلى اعتبارات صحية وأمنية.

وفي مطلع أغسطس، قالت صحيفة «همشهري» التابعة لبلدية طهران إن عدم نشر تسجيل صوتي لخامنئي يعود إلى مخاوف من إمكان استخدام تقنيات تحليل الصوت لتحديد مكان التسجيل وحالة المتحدث والبيئة المحيطة به، من دون تقديم دليل مستقل على ذلك. وقالت إن ترتيبات حماية خامنئي شُددت، وإن وسائل الاتصال به قُلصت.

وكان وزير الخارجية عباس عراقجي قد قال في يوليو إنه لم يلتقِ خامنئي وجهاً لوجه منذ توليه منصب المرشد، بينما كان بزشكيان وقائد عمليات هيئة الأركان علي عبداللهي بين عدد محدود من المسؤولين الذين أعلنوا لقاءه، من دون نشر صور أو تسجيلات توثق تلك الاجتماعات.


بزشكيان يدافع عن التفاوض: الحرب ليست حلاً

إيرانية تحمل أكياس تسوق إلى جانب لافتة مناهضة للولايات المتحدة تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في شمال طهران الثلاثاء 25 أغسطس الحالي (إ.ب.أ)
إيرانية تحمل أكياس تسوق إلى جانب لافتة مناهضة للولايات المتحدة تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في شمال طهران الثلاثاء 25 أغسطس الحالي (إ.ب.أ)
TT

بزشكيان يدافع عن التفاوض: الحرب ليست حلاً

إيرانية تحمل أكياس تسوق إلى جانب لافتة مناهضة للولايات المتحدة تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في شمال طهران الثلاثاء 25 أغسطس الحالي (إ.ب.أ)
إيرانية تحمل أكياس تسوق إلى جانب لافتة مناهضة للولايات المتحدة تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في شمال طهران الثلاثاء 25 أغسطس الحالي (إ.ب.أ)

دافع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الأربعاء، عن مواصلة المسار التفاوضي مع الولايات المتحدة، قائلاً إن الحرب «ليست دائماً طريقاً لتجاوز المشكلات»، وإن نهج طهران يقوم على التفاهم وحل القضايا عبر التفاعل والمفاوضات، وسط انتقادات داخلية لمذكرة تفاهم إسلام آباد.

وقال بزشكيان في احتفال بمركز المؤتمرات الدولية بطهران إن المشكلات التي تواجهها إيران ناجمة عن «ضغوط غير إنسانية ووحشية» مفروضة عليها، مضيفاً أن الإيرانيين أثبتوا أنهم «سيقاتلون ولن يتراجعوا إذا لزم الأمر»، لكنه شدد على أن الحرب ليست الخيار الوحيد.

ونقل موقع الرئاسة الإيرانية عن بزشكيان أن «العقدة التي يمكن فكها باليد لا ينبغي فكها بالأسنان»، وقال إن إيران تستطيع «بالتدبير والتفكير» تجاوز المرحلة الحالية، وإن من دافعوا عن مذكرة التفاهم «يفكرون في عزة البلاد ورفعتها».

وزعم بزشكيان أن «جميع التحليلات العالمية» تعد إيران منتصرة في الحرب، لكنه انتقد ما قال إنه خطاب داخلي يصوغ أحياناً رواية توحي بأن البلاد هُزمت.

وقبل ذلك بساعات قال بزشكيان خلال زيارة إلى البنك المركزي إن أساس نهج طهران هو «التفاهم وحل القضايا من خلال التفاعل والمفاوضات»، مؤكداً في الوقت نفسه استمرار مواجهة الضغوط الاقتصادية الأميركية.

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يلقي خطاباً بقاعة المؤتمرات الدولية خلال مراسم أسبوع الحكومة (الرئاسة الإيرانية)

وأضاف أن الولايات المتحدة «كما لم تتمكن من تحقيق أهدافها في الحرب، فلن تصل إلى نتيجة عبر الضغط الاقتصادي»، بعد إطلاق واشنطن حملة عقوبات جديدة وتهديدها بتوسيع العقوبات الثانوية على الدول والشركات التي تواصل التعامل مع إيران.

وخلال لقائه قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، الاثنين، دعا بزشكيان الولايات المتحدة إلى تغيير «لهجتها ونهجها» تجاه إيران والوفاء بالتزاماتها في مذكرة تفاهم إسلام آباد.

وحذَّر من أن «الاعتماد على البلطجة والغطرسة» سيعقّد تنفيذ التفاهم، وشكر باكستان على وساطتها، معرباً عن أمله في أن يساعد استمرار التعاون على تحقيق أهداف المذكرة.

سجال داخلي

ورد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف على المتشدد حسين شريعتمداري، رئيس تحرير صحيفة «كيهان» وممثل المرشد الإيراني، الذي طالب فريق التفاوض برفض الحوار مع المسؤولين الأميركيين بعد مقتل المرشد الإيراني السابق علي خامنئي.

وكان شريعتمداري قد كتب مقالاً بعنوان «نريد رأس ترمب»، دعا فيه فريق التفاوض إلى إعلان رفضه التفاوض مع المسؤولين الذين حمّلهم مسؤولية مقتل خامنئي.

وقال قاليباف في رسالة مطولة إن المفاوضات بالنسبة إليه «ليست قيمة بحد ذاتها وليست محرّماً»، مضيفاً أن «التفاعل مع العالم يختلف عن التبعية والاستسلام».

وانتقد من «يتنصلون من مسؤولية التفاوض مع العدو» ثم ينتظرون «لكي يسموا كل إنجاز يحققه فريق التفاوض خيانة»، عادَّاً ذلك «عين طلب العافية».

وأضاف أن رفض «التغريب» لا يعني عدّ كل حوار تجريه طهران من موقع القوة أو كل محاولة لتحصيل حقوق الإيرانيين «تسوية أو انفعالاً».

وحضّ قاليباف شريعتمداري على تجنب «التفسيرات المتسرعة وصناعة الأجواء السياسية».

وسخر قاليباف، في منشور منفصل على منصة «إكس»، من وصف وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت حملة العقوبات الجديدة بأنها «يوم إنزال اقتصادي»، مستشهداً بقول بيسنت لاحقاً: «لماذا قد أرغب في تدمير النظام المالي العالمي؟».

وكتب قاليباف: «سيدي، هذه ليست نورماندي، إنها ليلة ارتجال وقد نسيت نصك».

صورة نشرها موقع قاليباف الرسمي من لقائه مع قائد الجيش الباكستاني عاصم منير الاثنين

الوساطة الباكستانية

وأعلنت باكستان، الثلاثاء، إحراز «تقدم كبير» في محادثات منير مع كبار المسؤولين الإيرانيين، وقال الجيش الباكستاني إن المناقشات تناولت منع مزيد من التصعيد، وتسريع إنهاء الحرب، وإعادة فتح مضيق هرمز، والتوصل إلى تسوية عبر التفاوض.

وقال مهدي طباطبائي، نائب الاتصالات والإعلام في مكتب الرئيس الإيراني، إن زيارة منير كانت «مثمرة للغاية»، وإن نتائجها ستظهر قريباً.

وأفادت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري»، نقلاً عن مصدر مقرب من فريق التفاوض، بأن منير لم يحمل رسالة تهديد أميركية، وإنما سعى إلى فتح المجال أمام المفاوضات ونقل شروط طهران إلى واشنطن.

وأضاف المصدر أن طهران أبلغت الوسيط الباكستاني تمسكها بعودة الولايات المتحدة إلى مذكرة تفاهم إسلام آباد وتنفيذ بنودها.

وكان عباس غلرو، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان الإيراني، قد قال قبل يومين إن منير نقل رسالة أميركية تدعو طهران إلى العودة إلى المذكرة، وإن هدف الزيارة هو «إحياء المسار السياسي المتوقف».

وقالت «رويترز»، نقلاً عن مصدر في الحكومة الباكستانية، إن إيران أبدت استعداداً عاماً لاستئناف محادثات السلام، وإن إسلام آباد أبلغتها بأن واشنطن قد تتراجع عن إجراءاتها الاقتصادية «إما قبل جولة جديدة من المفاوضات أو خلالها».

وأفادت وكالة «إيلنا» بأن رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني يتوقع أن يزور طهران الخميس، في إطار الوساطة بين إيران والولايات المتحدة، بعد زيارتَي قائد الجيش الباكستاني ووزير الخارجية العُماني إلى إيران خلال الأيام الأخيرة.
وأعلن السفير الإيراني لدى موسكو كاظم جلالي أن الرئيس مسعود بزشكيان سيلتقي نظيره الروسي فلاديمير بوتين للمرة السادسة، على هامش القمة المقبلة لمنظمة شنغهاي للتعاون. ورفض جلالي ربط علاقات طهران وموسكو بمسار علاقات إيران مع الغرب، معتبراً ذلك «نهجاً خاطئاً».
في سياق مواز، نقل التلفزيون الإيراني عن رئيس منظمة الطاقة الذرية محمد إسلامي قوله إن الوكالة الدولية للطاقة الذرية لن تتمكن من تفتيش المواقع النووية التي تعرضت للهجمات قبل التوصل إلى بروتوكول خاص بآلية التفتيش.
وأضاف إسلامي أن امتناع الوكالة عن إدانة الهجمات على المنشآت النووية الإيرانية «يضع أهليتها موضع تساؤل». وجاءت تصريحاته بالتزامن مع لقاء مدير الوكالة رافائيل غروسي ووزير الطاقة الأميركي كريس رايت في واشنطن.

إعادة التسليح

ونقلت وكالة «مهر»، الأربعاء، عن المتحدث باسم الجيش الإيراني محمد أكرمي نيا قوله إن الوحدات القتالية تسلمت معدات جديدة، وإن مواجهة «جيشين متقدمين تكنولوجياً» منحت القوات الإيرانية خبرة واسعة في ساحة المعركة.

وقال أكرمي نيا للتلفزيون الرسمي إن الأنظمة التي تضررت خلال الحرب «أُعيد بناؤها في جميع فروع الجيش»، وإن القوات تسلمت أنظمة جديدة من الصناعة الدفاعية والجيش، إلى جانب معدات «استُورد بعضها من الخارج».

وأضاف أن المعدات الجديدة عزَّزت القدرات القتالية، من دون أن يحدد الدول التي قال إن إيران استوردت منها أنظمة عسكرية.

وتتناقض تصريحات الجيش الإيراني مع تقييمات إدارة ترمب التي تقول إن الضربات الأميركية والإسرائيلية ألحقت أضراراً واسعة بالقدرات العسكرية الإيرانية.

سفن في مضيق هرمز قرب ساحل بندر عباس جنوب إيران الأربعاء 26 أغسطس الحالي (رويترز)

روبيو يستبعد ضربات جديدة حالياً

وأفاد موقع «أكسيوس» بأن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أبلغ عدداً من نظرائه في دول حليفة أن الولايات المتحدة لا تتوقع، «في الوقت الراهن»، بدء ضربات جديدة ضد إيران.

وقال مسؤول أميركي إن روبيو أوضح أن واشنطن لا تخطط للعودة إلى عمليات قتالية واسعة، لكنه لم يستبعد شن ضربات إذا بادرت إيران بالهجوم.

وحسب الموقع، تركز إدارة ترمب حالياً على زيادة الضغط الاقتصادي عبر الحصار البحري والعقوبات الجديدة بدلاً من إطلاق حملة عسكرية أخرى.

وقال البيت الأبيض إنه لا توجد حالياً مفاوضات مع إيران ولا محادثات مقررة، رغم أن منير تحدث مع ترمب قبل زيارته طهران.

ونقل «أكسيوس» عن مسؤول أميركي قوله: «في الوقت الراهن، نحن لا نتفاوض مع إيران. نحن نضغط عليها»، مضيفاً أن الضغط قد يدفع الإيرانيين إلى العودة إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤول أميركي ثانٍ إن هذا النهج مرشح للاستمرار على الأقل إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي، حيث قد تصبح حملة عسكرية جديدة مطروحة مجدداً.

ومن المتوقع أن يزور مبعوثا البيت الأبيض ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، اللذان قادا المفاوضات مع إيران، القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، الأربعاء، لتلقي إحاطات بشأن الوضع على الأرض، وفق مصدر مطلع تحدث إلى «أكسيوس».


نتنياهو يتحدّى الضغوط الدولية ويتعهد بتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)
TT

نتنياهو يتحدّى الضغوط الدولية ويتعهد بتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)

تعهّد رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بمواصلة إقامة مستوطنات في الضفة الغربية، رغم تصاعد الضغوط الدولية، متوعّداً بموجة كبيرة من الهجرة إلى الأراضي الفلسطينية، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

ويقود نتنياهو، الذي يستعد لمواجهة صعبة في الانتخابات التشريعية المقبلة في أكتوبر (تشرين الأول)، واحدة من أكثر الحكومات يمينية في تاريخ إسرائيل، والتي سارعت إلى الموافقة على بناء وتوسيع مستوطنات في الضفة الغربية، وهذه المستوطنات غير قانونية بموجب القانون الدولي.

وشهدت السنوات الأخيرة أيضاً تصاعداً في الموافقة على بناء البؤر الاستيطانية وتسوية أوضاعها، وغالباً ما تتكون هذه المواقع غير القانونية بموجب القانون الإسرائيلي، من عدد قليل من المنازل أو المنشآت المتنقلة والمؤقتة.

ووفق بيان صادر عن مكتب نتنياهو، فقد قال خلال فعالية للمستوطنين مساء الثلاثاء: «لا يمكننا تجاهل الأرقام: 104 مستوطنات أنشأناها وسوّينا أوضاعها القانونية معاً، و160 مزرعة، والقادم أكثر».

وخاطب الحضور: «أنتم تحققون رؤية أرض إسرائيل، وهذه أرضنا».

وأضاف: «أنتم تهيئون الأرضية لموجة هجرة كبيرة جداً ستأتي»، مشيداً بـ«الجهد الهائل الذي تبذله الحكومة لتحقيق رؤية الأجيال».

وتواجه حكومة نتنياهو استنكاراً دولياً متزايداً بسبب مقاربتها التوسع الاستيطاني، في وقت تصاعد عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين بشكل كبير.

وفي الأسبوع الماضي، أدان قادة أوروبيون مشروعاً استيطانياً كبيراً، بعدما فتحت السلطات الإسرائيلية باب تقديم العطاءات لبناء أكثر من 1200 وحدة سكنية فيه.

وكانت إسرائيل قد أعطت العام الماضي الضوء الأخضر لإقامة مشروع «إي وان» الذي يُهدد التواصل الجغرافي بين شمال الضفة الغربية وجنوبها، ما يزيد من تقويض فرص قيام دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة.

وتحتل إسرائيل الضفة الغربية منذ عام 1967؛ حيث يعيش نحو 3 ملايين نسمة، بالإضافة إلى أكثر من 500 ألف إسرائيلي في المستوطنات.

وتعمل حكومة نتنياهو، التي تشمل وزراء يدعون علناً إلى ضم الضفة الغربية، على تسريع وتيرة البناء الاستيطاني قبل انتخابات 27 أكتوبر.

وتصاعد العنف الذي يمارسه المستوطنون الإسرائيليون ضد الفلسطينيين بشكل كبير وأصبح شبه يومي.