تحريض رسمي وراء الهجوم على سفارة السعودية في طهران وقنصليتها بمشهد

روحاني يأمر بملاحقة المتورطين.. ومهاجم: الشرطة تلقت أوامر بعدم التعرض لنا

الدخان يتصاعد من مبنى السفارة السعودية في طهران بعد اقتحامها مساء أول من أمس (أ.ب)
الدخان يتصاعد من مبنى السفارة السعودية في طهران بعد اقتحامها مساء أول من أمس (أ.ب)
TT

تحريض رسمي وراء الهجوم على سفارة السعودية في طهران وقنصليتها بمشهد

الدخان يتصاعد من مبنى السفارة السعودية في طهران بعد اقتحامها مساء أول من أمس (أ.ب)
الدخان يتصاعد من مبنى السفارة السعودية في طهران بعد اقتحامها مساء أول من أمس (أ.ب)

تكرر سيناريو الهجوم على السفارات الأجنبية في العاصمة الإيرانية، خلافًا للأعراف الدبلوماسية، بعدما اقتحمت جماعات متطرفة من أنصار المرشد الأعلى علي خامنئي وجماعات الباسيج المتشددة، مساء أول من أمس مبنى السفارة السعودية في طهران وقنصلية السعودية في مشهد وأضرمت النار فيهما بعد ساعات من تصريحات عدوانية أطلقها المسؤولون الإيرانيون.
وفي تناقض واضح، سرعان ما وجدت طهران نفسها أمس مضطرة على التراجع عن المواقف التي أدت إلى حشد المهاجمين على السفارة، محذرة من تبعات التصرف غير المسؤول في مهاجمة السفارات على صورة النظام الإيراني في المجتمع الدولي.
وفي هذا السياق، انتقد الرئيس الإيراني حسن روحاني الهجوم وإلحاق الضرر بالسفارة والقنصلية السعوديتين وشدد على أنهما «يجب أن تكونا شرعا وقانونا تحت حماية إيران»، واعتبر الهجوم غير قابل للتبرير و«مسيئا ومضرا» بسمعة النظام الإيراني، مطالبا مسؤولي بلاده بالحزم القاطع في التعاطي مع هذه الأعمال الإجرامية والمتهورة.
وأمر روحاني وزارة المخابرات بملاحقة من يقفون وراء الهجوم «بصرامة كاملة وتقديمهم إلى السلطات القضائية لتنفيذ العدالة لوضع حد نهائي لمثل هذه الأعمال وضمان أمن المراكز الدبلوماسية للدول الأخرى في إيران»، حسب الموقع الإعلامي للرئاسة الإيرانية.
بدوره، استنكر رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام، الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني، تصرفات المتطرفين وشجب «العنف والتخريب» في الأماكن الدبلوماسية، مضيفا أن ذلك «يصعب الحلول ويعمق الأزمات في المنطقة».
من جانبه، أعلن مدعي عام طهران، عباس جعفري دولت آبادي، أن الأمن الإيراني اعتقل 50 شخصا دخلوا مبنى السفارة السعودية كما فتح تحقيقا لمعرفة من يقفون وراء الهجوم، فيما وصف رئيس شرطة طهران، حسن ساجدي نيا، المهاجمين على السفارة «بقلة متهورة»، مؤكدا قيامهم برمي الحجارة وقذائف حارقة (مولوتوف) على مبنى السفارة. وأضاف أن قواته اعتقلت «فئة قليلة» اقتحمت مبنى السفارة. لكن حسب وكالات أنباء إيرانية فإن مساعد رئيس الشرطة وعددا من المسؤولين الأمنيين كانوا من بين الحاضرين أمام السفارة لحظة الهجوم.
من جانبها، طالبت وزارة الخارجية الإيرانية بعدم التجمع أمام السفارة والقنصلية السعودية ودعا المتحدث باسم الخارجية الإيراني جابر حسين أنصاري القوات الأمنية إلى منع التجمع والتظاهر أمام المراكز الدبلوماسية، مشددا على ضرورة ضمان أمن السفارة السعودية في طهران والقنصلية مشهد، موضحا أن الشرطة الدبلوماسية هي المسؤولة عن التصدي لأي تعرض إلى الأماكن الدبلوماسية التابعة للسعودية وشدد على ضرورة القيام بمهام بسط الأمن في محيط المراكز الدبلوماسية.
وجاء الهجوم بعد ساعات من نشر مواقع تابعة للحرس الثوري عنوان السفارة السعودية ودعوة الحوزات العلمية وقوات الباسيج إلى التظاهر أمامها. وكان موقع «ضباط الحرب الناعمة» التابع لقوات الباسيج أول موقع دعا للتجمع أمام المراكز الدبلوماسية السعودية ويعتبر الموقع من المنابر التي تنشر أخبار تجمعات قوى حزب الله في طهران. وعند نشر وكالات الأنباء والمواقع الإيرانية أخبار الهجوم على القنصلية بدأ الموقع بنشر عنوان سفارة السعودية عبر حساباته في شبكات التواصل الاجتماعي بحسب موقع «إيران فاير».
وكان رئيس لجنة الأمن القومي والعلاقات الخارجية في البرلمان الإيراني علاء الدين بروجردي قد دعا وزارة الخارجية إلى تقليص عدد الدبلوماسيين السعوديين إلى أقل مستوى.
يشار إلى أن السفارة البريطانية في طهران تعرضت إلى هجوم مشابه في نوفمبر (تشرين الثاني) 2011 بعدما اقتحمتها مجموعة من عناصر الباسيج التابع للحرس الثوري ورشقوها بالحجارة قبل أن يشعلوا النار في مبنى السفارة، بعد ساعات من موافقة البرلمان على خفض العلاقات مع بريطانيا بسبب فرض العقوبات الدولية على طهران. كما اقتحمت مجموعة أخرى مبنى تابعا للسفارة البريطانية في شمال طهران واحتجزوا ست رهائن من عمال السفارة، تم تحريرهم لاحقا بعد تدخل الشرطة الدبلوماسية وفي أعقاب ذلك طردت بريطانيا الطاقم الدبلوماسي الإيراني من لندن وقامت كل من فرنسا وإيطاليا وألمانيا وهولندا بسحب سفرائها من طهران تضامنا مع بريطانيا. وأدان آنذاك مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي والرئيس الأميركي والصين وعدد كبير من الدول الغربية هجوم الجماعات المتطرفة على المراكز الدبلوماسية البريطانية.
في هذه الأثناء، نسب مساعد رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان، حسين سبحاني في تصريح لوكالة إيسنا، الهجوم على القنصلية إلى طلاب أجانب يقيمون في مشهد، مضيفا أن طلابا في طهران يقفون وراء الهجوم على السفارة في العاصمة.
بدوره، اعتبر المتحدث باسم السلطة القضائية، غلام حسين محسني أجئي، الهجوم على المراكز الدبلوماسية السعودية من قبل عناصر الباسيج والمتطرفين «خلافا للدستور الإيراني»، وأكد اعتقال 38 شخصا من المهاجمين على السفارة بتهمة خرق القوانين، داعيا وزارة الداخلية والشرطة إلى اتخاذ بالإجراءات الوقائية في هذا الخصوص.
إلى ذلك، أعلن مساعد وزير الداخلية، حسين علي أميري، في تصريح لوكالة الأنباء الرسمية (إيرنا) أن وزير الداخلية ومساعده الأمني كانا قد أصدرا تحذيرات للقوات الأمنية من الهجوم على المراكز الدبلوماسية السعودية، معربا عن أسفه لقيام البعض بأعمال تنهك القانون مما أدى إلى إلحاق الضرر بالسفارة والقنصلية السعودية في طهران ومشهد. وشدد على أن المساعد الأمني لوزير الداخلية ومحافظ طهران مكلفان تنفيذ أوامر وزير الداخلية في التعاطي مع المهاجمين على السفارة والقنصلية السعوديتين. وأكد أن المراكز الدبلوماسية والسياسية التابعة للدول الأخرى «تحظى بالأمان ولا داعي للقلق بهذا الشأن».
وقالت وكالة «ميزان» الإيرانية نقلا عن مصدر مطلع، إن مسؤول الباسيج في بلدية طهران محسن بير هادي أصدر أوامر بتغيير اسم شارع السفارة السعودية من «بوستان» إلى «نمر النمر» وأوضحت الوكالة أن القرار يأتي بعد قرار مجلس بلدية طهران. وفي هذا السياق، أعلن مجلس بلدية مشهد تغيير اسم شارع القنصلية من «مولوي» إلى «نمر النمر» وفقا لوكالة «تسنيم». يذكر أن تسمية شارع في طهران باسم خالد الإسلامبولي بأوامر مباشرة من الخميني في 1979 أدى إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين طهران والقاهرة ولم تفلح محاولات الرئيسين السابقين محمد خاتمي ومحمود أحمدي نجاد في السنوات السابقة لتغيير اسم الشارع.
ومنذ مساء السبت تتناقل وكالات الأنباء الإيرانية صور اقتحام السفارة والقنصلية السعودية في مشهد وطهران وأظهرت الصور نهب الممتلكات والوثائق الإدارية وأجهزة كومبيوتر وأجهزة هاتف ورمي قذائف حارقة على مبنى السفارة، كما نشرت صباح أمس صورا تظهر آثار الحريق في مبنى السفارة.
وكانت وكالة أنباء تسنيم التابعة لمخابرات الحرس الثوري أول وسيلة إعلامية ذكرت بدء التجمع في منتصف النهار أمام السفارة في طهران، لكن بعد توافد عشرات من الشرطة الدبلوماسية المسؤولة عن أمن السفارات انتهى التجمع في الساعة الخامسة وعملت الشرطة على محو الشعارات من مبنى السفارة وأظهرت صور تناقلتها المواقع الإيرانية تعزيزات الشرطة أمام مبنى السفارة، لكن المعادلة انقلبت بعد خمس ساعات عندما قل وجود الشرطة في محيط السفارة.
ولمح موقع «إيران فاير» إلى أن انسحاب الشرطة يظهر أن الهجوم على السفارة كان عملا مدبرا عندما بدأت حسابات«تيليغرام» بتعميم دعوة التجمهر أمام السفارة بعد الساعة التاسعة، وبذلك بدأ الملثمون الهجوم بالحجارة والنيران على مبنى السفارة قبل أن يتطور الوضع بظهور القذائف الحارقة «موتولوف» وكسر أبواب السفارة ويرمى المهاجمون الذين يرددون شعارات طائفية، ونهب وثائق وممتلكات السفارة إلى خارج المبنى. ونقل الموقع عن أحد المهاجمين أن «شرطة حماية السفارة تلقت أوامر بعدم التعرض للمتظاهرين». ونشر موقع «ضباط الحرب الناعمة» صباح أمس صور الصعود فوق حائط السفارة الأميركية في نوفمبر 1979 جنبا إلى جنب صعود عناصر الباسيج فوق حائط السفارة السعودية في طهران.
في المقابل، نفى بيان صادر من «الباسيج الطلابي»، أحد اللجان الطلابية التابعة للحرس الثوري في الجامعات الإيرانية الذي دعا إلى التظاهر أمام المراكز الدبلوماسية السعودية الأحد، أي علاقة له بالهجوم على السفارة. وشكك البيان بما وقع مساء السبت في السفارة والقنصلية متهما قوات الأمن والوزارة الداخلية بالتقصير في حفظ أمن السفارات والمراكز الدبلوماسية.
يشار إلى أن العلاقات الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة انقطعت بعدما اقتحم مجموعة من الطلاب المتشددين مبنى السفارة الأميركية واحتجزوا 52 مواطنا أميركيا لفترة امتدت 444 يومًا بين 4 نوفمبر 1979 و20 يناير (كانون الثاني) 1981 وتقيم حتى الآن قوات الباسيج وقوات من الحرس الثوري في مبنى السفارة وترفض مغادرة المكان.
واشتكى موقع «عصر إيران» الموقع المقرب من الحكومة الإيرانية من تبعات الهجوم على السفارة السعودية في طهران، موضحا أن خبر الهجوم على السفارة أثار اهتمام وكالات الأنباء والصحف العالمية.



«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

خلال 40 يوماً من الحرب التي شنَّتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، ابتداءً من 28 فبراير (شباط) الماضي، ظهر موقف الجماعة الحوثية بوصفه من أكثر المواقف إثارة للتساؤل في الأوساط السياسية والعسكرية، ليس نتيجة ما قامت به الجماعة، بل بسبب ما امتنعت عنه؛ حيث لم يرتقِ دورها إلى المستوى الذي يترجم شعار «وحدة الساحات» كما الحال مع «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية المسلحة.

فالجماعة التي اكتسبت حضورها الإقليمي بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، عبر تصعيدها في البحر الأحمر وخليج عدن والهجمات ضد إسرائيل، مع رفعها شعار «وحدة الساحات» عنواناً لتحالفاتها، بدت هذه المرة أكثر تحفظاً، مكتفية بأدوار أدائية محدودة مقارنة مع خطابها المرتفع، في سلوك يعكس -وفق تقديرات مراقبين- انتقالاً واضحاً من التعبئة الآيديولوجية إلى حسابات أكثر براغماتية تحكمها «معادلة البقاء» في المقام الأول.

في هذا السياق، اقتصر تدخل الحوثيين على تبني 5 عمليات هجومية بالصواريخ والمسيّرات، كانت ذات طابع رمزي ودون تأثير على مسار المعركة، بهدف تسجيل موقف سياسي إلى جانب إيران دون الانخراط في مواجهة واسعة، وهو ما أعاد طرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الجماعة وطهران، وحدود التزامها الفعلي، في إطار ما يُعرف بمحور «المقاومة».

عنصر حوثي يحمل سلاحاً على الكتف خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران يوم 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وتشير هذه المعطيات إلى أن قيادة الجماعة أعادت ترتيب أولوياتها وفقاً لمعادلة البقاء الداخلي، التي باتت تتقدم على أي اعتبارات آيديولوجية أو تحالفات إقليمية، فبعد سنوات من الصراع، استمر الحوثيون في سيطرتهم على أجزاء واسعة من شمال اليمن، وأصبح هدفهم الأساسي يتمثل في تثبيت هذه السيطرة وتحويلها إلى واقع سياسي معترف به.

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يفسّر الباحث والأكاديمي اليمني الدكتور فارس البيل هذا السلوك بأن «تلكؤ الجماعة في الانخراط الكامل ليس أمراً مستجداً، بل تكرر في حرب الـ12 يوماً (حرب أميركا وإسرائيل على إيران في صيف العام الماضي)، غير أن ذلك لا يعني استقلال قرارها عن إيران»، مشيراً إلى أن «الرد الأميركي والإسرائيلي العنيف، وتجربة الحوثيين السابقة مع الضربات، جعلا أي انخراط واسع بمثابة تهديد وجودي قد يقود إلى نهايتهم».

ومن هذا المنطلق، يرى محللون يمنيون أن انخراط الجماعة في حرب إقليمية مفتوحة دفاعاً عن إيران لم يكن خياراً واقعياً، بالنظر إلى التكلفة المرتفعة التي قد تترتب عليه. فمثل هذا الانخراط كان سيُعرّض ما تبقى من البنية العسكرية للجماعة إلى خطر التدمير، ويُهدد بإعادة خلط الأوراق داخلياً، خصوصاً في ظل احتمالية المواجهة مع القوات الحكومية وانهيار التهدئة الهشّة المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2022.

كما أن ترسانة الجماعة الصاروخية ومن المسيّرات، التي تُمثل أحد أبرز عناصر قوتها في أي مواجهة محلية، تجعل من استخدامها في معارك بعيدة مخاطرة غير محسوبة، ولهذا تُشير التقديرات إلى أن الجماعة فضّلت الاحتفاظ بقدراتها العسكرية لخدمة أهدافها الداخلية، بدلاً من استنزافها في صراع غير مضمون العواقب.

هاجس الردع الدولي

ولعبت تجربة الحوثيين السابقة في استهداف الملاحة الدولية في البحر الأحمر دوراً محورياً في تشكيل موقفهم خلال الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران، فعلى الرغم من المكاسب الإعلامية التي حققتها تلك العمليات، فإنها قوبلت بردود عسكرية قوية من الولايات المتحدة وبريطانيا، قبل أن تفاقم إسرائيل الوضع عبر 19 موجة من الضربات الموجعة.

مسلح حوثي خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيم الجماعة في 10 أبريل الحالي (إ.ب.أ)

وكما يبدو، فإن هذه الضربات خلال العامين الماضيين تركت أثراً واضحاً في حسابات القيادة الحوثية التي باتت تُدرك أن التصعيد ضد المصالح الدولية قد يستدعي ردّاً واسع النطاق يتجاوز الضربات الغربية والإسرائيلية السابقة إلى عمليات أكثر شمولاً قد تُهدد وجودها، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع منح القوات الحكومية الشرعية الضوء الأخضر لإطلاق عمليات برية لتحرير المحافظات الخاضعة للجماعة.

وفي هذا الإطار، يربط الدكتور البيل بين هذا الإدراك وحالة الضعف التي أصابت شبكة النفوذ الإيراني، مشيراً إلى أن «تشتت الأذرع، وتراجع فاعلية مراكز القيادة في (الحرس الثوري) بعد الضربات، أفقدا طهران القدرة على إدارة الساحات بشكل متماسك، وهو ما انعكس في خطاب حوثي متردد ومضطرب منذ بداية الحرب».

كما يؤكد البيل أن «إيران قد تنظر إلى اليمن بوصفه ساحة احتياط، وليس ساحة اشتباك رئيسية، في ظل محدودية تأثير الحوثيين مقارنة بفصائل أقرب جغرافياً، ما يجعل الجماعة ورقة مؤجلة تستخدم في سياق المساومة أو التصعيد المرحلي».

وفي السياق ذاته، بدا أن الجماعة اختارت استراتيجية «تجنب الاستفزاز»، من خلال تنفيذ هجمات محدودة لا تدفع نحو تصعيد كبير، وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً لطبيعة موازين القوى، وحرصاً على تجنب الانزلاق إلى مواجهة غير متكافئة.

طبيعة العلاقة

وتعيد هذه التطورات تسليط الضوء على طبيعة العلاقة بين الحوثيين وإيران، والتي غالباً ما تُصوَّر على أنها علاقة تبعية كاملة، غير أن الأداء الفعلي للجماعة خلال الحرب أظهر قدراً من التحفظ في إظهار الولاء المطلق، على الرغم من تصريحات القيادات الإيرانية وتهديدهم بورقة البحر الأحمر وباب المندب، في إشارة إلى حليفهم الحوثي.

ويؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الإله سلام أن الجماعة تحمل بُعداً عقائدياً يمنحها شعوراً بالخصوصية، ما يجعل قرارها «مستقلاً نسبياً» داخل المحور الإيراني، مشيراً إلى أنها تعتمد سياسة «الإبطان» تكتيكاً براغماتياً، فتقلص انخراطها عندما تشعر بتهديد وجودي أو اختلال في موازين القوى.

أشخاص يستقلون سيارة في صنعاء تمر أمام لوحة إعلانية رقمية تحمل صورة زعيم الحوثيين يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

ويضيف سلام في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن هذا السلوك، رغم ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» تدريباً وتسليحاً، «يوحي بوجود تعدد في مراكز التأثير على قرارها»، مستشهداً بتجربة «اتفاق استوكهولم»، التي أوقفت المواجهات في الحُديدة وأبقت على نفوذ الحوثيين، بما يُعزز فرضية أن الجماعة تتحرك ضمن شبكة توازنات أوسع من مجرد التبعية لطهران.

في المقابل، يقدّم رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، رؤية مغايرة، إذ يتهم الجماعة بأنها «أداة إيرانية» لزعزعة الاستقرار الإقليمي، وتهديد أمن الممرات المائية الدولية، مؤكداً أن استمرار سيطرتها على أجزاء من اليمن يجعل هذا التهديد قائماً ومتصاعداً.

ويشدد العليمي من خلال تصريحاته الرسمية الأخيرة، على أن تهديد الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن لم يعد شأناً داخلياً، بل قضية دولية تمس أمن التجارة العالمية، داعياً المجتمع الدولي إلى تبني مقاربة أكثر حزماً «تنهي التهديد، ولا تكتفي باحتوائه».

كما يتهم طهران بأنها تسعى إلى توسيع الصراع عبر استخدام الحوثيين منصةً إقليميةً، في إطار استراتيجية لإرباك المنطقة وإضعاف الدول الوطنية، وهو ما يفرض -حسب تعبيره- التعامل مع الملف اليمني ضمن سياقه الإقليمي الأوسع.

تراجع شعار «وحدة الساحات»

وكشفت حرب الأربعين يوماً عن فجوة واضحة بين الخطاب السياسي للجماعة وممارساتها على الأرض، فشعار «وحدة الساحات»، الذي استُخدم خلال الحرب في غزة لتبرير انخراطها الإقليمي، بدا في هذه الحرب أقرب إلى أداة دعائية منه إلى استراتيجية فعلية.

ففي حين رُفع هذا الشعار بقوة خلال الحرب في غزة، وترافق مع عمليات استهداف للملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، جرى التعامل معه بمرونة ملحوظة في مواجهة الحرب ضد إيران، إذ اقتصر التفاعل الحوثي على خطوات محسوبة، تجنبت الانخراط الكامل، وراعت في الوقت ذاته عدم الظهور بمظهر المتخلي عن الحليف.

الحوثيون يحرقون العلم الإسرائيلي خلال تجمع لهم في صنعاء هذا الشهر (إ.ب.أ)

كما أن غياب الجماعة شبه التام خلال «حرب الاثني عشر يوماً» في 2025، ثم حضورها المحدود في الحرب الأخيرة، يُعزز الاستنتاج بأن قرار المشاركة لا تحكمه اعتبارات آيديولوجية بحتة، بل يخضع لحسابات دقيقة تتعلق بالمخاطر والمكاسب.

ولم تكن هذه الحسابات الحوثية مجرد استنتاجات، بل أكدتها كواليس التقييمات الأميركية، بعد أن حسم وزير الدفاع الأميركي، بيت هيغسيث، هذا الجدل في إحاطة صحافية بمقر البنتاغون الخميس الماضي؛ حيث أعلن بوضوح أن الحوثيين فضلوا البقاء خارج أتون هذا الصراع الإقليمي المباشر، واصفاً قرارهم بـ«الجيد».

وكان المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، قد حذّر في إحاطته الأخيرة أمام مجلس الأمن من أن سلوك الحوثيين، بما في ذلك الهجمات الأخيرة، يُثير مخاوف من انزلاق اليمن إلى صراع إقليمي أوسع، رغم تجنبه هذا السيناريو حتى الآن.

ودعا غروندبرغ الجماعة إلى الامتناع عن أي تصعيد جديد، حفاظاً على فرص السلام، مؤكداً أن حماية حرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن تُمثل أولوية دولية، وهو ما يتقاطع مع تحذيرات الحكومة اليمنية.

من كل ذلك، يظهر أن شعار «وحدة الساحات» بالنسبة للحوثيين تحوّل إلى شعار مطاطي يُستخدم وفقاً للظروف، ويُعاد تفسيره بما يتناسب مع أولويات الجماعة، التي باتت تميل بوضوح إلى تغليب حسابات البقاء وتعظيم المكاسب الداخلية، حتى إن جاء ذلك على حساب التزاماتها المعلنة داخل المحور الإيراني.


«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
TT

«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)

في مشهد يتكرر كل عام، لكنه يزداد نضجاً، واتساعاً، تتحول رحلة الحج من مجرد انتقال جغرافي إلى تجربة إنسانية متكاملة تبدأ من مطارات الدول المستفيدة، حيث تُختصر المسافات، وتزال التعقيدات، وتُستبدل بها منظومة خدمات دقيقة تعكس رؤية متقدمة في خدمة ضيوف الرحمن. هكذا تواصل مبادرة «طريق مكة» ترسيخ نموذجها الفريد الذي أعاد تعريف رحلة الحج منذ لحظتها الأولى، وجاعلاً من السلاسة عنواناً، ومن الكرامة أولوية، ومن التقنية شريكاً أساسياً في كل خطوة.

انطلاق رحلات الحجاج من أنقرة ضمن المسارات المخصصة للمبادرة (واس)

وللعام الثامن على التوالي، تواصل وزارة الداخلية السعودية تنفيذ مبادرة «طريق مكة» -إحدى مبادراتها ضمن برنامج خدمة ضيوف الرحمن، وأحد برامج «رؤية المملكة 2030»- عبر 17 منفذاً في 10 دول، تشمل المملكة المغربية، وجمهورية إندونيسيا، وماليزيا، وجمهورية باكستان الإسلامية، وجمهورية بنغلاديش الشعبية، والجمهورية التركية، وجمهورية كوت ديفوار، وجمهورية المالديف، إضافة إلى دولتي السنغال وبروناي دار السلام اللتين تشاركان للمرة الأولى.

وتهدف المبادرة إلى تيسير رحلة الحج من خلال تقديم خدمات متكاملة، وعالية الجودة، تبدأ بإصدار تأشيرة الحج إلكترونياً، مروراً بإنهاء إجراءات الجوازات في مطارات بلدان المغادرة، بعد التحقق من الاشتراطات الصحية، وأخذ الخصائص الحيوية، وترميز وفرز الأمتعة وفق ترتيبات النقل، والسكن داخل المملكة. وعند وصول الحجاج، ينتقلون مباشرة عبر مسارات مخصصة إلى الحافلات التي تقلهم إلى مقار إقامتهم في مكة المكرمة، والمدينة المنورة، فيما تتولى الجهات الشريكة إيصال أمتعتهم.

تكامل الجهات الحكومية في تقديم خدمات متقدمة لضيوف الرحمن (واس)

وفي إطار انطلاق موسم حج هذا العام، غادرت أولى رحلات المستفيدين من المبادرة من عدد من الدول، حيث انطلقت من جمهورية بنغلاديش الشعبية عبر صالة المبادرة في مطار حضرة شاه جلال الدولي متجهة إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة، وبحضور عدد من المسؤولين، في خطوة تعكس جاهزية عالية، وتنسيقاً متكاملاً.

كما شهدت مدينة كراتشي في باكستان مغادرة أولى الرحلات عبر مطار جناح الدولي متجهة إلى مطار الأمير محمد بن عبد العزيز الدولي بالمدينة المنورة، في حين غادرت أولى الرحلات من ماليزيا عبر مطار كوالالمبور الدولي إلى الوجهة ذاتها، وسط حضور رسمي يعكس أهمية المبادرة في تعزيز تجربة الحجاج.

وامتد تنفيذ المبادرة إلى الجمهورية التركية، حيث انطلقت أولى الرحلات من مطار إيسنبوغا الدولي في أنقرة، متجهة إلى المدينة المنورة، ضمن منظومة تشغيلية موحدة تعكس تكامل الجهود بين مختلف الجهات المعنية.

خدمات تقنية ولوجيستية متكاملة تعزز تجربة الحجاج منذ المغادرة (واس)

وتنفذ وزارة الداخلية السعودية المبادرة بالتعاون مع وزارات الخارجية، والصحة، والحج والعمرة، والإعلام، والهيئة العامة للطيران المدني، وهيئة الزكاة والضريبة والجمارك، والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، والهيئة العامة للأوقاف، وبرنامج خدمة ضيوف الرحمن، والمديرية العامة للجوازات، وبالتكامل مع الشريك الرقمي (مجموعة stc).

ومنذ إطلاقها في عام 1438هـ (2017)، أسهمت مبادرة «طريق مكة» في خدمة أكثر من 1.25 مليون حاج، في مؤشر واضح على نجاحها في تحقيق مستهدفاتها، وتطوير تجربة الحج بما يواكب تطلعات المملكة في تقديم خدمات استثنائية لضيوف الرحمن، ترتقي بتجربتهم الإيمانية، وتجسد صورة حديثة لإدارة الحشود، والخدمات اللوجيستية على مستوى عالمي.


وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا
TT

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

شارك الأمير فيصل بن فرحان، وزير الخارجية السعودي، في الاجتماع الوزاري الرباعي، الذي عقد في مدينة أنطاليا بتركيا، بمشاركة نائب رئيس الوزراء وزير خارجية باكستان محمد إسحاق دار، ووزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج الدكتور بدر عبد العاطي، ووزير خارجية تركيا هاكان فيدان.
وجرى خلال الاجتماع مناقشة مستجدات الأوضاع الإقليمية، ودعم جهود الوساطة الباكستانية ومساعيها في التوصل لوقف دائم لإطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة، بما يسهم في خفض حدة التصعيد ويجنب المنطقة والعالم التداعيات الأمنية والاقتصادية الخطيرة للحرب.