قرية كودينهي الهندية بها 500 توأم.. ويشكلون 6 % بين ألف مولود

بلدة التوائم تشعرك بالحيرة والخوف لتشابه الأشخاص

مجموعة من التوائم في القرية  -  أب يحمل طفليه التوأمين
مجموعة من التوائم في القرية - أب يحمل طفليه التوأمين
TT

قرية كودينهي الهندية بها 500 توأم.. ويشكلون 6 % بين ألف مولود

مجموعة من التوائم في القرية  -  أب يحمل طفليه التوأمين
مجموعة من التوائم في القرية - أب يحمل طفليه التوأمين

كثيرًا ما يشعر أي غريب تطأ قدماه قرية كودينهي في ولاية كيرالا الواقعة جنوب الهند، بالحيرة والخوف، ذلك أنه من المواقف المتكررة بها أن تلتقي شخصًا ما بأحد الأسواق، مثلاً، ثم تلتقي شخصًا مطابقًا له في الشكل بمكان آخر. وربما تشعر بالفزع لدى رؤيتك شابا ما يلعب الكريكيت بمكان ما رغم أنك التقيت شخصا يشبهه تمامًا في السوق منذ بضع دقائق. وربما تشعر بأن مكروها ما أصاب عينيك برؤية مزدوجة لدى مشاهدتك لسيدات عجائز متطابقات تمامًا في الشكل يتحدثن إلى شابات متطابقات في الشكل أيضًا.
ورغم كل ما يعتليك من حيرة ودهشة، وربما خوف، فإن ما تراه يبقى واقعًا قائمًا وليس محض خيال. ويوجد هذا الواقع المميز داخل قرية كودينهي الهندية المشهورة عالميًا بارتفاع معدلات التوائم بها.
ورغم أن عدد السكان ليس ضخما، حيث يزيد قليلاً عن 13.000 نسمة، فإن القرية تضم قرابة 500 مجموعة من التوائم. ويعتبر محمد حاجي، 87 عامًا، أكبر التوائم سنًا في القرية، بينما توفي شقيقه منذ سنوات قلائل. أما أكبر التوائم سنًا الذين ما زالوا على قيد الحياة داخل القرية فهما باثوم ماكوتي وكونهي باثوم ماكوتي البالغان من العمر 68 عامًا. ويحمل كلاهما الاسم ذاته، مثلما الحال مع الكثيرين داخل القرية.
عالميًا، يشكل التوائم 6 في المائة فقط بين كل 1.000 مولود جديد، بينما يرتفع المعدل داخل قرية كودينهي إلى 46 بين كل ألف مولود، ما يمثل 750 في المائة زيادة عن المعدل السائد عالميًا. أما المفارقة فتكمن في أن الهند تحديدًا تعد بين أقل دول العالم من حيث معدل المواليد التوائم، في الوقت الذي تتصدر كودينهي مناطق العالم من حيث معدل التوائم.
عبر شوارع وطرق القرية، تقع عيناك على لوحات إعلانية تحمل صور عباءات على امتداد الطريق ومنازل ضخمة متعددة الطوابق تحيطها حدائق مليئة بأشجار الموز وجوز الهند، ما يعد دليلاً على الثراء. وعلى امتداد الطريق، كثيرًا ما تلتقي نسخا متطابقة من أطفال وشباب وكبار في السن في مختلف جنبات القرية من مدارس وأسواق ومتاجر ومكاتب. في الواقع، تضم كل أسرة من أسر القرية تقريبًا توائم. علاوة على ذلك، فإن هناك قرابة اثنتي عشرة حالة لثلاثة توائم، بينما ينتمي غالبية التوائم بوجه عام إلى الإناث.
يوسف أحد سكان القرية، وقد أنجب ثلاثة أزواج من التوائم ـ جميعهم إناث. كانت زوجته قد وضعت أول زوج من التوائم منذ سبعة أعوام، بينما أنجبت الزوج الأخير العام الماضي.
وتعد هذه الأرقام مثيرة للحيرة بالفعل. كما يتميز توائم القرية بصحة جيدة. جدير بالذكر أن ظاهرة الأعداد الضخمة من المواليد التوائم لا تقتصر على كودينهي، وإنما لوحظت أيضًا في مدينة إغبو ـ أورا النيجيرية. وتوصلت دراسة أجرتها جامعة لاغوس تيتشينغ هوسبيتال داخل إغبو ـ أورا إلى ارتفاع كميات الهرمون المنبه للجريب داخل النساء صاحبات البشرة السمراء بالمدينة، بجانب تأثير قشور كمأة يجري تناولها على نطاق واسع، وذلك باعتبارهما السبب وراء ظاهرة المواليد التوائم. إلا أنه داخل كودينهي لم يتم التوصل إلى تفسير واضح للأمر بعد، حيث لا يوجد اختلاف واضح بين العادات الغذائية لسكان القرية وباقي أرجاء كيرالا.
وتعد هذه الظاهرة بمثابة لغز للكثير من الأطباء المحليين والعلماء ووسائل الإعلام. من بين هؤلاء د. لاليج سينغ، مدير مركز البيولوجيا الخلوية والجزيئية في حيدر آباد، والذي أعرب عن اعتقاده بأن القرية تعد بمثابة منجم ذهب جيني. وقد عكف فريق من الأطباء المحليين والدوليين على دراسة عينات من دماء التوائم وآبائهم وأمهاتهم في محاولة لفك طلاسم هذه الظاهرة. إلا أنهم لم يتوصلوا إلى أي نتائج حاسمة بعد، رغم اعتقادهم أن الظاهرة ربما يكمن وراءها مزيج من عوامل بيئية وغذائية ومعيشية.
وفي عام 2010. زار فريق من قناة «ناشيونال جيوغرافيك» العلمية الوثائقية القرية، وعكف على دراسة الظاهرة وتوثيقها. وبالفعل، قاموا بتصوير فيلم وثائقي مدته ساعة بعنوان «مدينة التوائم».
من ناحية أخرى وفي ظل وجود توائم في كل بيت من بيوت القرية تقريبًا، فقد تسبب هذا الأمر في وقوع الكثير من الأخطاء والمواقف الطريفة.
في هذا الصدد، اشتكى سليمان، صاحب متجر بالقرية والذي ربما يعد واحدًا من القلائل داخل القرية الذين لم يرزقوا بتوائم، بأنه يواجه مشكلة غير عادية، حيث قال: «تخيل أن صبيا صغيرا يأتي إلى المتجر ويطلب مزيجا معينا من الحلوى، وبمجرد أن تنتهي من تجهيزه تفاجأ بالصبي يطلب مزيجًا آخر مختلفا. وعندما أشرع في كيل السباب له، يقدم لي مبررًا صادقًا، وهو ببساطة أن الطلب السابق تقدم به شقيقه وليس هو. وفي معظم الحالات، أتولى تسليم طلب موجه لمتجر البقالة من سيدة ما إلى توأمها المتطابق، حيث إن غالبية السكان لهم نسخ طبق الأصل».
كما تعج القرية بقصص طريفة في المدارس حول مدرسين يجابهون صعوبة في تحديد التوائم، ما يضطرهم إلى إجبارهم على تسريح شعرهم على نحو مختلف كي يتمكنوا من التمييز بينهم.
وفي هذا الصدد، حكى عمران، المدرس بمدرسة القرية، قصة طريفة حيث قال: «أحيانًا ينجح تلاميذي التوائم في خداعي من خلال تشاركهم في نسخة من الواجب المنزلي وإظهاره أمامي واحدا تلو الآخر. وأحيانًا يتعرض تلميذ لعقاب عن خطأ ارتكبه شقيقه التوأم».
ويواجه باقي السكان مواقف مشابهة، ما يجعل من النادر مرور يوم على القرية يخلو من إثارة أو موقف طريف. كما تتكرر قصص عن أمهات يطعمن الطفل ذاته مرتين. من بين هؤلاء نورول، التي أنجبت زوجين من التوائم. وقالت: «عندما رزقت بأول زوج من التوائم، أحيانًا كنت أطعم الطفل ذاته مرتين، لكن لاحقًا بدأت أميز بينهما بعلامات، مثل جعلهما يرتديان ملابس مختلفة».
أيضًا، هناك نكات حول أزواج من المتزوجين حديثًا يخطئون في التعرف على شركائهم ويخلطون بينهم وبين أشقائهم التوائم في بداية الزواج. وعليه، كثيرًا ما تطلب السيدات من أزواجهن ارتداء ملابسهم بطريقة معينة بحيث يتمكن من التمييز بينهم وبين أشقائهم.
داخل كودينهي، يجري النظر إلى التوائم باعتبارهم هدية من السماء تحمل الحظ السعيد. وعليه، يجري التعامل معهم حب وود واحترام. ويعد مولد توأم فألا جيدا. ومن المعتقد كذلك أن التوائم يملكون قوى خارقة والقدرة على إيذاء من يثير سخطهم.
من جهته، ادعى تي. كيه. عبد الرزاق، 60 عامًا، أنه يعلم السر وراء ذلك، معربًا عن اعتقاده بأن التوائم هم منحة من الله. وقال: «نرغب في قدوم من حرموا من الإنجاب من أبناء مناطق أخرى إلى هنا والبقاء لفترة ومعاينة البركات التي ستحل عليهم».
المثير أن الأزواج المنتمين في الأصل إلى كودينهي وهاجروا لمناطق أخرى من البلاد، ظلوا متمتعين بقدرتهم الاستثنائية على إنجاب توائم!
وأوضحت دكتورة ليلى التي تدير مستشفى خاصا بها، أن ولادة التوائم لم تقتصر على أفراد ولدوا وترعرعوا هنا فحسب. واستطردت بأن: «الكثيرات من النساء ممن أتين إلى كودينهي بعد الزواج من أحد أبناء القرية أنجبن توائم أيضًا. لذا، فإن الأمر ربما له علاقة بعنصر غامض في البيئة».
وأضافت: «في وقت سابق، أجرينا اختبارات على المياه، لكننا لم نصل لنتائج حاسمة».
ونظرًا للاهتمام العالمي البالغ الذي اجتذبته مسألة ولادة التوائم لطابعها الفريد، جرى تشكيل «اتحاد التوائم والأقارب» الذي يقوم على الاعتقاد بأن كودينهي تضم أكبر تركز لأعداد التوائم في العالم، ويسعى الاتحاد للتواصل مع مسؤولين من مؤسسة غينيس للأرقام القياسية لإدراج اسم القرية لديهم.
في الوقت ذاته، وبعيدًا عن كودينهي، تحديدًا 1.000 كيلومتر إلى شمال الهند، توجد قرية أخرى باسم محمد بور أوماري في ولاية غوغارات الهندية، وتضم 120 زوجًا من التوائم بين سكانها البالغ عددهم 4.000 نسمة. ويتمثل العامل المشترك بين القريتين أن المسلمين يغلبون على سكانها. ويعود عمر ظاهرة ولادة التوائم هنا أيضًا لما بين 70 و80 عامًا. بيد أن الاختلاف الوحيد بين القريتين أن أومري تتسم بفقر سكانها، بينما تتمتع غالية أسر كودينهي بالثراء لعمل الكثير من أبنائها بمنطقة الخليج العربي.
من المنظور الطبي، تدور التكهنات حول أن ولادة التوائم يقف وراءها أنماط معينة من الجينات والحامض النووي، لكن هذا الأمر غير قاطع لأنه لا يفسر السبب وراء ولادة توائم في أسر غير مسلمة لا يكون فيها الزوجان من أبناء العمومة، على خلاف الحال مع غالبية الأسر المسلمة، حسبما أوضح سريبيجو إم كيه، الطبيب الذي يعكف على دراسة ظاهرة كثرة التوائم في كودينهي منذ عقد حتى الآن.
ويرفض سريبيجو فرضية أن زواج الأقارب هو السبب وراء الظاهرة، معربًا عن اعتقاده بأنه: «لا بد أن هناك شيئا ما يحفز المبايض على إنتاج البيض». ويعتقد أن هذا الأمر موجود بالبيئة الطبيعية المحيطة داخل مثل هذه القرى. وقال: «قمت بتجميع عينات من الهواء والماء والتربة وما إلى غير ذلك، وجميع العناصر الطبيعية الممكنة في كودينهي. وهي مهمة بالغة الضخامة..». وينوي سريبيجو زيارة أومري قريبًا للقيام بالأمر ذاته.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».