تأرجح بين انتقالات واستقالات.. وخيبات أمل و«إنستغرامات»

ألبير إلباز يغادر «لانفان» بعد 14 عامًا والمحطة المقبلة غير معروفة بعد -  راف سيمونز يحيي الحضور بعد نهاية عرضه - المصمم ألكسندر وانغ يودع «بالنسياغا» ليتفرغ لخطه الخاص - من تصميم اليساندرو ميكيل لدار «غوتشي» (ربيع وصيف 2016).
ألبير إلباز يغادر «لانفان» بعد 14 عامًا والمحطة المقبلة غير معروفة بعد - راف سيمونز يحيي الحضور بعد نهاية عرضه - المصمم ألكسندر وانغ يودع «بالنسياغا» ليتفرغ لخطه الخاص - من تصميم اليساندرو ميكيل لدار «غوتشي» (ربيع وصيف 2016).
TT

تأرجح بين انتقالات واستقالات.. وخيبات أمل و«إنستغرامات»

ألبير إلباز يغادر «لانفان» بعد 14 عامًا والمحطة المقبلة غير معروفة بعد -  راف سيمونز يحيي الحضور بعد نهاية عرضه - المصمم ألكسندر وانغ يودع «بالنسياغا» ليتفرغ لخطه الخاص - من تصميم اليساندرو ميكيل لدار «غوتشي» (ربيع وصيف 2016).
ألبير إلباز يغادر «لانفان» بعد 14 عامًا والمحطة المقبلة غير معروفة بعد - راف سيمونز يحيي الحضور بعد نهاية عرضه - المصمم ألكسندر وانغ يودع «بالنسياغا» ليتفرغ لخطه الخاص - من تصميم اليساندرو ميكيل لدار «غوتشي» (ربيع وصيف 2016).

2015 كان للبعض عام ساعات «أبل» الذكية، وللبعض عام العارضتين جيجي حديد وكيندل جينر، بالنظر إلى تألقهما وما حققتاه من أرباح. بالنسبة للبعض الآخر، كان العام الذي تعرضت فيه ساحة الموضة لزلزال لا يزال يهز أركانها. السبب؟ خروج مصممين ورؤساء تنفيذيين من بيوت أزياء كبيرة، فضلا عن انسحاب آخرين من بيوت أسسوها، مثل رالف لورين ودونا كاران. والنتيجة واحدة: كان عاما حافلا بالأحداث التي يمكن أن تغير وجه الموضة إلى الأبد، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن المصممين الذين كانوا يتسابقون في يوم من الأيام على دخول بيوت أزياء كبيرة، لما تتيحه لهم من إمكانيات وتسهيلات، يصرحون حاليًا بأنهم يفضلون ترف الوقت وراحة البال على ترف المال والشهرة.
من جهتها، بدأت المجموعات الكبيرة، التي تملك بيوت أزياء مهمة، تنتهج أسلوبا جديدا في البحث عن مضاد لهذه الحملة بانتقاء مصممين مغمورين لم يسمع بهم أحد من قبل، ربما لتتجنب أية مشكلات قد تنبع إما من النرجسية وتضخم الذات أو من التمرد الناتج عن ثقتهم بالمستقبل وقدرتهم على الاستقلال بأنفسهم.
بدأ العام هادئا من دون أحداث كبيرة تذكر، باستثناء تعيينات جديدة.
ففي السابع من شهر يناير (كانون الثاني)، مثلا، عين أليساندرو ميكال، مصمما فنيا لدار «غوتشي». حتى ذلك الحين، لم يسمع باسمه سوى قلة من الناس، لهذا اعتبر كثير من المتابعين الأمر مجازفة من قبل مجموعة «كيرينغ» المالكة لـ«غوتشي». لكن ما لم يتوقعه هؤلاء أن المصمم يتمتع بإمكانيات هائلة تؤهله لتغيير ملامح الموضة، أو على الأقل طريقة اختيار المصممين الجدد. فما إن تسلم مقاليد الدار التي كانت تعاني من تراجع المبيعات وعزوف الشباب عنها، حتى غير وضعها، وفي وقت وجيز جدا. فمنذ أول عرض قدمه في شهر فبراير (شباط)، سرق قلوب متابعات الموضة اللواتي أقبلن على تصاميمه إقبال العطشان على الماء، لينقل «غوتشي» من خانة الإفلاس إلى لائحة الأرباح، ومن العادي إلى المغري والجذاب. فقد خض التابوهات بجرأة كبيرة، بخلطه بين الذكوري والأنثوي، إلى حد أنك لا تعرف إن كنت في عرض أزياء رجالي أم نسائي في بعض الأحيان. فقد قدم للجنس الخشن بدلات بالبروكار مطبوعة بالورود وقمصانا من الدانتيل، وللجنس الناعم تايورات مفصلة بتصاميم رجالية وأقمشة خشنة أحيانا، لكن دائما مطبوعة بالورود وكأنه يتفاءل بها. ما لا يختلف عليه اثنان أن الصورة كانت جديدة وقوية، مما جعل نجمه يبزغ بسرعة، ليحصل قبل نهاية العام على لقب مصمم العام من منظمة الموضة البريطانية. فقد نجحت خطته في جذب الأنظار والإقبال على منتجات «غوتشي»، إلى حد القول إن كتب الموضة ستذكره كعراب لاتجاه «الماكسيماليزم» الجديد، أو المصمم الذي قتل موضة «المينماليزم»، باستعماله التفاصيل الكثيرة والأقمشة والنقشات المتنوعة في الإطلالة الواحدة.
في بداية العام أيضًا، كانت العيون على جون غاليانو، وأول عرض سيقدمه لدار «ميزون مارتان مارغيلا»، التي دخلها بعد نحو 3 سنوات من الغياب والتغييب. كان اختياره لهذا الدور مثيرًا، رحب به البعض على أساس أنه فرصة جديدة له، بينما استغربه البعض الآخر، لأنه معروف بالدرامية والتصاميم المسرحية التي تحن إلى القرن الثامن عشر أحيانًا، بينما «ميزون مارتان مارغيلا» معروفة بالعكس، أي بالتجارب الاختبارية، الأقرب إلى المستقبلية. في يناير وخلال أسبوع باريس لل«هوت كوتير» أكد غاليانو أنه مبدع ويمكنه أن يتأقلم بسهولة، بل ويروض جنوحه أيضًا، حيث قدم تشكيلة تجارية فنية، شملت تايورات باللون الأسود مفعمة بالأناقة، وفساتين سهرة طويلة بأسلوب تفكيكي، يؤكد أن الآتي سيكون أفضل عندما يستقر أكثر.
ابتداء من شهر يونيو (حزيران) بدأت الأمور تتغير. ففي هذا الشهر أعلنت المصممة دونا كاران انسحابها من «دونا كاران إنترناشيونال»، الخط الذي أسسته في عام 1984 وتملكه حاليا مجموعة «إل في آم آش» الفرنسية. السبب الذي صرحت به المصممة أنها تريد التركيز على خطها «إيربن زين» من جهة، وأن تستغل وقتها للقيام بكل الأنشطة التي كانت تتوق إليها ولا تجد لها سبيلا بسبب شواغلها ومسؤولياتها الكثيرة، من جهة ثانية.
ولم يمر سوى وقت قصير حتى أعلن المصمم رالف لورين أنه سيتنازل عن دوره بصفته رئيسًا تنفيذيًا في إمبراطوريته، ويكتفي بمهمة الإشراف عليها لتخسر ساحة الموضة الأميركية اثنين من أعمدتها.
في شهر يوليو (تموز)، أعلن ألكسندر وانغ خروجه من دار «بالنسياجا» بعد نحو ثلاث سنوات قضاها فيها. لم يكن الخبر مفاجئا، لأن الأغلبية كانت تتوقعه، خصوصًا وأنه لم يقدم جديدا يُحسب له، سوى أنه ساعد على إبقائها تتحرك دون جمود. المفاجئ كان في 7 من شهر أكتوبر (تشرين الأول) حين أعلنت «بالنسياغا» اسم خليفته، ديمنا فزاليا، وهو شاب من أصول جورجية يبلغ من العمر 34 عاما.
فالاسم غير معروف للعامة، لكنه محترم من قبل العارفين والمتابعين لما يجري في الساحة. فقد نجح في جعل «فيتمون» ماركة مهمة، فضلا عن أن سيرته الذاتية تقول بأنه تخرج من الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة بأنتوورب البلجيكية وعمل مع كل من دار «ميزون مارتن مارجيلا» و«لويس فويتون» لسنوات. والأهم بالنسبة لمجموعة «كيرينغ» أنه متمكن من أدواته من دون أن تكون له أية رغبة في تسول الأضواء والنجومية. وهذا ما باتت تريده بيوت الأزياء الكبيرة على ما يبدو.
في شهر سبتمبر (أيلول)، كان الخبر الطاغي هو قرار دار «جيفنشي» تنظيم أول عرض لها خارج باريس. فبعد عروض خاصة وحميمة جدا، لم تفتحها سوى لباقة منتقاة من المهتمين بالموضة، قررت هذا العام أن تعكس سياستها ليس بالانتقال للعرض خلال أسبوع نيويورك فحسب، بل أيضًا ببيع تذاكر للعامة. والنتيجة أن 1.200 ضيف حضروا عرضها الخاص بربيع وصيف 2016.
لكن الدار لم تنعم طويلا بالدعاية لأن الخبر سرعان ما فقد أهميته، وأصبح عاديا لا يستحق الخوض فيه، بعد إعلان البلجيكي راف سيمونز، في 22 من شهر أكتوبر قراره بعدم تجديد عقده مع دار «ديور» بعد ثلاث سنوات فقط من العمل معها. جاء الخبر مفاجئا وبقوة التسونامي، إذ لم يصدق أحد كيف يمكن أن يخرج أي مصمم شاب من دار مثل «ديور» لها كل الإمكانيات التي يحلم بها الكثيرون، بدءا من ورشات متخصصة وأنامل ناعمة متمرسة واستراتيجيات عالمية، ومن تلقاء نفسه؟. راف سيمونز فعل هذا رغم كل الإغراءات، لأنه بعد حسبة بسيطة اكتشف أن ثمن الشهرة والعمل مع دار بحجم «ديور» كبير جدا يأتي على حساب أشياء تعني له الكثير، مثل الاستمتاع بحياته الخاصة وزيارة المتاحف الفنية والإبداع بإيقاع يناسبه.
وهذا ما يمكن استنتاجه من قوله: «الدافع هو رغبتي الخاصة في أن أركز على اهتمامات أخرى في حياتي، بما في ذلك خطي الخاص. (كريستيان ديور)، شركة مدهشة، وكان لي الشرف أن تسمح لي أن أكتب بضع صفحات في كتابها العظيم، وأنا شاكر لها وللفريق الذي لم أكن أحلم بالعمل مع مثله من قبل».
«ديور» تشهد لسيمونز بالنجاح وبأنه استطاع أن يحقق لها الأرباح في فترة وجيزة. فقبل إعلان انسحابه بوقت وجيز، أعلنت ارتفاعا في أرباحها بنسبة 18 في المائة، أي ما يعادل 1.94 مليار دولار أميركي، إضافة إلى أنه جعل الـ«هوت كوتير» التي كانت تعتبر مجرد «بريستيج» أو وسيلة تلميع صورتها أكثر منها وسيلة لجني الربح، تحقق مبيعات عالية نتيجة استقطابها زبونات شابات من الأسواق النامية استهواها أسلوبه العصري.
في الشهر الماضي، أنهت «ديور» التكهنات، وصرحت أنها لن تتسرع في اختيار خليفة له، مشيرة إلى أنها أناطت مهمة تصميم تشكيلة «الهوت كوتير» المتوقع تقديمها في شهر يناير المقبل، بفريق عمل كامل. عدم التسرع أسلوب اتبعته الدار أيضًا بعد خروج جون غاليانو منها، حيث صمم فريق الدار بقيادة جون غايتون، الذي عمل مع جون غاليانو لعدة سنوات، ثلاثة تشكيلات قبل أن يستقر الاختيار على راف سيمونز.
في نفس الشهر، أي في نهاية أكتوبر، ترددت في أوساط الموضة تصدعات زلزالية أخرى، تمثلت في طرد المصمم ألبير إلباز من دار «لانفان» بعد 14 سنة. مما جعل الصدمة قوية أن صناع الموضة يعشقونه، ويهللون له في كل المناسبات، كما يتغاضون على هفواته، لا سيما وأنهم ربطوه بدار «لانفان» التي كانت نائمة قبله وأتى هو ليمنحها قبلة الحياة. بيد أن تراجع المبيعات التي شهدتها الدار في المواسم الأخيرة أدت للاستغناء عن خدماته. فلغة الأرقام تختلف عن لغة المشاعر، وبالتالي لم ينفع تذمر صناع الموضة ولا وقفات التضامن التي قام بها العاملون معه خارج المبنى.
خروج كل من راف سيمونز من دار «ديور» بعد رفضه تجديد عقده معها، وألبير إلبيز من «لانفان» بعد طرده، فتح ملفا كان يتهامس به كثير من المصممين والمتابعين للموضة، من دون أن يتجرأوا على البوح به علنًا، وهو الضغوطات التي بات ينوء بعضهم تحتها بهدف تحقيق الربح للبعض الآخر. فعوض تشكيلتين في العام، أو أربعة بالنسبة للبيوت المتخصصة في الـ«هوت كوتير»، أصبح لزاما على كل مصمم أن يقدم، ما لا يقل عن ثماني تشكيلات في السنة، فضلا عن حضوره افتتاحات محلات في عواصم بعيدة، وإجراء لقاءات وما شابه من أمور يحتمها عليه عقده معها من جهة، ووسائل التواصل الاجتماعي من جهة ثانية. كل هذا لم يجعل الموضة تبدو سريعة فحسب، بل جعلها متطلبة إلى حد الإنهاك الفكري والفني. وهذا تحديدا ما صرح به كل من ألبير إلباز وراف سيمونز. الأول قال إن وظيفة المصمم تغيرت ولم تعد تقوم على الإبداع والابتكار لأنها حولت المصمم الفني إلى خبير أزياء تتركز مهمته على تنسيق الأزياء والإكسسوارات بشكل يبدو مغريا على مواقع الإنترنت والإنستغرام، لا أقل ولا أكثر. والثاني صرح أن الإيقاع المتسارع للموضة لم يعد يمنح المصمم ترف الوقت للابتكار وتجربة الأفكار.
في شهر أكتوبر أيضًا، أعلنت مجموعة «كيرينغ» تعيين فرانشيسكا بيليتيني رئيسة تنفيذية لـ«سان لوران» وكارلو ألبرتو بيريتي، رئيسا تنفيذيا لـ«بوتيغا فينيتا». وهذا يشير إلى أن المجموعة ترتب أوراقها منذ بداية السنة، ليس فقط بتعيينها أليساندرو ميكال أو تغيير رؤساء تنفيذيين مهمين، مثل كريستوفر ميلارد، الذي عمل في دار «سيرجيو روسي» للأحذية، بل أيضًا ببيع بيوت لم تعد تدر عليها الربح. فقد باعت مؤخرا «سيرجيو روسي» للأحذية، بعد أن كانت اشترتها في عام 1999.



جون غاليانو و«زارا»: هل ستنتقل عبقرية المسرح إلى شارع الموضة؟

المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)
المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)
TT

جون غاليانو و«زارا»: هل ستنتقل عبقرية المسرح إلى شارع الموضة؟

المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)
المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)

في خطوة غير متوقعة، أعلنت «زارا» عن شراكة تمتد لعامين مع المصمم البريطاني جون غاليانو. بموجبها سيُصمم مجموعات موسمية تصل إلى المستهلك في شهر سبتمبر (أيلول) المقبل. الكل يتوقع وينتظر كيف سيُترجم مصمم عبقري معجون ومسكون بالإبداع أرشيف محلات شعبية غيّرت ثقافة الموضة في العقود الأخيرة. فأقل ما يمكن أن يقال عن هذه الخطوة إنها تمثل لقاء بين عالم «هوت كوتور»، بكل ما يعنيه من تصاميم وأسعار خيالية، وموضة سريعة تخاطب العامة بأسعار معقولة.

تعاون جون غاليانو ومحلات «زارا» يثير ضجة في أوساط الموضة (أ.ف.ب)

ومع ذلك، فإن الخبر حدّد أن غاليانو لن يُصمم أزياء من بنات أفكاره. سيُعيد فقط لقطع من أرشيف «زارا» بريقها، أو بالأحرى «تأليفها»، بمعنى أنه سيُفككها ويعيد ترتيبها، مع استخدام خامات جديدة وتفاصيل مختلفة. كل هذا لا يهم متابعو الموضة. فالقصة السردية التي سيُوفِرها أقوى من كل القصات التي ستتضمنها هذه المجموعات. ففي عالم الموضة، أصبحت القصص المحكية، بنفس أهمية التصميم أو أكثر وسط هذا الكم من التصاميم التي تُطرح في كل موسم. فالجمهور حالياً لا يشتري مجرد قطع أزياء أو إكسسوارات أنيقة، بل يريد أن يشعر بالانتماء لتجربة معينة، والإحساس بأن القطعة تحمل معاني إنسانية.

بدأت «زارا» منذ سنوات جسّ نبض كل الطبقات بطرح تصاميم بأسعار وجودة متباينة (موقع زارا)

كل هذا سيجعل تجربة غاليانو الجديدة مُشوّقة، لأنه سيُحوِل منتجاً مستنسخاً بالأصل، كون «زارا» قائمة بالأساس على محاكاة وتقليد ما يُعرض على منصات عروض الأزياء العالمية وطرحها في الأسواق بسرعة، إلى قطعة تحمل بصمته الفنية. هذا التمييز بين النسخ والإبداع يزيد من نسبة الترقب. حتى إذا لم يكن المنتج جديداً بالمعنى المبتكر، فإنه سيكتسب قيمة مستمدة من اسم المصمم.

تحاول «زارا» مخاطبة كل الأذواق مع الحفاظ على جودة مقبولة (موقع زارا)

توقيت هذه الخطوة له ما يُبرره. فغاليانو خرج من دار «ميزون مارجيلا» منذ عام تقريباً، ورغم أن اسمه تردد في كثير من المناسبات وتمنى البعض ترشيحه لبيوت أزياء كبيرة، فإنها مجرد تكهنات ظلّت في خانة التمنيات. أما بالنسبة لـ«زارا» فهي تواجه منذ فترة منافسة شرسة من قبل شركات اتبعت استراتيجياتها في محاكاة الموضة العالمية بأسعار أقل، مثل «شي إن» و«تيمو» وغيرهما. الفرق أن أسعار المنافسين أقل من أسعارها، الأمر الذي أفقدها شريحة الفتيات الصغيرات ممن وجدن في هذه الأسعار ما يُلبي رغباتهن.

«زارا» عوض أن تُخفّض أسعارها لسدّ الأبواب على منافسيها، فضّلت أن ترتقي بتصاميمها عبر تحسين الجودة، وتطوير تجربة التسوق في متاجرها، والحفاظ على أسعارها، بل رفعها باستحداث خطوط جديدة تخاطب زبائن يتوقون لقطع راقية. هذه النقلة لمخاطبة شريحة أعلى كانت تحتاج لاسم بحجم جون غاليانو. فهو يمنحها شرعية ثقافية وإبداعية، كما يجعل المنتج الجماهيري أكثر جاذبية.

مقارنة تاريخية

تحاول «زارا» أن تكسب شريحة مقتدرة من النساء من خلال هذا التعاون (موقع زارا)

الخطوة تُذكر بتجربة الراحل كارل لاغرفيلد مع محلات «أتش أند إم» عام 2004. كانت جديدة وصادمة آنذاك. لكن لاغرفيلد كان واضحاً وشجاعاً، حيث صرّح بأن الوقت حان لكي تنزل الموضة الراقية من برجها العالي وتصبح أكثر ديمقراطية. نجاح تجربته في خلق تصاميم أنيقة بأسعار محدودة وصلت إلى جمهور أوسع، جعل التعاون مع مصممين كبار و«أتش أند إم» تقليداً سنوياً احتذت به محلات أخرى مثل «يونيكلو» حتى «زارا».

الفارق هنا أن كارل لاغرفيلد كان يتمتع بذكاء تجاري وفني، بينما يأتي غاليانو بخلفية مسرحية ودرامية أثقل، تجعل مهمته أكثر إثارة من ناحية التحدي. على الأقل، سنتابع مدى مقاومته لذلك الجنوح الذي يسكنه ويدفعه لخضّ المألوف، وكيف سيُروِّض عبقريته المسرحية لتناسب السوق الجماهيرية.

فهل يا ترى سيبقى غاليانو ضمن السيناريو المكتوب والمسجل في أرشيف «زارا» منذ زمن، أم سينفضه ويغيره؟ المشكلة أنه إذا لم يُدخل بصماته بشكل واضح، فقد تأتي المحاولة باهتة، تفتقد إلى هويته.

استراتيجية «زارا» تقوم على محاكاة آخر خطوط الموضة وطرحها بسرعة وبأسعار متاحة (موقع زارا)

التوقعات

أما في حال نجح في تحقيق المعادلة بين الجماهيري المتاح وبصماته الخاصة، فإن المتوقع أن القطع المنتقاة من أرشيف «زارا» ستكتسي أسلوباً مسرحياً، ولو بجرعات خفيفة، من خلال طبعات وتفاصيل غير متوقعة. هذا لا يعني أن كل القطع ستكون فاخرة بمستوى «هوت كوتور»، لكن على الأقل ستكون بخامات وتفاصيل أفضل من متوسط «زارا».


الموضة الكلاسيكية تفوز في أوسكار 2026

جيسي باكلي وفستان من «شانيل» (أ.ف.ب)
جيسي باكلي وفستان من «شانيل» (أ.ف.ب)
TT

الموضة الكلاسيكية تفوز في أوسكار 2026

جيسي باكلي وفستان من «شانيل» (أ.ف.ب)
جيسي باكلي وفستان من «شانيل» (أ.ف.ب)

في دورته الثامنة والتسعين، لم يكن ظهور النجمات في فساتين فخمة خلال حفل توزيع جوائز الأوسكار مجرد استعراض أو منافسة على الأضواء والعقود مع دور الأزياء والمجوهرات الكبيرة. كانت سجادته الحمراء منصة استراتيجية لتحديد اتجاهات الموضة للموسم المقبل ولترسيخ هوية كل دار. فالعديد من التصاميم تلونت بدرجات ربيعية مثل الفستان الذي ظهرت به جيسي باكلي الفائزة بأوسكار أفضل ممثّلة عن تأديتها دور زوجة ويليام شكسبير الثكلى في «هامنت». فستان بالزهري والأحمر من توقيع «شانيل» مستوحى من أزياء الخمسينات.

كذلك تشايس إنفينيتي التي كشفت موهبتها في فيلم «وان باتل أفتر أناذر»، وتألّقت بفستان ليلكي اللون بصدر ضيّق وذيل طويل من تصميم «لوي فويتون».

لم يغب الأسود والأبيض، فقد اعتمدته العديد من النجمات، منهن روز بيرن التي تألقت بفستان من توقيع «ديور» فيما تألّقت إيما ستون بفستان أبيض طويل مفتوح من الظهر بكمّين قصيرين من توقيع «لوي فويتون». كان الأبيض أيضاً خيار إيل فانينغ من خلال فستان صممته سارة بيرتون مصممة «جيفنشي» خصيصاً لها.

كايت هادسون: فستان من «أرماني بريفيه» وعقد بـ35 مليون دولار (رويترز)

لكن لم تُسلّط عدسات الموضة على النجمات المخضرمات فحسب، فقد تألقت نسبة عالية من النجمات الصاعدات بأزياء من بيوت عريقة. وربما هذا ما ميَز هذا العام بشكل خاص. فهو عام وصول مُبدعين شباب إلى بيوت عريقة مثل «ديور» و«شانيل» و«بوتيغا فينيتا» و«بالنسياغا» وغيرها، وبالتالي كان الحفل بالنسبة لهم فرصة لعرض رُؤاهم الإبداعية على منصة عالمية. فهذه أكثر تأثيراً من عروض الأزياء التقليدية، بدليل الأرقام التي أكدت أن التأثير الإعلامي هنا يصل إلى أضعاف ما يمكن أن تحققه العروض في العواصم العالمية.

الكيف قبل الكم

دوا ليبا في فستان من «سكياباريلي» (سكياباريلي)

أكبر دليل على هذا هو دار «سكياباريلي» التي حققت أكبر قيمة تأثير إعلامي في حفل «الغرامي» الماضي بزي وحيد على شكل «توكسيدو» ارتدته باد باني. وفي حفل الأوسكار الأخير، اكتفت العلامة بنجمتين فقط هما ديمي مور، وتيانا تايلور، ودوا ليبا في حفل «فانيتي فير»، الأمر الذي يعكس إدراك الدار أن «الكيف أهم من الكم» في هذه المناسبات. على الأقل حتى يبقى التركيز واضحاً. وبينما وجّه مصممون اهتمامهم على النجوم الواعدين، على أمل ربط علاقة بعيدة المدى معهم، من منطلق أن النجم الصاعد اليوم قد يصبح نجماً كبيراً في المستقبل، مسك بعضهم الآخر الحبل من الوسط. جوناثان أندرسون وماثيو بلازي، مثلاً حافظا على علاقات سبق وربطتها كل من ديور وشانيل مع نجمات لسنوات، لكنهما أضافا أسماء جديدة إلى لائحتهما، مثل إيديبيري وغراتسي أبرامز وميا جوث وميكي ماديسون وصوفي وايلد وإيفر أندرسون.

ميا غوث وفستان من ديور (ديور)

بدورهم تنقّل النجوم بين العلامات المختلفة، يختارون مرة من علامة، ومرة من أخرى، وكأنهم يجسون النبض للتعرف على ما يناسبهم منها أكثر، لا سيما أنه ليس بينهم عقود ملزمة لحد الآن. ارتدت روز بيرن مثلاً فستاناً مرصعاً من «ديور» وقبل ذلك ظهرت في فستان من شانيل في حفل «الغولدن غلوب» وجوائز الممثلين. جيسي باكلي أيضاً لم تلتزم بدار معينة. فقد ظهرت في تصاميم لشانيل وديور وبالنسياغا في مواسم الجوائز الأخيرة. في حفل الأوسكار الأخير اختارت «شانيل».

أما أوليفيا دين، فتألقت بتصميمين مختلفين: واحد من لوي فويتون والثاني من شانيل، فيما اختارت النجمة الصاعدة تشيس إنفينيتي فستاناً بنفسجياً متدرجاً من «لويس فويتون» تغطيه طبقات سخية من الأقمشة.

ديمي مور وفستان من «غوتشي» (أ.ف.ب)

هذه التغيرات كان لا بد منها بسبب التحولات التي تشهدها صناعة الموضة عموماً، وتضع المصممين الذين التحقوا بها حديثاً بهدف ضخها بدماء شبابية وإخراجها من ركودها، تحت ضغوط لتحقيق المعادلة بين الفني والتجاري. وما تابعناه من تصاميم في ليلة الأوسكار الأخيرة يشير إلى أنه من رحم هذه الضغوط يمكن أن تولد إبداعات في غاية الأناقة، حتى وإن كانت تفتقد إلى بعض الجُرأة الفنية. فأغلبها يميل إلى أنماط كلاسيكية مستوحاة من حقب سابقة مثل خمسينات وثمانينات وتسعينات القرن الماضي.

استمرار القواعد رغم التحولات

ومع ذلك فإن التحولات غير المسبوقة والآمال المعقودة على المصممين الجدد، لم تُغير القواعد المتعلقة بالتصميم. فقد استمر التركيز على الفخامة للإبقاء على الحلم مشتعلاً. النجمة كايت هادسون مثلاً ظهرت بعقد ثمين يقدر سعره بـ35 مليون دولار، الأمر الذي يؤكد أن الكلاسيكية لا تتنافى مع الفخامة، وغياب الجُرأة الفنية لم يأت على حساب الإبداع.

الاتجاه الكلاسيكي يهيمن

ديمي مور وفستان من «بالنسياغا» ظهرت به في حفل «فانيتي فير» (بالنسياغا)

حتى فيما يتعلق بالنجمات، كان هناك إقبال كبير من طرفهن على التصاميم الكلاسيكية، في حنين واضح إلى العصر الذهبي لهوليوود، منذ فترة. فقد سبق واختارت أيَو إيديبيري وسيلينا غوميز فساتين مخملية باللون الأسود من «شانيل» نسقنها مع تسريحات عزَزت هذا الأمر، بينما أعاد فستان ارتدته جيسي باكلي حديثاً إلى الأذهان فستان غريس كيلي في حفل الأوسكار عام 1956. كما قدَمت «بالنسياغا» فساتين من حقبة مهمة في تاريخ الدار، عندما كان مؤسسها يُعرف بـ«الأستاذ» ويرسم أشكالها بأحجام كبيرة تتناسق مع الجسد. لم تكتف كل من تيسا تومسون وليزلي مان وغيرهما بما تُبطِنه من حنين ونسَقنها مع قفازات أوبرا لإضفاء المزيد من الرقي والدراما على إطلالتهما.


المصممة كنزة بناني تستعين بنساء طنجة المغربية لإعادة توجيه البوصلة

6 نساء مؤثرات وفاعلات من بنات مدينة طنجة تميزن عن العارضات المحترفات بمصداقيتهن وقربهن من الواقع (نيو طنجير)
6 نساء مؤثرات وفاعلات من بنات مدينة طنجة تميزن عن العارضات المحترفات بمصداقيتهن وقربهن من الواقع (نيو طنجير)
TT

المصممة كنزة بناني تستعين بنساء طنجة المغربية لإعادة توجيه البوصلة

6 نساء مؤثرات وفاعلات من بنات مدينة طنجة تميزن عن العارضات المحترفات بمصداقيتهن وقربهن من الواقع (نيو طنجير)
6 نساء مؤثرات وفاعلات من بنات مدينة طنجة تميزن عن العارضات المحترفات بمصداقيتهن وقربهن من الواقع (نيو طنجير)

بين جُدران دار «الضمانة» التاريخية في طنجة، تظهر ست نساء بملامح مختلفة، لكن بحضور واحد: حضور الفاعل لا الموضوع. هكذا اختارت المصممة كنزة بناني ومؤسسة دار «نيو طنجير» New Tangier أن تقدم مجموعتها الجديدة «ري أوريانتد»، محاولة إعادة توجيه النظرة التي رسمت صورة المرأة الشرقية عموماً والمغربية الأمازيغية، خصوصاً لفترات طويلة. اختارت في تصويرها أسلوباً يستعيد تكوينات اللوحات الاستشراقية، لكن بروح معاصرة ونظرة تعيد للمرأة موقعها كذات فاعلة.

6 نساء مؤثرات وفاعلات من بنات مدينة طنجة تميزن عن العارضات المحترفات بمصداقيتهن وقربهن من الواقع (نيو طنجير)

كان مهماً بالنسبة لكنزة أن تطلق هذه المجموعة في مدينة طنجة. فهذه مدينتها التي تعرف كل تفاصيلها، التاريخية والاجتماعية والثقافية. أما العنوان الذي أطلقته عليها فله معنى واحد، وهو إعادة النظر في الصورة النمطية التي رسمها الاستشراق للمرأة، وغالباً ما ركزت على الجسد والزينة. كانت تلبي توقعات المتلقي الغربي «مع أنها كانت بعيدة عن الواقعين الاجتماعي والثقافي للمرأة»، وفق رأيها.

كل تفصيلة تعكس مغرباً معاصراً يجمع الأصالة بالمعاصرة (نيو طنجير)

تقول إنها لم تسع إلى محو هذه الصورة، بل إلى تصحيحها من الجذور؛ حتى تسترد للمرأة صوتها وتُمكِنها من التحدث عن نفسها، بدلاً من أن تبقى مجرد موضوع يُعرض أمام الآخر. وعلى الرغم من تقديرها للجوانب الجمالية لفن الاستشراق، ظلت هذه الصورة النمطية تُثير حفيظتها. تشرح: «منذ القرن التاسع عشر، والاستشراق يميل إلى تصوير المرأة على أنها سلبية وتُلبِي جانباً حسِياً فقط». لم يُقدِم هذا التصوير واقعاً موضوعياً، بقدر ما شكَل تمثيلاً ثقافياً يخدم خطاب التفوق الغربي، كما أشار إليه المفكر إدوار سعيد في كتابه «الاستشراق». وهنا جاءت فكرة تصوير مجموعتها في إطار استشراقي، لكن بنساء لهن وزن وتأثير في المجتمع. الصور التي التقطت لهن ليست خالية من الحسِية تماماً، لكنها حسِّية بقرار من المرأة نفسها، من طريقتها في اختيار أزيائها وإبراز جمالها، بينما لم تملك في فن الاستشراق هذه الحرية ولا هذه القوة.

كل امرأة في الصور تمثل رؤية المصممة لمجتمع فاعل ومتنوع (نيو طنجير)

الموضة والاستشراق

فهي تُدرك أنه على الرغم من أن الأدب والفن التشكيلي أكثر من أبرز هذا الخطاب، فإن الموضة لم تبقَ حيادية. فاللوحات الاستشراقية ألهمت الكثير من المصممين منذ بداية القرن العشرين وحتى اليوم، من بول بواريه إلى إيف سان لوران وجون غاليانو وغيرهم كُثر. منهم من يستلهم من العباءة والقفطان وسراويل الحريم، ومنهم من يغويه التطريز أو يكتفي بالعمائم والمجوهرات.

بيد أن ما يُحسب للموضة أنها تعاملت مع الصورة التي رسمها بقدر كبير من الإيجابية. على الأقل حوَّلته منتجات تحتفي به، كما سوَقت له عالمياً ليتحول مكسباً اقتصادياً. وليس أدل على هذا من الراحل إيف سان لوران، الذي جعل من القفطان قطعة تتهافت عليها المرأة الأنيقة من كل أنحاء العالم.

لم تُلغ المصممة صورة الاستشراق الفنية... خلصتها فقط من نمطيتها بتصوير المرأة فاعلةً في المجتمع (نيو طنجير)

كنزة بناني، بدورها وجهت نظرها إلى الإيجابي. لم تتعامل مع القفطان بوصفه رمزاً فولكلورياً، بل بوصفه قطعةً متجددةً قادرة على التعبير عن المرأة المعاصرة؛ إذ من أهم الأولويات التي وضعتها نصب أعينها عندما أسست «نيو طنجير» في عام 2014، أن تُبرز جودة الحرف اليدوية المغربية وجمال الأقمشة التقليدية بأن تصوغها في تصاميم تكون غالباً منسدلة على الجسم، ومفعمة بأنوثة بعيدة كل البُعد عن الصور المتخيّلة. فالمرأة بالنسبة لها لم تكن يوماً سلبية، بل فاعلة تمثل نفسها ومجتمعها في كل الأوقات، وبالتالي تحتاج إلى أزياء تعكس قوتها ونشاطاتها من دون أن تتنازل عن أناقتها في كل الأوقات.

هناك احتفال واضح بالثقافة المغربية وما تمثله من أصالة ومعاصرة (نيو طنجير)

6 نساء مؤثرات

من هذا المنظور، اختارت ست شخصيات نسائية بارزة في الساحة الثقافية والاجتماعية. كلهن من بنات مدينتها، طنجة. فهي لم تفكر في الاستعانة بعارضات أزياء تقليديات، ليس لأنها تريد ترسيخ فكرة أن تصاميمها تحترم المرأة بغض النظر عن المقاسات والمقاييس فحسب، بل أيضاً لإبراز أن المرأة لا تنسلخ عن مجتمعها وأنها مؤثرة فيه. كل واحدة من النساء الست تمثل نموذجاً للإنجاز والفاعلية. حضورهن في هذه الجلسة المصورة بالنسبة لكنزة بناني لا يقوم على الرمزية بل على الفعل. فملاك، مصممة تفاعلية، وزورا، استشارية اتصالات وإعلامية، ولمياء رائدة أعمال في قطاع المطاعم، ونُسيبة، مغنية وملحنة، وأمينة مهندسة وناشطة ثقافية، وأخيراً وليس آخراً إيمان، مديرة العمليات في قطاع التعليم.

اكتسبت كل قطعة في هذه المجموعة خفة حررتها من جميع القيود بفضل الأقمشة المنسدلة (نيو طنجير)

بين الذاكرة والواقع

كل بورتريه في هذه الجلسة المصورة يربط بين الذاكرة والواقع المَعِيش، في لقطات تحاكي تكونيات اللوحات الاستشراقية، لكن تجسد واقعاً معاصراً. هذه النظرة بالنسبة لكنزة هي امتداد لفكر نوال السعداوي الذي يعيد وضع المرأة بصفتها عنصراً مركزياً في النسيجين الاجتماعي والثقافي، بعيداً عن التصورات المفروضة أو المتخيلة. اختيار دار «الضمانة» لتصوير هذه اللقطات ليس من باب الصدفة، والمبنى هنا لم يكن مجرد ديكور جامد، بل جزء أساسي من المشروع لأصالته وتاريخه. فقد شُيِّد في عام 1901، وكان مركزاً للتبادلات الديبلوماسية في مدينة طنجة؛ وهو ما يعزز فكرة الماضي والحاضر.

من الناحية الجمالية، يتميز أيضاً بديكور مغربي أصيل أسهم في تعزيز الرؤية الإبداعية التي تستهدف إعادة استخدام كل ما هو تاريخي وتقليدي لعكس الديناميكية التي تتمتع بها طنجة، التي تربط الشرق بالغرب.

تم تصوير المجموعة في دار «الضمانة» لما تجمعه من تاريخ وإرث فضلاً عن ديكور مميز (نيو طنجير)

تشرح كنزة بأن الأقمشة التي استعملتها تركز على المواد الأساسية للقفطان، في استحضار واعٍ للتبادلات التاريخية بين المغرب وطريق الحرير. «فهذه الأقمشة»، وفق قولها: «تتميز بنقشات نباتية ولمسات ذهبية وألوان عميقة جعلت توظيفها في قفاطين منسدلة ومعاصرة ترقى إلى مستوى خيالي، لكن لا يمُت للتخيلات بصلة». شملت هذه الرؤية أيضاً مجموعة خاصة من «الجبادر»، زي يتكون من سروال وقميص أو سترة طويلة، حيث أعادت المصممة صياغته هو الآخر بأسلوب منطلق، دمجت فيه القطن السادة بالحرير المزخرف. وهكذا نجحت في تحرير السترات والسراويل من أي زخارف لا تضيف شيئاً إلى بنائه، وخلقت توازناً جمع بين بساطة الخطوط وترف الأقمشة.

منذ تأسيسها في عام 2014 والعلامة تحرص على استعمال أقمشة تقلدية تم تطويعها للعصر (نيو طنجير)

لم تخرج الألوان عن الإطار الاستشراقي شكلاً، لكن مضموناً تستحضر دفء المغرب وحيويته النابضة. في القفاطين مثلاً اعتمدت على الأزرق الياقوتي، والأحمر الياقوتي، والأخضر الزمردي والبيج لتربط بين التقليدي والعصري، وأيضاً لكي تعزز صورة أن كل قطعة في المجموعة بغلاوة المجوهرات، لا سيما وأنها نموذج حي للحرفية اليدوية المحلية، التي تأسست عليها الدار.