مع موسم أعياد الميلاد.. جدار الفصل يجعل حياة الفلسطينيين أكثر بؤسا

62 % من أصل 7000 كيلومتر مقررة لأسباب أمنية وسياسية وحدودية.. وانتقامية

مع موسم أعياد الميلاد.. جدار الفصل يجعل حياة الفلسطينيين أكثر بؤسا
TT

مع موسم أعياد الميلاد.. جدار الفصل يجعل حياة الفلسطينيين أكثر بؤسا

مع موسم أعياد الميلاد.. جدار الفصل يجعل حياة الفلسطينيين أكثر بؤسا

يدخل الفلسطينيون عامهم الجديد مثل أعوام أخرى سابقة وثمة أشياء في حياتهم لا تتغير، الاحتلال وأدواته.
وفيما ينشغل معظم سكان العالم بالاحتفال بالأعياد المختلفة مع نهاية وبداية وكل عام يجد الفلسطينيون صعوبة كبيرة في تذوق حلاوة الأعياد، التي تتحول لديهم إلى ذكريات سيئة.. حزنا على كثيرين منهم مضوا على طريق المواجهة مع إسرائيل، وأيضًا بسبب أدوات الاحتلال الكثيرة التي تعيق التواصل، ومن بينها وأهمها الجدار الإسرائيلي الفاصل الذي يحول الضفة إلى كنتونات كبيرة داخل سجن أكبر. للجدار الفاصل أو العازل، أو جدار الضم والتوسع، أو الفصل العنصري، كما تتعدد أسماؤه، وجهان كذلك؛ واحد بشع ولئيم، والثاني جميل ومزخرف وملون بأزهى الألوان. الأول الذي يمثل أحد جانبي الجدار، يطل على شوارع الفلسطينيين ومدنهم، يخنقهم ويحاصرهم، والثاني الذي يمثل الجانب الآخر، يطل على شوارع الإسرائيليين في الضفة ومستوطناتهم، يبعث لديهم «الطمأنينة» من شعب «مشتبه به» دائمًا.
يترجم الجدار باختصار ما تفعله إسرائيل في الضفة الغربية التي يفترض أن تكون عمق الدولة الفلسطينية، تقسمها إلى مدن وقرى ومخيمات محاصرة للفلسطينيين وهؤلاء لهم شوارعهم الخاصة، ومستوطنات وتجمعات للمستوطنين.
إنه ببساطة عنوان «الأبرتهايد» الجديد.
كان عمر شنانيري في قرية الولجة الصغيرة القريبة من القدس يقاتل مع أهل القرية قبل 5 سنوات عندما زارته «الشرق الأوسط»، حتى يحافظ على منزله داخل القرية التي بدأ الجدار آنذاك يلتف عليها ويخنقها. كانت قصته بمثابة حرب على الأرض وحرب في المحاكم ومظاهرات ضد الجدار الذي كان يفترض أنه سيلتهم بيته كذلك وليس أراضي المواطنين فقط، واليوم عندما زرناه مرة ثانية كان قد كسب المعركة، ولكن مع عزل تام عن باقي محيطه العربي، وكأنك ذاهب لمراجعة مؤسسة أمنية إسرائيلية.
دخلنا القرية عبر شارع مخصص للفلسطينيين يحده جدار فاصل عالٍ وآخر شائك ونقاط مراقبة لحماية المستوطنين في مستوطنة هار جيلو، التي لا تبعد بعض بيوتها عن بيوت الولجة سوى بضعة أمتار. ودلفنا عبر المدخل الوحيد للقرية التي فقد المواطنين فيها آلاف الدونمات من الأراضي لصالح الجدار، وصولا إلى منزل شنانيري قبل أن نتفاجأ بأن الطريق إليه ينتهي إلى نفق صغير حفره الإسرائيليون في بطن الجبل وتحت شارع أمني مخصص لمراقبة الجدار.
كان شنانيري ينتظرنا عند مدخل النفق حتى يعرف مراقبوه من الإسرائيليين أننا «ضيوف»، ولسنا «مخربين» وإلا فإن الدوريات الإسرائيلية ستحاصرنا فورًا بتهمة اختراق «الحدود».
قال شنانيري: «كأنك هنا تريد العبور إلى القدس».
وأضاف: «هذه النتيجة بعد سنوات من الصراع. إنه المدخل الوحيد لبيتي وبطيعة الحال يخضع لكل أنواع المراقبة».
كانت المداخل الأخرى مغلقة بحواجز عسكرية.
وقفنا قليلا أمام منزله الذي بدا مثل فطر ينبت على رأس جبل، ومعزول عن باقي القرية التي يعيش فيها 2000 فلسطيني، على مساحة 4500 دونم من أصل 17793 دونمًا، استولت عليها إسرائيل، وحولتها إلى أراضي دولة ومستوطنات ومحميات أمنية.
كان يمكن مراقبة الكنيست الإسرائيلي ومستشفى المطلع، وأسواق المالحة وملعب تيدي كوليك (رئيس بلدية القدس السابق) في القدس، بوضوح تام من مكان قريب من منزل شنانيري حيث تعمل الجرافات على استكمال الجدار هناك.
وأسفل منزل شنانيري تمر سكة حديد إسرائيلية تربط بين القدس وحيفا ويافا واللد والرملة، لكن ممنوعًا على الفلسطينيين حتى مجرد الاقتراب منها، وتحمي إسرائيل السكة بسياج أمني وبعض الحراسات.
كان الأطفال يراقبون القطار كمن يراقب لعبة «قطار الموت» الشهيرة في مدن الملاهي، فالفلسطينيون المقيمون في الضفة وغزة لم يجربوا القطار الحقيقي ولا قطار الملاهي، على أي حال.
ويملك شنانيري 18 دونمًا في التلة المعزولة المعروفة بخربة رغدان، المليئة بالآثار التي نقبت عنها إسرائيل جيدا في السنوات الماضية. وشاهدنا هناك آثارًا لمعصرة زيتون حجرية وبعض أساسات المنازل داخل الصخور، وقال شنانيري: «هنا ولدت وهنا سأموت ولن نغادر»، مضيفًا بشيء من الأمل المفقود: «سيتغير الحال بإذن الله».
بدا شنانيري منتصرًا ومغلوبًا على أمره كذلك، فقبل أن يقبل بهذا الوضع الصعب، خيره الجنود بين بوابات إلكترونية، أو أن يعبر من نفق تحت الأرض ووضعوا حاجزًا عسكريًا أمام باب منزله، ومنعوه أيامًا وساعات من الدخول إلى المنزل، بينما كانوا يمنعون زوجته من الخروج منه، وكانوا يطلبون منه ترك المكان.
ويخشى شنانيري بعد فترة وجيزة بأن يجبره الإسرائيليون وزواره على الحصول على تصاريح خاصة شأنه شأن آخرين في أماكن أخرى في الضفة المحتلة.
ويمتد الجدار الفاصل على طول 7000 كيلومتر حول الضفة الغربية بحدود رسمتها إسرائيل لنفسها، كي تكون فاصلة بين الشعبين، لكنها حدود مختلفة تمامًا عن تلك التي يطالب بها الفلسطينيون أو رسمتها في أي يوم من الأيام هيئات دولية.
يدخل الجدار «البشع» ويتلوى وسط الأراضي الفلسطينية الخاصة ويشق تجمعات ويعزل أراضي وأحياء، ويحكم قبضته على مدن كاملة، ويحد من التوسع الطبيعي لأكثر من مليونين ونصف المليون فلسطيني يعيشون في الضفة.
وقالت منظمة التحرير الفلسطينية في تقرير رسمي، إن إسرائيل أقامت 62 في المائة من الجدار فيما أن 10 في المائة قيد الإنشاء و28 في المائة من المزمع إقامته لاحقًا.
وأشارت دائرة شؤون المفاوضات في منظمة التحرير الفلسطينية في تقرير جديد إلى أن 85 في المائة من مسار الجدار، هو داخل الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية. وأضافت: «طول الجدار المخطط هو 712 كيلومترا وهو يمثل ضعف خط حدود 1967 (أي 323 كيلومترا)».
وذكر التقرير أن «150 تجمعًا فلسطينيًا يمتلكون أراضي تقع ما بين الجدار والخط الأخضر»، لافتة إلى أن «65 مستوطنة إسرائيلية من أصل 150 مستوطنة ستقع داخل الخط الأخضر من الجدار».
وبحسب التقرير الفلسطيني الرسمي، فإن الجدار يعزل الآن نحو 11 ألف فلسطيني من سكان الضفة الغربية، إذ إنهم يعتبرون معزولين بين الجدار والخط الأخضر، إما إذا ما اكتمل بناء الجدار كما هو مخطط له، فإن 25 ألف فلسطيني آخرين سيقيمون بين الجدار والخط الأخضر.
ويوجد 1400 من سكان الضفة الغربية معزولون الآن على جانب القدس من الجدار ويعيشون في 17 تجمعًا معزولاً ومحرومون من الإقامة وحرية الوصول إلى العمل والخدمات في القدس الشرقية و1000 من سكان القدس الشرقية يقيمون الآن في جانب الضفة الغربية من الجدار.
وأشار التقرير إلى أن «معظم السكان الذين تزيد أعمارهم عن 16 عاما ملزمون بالحصول على تصريح إقامة دائمة للاستمرار بالعيش في بيوتهم».
وهذا بالضبط ما يحاول أهالي مدينة بيت جالا، تجنبه بعدما استأنفت إسرائيل أعمال بناء الجدار في منطقة قريبة من خط سريع للمستوطنين واصل إلى القدس.
ولم تمنع مظاهرات دورية للفلسطينيين في المكان وقف الأعمال مطلقا.
وفي الأسابيع القليلة الماضية، زحف فلسطينيون غاضبون تجاه الأراضي المهددة وهم يغنون «فلسطين الجريحة تنادي وين العرب يشوفوا ولادي»، قبل أن يهددهم جندي بالقول: «هذه المسيرة غير قانونية فلا تتجاوزوا أماكنكم»، ومن ثم يبدأ جنود آخرين بإمطار المتظاهرين بقنابل الصوت والغاز.
لم يستطع كبار السن والنساء وحتى شبان من الصمود طويلا أمام القنابل المسيلة للدموع، التي كان لنا نصيب كبير منها، وقالت امرأة كبيرة وهي تتلقى الإسعاف «إنهم دون أخلاق».
وقال خالد الشتلة وهو يحاول التقاط أنفاسه: «هذا الجدار اللعين سيلتهم 3500 دونم، ونحن لن نتسلم حتى لو أطلقوا الرصاص». وأضاف: «سنقاومهم هذه أرضنا».
وعرض الإسرائيليون على الأهالي إمكانية تزويدهم بهويات إسرائيلية لكي يتمكنوا من الدخول إلى أراضيهم لاحقا، لكن الشتلة مثل غيره رد بالقول: «لا نريد هوياتكم نريد أرضنا».
ولا يريد الشتلة أن يجد أرضه معزولة عن محيطها، مضيفا: «لدي مئات أشجار الزيتون وهذه أغلى من هوياتهم».
وفقد الشتلة 20 دونما مع بداية أعمال الجدار في 2002، وهو مهدد الآن بفقدان 4 دونمات أخرى.
وفيما كان يواصل الجنود إطلاق القنابل الصوتية وقنابل الغاز، ويهتف الفلسطينيون ضد الاحتلال والجدار، كانت الجرافات تواصل أعمالها دون توقف.
تجمع الفلسطينيون حول بطريرك اللاتين السابق ميشال صباح الذي جاء لمساندة الأهالي وكي يتظاهر ضد الجدار. وقال صباح: «هذه أرضنا وستبقى أرضنا، جنودهم وسلاحهم يحكمون بالقوة، ويومًا ما ستزول هذه القوة، وستعود الأرض لأصحابها الفلسطينيين».
لكن منطق صباح الذي لاقى تصفيقا طويلا لم يكن مقنعا للبعض، إذ من وجهة نظرهم لا ينفع الانتظار حتى تزول القوة، ولكن أيضًا لا يوجد بدائل. وهذا يفسر حالة الضعف الفلسطينية في مواجهة هذا الغول الممتد.
وفي إمكان أخرى كثيرة في الضفة كان الإسرائيليون يواصلون شق الجدار بالمنطق نفسه «بقوة السلاح».
ويوجد اليوم شواهد لا يمكن تجاهلها لما صنعه الجدار في حياة الفلسطينيين.
ففي برطعة الشرقية يحصر مسار الجدار الفاصل في داخله 4.575 شخصًا ويفصلهم عن مدينة اللواء جنين وعن بلدات يعبد الواقعة في الشرق وقفين الواقعة في الجنوب. وقد وضعت إسرائيل معبرا مركزيا يسمح بتنقل وحركة الناس والبضائع إلى داخل هذا «الجيب» (برطعة) وخارجه هو معبر «ريحان»، الذي جرت خصخصته في 2007.
ويضطر أهالي القرية للخضوع إلى عملية فحص زمنا طويلا، وقد يصل في ساعات الضغط - في الصباح وبعد الظهر - إلى قرابة الساعة. وكل من يرغب بالدخول إلى منطقة «الجيب» - ومن بينهم المرضى المزمنون والمرضى المتعافون بعد العمليات الجراحية والنساء الحوامل والمعوقون والأطفال - يضطر إلى الخضوع لفحوص أمنية متشدّدة تشتمل على عدة مراحل فحص وتمتد على مسار يصل طوله إلى قرابة 200 متر.
وفي جيّوس لا يمكن للفلسطينيين سوى المرور عبر البوابة الكهربائية عند القرية الواقعة شمال شرقي قلقيلية.
ومنذ فرض نظام التصاريح، أضحى عدد سكان القرية الذين يحظون بالتصاريح لزراعة أراضيهم الواقعة في الجانب «الإسرائيلي» أقل قياسًا بعدد العاملين في الزراعة قبل تشييد الجدار، مقابل ارتفاع الرفض لطلبات استصدار التصاريح.
وفي قلقيلية شمال الضفة، أدّى عزل المدينة، وهي رابع أكبر مدن الضفة الغربية، إلى سدّ أي إمكانية لتطوير المدينة بشكل حقيقيّ. ومنذ منتصف العقد الماضي، جرى استنفاد غالبية المساحة المخصصة للبناء في المدينة: 4.200 دونم فقط. وبلغت مساحة المنطقة التي صدقتها بلدية قلقيلية للبناء الجديد بين 2010 و2011 الأكثر انخفاضًا من بين مدن الضفة: 1.5% من مجمل البناء المصدّق في سائر مدن الضفة. وقد أدّى عزل المدينة في أعقاب القيود الصعبة المفروضة على حرية التنقل إبان الانتفاضة الثانية وفصلها عن سائر مناطق الضفة بواسطة الجدار الفاصل، إلى أن تتأخر نسبة الزيادة السكانية في المدينة عن نسب الزيادة السكانية في سائر مدن الضفة.
وفي بير نبالا في رام الله خلق الجدار الفاصل الذي يبلغ 18.3 كيلومتر سجنا كبيرا للأهالي. وقد فرض الجدار الفاصل على القرية انفصالاً عن القدس الشرقية، وبعد تشييده جرى ربط القرية وبشكل حصري بمدينة رام الله عبر شارع «نسيج حياة» جديد. كما أن الجدار قام وبشكل شبه تامّ بقطع جميع العلاقات التجارية التي كانت قائمة بين سكان القرية وبين سائر مدن الضفة ومع جهات تجارية في إسرائيل، إلى جانب قطع العلاقات المتشعبة بين سكان القدس الشرقية والقرية.
ومن غير المعروف متى ستنتهي إسرائيل من بناء الجدار الذي انطلقت أعماله في 2002، وأصدرت محكمة العدل الدولية، «رأيا استشاريًا» حوله في 2004، وجاء فيه أن الجدار الفاصل مخصص للمساعدة في المشاريع الاستيطانية، وقد يؤدي رحيل الفلسطينيين المعزولين بسببه، إضافة إلى أن السيطرة على الأراضي الخاصة والمرتبطة بإقامة الجدار الفاصل يُشكِّلُ مسًّا بالأملاك الشخصية، مما يُشكّلُ خرقًا للبنود 46 - 52 من لوائح هاج للعام 1907، والبند 53 من وثيقة جنيف الرابعة.
ورأت محكمة العدل الدولية أن الجدار الفاصل يمس مختلف الحقوق المقننة في الاتفاقيات والمواثيق التي وقعت إسرائيل عليها: الحق في حرية الحركة، الحق في عدم التدخل في خصوصية البيت والعائلة، والمقننة في البنود 12 و 17 من الميثاق الدولي بخصوص الحقوق المدنية والسياسية، الحق في العمل، الحق في مستوى حياة لائق، الحق في الصحة والتعليم، وهي مقننة في البنود 6، و11، و12 و 13 من الميثاق الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية، الاجتماعية والحضارية.
وجاء في الاستنتاجات الخاصة بالرأي الاستشاري أنه يتوجب على إسرائيل التوقف عن إقامة الجدار الفاصل، وتفكيك أجزاء الجدار الفاصل التي تمت إقامتها في الضفة الغربية، وإلغاء الأوامر التي تم إصدارها بخصوص إقامته وتعويض الفلسطينيين الذين تضرروا جراء ذلك.
لكن إسرائيل رفضت التعاون وعدت الرأي الاستشاري للمحكمة بغير ملزم، وواصلت البناء لاحقًا وحتى اليوم وغدًا.
وخلال السنوات الماضية لجأ السكان الفلسطينيون إلى المحكمة العليا الإسرائيلية، وقدموا مئات الالتماسات ضد مسار الجدار. وصححت إسرائيل بقرار من المحكمة مسار الجدار الفاصل أكثر من مرة لكنها لم تلغه في أي مكان.
وقالت منظمة «بيتسيلم» الإسرائيلية إن تحديد مسار الجدار تم مع تجاهل تام تقريبا للإساءة الواسعة بحقوق الإنسان للسكان الفلسطينيين. «فقد تم تحديده حسب اعتبارات غريبة لا تمت بصلة لأمن المواطنين الإسرائيليين».
وأضافت: «إن أحد الاعتبارات المركزية في تحديد مسار الجدار الفاصل هو الرغبة في الضم الفعلي لقسم من الضفة الغربية لإسرائيل. ومع الانتهاء من بناء الجدار، فإن نحو 9.5 في المائة من مساحات الضفة، التي توجد فيها 60 مستوطنة، ستقع مستقبلا في الجانب الغربي من الجدار من ناحية إسرائيل فيما يتعاطى السياسيون الإسرائيليون مع مسار الجدار على أنه الحد المستقبلي لإسرائيل».
وبحسب «بيتسيلم»: «تمسّ إقامة الجدار داخل مناطق الضفة وفرض نظام التصاريح الصارم بسلسلة طويلة من حقوق الإنسان الخاصة بالفلسطينيين. ومن ضمن ذلك، انتهاك حقهم في حرية الحركة، ونتيجة لهذا انتهاك حقهم في العمل والتربية والعناية الطبية والحياة الأسرية، وكسب الرزق ومستوى الحياة اللائق. كما يُنتهك حق الفلسطينيين الجماعي بتقرير المصير، كون المسار الذي صدّقته الحكومة يقطّع أوصال الضفة: فإذا بُني الجدار حول (أصبع) المستوطنات في منطقة معاليه أدوميم كما هو مخطط له، فإنّ هذا الأمر سيقطع التواصل الجغرافي القائم بين شمال الضفة وجنوبها وسيعزل القدس عن سائر أرجاء الضفة».
لا يتوقف الجدار أبدا مثل أفعى تتلوى، فيما يقاتل الفلسطينيون في خضم معركة قانونية وعلى الأرض ضد هذا الغول الذي يحاصرهم، ويحاصر في الوقت ذاته إسرائيل التي ذهبت لبناء جدران أخرى مع مصر والأردن منغلقة على نفسها أكثر فأكثر.
تتواصل الانتفاضة على الأرض اليوم ويتواصل بناء الجدار كذلك.

مواصفات الجدار

* يتراوح عرضه من 60 إلى 150 مترًا في بعض المواقع والمقاطع التي سيمر منها وبارتفاع يصل إلى 8 أمتار.
ويضاف إليه أسلاك شائكة، وخندق يصل عمقه إلى أربعة أمتار وعرضه أيضًا الحجم نفسه «وهو يهدف لمنع مرور المركبات والمشاة، وطريق للدوريات، وطريق ترابية مغطى بالرمال لكشف الأثر، وسياج كهربائي، وطريق معبد مزدوج لتسيير دوريات المراقبة، وأبراج مراقبة مزودة بكاميرات وأجهزة استشعار».
وتنصب إسرائيل ما لا يقل عن 81 بوابة محددة كبوابات لعبور الفلسطينيين. ولم يكن من بين هذه البوابات سوى 9 بوابات مفتوحة يوميًا ولساعات محدودة بينما يوجد 9 بوابات أخرى تفتح ليوم أو بعض الأيام خلال الأسبوع و63 لا تفتح، إلا خلال موسم قطاف الزيتون.



كوبا تقارع إرث «الكوماندانتي»... وأيتام ثورة رومانسية

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
TT

كوبا تقارع إرث «الكوماندانتي»... وأيتام ثورة رومانسية

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)

يقول المؤرخون إن الطاغية الكوبي فلوخنسيو باتيستا الذي هرب إلى الولايات المتحدة بعدما أطاحته الثورة مطلع عام 1959، لم يندم في حياته سوى على قرار واحد وهو العفو عن فيديل كاسترو بعد سنتين من اعتقاله عام 1953 لمشاركته في الهجوم الذي تعرّضت له ثكنة «مونكادا» العسكرية على يد مجموعة من الثوار.

قبل ذلك الهجوم كان فيديل، المتخرج حديثاً من كلية الحقوق في جامعة هافانا، تقدّم بشكوى ضد باتيستا لانتهاكه أحكام الدستور. لكن المحكمة رفضت الشكوى، ما دفع فيديل إلى القول إن ذلك الرفض يعطي شرعية للكفاح المسلح كسبيل وحيد لقلب النظام، وشارك مع مجموعة من رفاقه في التخطيط لسلسلة من الهجمات على عدد من الثكنات العسكرية، تمهيداً للدعوة إلى تمرد شعبي على النظام الذي كانت تدعمه وتموّله الإدارة الأميركية.

مؤيدون للتدخل العسكري الأميركي في كوبا يرفعون لافتة كتب عليها «كوبا التالية. فلنكمل المهمة» في فلوريدا في 24 مارس 2026 (أ ف ب)

بعد فشل تلك الهجمات ألقي القبض على فيديل وأودع السجن ليخرج منه بعد عامين بموجب عفو عام أعلنه باتيستا تحت وطأة الضغط الشعبي، وانتقل لفترة وجيزة إلى الولايات المتحدة حيث أوشك أن ينخرط كلاعب محترف في أحد نوادي البيسبول، لكنه ما لبث أن توجه إلى المكسيك حيث باشر بالتخطيط مع رفاق له لاجتياح عسكري ضد نظام باتيستا. وبعد حصوله على التمويل اللازم من مصادر متنوعة، عاد إلى كوبا على متن اليخت «غرامّا» برفقة 82 من الثوّار المسلحين، بالتنسيق مع مجموعة أخرى في الداخل كانت تخطط للسيطرة على سانتياغو، ثاني المدن الكوبية.

لكن الإنزال البحري فشل، ولم ينجُ من الثوار سوى فيديل وعدد ضئيل من رفاقه، بينهم شقيقه راؤول وتشي غيفارا، وانتقلوا إلى سييرا مايسترا حيث أعادوا تنظيم صفوفهم، وبدأت حرب العصابات ضد النظام، التي برز خلالها تشي غيفارا، خصوصاً في معركة «سانتا كلارا» الشهيرة، إلى أن سقط باتيستا وفرّ من كوبا بعدما انقلب عليه عدد من كبار ضبّاط القوات المسلحة.

بعد سقوط باتيستا، دخل فيديل إلى هافانا فجر اليوم الثامن من عام 1959 دخول الفاتح الذي سينقذ كوبا من «عفن الفساد والتخلف والتبعية المفرطة للولايات المتحدة»، التي كانت حوّلت «لؤلؤة الكاريبي» إلى مرتع لعصابات الإجرام والدعارة والمخدرات وزعماء المافيا مثل لوكي لوتشيانو ورفاقه، حتى قال عنها آرثر شليسنغر مستشار الرئيس الأميركي الأسبق جون كيندي: «كنت شغوفاً إلى حد بعيد بهافانا، لكني شعرت بصدمة كبيرة عندما رأيت هذه المدينة الرائعة وقد تحولت إلى كازينو واسع وماخور لرجال الأعمال الأميركيين الذين كانوا يتجولون في شوارعها برفقة فتيات في الرابعة عشرة من العمر، ويرمون قطع النقود في أقنية الصرف لمجرد مشاهدة الرجال يركضون لالتقاطها. وكان لا بد أن أسأل نفسي السؤال التالي: هل يمكن أن ينظر أهل الجزيرة إلينا إلا بعيون النقمة والحقد؟».

فيدل كاسترو... حاول الأميركيون إطاحته في إنزال خليج الخنازير وبسيجار وقلم مسمومين وببدلة غوص ملوثة ببكتيريا السل (أرشيف نيويورك تايمز)

الصعود إلى السلطة

منذ تسلّمه السلطة في ذلك العام، حتى رحيله خريف عام 2016 بعدما نكث بكل الوعود التي كان قد قطعها في بداية الثورة مثل إجراء انتخابات حرة والتناوب على الحكم، كان فيديل كاسترو قد ترك بصماته العميقة على حياة ثلاثة أجيال من الكوبيين، وألهم عشرات الحركات التحررية في أميركا اللاتينية والعالم، ووضع قطبي الحرب الباردة على شفا أول صدام نووي في التاريخ بعد أزمة الصواريخ الشهيرة التي أشعلت المواجهة السياسية بين واشنطن وموسكو.

حكم كاسترو بلاده بقبضة من حديد، متفرداً في السلطة والقرار، ومستنداً إلى قدرة خطابية نادرة، ورمزية ثورية عالية كانت محط إعجاب اليساريين والحركات الثورية في العالم. وفي عهده، حققت الثورة الكوبية إنجازات مبهرة في مجالات التعليم والصحة والأمن والبحوث، لكنها وقعت أيضاً في فخ الاعتماد المفرط على الاتحاد السوفياتي عندما تعرّضت لحصار أميركي خانق لا يزال مستمراً إلى اليوم، وفشلت في تطوير قطاعاتها الإنتاجية وتنويعها، وتخلّت عن كل الوعود بضمان الحريات الفكرية والسياسية، وتحوّلت أجهزتها الأمنية إلى أدوات ترهيب وقمع تنكّل بالأصوات المعارضة التي تطالب بالمحاسبة.

صور الزعيم الكوبي فيديل كاسترو والرئيس الفنزويلي الأسبق هوغو شافيز عند مدخل مبنى في هافانا (أ ب)

وعندما انطفأ «الكوماندانتي» أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 بعد نصف قرن تقريباً من الحكم المطلق، أي تماماً في الذكرى السنوية الستين لانطلاق الثورة، كان أرسى دعائم نموذج اقتصادي اشتراكي هزيل الإنتاج، وضرب بسيف ستالين كل منافسيه وأعدائه الذين جرّدهم من المال والحرية، وكانت هوية الجزيرة قد ذابت كلياً في صورته ولحيته الشهيرة، وسبابته التي اعتاد أن يرفعها خلال خطبه الطويلة مفاخراً ومتحدياً.

رحل فيديل من غير أن يترجّل يوماً عن صهوة أحلامه «الدون كيشوتية»، محاطاً بهتافات ودموع الذين رفعوه فوق مراتب الشك والمساءلة، وأيضاً بصمت ولعنات الضحايا الذين سقطوا بالآلاف على «طريق الثورة».

شارع في وسط هافانا - كوبا (أ.ف.ب)

آليات صمود «دون كيشوتي»

عاد المراقبون لطرح السؤال نفسه الذي كانوا بدأوا يطرحونه عند مغارب القرن الماضي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانقطاع الشريان الأبهر الذي كان يمدّ كاسترو بالدعم السياسي والدبلوماسي والمساعدات الحيوية: كيف استطاع النظام أن يصمد طوال تلك الفترة من غير حليفه التاريخي وتحت وطأة الحصار الأميركي؟

كثرت التحليلات السياسية والاقتصادية للإجابة عن هذا السؤال، وتوافقت على مجموعة من الأسباب، أبرزها: أولاً، الطبيعة المحلية الصرفة للثورة التي توفرت كل عناصرها ونضجت في كوبا، ولم تفرضها الدبابات السوفياتية، ما أعطى نظام كاسترو هامشاً واسعاً من الاستقلالية في التحرك الدبلوماسي إزاء موسكو التي كانت تحتاج إليه في الحرب الباردة بقدر ما كان هو يحتاج إليها.

يضاف إلى ذلك أن صيرورة الثروة، بخاصة النصر الذي حققه الثوار على قوات النظام المتفوقة بالعدة والعديد، أضفى عليها مسحة روائية وشبه سينمائية كما كان يقول غابرييل غارسيّا ماركيز. ثانياً، شخصية كاسترو التي لا قرين لها في التاريخ الأميركي اللاتيني، التي تجاوزت شخصيات أخرى تاريخية في المنطقة مثل سيمون بوليفار في فنزويلا أو أميليانو زاباتا في المكسيك. ثالثاً، فشل المحاولات العديدة التي قامت بها الولايات المتحدة لإسقاط النظام، بما في ذلك عشرات المخططات لاغتيال كاسترو كما اعترفت وكالة الاستخبارات الأميركية، والحصار الاقتصادي الخانق الذي ضربته عليها منذ بدايتها. ورابعاً، المساعدات الاقتصادية الضخمة التي قدمها الاتحاد السوفياتي للنظام في العقود الثلاثة الأولى من عمر الثورة وحتى نهاية الحرب الباردة.

عامل نظافة يكنس طريقاً في وسط العاصمة الكوبية هافانا بعد ليلة كاملة من انقطاع الكهرباء التام في الجزيرة (أ.ف.ب)

في سبعينات وثمانينات القرن الماضي لعبت الثورة الكوبية دوراً كبيراً ساعد على ظهور الحركات التحررية في أميركا اللاتينية وبعض دول العالم الثالث، ومدّها بالخبرات العسكرية والمساعدات الاجتماعية في مجالات التعليم والصحة، ما زاد في وهجها وأضفى عليها هالة شبه أسطورية من حيث قدرتها على الصمود. وقد برع النظام الكاستري في بناء هوية وطنية قوية انطلاقاً من وعي قومي كان ضعيفاً وملتبساً، ونجح بنسبة عالية جداً، خلافاً لما حصل في الولايات المتحدة، في صهر روافد الهجرة الأفريقية ضمن هذه الهوية التي تألق في وصفها شاعر كوبا الكبير خوسيه مارتي الذي اقتبس باراك أوباما من إحدى قصائده عبارة «فلنزرع وردة بيضاء»، لافتتاح خطبته الشهيرة في زيارته التاريخية إلى الجزيرة لتطبيع العلاقات ربيع عام 2016، أي قبل أشهر من وفاة فيديل.

درّاجان يعبران بجدارية للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو وخلفه راوول كاسترو والرئيس الحالي ميغيل دياز كانل في وسط هافانا (أ ب)

تغذية العداء لأميركا

كما نجح كاسترو أيضاً في توظيف المشاعر المناهضة للولايات المتحدة حتى أصبحت عنصراً أساسياً من مكوّنات الهوية الوطنية في كوبا، وبعض البلدان الأخرى في المنطقة، وهو ما كانت فشلت في تحقيقه معظم الدول الأميركية اللاتينية، إما بسبب من بعدها الجغرافي، أو لقربها، مثل المكسيك التي تتوفر فيها كل العوامل التي من شأنها أن تؤجج المشاعر المناهضة للجارة الشمالية بعد الهزائم العسكرية التي أصابتها والأراضي الشاسعة التي اقتطعتها منها الولايات المتحدة. ومع الصورة السلبية التي شاعت عن الولايات المتحدة في مطالع هذا القرن، استمرت المشاعر المناهضة لها مشتعلة في أميركا اللاتينية، ساعد على تأجيجها هوغو تشافيز، ناهلاً من مشارب كاسترو، رغم أنه بقي دون المستوى الذي بلغه الزعيم الكوبي.

من العوامل الأخرى التي ساعدت على صمود الثورة الكوبية، براعة فيديل في قراءة التاريخ السياسي والفكري لكوبا وأميركا اللاتينية برمتها، وما كان له من قدرة على ملء الفراغ الذي عجز عنه بوليفار، إذ لعب دور الأب المؤسس لحركات التحرر في المنطقة، والمشخّص لآفاتها، والمنظّر الذي كان يقدّم الحلول والعلاجات استناداً إلى الإنجازات الاجتماعية الباهرة التي حققتها ثورتها في أصعب الظروف. وكان شعبوياً بقدر ما كان مثقفّاً، استقطب حوله كوكبة من كبار رموز الأدب الأميركي اللاتيني كان أبرزهم صديقه الشخصي المقرّب غابرييل غارسيا ماركيز، رغم أن العديد منهم ابتعد عنه في السنوات الأخيرة من حكمه مثل الراحل فارغاس يوسا. ولم يكن مستغرباً أن معظم خصومه في المنفى كانوا لا يترددون في التنويه بقدرته الفائقة على استغلال مواطن الضعف عند أعدائه.

مواطنون كوبيون يترقبون وصول الباخرة «ماغورو» المبحرة من المكسيك والمحمَّلة بالمساعدات الغذائية في 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)

إنجازات دونها حبة «باراسيتامول»

كان كاسترو يفاخر دوماً بالإنجازات التي حققتها ثورته التي أرسلت آلاف الأطباء لمساعدة عشرات البلدان في أفريقيا وأميركا اللاتينية في القضاء على أمراض كثيرة متوطنة، ويتباهى كيف أن مئات الأميركيين والأوروبيين كانوا يسافرون إلى كوبا للمعالجة على يد أخصائيين كوبيين، وكيف أن نظام التعليم في الجزيرة كان يضاهي أفضل النظم في العالم، وكيف أن أطفال كوبا وحدهم في أميركا اللاتينية لا يعانون من نقص التغذية، وكيف كانت كوبا تصنّف بين المراكز العشرة الأولى في الألعاب الأولمبية. لكن الوجه الآخر لهذه العملة البرّاقة، كان أن الدولة التي حققت كل تلك الإنجازات الصعبة بقي اقتصادها هزيلاً ويعتمد بشكل أساسي على المساعدات الخارجية، وفشلت في تحقيق معدلات النمو التي كانت تحققها البلدان المجاورة. والسبب في ذلك، كما اعترف النظام لاحقاً، هو أن تلك الإنجازات لم تترافق مع الارتفاع المناسب في معدلات الاستثمار الصناعي والزراعي والتكنولوجي وفي البنى التحتية، فضلاً عن فشل النظام في توظيف الإنجازات التعليمية لتنشيط عجلة الإنتاج وتحويل الاستثمارات الاجتماعية إلى محرّك لزيادة الإنتاجية، حتى في المرحلة التي كانت لا تزال الاتفاقات قائمة مع الاتحاد السوفياتي.

صور للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو معروضة في إحدى مدارس هافانا (أ.ب)

لكن بعد عشر سنوات على رحيل «الكوماندانتي»، لم يعد العالم يتساءل كيف تمكنت الثورة الكوبية من الصمود كل هذا الوقت في الظروف الصعبة التي نعرفها، بل متى سينهار نهائياً هذا النظام كالثمرة الجافة من شجرة التاريخ؟ وما الذي بقي من كاسترو وأسطورته؟

شوارع هافانا تضجّ بالفراغ والعتمة منذ أشهر، فيما سكانها يجرّون أنفسهم كل يوم وراء سراب الرزق المجبول بعقود من العذاب والشحّ في كل شيء، والشعارات التي بهتت من كثرة ما اجترّها النظام لتبرير فشله في الحفاظ على منجزات كان العالم يوماً يحسده عليها، مصرّاً على قمع كل الحريات التي وعدت بها تلك الثورة التي أضاءت دروب الملايين وأصبحت اليوم جسماً متهالكاً ينتظر من يوقّع شهادة وفاته أمام الجار الأميركي الذي يُحكم آخر فصول الحصار على الجزيرة المتمردة. حياة الكوبيين اليومية باتت أشبه بجلجلة من الحواجز والتعقيدات التي لا نهاية لها، بحثاً عن الطعام، أو سعياً وراء وسيلة نقل، أو معلومات لمعرفة ماذا سيحصل في اليوم التالي. النظام لا يفصح عما إذا كان يتفاوض أو لا مع الإدارة الأميركية، ولا أحد يعرف متى سيعود التيار الكهربائي، أو إذا كانت الجزيرة ستغرق في كارثة إنسانية إذا لم تصل شحنات الوقود الموعودة، أو إذا كانت البلاد على شفا تغيير للنظام، أو إصلاحه تدريجياً بفعل الضغط الأميركي، أو إذا كانت كوبا هي التالية بعد فنزويلا وإيران.

مواطنون كوبيون ينتظرون دورهم لتعبة مياه الشفة في هافانا خلال انقطاع تام للكهرباء في كافة أنحاء البلاد (أ ف ب)

لم يعد في كوبا شيء من الذي كان تشي غيفارا يتغنّى به، أو من الذي كان غارسيّا مركز يمتدحه في مقالاته، ولا مما كان يفاخر به أمام العالم فيديل كاسترو الذي لم يتبقّ منه ومن إرثه الثوري سوى شذرات أسطورة لن يحكم التاريخ بالبراءة عليها بعد أن ذابت فيها الثورة، وإنجازاتها، وأحلامها.

وقبل أن تغادر الجزيرة التي اخترت يوماً أن تكون أطروحتك حول ثورتها وقائدها الملهم، يعترضك كهل في طريق العودة إلى الفندق ليسألك إن كنت تحمل أقراص «باراسيتامول» لمداواة آلام الركب... تلك هي نهاية الفيلم الكوبي الرومانسي الطويل.


القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)

دخل قرار الحكومة اللبنانية القاضي بحظر النشاط العسكري والأمني لـ«حزب الله» مرحلة التطبيق العملي، عبر قيام القضاء العسكري بفتح ملفات قضائية بحق عناصر ضُبطوا وهم ينقلون أسلحة غير مرخصة وصواريخ باتجاه الجنوب. ويعكس هذا المسار تحوّلاً قضائياً في مقاربة الدولة لملف السلاح غير الشرعي، بعد تعثر الأسبوع الماضي أدى إلى الإفراج عن موقوفين بكفالات رمزية، ما انعكس على العلاقة بين الأجهزة القضائية.

وفي خطوة اعتبرت مؤشراً على بدء مرحلة مختلفة، ادعى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، الاثنين، على أربعة عناصر من الحزب، بعد توقيفهم أثناء نقل أسلحة وصواريخ، وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول القاضية غادة أبو علوان لاستجوابهم واتخاذ الإجراءات المناسبة بحقهم.

هامش قضائي واسع

في الشكل، قد تبدو هذه الإجراءات روتينية ضمن صلاحيات النيابة العامة العسكرية، إلا أن مضمونها يعكس تبدلاً في أسلوب التعامل القضائي مع ملفات ترتبط بـ«حزب الله». فالقضاء الذي كان يتحرك بحذر شديد في قضايا تمسّ الحزب أو حلفاءه، يبدو اليوم أمام هامش أوسع، في ظل القرار السياسي الذي صنّف النشاط العسكري والأمني للحزب خارج إطار الشرعية القانونية.

ادعاء مفوض الحكومة على عناصر «حزب الله» الأربعة استناداً إلى المادة 72 من قانون الأسلحة التي تعاقب على نقل وحيازة الأسلحة غير المرخصة، يبدو مفهوماً في بعده القانوني. إلا أن اللافت في الادعاء كان توجيه اتهام أشد خطورة لاثنين من الموقوفين استناداً إلى المادة 288 من قانون العقوبات، وهي مادة جنائية تعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة كل من يقوم بأعمال من شأنها تعريض لبنان لخطر أعمال عدائية أو الإضرار بعلاقاته مع دولة أجنبية.

لبناني يرفع علم «حزب الله» في بلدة النبي شيت في شرق لبنان حيث قام الجيش الإسرائيلي بإنزال وأمطر البلدة بقصف كثيف موقعاً عشرات القتلى والجرحى (أ.ف.ب)

وتنصّ المادة 288 من قانون العقوبات على «المعاقبة بالاعتقال المؤقت لكل من يخرق التدابير التي اتخذتها الدولة للمحافظة على حيادها في الحرب، أو يقدم على أعمال أو كتابات أو خطب غير مجازة من الحكومة من شأنها تعريض البلاد لخطر أعمال عدائية أو تعريض اللبنانيين لأعمال ثأرية». ويعطي إدراج هذه المادة في الادعاء بعداً سيادياً للملف، إذ يضع القضية في إطار «الجرائم التي تمس أمن الدولة»، وليس فقط ضمن إطار حيازة السلاح غير المرخص.

نقل صواريخ

وفي تبرير لاتهام عنصرين للحزب بجناية، يؤكد مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط» أن اثنين من الموقوفين الأربعة «أوقفا في بلدة كفرحونة في جبل لبنان، بعدما ضبطت بحوزتهما 21 صاروخاً في طريقها إلى الجنوب، في خطوة اعتُبرت مخالفة صريحة لقرارات الحكومة والقوانين المرعية الإجراء».

ويشير المصدر إلى أن القاضي كلود غانم «اعتمد هذه المرة مقاربة مختلفة في مسار الملاحقة، إذ ادعى على الموقوفين الأربعة وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول طالباً استجوابهم وإصدار مذكرات توقيف وجاهية بحقهم، استناداً إلى مواد الادعاء»، لافتاً إلى أن هذه الآلية القضائية «ستؤدي عملياً إلى إطالة مسار الإجراءات، ما يعني إبقاء المدعى عليهم قيد التوقيف إلى حين استكمال التحقيقات».

ويأتي هذا المسار مختلفاً عمّا حصل في ملف سابق شمل عنصرين من الحزب، حيث جرى الادعاء عليهما وإحالتهما مباشرة إلى المحكمة العسكرية، حيث اكتفت الأخيرة بتغريم كل منهما مبلغ 10 دولارات أميركية وإطلاق سراحهما فوراً، في إجراء أثار انتقادات واسعة.

توسيع دائرة التحقيقات

بحسب المصدر القضائي، فإن الهدف من إحالة الملف إلى التحقيق الاستنطاقي «هو توسيع دائرة التحقيقات لكشف ملابسات نقل الصواريخ والأسلحة، ومعرفة ما إذا كان الموقوفون يتحركون بقرار مستقلّ، أو بتكليف مباشر من الجهة الحزبية التي ينتمون إليها»، في إشارة إلى «حزب الله».

وتندرج هذه القضية في سياق سلسلة عمليات نفذتها الأجهزة الأمنية خلال الأسبوعين الماضيين، أسفرت عن توقيف عناصر من الحزب أثناء تنقلهم بأسلحة فردية أو رشاشات أو أثناء نقل عتاد عسكري بين مناطق مختلفة. غير أن التطور الأبرز في الملف الأخير يتمثل في طبيعة السلاح المضبوط، أي الصواريخ.

وترى مصادر حقوقية متابعة للملف أن تكثيف إحالة هذه القضايا إلى القضاء العسكري «يعكس بداية مرحلة مختلفة في علاقة الدولة مع سلاح (حزب الله)، خصوصاً بعد القرار الحكومي الذي وضع إطاراً قانونياً واضحاً لحظر نشاطه العسكري والأمني خارج مؤسسات الدولة». وتؤكد المصادر لـ«الشرق الأوسط»، أن القضاء العسكري «وضع نفسه أمام اختبار حقيقي لمدى قدرته على تطبيق قرارات الدولة وملاحقة المخالفين لها»، مشيرة إلى أن التحقيقات الاستنطاقية التي تجريها القاضية غادة أبو علوان «ستشكل مؤشراً مبكراً على المسار الذي ستسلكه الدولة في التعامل مع ملف السلاح غير الشرعي في المرحلة المقبلة».


من «نكتة سياسية» إلى قرار مصيري... هل حان وقت مغادرة أميركا؟

مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
TT

من «نكتة سياسية» إلى قرار مصيري... هل حان وقت مغادرة أميركا؟

مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)

منذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، تحوّل سؤال «هل حان وقت المغادرة؟» من نكتة سياسية تُقال بعد كل انتخابات، إلى حديث جاد يتكرر في غرف الأخبار، وعلى منصات التواصل، وحتى في مكاتب الاستشارات الضريبية وشركات الهجرة.

لم يعد سؤال «هل نغادر؟» مجرّد انفعال انتخابي عابر أو تهديد يُطلقه نجوم الشاشة ثم يُطوى. صار السؤال جزءاً من أحاديث يومية في أوساط واسعة: عائلات تُقلّب خرائط مدارس أكثر أمناً وتبحث عن مجتمع أقل توتراً، نساء شابات يقرأن معارك الحقوق والثقافة بوصفها مؤشراً على مستقبل أكثر ضيقاً، أكاديميون يتعاملون مع العلاقة المتدهورة بين الدولة والجامعة باعتبارها اختباراً لاستقلال المعرفة، وأثرياء يتحدثون عن الضرائب والبيئة السياسية بلغة إدارة مخاطر، ويفكرون في «خطة ب» هادئة لا تنفي علاقتهم بالاقتصاد الأميركي، بقدر ما تؤمّن لهم مخرجاً من تقلبات السياسة والضرائب.

في هذا المناخ المتشنّج، تحوّلت «الهجرة المعاكسة» إلى عبارة تختصر مزاجاً أكثر مما تصف حركة سكانية كبرى. فالضجيج كبير، لكن الدقة تقتضي التفريق بين رغبة في الرحيل تُقاس بالاستطلاعات، وبين خطوات قانونية فعلية للحصول على إقامة أو تأشيرة، وبين حقيقة ديمغرافية تُقاس بصافي الهجرة وتدفّقات الداخلين والخارجين. المفارقة أن أهم ما تُظهره الأرقام في العام الأول من الولاية الثانية لا يبدو «نزوحاً أميركياً جماعياً» بقدر ما يبدو تراجعاً في الداخلين إلى الولايات المتحدة، أي في الهجرة إليها، مع آثار اقتصادية وديمغرافية ملموسة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مؤشراً بيده خلال لقائه عائلات فقدت أفراداً منها في جرائم ارتكبها أشخاص دخلوا البلاد بطريقة غير شرعية (رويترز)

مزاج الرحيل

اللافت في موجة الحديث الأخيرة أنها لم تعد حكراً على فئة واحدة أو سبب واحد. في مرحلة سابقة، كان الانقسام السياسي هو محرك الخطاب: «إذا انتصر خصمي فسأغادر». أما اليوم، فالسردية أكثر تركيباً: الناس لا تتحدث عن الرئيس وحده، بل عن مزيج من الاستقطاب، والإحساس بتراجع «الحد الأدنى من الاتفاق» داخل المجتمع، وارتفاع تكلفة العيش، وتراجع الثقة بالمؤسسات، والقلق من العنف المسلح، وصولاً إلى شعور متزايد لدى بعض الشرائح بأن البلد صار مساحة «مفاوضة يومية» على الحقوق والهوية واللغة. هذا ما يفسر لماذا باتت فكرة الرحيل تخرج من إطار «الرمز السياسي» إلى إطار «الخيار الحياتي».

أحد المؤشرات على ذلك هو نشوء خدمات جديدة تُحوّل القلق إلى خطة. في تقرير لمجلة «فوربس» عن شركة ناشئة تساعد الأميركيين على الانتقال، لا يقدّم الأمر بوصفه موجة هروب جماعية، بل بوصفه صناعة تُرشد الناس إلى مسارات قابلة للتطبيق، وتحديداً نحو بعض البلدان الأوروبية، عبر دعم إداري وقانوني وترتيبات معيشية. الفكرة هنا ليست أن الجميع سيغادر، بل أن عدداً متزايداً يريد أن يعرف: ما الذي يمكن فعله واقعياً؟ وما التكلفة؟ وما المسار القانوني؟

وعلى مستوى المزاج العام، جاءت أرقام «غالوب» لتكسر حاجز «الانطباع». الاستطلاع المنشور في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 أظهر أن نحو واحد من كل خمسة أميركيين يقولون إنهم يرغبون في مغادرة الولايات المتحدة بشكل دائم إذا أتيحت الفرصة، وأن الدفعة الأكبر تأتي من النساء الأصغر سناً: 40 في المائة من النساء بين 15 و44 عاماً عبّرن عن رغبة في الانتقال الدائم إلى الخارج، مقابل 19 في المائة من الرجال في الفئة العمرية نفسها، مع مقارنة لافتة بأن النسبة لدى الشابات كانت أقل بكثير قبل عقد. وتنبّه «غالوب» إلى نقطة منهجية حاسمة: الاستطلاع يقيس «الرغبة» لا «الخطة» ولا «التنفيذ»، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن أزمة ثقة عميقة لدى جيل كامل، وعن فجوة جندرية في الرضا عن المسار الأميركي.

هنا يظهر جانب من «الهجرة المعاكسة» لا يحتاج إلى «طائرة»: انسحاب نفسي من فكرة المستقبل الأميركي لدى فئات ترى أن معارك الداخل، على الأمان والحقوق والتعليم، لم تعد هامشية، بل باتت تحدد شكل الحياة اليومية. وهذا الانسحاب النفسي، حتى لو لم يتحول إلى انتقال فعلي لدى الأغلبية، يترك أثراً سياسياً واقتصادياً طويل المدى: من أين يخطط الناس لبناء حياتهم؟ وأين يريدون تربية أطفالهم؟ وأي مجتمع يثقون به؟

مارة يعبرون الطريق في تايمز سكوير بمدينة نيويورك (شاترستوك)

الأرقام الصلبة عن أميركا

حين تُذكر «الهجرة المعاكسة» في النقاش العام، يسهل الانزلاق إلى صورة درامية: أميركيون يرحلون بالملايين. لكن ما تقوله البيانات الأحدث هو أن القصة الديمغرافية الأهم في 2025–2026 ترتبط بانخفاض الهجرة إلى الولايات المتحدة، وتراجع صافي الهجرة الدولية بصورة حادة مقارنة بالعام السابق.

في يناير (كانون الثاني) 2026، نشر مكتب الإحصاء الأميركي تدوينة تحليلية عن تقديرات السكان تُظهر أن صافي الهجرة الدولية بلغ ذروة عند 2.7 مليون في 2024 ثم انخفض إلى 1.3 مليون في 2025، مع توقعات بأن يتراجع أكثر إذا استمرت الاتجاهات. ويضيف مكتب الإحصاء نقطة قد تُستخدم في غير محلها: الانخفاض الكبير نتج من تراجع الهجرة إلى الداخل وارتفاع الهجرة إلى الخارج معاً، لكن ذلك لا يعني تلقائياً «هروب مواطنين» بقدر ما يعكس تغيّرات أوسع في تدفقات السكان، بما فيها تشدد السياسات وتبدل سلوك الهجرة عموماً.

وفي قراءة أكثر تفصيلاً، تشير ورقة محدثة من معهد «بروكينغز» (يناير 2026) إلى أن صافي الهجرة في 2025 كان على الأرجح قريباً من الصفر أو سلبياً للمرة الأولى منذ نصف قرن على الأقل، ضمن نطاق تقديري بين 295 ألفاً و10 آلاف، مع توقعات بأن يبقى ضعيفاً في 2026. الورقة نفسها تعترف بتزايد عدم اليقين بسبب تراجع الشفافية في بعض البيانات، لكنها تؤكد الاتجاه العام: التغيير الأكبر هو في ميزان الداخلين والخارجين ككل، لا في «رحيل الأميركيين» وحده.

أهمية هذا التفصيل أن «الهجرة المعاكسة» تُطرح أحياناً كدليل على تراجع جاذبية أميركا، بينما الأثر الاقتصادي المباشر لتراجع صافي الهجرة يظهر غالباً عبر قنوات أخرى: نقص اليد العاملة في قطاعات محددة، وتباطؤ في نمو السكان في ولايات كبرى، وضغط على النمو والاستهلاك. وفي تحليل نشرته مؤسسة «بارونز» استناداً إلى نمذجة اقتصادية، أشار إلى أن تباطؤ نمو السكان بين 2024 و2025 يمكن أن يرتبط بخسائر اقتصادية كبيرة، مع ربط واضح بين التراجع الحاد في صافي الهجرة الدولية وبين خسارة وظائف وعائدات اقتصادية، حتى مع وجود نقاش بين الباحثين حول حجم الأثر النهائي.

بهذا المعنى، فإن العام الأول من الولاية الثانية لا يمكن اختزاله في «الناس تغادر»، بل في «أميركا تقلل الداخلين»، وهو تحوّل يغيّر تركيبة سوق العمل والجامعات والابتكار، ويعيد رسم علاقة الولايات المتحدة بالعالم ليس فقط عبر التجارة والأمن، بل عبر البشر أنفسهم.

متظاهرون ضد «أيس» بمدينة روتشستر في ولاية نيويورك (غيتي)

الجامعات العريقة في خط النار

إذا كان ملف الضرائب والأمان المجتمعي يُغذي رغبة الرحيل لدى العائلات والأفراد، فإن ملف الجامعات يفتح باباً مختلفاً: باب «هجرة العقول» وتآكل القوة الناعمة. فمنذ الاحتجاجات الواسعة في الجامعات الأميركية على خلفية حرب غزة، اتخذت المواجهة بين الإدارة الفيدرالية وبعض المؤسسات الأكاديمية الكبرى طابعاً أكثر خشونة، امتزج فيه الأمن الجامعي بالتمويل الفيدرالي وبالتحقيقات وبالخطاب السياسي حول «معاداة السامية» وحدود الاحتجاج.

في مارس (آذار) 2025، حذّر المجلس الأميركي للتعليم من قرار إلغاء 400 مليون دولار من منح وعقود فيدرالية لجامعة كولومبيا، واعتبرته سابقة خطرة تقوض الأبحاث وتلتف على العمليات القانونية المعتادة، في إشارة إلى أن التمويل بات يُستخدم كأداة ضغط سياسية يمكن أن تمتد آثارها إلى مجالات علمية وطبية لا علاقة مباشرة لها بالسجال السياسي.

ثم جاء يوليو (تموز) 2025 ليؤكد أن نموذج «العصا والجزرة» ليس نظرياً، حين توصلت جامعة كولومبيا إلى اتفاق مع الحكومة لإعادة التمويل البحثي، تضمن دفع أكثر من 220 مليون دولار، بينما قالت «رويترز» إن البيت الأبيض رأى في الاتفاق نموذجاً يمكن تكراره، في حين حذّر منتقدون من أن ذلك قد يفتح الباب لتدخلات أوسع في الحوكمة الجامعية.

أهمية هذه المعركة في سياق «الهجرة المعاكسة» أنها تمس أحد أعمدة الجاذبية الأميركية التاريخية: الجامعة بوصفها مصنعاً للنخب العالمية وحاضنة للبحث والابتكار. حين تتحول الجامعة إلى ساحة صدام مالي - سياسي، وحين يشعر الأكاديمي أو الطالب أن الحرم الجامعي بات تحت ضغط دائم، يرتفع احتمال التفكير في بيئات أخرى أقل تقلباً، حتى لو لم تكن أكثر بريقاً. وفي حالات كثيرة، لا تكون النتيجة «هجرة فورية»، بل تراجع تدريجي في قدرة الولايات المتحدة على اجتذاب أفضل الباحثين والطلاب الأجانب، وهو ما يلتقي مع ملف التأشيرات والتنافس التكنولوجي.

والأمر لا يقف عند كولومبيا. هذا الشهر رفعت وزارة العدل الأميركية دعوى ضد جامعة «هارفارد» تتهمها بعدم الامتثال لتحقيق فيدرالي بشأن سجلات القبول. وتقول الوزارة إن الدعوى تهدف إلى إجبار الجامعة على تسليم وثائق تتعلق بأي اعتبار للعرق في القبول، من دون اتهامها بتمييز فعلي. وحظيت القضية بتغطية إعلامية واسعة، ما يعكس اتساع نطاق المواجهة إلى ملفات القبول والحوكمة وسياسات التنوع، بالتوازي مع ملفات الاحتجاجات.

هنا يتشكل لدى جزء من الرأي العام الأكاديمي شعور بأن «المعركة» لم تعد حادثاً مرتبطاً بغزة وحدها، بل جزءاً من مواجهة أوسع مع المؤسسات التي تُوصف تقليدياً بأنها «نخبوية». وفي مثل هذه الأجواء، يصبح التفكير في الانتقال أو على الأقل في «تدويل» المسار المهني خياراً عقلانياً لدى بعض الأكاديميين، لا لأن أميركا فقدت ميزاتها العلمية، بل لأن تكلفة عدم اليقين ارتفعت، ولأن السياسة دخلت بحدة إلى التمويل والقبول والحوكمة.

تلامذة ترافقهم الشرطة لدخول مدرستهم بعد حادثة إطلاق نار أودت بحياة زملائهم في ولاية كاليفورنيا (أ.ب)

أوروبا تلتقط حرب التنافس مع الصين

الخط الأكثر حساسية في قصة «الهجرة المعاكسة» لا يتعلق بمن يغادر من الأميركيين، بل بمن لا يأتي إلى الولايات المتحدة، خصوصاً في مجال التعليم العالي والتكنولوجيا. فالتنافس التكنولوجي مع الصين لا يدور حول المصانع وحدها، بل حول المختبرات، والمهارات، والطلاب، والباحثين. وفي هذا السياق، يصبح ملف الطلاب الأجانب جزءاً من «حرب مواهب» عالمية، حيث تسعى الدول إلى اجتذاب العقول أو منع خصومها من الوصول إلى المعرفة.

على مستوى البيانات، أظهر تقرير معهد التعليم الدولي أن إجمالي الطلاب الدوليين في الولايات المتحدة تراجع 1 في المائة في العام الأكاديمي 2025-2026، لكن الأهم كان في «النبض المستقبلي»: انخفاض بنسبة 17 في المائة في أعداد الطلاب الدوليين الجدد. كما قالت غالبية كبيرة من المؤسسات المشاركة إن مخاوف التأشيرات كانت العائق الأول أمام الطلاب. هذه الأرقام لا تعني انهياراً فورياً، لكنها تضيء على اتجاه قد يصبح مؤلماً إذا استمر؛ لأن «الجدد» هم من يحددون ما سيكون عليه الحضور الدولي بعد سنتين أو ثلاث.

مسافر ينتظر القطار في مدينة نيويورك (أ.ف.ب)

في الوقت نفسه، اتخذت واشنطن خطوات أكثر صرامة تجاه الطلاب الصينيين. في مايو (أيار) 2025، قالت الخارجية الأميركية إنها ستعمل على «إلغاء التأشيرات بشكل هجومي» لفئات من الطلاب الصينيين، خصوصاً من لديهم صلات بالحزب الشيوعي أو يدرسون في «مجالات حرجة»، مع تشديد التدقيق على طلبات مستقبلية. وغطّت تقارير إعلامية هذه السياسة في سياق تحذير من «استغلال» الجامعات وسرقة أبحاث، بينما أشارت أخرى إلى أن الخطوة أثارت قلقاً واسعاً في الجامعات وبين الطلاب، في وقت تعتمد فيه مؤسسات كثيرة على الرسوم التي يدفعها طلاب دوليون.

هنا تتشابك خيوط القصة: تشدد التأشيرات والتنافس مع الصين يقللان من تدفق طلاب وباحثين، ومعارك الإدارة مع الجامعات على خلفية احتجاجات غزة تزيد شعور عدم اليقين داخل الحرم، فتجد دول أخرى فرصة لتقديم نفسها كبدائل «أهدأ» أو «أوضح قواعد». وليس صدفة أن تبرز وجهات أوروبية بعينها كهولندا وبريطانيا والبرتغال في خطاب الانتقال الأميركي، لا سيما أن بعضها يجمع بين جودة حياة وإمكانية قانونية قابلة للتطبيق.

في هولندا مثلاً، نقلت تقارير إعلامية محلية، استناداً إلى بيانات دائرة الهجرة، أن نحو 7 آلاف أميركي تقدموا خلال 2025 بطلبات تتعلق بتصاريح عمل أو دراسة أو لمّ شمل، وهو أعلى مستوى منذ عقد على الأقل، مع ارتفاع لافت في استخدام مسار «معاهدة الصداقة الهولندية - الأميركية» الذي يتيح للأميركي تأسيس نشاط تجاري برأسمال متواضع نسبياً. هذه ليست أرقاماً ضخمة قياساً بحجم الولايات المتحدة، لكنها كافية لإظهار أن «الخطة ب» تتحول إلى سلوك عند شريحة محددة قادرة على الحركة.

وفي المملكة المتحدة، لا يظهر المؤشر في سجلات الهجرة فقط، بل في سوق العقار. شركة «رايت موف» البريطانية قالت إن الاستفسارات من الولايات المتحدة حول منازل معروضة للبيع في بريطانيا ارتفعت 19 في المائة عن العام السابق، وهو أعلى مستوى منذ 2017، مع ملاحظة أن جزءاً كبيراً من الطلب يتركز على وحدات صغيرة، بما يوحي بأن الأمر غالباً استثمار أو منزل ثانٍ أكثر من كونه انتقالاً نهائياً لعائلات كبيرة.

أما البرتغال، فتبقى جذابة كنموذج «جودة حياة» وتكاليف أدنى نسبياً لبعض الفئات. لكنّها تقدم في الوقت نفسه درساً على أن أوروبا ليست بوفيهاً مفتوحاً. ونقلت وكالة «رويترز» في يونيو (حزيران) 2025 أن الحكومة البرتغالية اتجهت إلى تشديد قواعد التجنيس ولمّ الشمل ورفع مدة الإقامة المطلوبة لمعظم الأجانب قبل طلب الجنسية، تحت ضغط سياسي داخلي متصاعد حول الهجرة؛ أي أن من يراهن على استقرار طويل الأمد يجد أن القواعد يمكن أن تتغير بسرعة، وأن «الوجهة» ليست وعداً ثابتاً.

أحد المحاربين القدامى يحمل لافتة كُتب عليها «المهاجرون يجعلوننا عظماء» رداً على إجراءات «أيس» في البلاد (رويترز)

ما الواقعي وما المبالغ؟

بهذا المعنى، لا تعني الوجهات الأوروبية أن أميركا فقدت هيمنتها. العكس: كثير من حركة «الهجرة المعاكسة» لدى الأثرياء والمهنيين تعكس منطق إدارة المخاطر داخل اقتصاد عالمي تقوده الولايات المتحدة. فالأميركي الذي يشتري منزلاً في لندن أو يفتح باب إقامة في أمستردام لا يقطع علاقته بالهيمنة الأميركية، بل يستخدم مزاياها: الدخل، ورأس المال، والعمل عن بعد، لبناء خيار إضافي خارج المجال السياسي الداخلي. إنها مفارقة «الهيمنة»: القوة التي تمنح فرصاً هائلة هي نفسها التي تجعل السياسة داخلها أكثر صخباً وتأثيراً في حياة الفرد، فتدفع بعضه إلى توزيع حياته على أكثر من جغرافيا.

في النهاية، تبدو «الهجرة المعاكسة» أقل اتساعاً مما يوحي به ضجيجها، لكنها أكثر دلالة مما يريد البعض الاعتراف به. ليست موجة نزوح جماعي، بل تيار نوعي يقوم على ثلاث طبقات: رغبة متزايدة في الرحيل لدى فئات محددة، وخطوات عملية لبناء مخارج قانونية ومالية، وتحوّل ديمغرافي أكبر يتمثل في تراجع الداخلين إلى الولايات المتحدة. وبين هذه الطبقات تتشكل صورة بلد يزداد نفوذاً في الخارج، لكنه يخوض في الداخل معارك متزامنة على الهوية والأمان والمعرفة، وهي معارك تكفي وحدها لإنتاج سؤال الرحيل، حتى إن بقي، في معظم الأحيان، «خطة ب» أكثر منه قراراً نهائياً.