لوك فيري يقدم حوارية ممتعة تربط سيرته الذاتية بحياته الفكرية

آذن بانتهاء الفترة اليساروية المتطرفة في تاريخ الفلسفة الفرنسية

غلاف كتاب لوك فيري
غلاف كتاب لوك فيري
TT

لوك فيري يقدم حوارية ممتعة تربط سيرته الذاتية بحياته الفكرية

غلاف كتاب لوك فيري
غلاف كتاب لوك فيري

إنها متعة حقيقية أن تمضي ساعات مع لوك فيري، في قراءة هذا الكتاب الذي يتخذ شكل حوارات متواصلة منذ البداية وحتى النهاية. ومعلوم أن كتب الحوارات مثيرة للاهتمام إذ تشعر بالملل والضجر، على عكس بقية الكتب التنظيرية أو التجريدية الجافة. فهي مليئة بالحيوية والرشاقة والإثارة التي تنشأ من جدلية السؤال والجواب. وهذا الحوار ينتقل بك من موضوع إلى آخر، ومن فكرة إلى أخرى، رابطا الحياة الشخصية للفيلسوف بحياته الفكرية، خصوصا أن لوك فيري يتربع اليوم على عرش الفكر الفرنسي كما كان سارتر في وقته، أو ميشال فوكو، أو بيرغسون قبلهما. ولا أجد أرقى منه ولا أوضح، في استعراض تاريخ الفلسفة كله، منذ البداية وحتى النهاية، أي منذ اليونان وحتى يومنا هذا. إنه يثبت لك بالبرهان العملي الساطع أن الفلسفة ليست ذلك الخطاب التجريدي المبهم الملغز الذي يستعصي على الفهم، كما يعلمون في الجامعات العربية. إنه على العكس تماما، لا يوجد فيلسوف كبير إلا ويحمل رسالة خاصة قابلة للفهم تماما، إذا ما تأنينا وصبرنا عليه. غير أن فيري يعترف بأن بعض الفلاسفة الكبار يستخدمون رطانة لغوية عويصة مستغلقة على الفهم، إلا لمن هم مختصون بها. لذلك فهو يسهل علينا العملية عن طريق استعراض تاريخ الفلسفة، بعد نزع هذه الرطانة الفلسفية والتخلي عنها تماما. وهكذا تصبح نظريات كانط وهيغل وهيدغر العويصة جدا واضحة تماما بالنسبة لنا.
والكتاب الذي بين أيدينا، شيق بالفعل، خصوصًا بالنسبة للباحث العربي الذي عاش في باريس في الفترة التي يتحدث عنها لوك فيري، أي منذ أواسط السبعينات وحتى اليوم. وهي الفترة التي شهدت كل المخاضات البنيوية وما بعد البنيوية، الحداثية وما بعد الحداثية. وشهدت أيضا، لحظة صعود فوكو وسقوطه على يد لوك فيري بالذات. من المعلوم أن كتابه عن فكر ثورة مايو (أيار) 1968، كان عبارة عن هجوم هائل على كبار فلاسفة البنيوية الفرنسية، من أمثال فوكو ودريدا ولاكان وغيرهم. وعلى الرغم من أن الكتاب كان متحاملا وظالما جزئيا، فإنه آذن بانتهاء الفترة اليساروية المتطرفة في تاريخ الفلسفة الفرنسية المعاصرة. كفانا مراهقات فكرية. يقول لوك فيري في هذا الكتاب الممتع، أو بالأحرى يقول لمحاورته الفيلسوفة أليكساندرا لينييل لافاستين، عندما قرأ جاك دريدا عندما الفصل المخصص له في كتاب مايو 68، أصيب بإحباط شديد، وبكى بحرقة على كتفي إحدى صديقاته. وهي التي روت للوك فيري الحادثة، وطلبت منه عدم ذكر اسمها تحاشيا لإحراجها. لقد انهار تماما، وشعر كأن الدنيا انقلبت عليه، وأن مساره الفكري كله، ذهب هباء منثورا. ومعلوم أن لوك فيري هاجم بعنف أسلوبه الغامض في كتابة الفلسفة، وقال إنه لا يعني أي شيء في نهاية المطاف. فهل كانت تلك عملية اغتيال ثقافي؟ من دون أدنى شك. فالكتاب شن هجومًا ساحقًا على أقطاب الفكر الفرنسي، متهما إياهم بإشاعة النزعة اليساروية الصبيانية في تاريخ الفلسفة. وهي نزعة مضادة لكل قيم الأنوار والمجتمعات الليبرالية الديمقراطية. كما أنها مضادة للنزعة الإنسانية أو فلسفة حقوق الإنسان. الآن نستغرب كيف هيمنت تلك المراهقة الصبيانية الثقافية على الساحة الباريسية، المشهورة، عادة، بعقلانيتها وديكاريتها. ولكن في ذلك الوقت، كانت تمثل حقيقة مطلقة لا تقبل النقاش. وكانت أسماء فوكو ودريدا وديلوز وجان فرنسوا ليوتار، وتيار ما بعد الحداثة، يهيمن على كل شيء. ضد هذا التيار، أي تيار الأساتذة، نهض لوك فيري ورفاقه «فقتلوا الأب» كما يقال بلغة فرويد، وأعادوا الفكر الفرنسي إلى ثوابته الراسخة: أي العقلانية الديكارتية - الكانطية - الهيغلية، وفلسفة الأنوار.
على أثر هذا الهجوم الساحق، راح ميشال فوكو ينخرط في درسه الشهير في «الكوليج دو فرانس»، عن نص كانط: ما الأنوار؟ لكي يثبت أنه ليس ضد الأنوار ولا ضد العقلانية. وقد شهدت هذا الدرس شخصيًا، مع حشد كبير من الناس. كانت تلك لحظة فاصلة في المشهد الفلسفي الفرنسي: لحظة الانقلاب على مرحلة بأسرها وتدشين مرحلة جديدة، لا تزال سارية المفعول حتى اليوم. لقد أمضى فلاسفة ما بعد الحداثة عمرهم في تفكيك قيم الحداثة العقلانية التنويرية، والاستهزاء بمفهوم حقوق الإنسان البورجوازي، ومحاولة تهشيم كل الحضارة الفرنسية والغربية الناتجة عن عصر الأنوار. وقالوا إن الأنظمة الديمقراطية / والأنظمة التوتاليتارية الشيوعية، هما شيء واحد في نهاية المطاف. كان ذلك قبل سقوط جدار برلين وانهيار الشيوعية. يقول فيري، إن دريدا اعترف مرة بالتناقض الذي لا حل له بين مواقفه النظرية الفلسفية / ومواقفه العملية السياسية. ففلسفته تنكر نظريًا وجود شيء اسمه ديمقراطية وحقوق إنسان ودولة قانون وحريات. ولكن تجربته العملية، بعد أن سجنوه في مطار براغ بتهمة حيازة مخدرات، تثبت أن أنظمة حقوق الإنسان التي تؤمن الحريات الفردية للأشخاص، تختلف كليا عن الأنظمة الستالينية التي كانت سائدة آنذاك. ومعلوم أن المخابرات هي التي وضعت المخدرات في حقيبته، ثم اتهمته بها. عندئذ جيّش المثقفون الفرنسيون طاقاتهم، وشنعوا بالنظام التشيكي الشيوعي، لكي يخرجوه من السجن التعسفي. وبعدها اعترف بأن هناك فرقا حقيقيا بين الأنظمة الديمقراطية/ والأنظمة الاستبدادية. ولكنه قبل ذلك، لم يكن يرى هذا الفرق. كان يصب جام غضبه فقط على الغرب الرأسمالي الاستعماري. ثم يطرح لوك فيري على ميشال فوكو السؤال التالي: كيف يمكن الدفاع عن حقوق الإنسان وكرامته، والقول، في الوقت ذاته، إنه قد مات؟ ومعلوم أن فوكو أنهى كتابه الشهير «الكلمات والأشياء» بأطروحة موت الإنسان. وذلك بعد مائة سنة على إعلان نيتشه لموت الله. ولكن «الله حي لا يموت». الشيء الذي مات هو تلك الصورة القروسطية الظلامية الداعشية عن الله، وليس الله ذاته. الشيء الذي مات هو الأصولية المسيحية ومحاكم التفتيش. وكذلك الإنسان لا يموت - أو لا ينقرض - لأنه خليفة الله في الأرض.
لكن ينبغي الاعتراف أيضا، بأن هجوم لوك فيري على جيل الأساتذة ليس صحيحًا في كليته. وقد اعترف هو بذلك لاحقا، وقال: «زودناها شوية عليهم!»، فقد فكك فلاسفة ما بعد الحداثة الانغلاقات العنصرية والاستعمارية للعقيدة البورجوازية للغرب المتغطرس. وحسنا فعلوا. وشكرا له. وبالتالي، فليست كل فلسفتهم خطأ كما قد يتوهم القارئ. على العكس، لقد كانت تحتوي على شحنة تحريرية هائلة إبان الستينات والسبعينات، خصوصا أنها جاءت بعد انقضاء مرحلة الاستعمار البغيضة، ونيل الشعوب استقلالها وحريتها. ولكنهم بالغوا في تهشيم أسس الحضارة الغربية، وانقلبوا من النقيض إلى النقيض. هذا كل ما في الأمر. ثم جاء لوك فيري لكي يقول لهم: توقفوا! يكفي! آن الأوان لكي نعيد الأمور إلى نصابها. كفانا تفكيكا وتهشيما لأسس العقلانية الغربية. هل تريدون العودة إلى القرون الوسطى الظلامية؟ لحل هذه الإشكالية العويصة، نلاحظ أن لوك فيري يفرق بين النزعة الإنسانية الأولى في عصر الأنوار/ والنزعة الإنسانية الثانية في عصرنا الراهن. فعلى الرغم من كل الإنجازات العظيمة التي حققها فلاسفة الأنوار الكبار، مثل كانط وفولتير وسواهما، فإن نزعتهم الإنسانية لم تكن كاملة، وإنما محصورة بالجنس الأوروبي الحضاري فقط. والدليل على ذلك هو آراؤهم السلبية جدا تجاه الزنوج، مثلا، وبعض الشعوب الأخرى. فقد كانت احتقارية جدا، ونستغرب كيف صدرت عن فيلسوف في حجم كانط مثلا. انظر رأيه في الملونين مثلا. لذلك يدعو لوك فيري إلى تشكيل نزعة إنسانية جديدة تتجاوز مرحلة الأنوار الكلاسيكية، وتحترم كرامة كل الشعوب البشرية، وليس فقط الشعوب الأوروبية أو الغربية. بمعنى، ينبغي توسيع مفهوم الأنوار، والانتقال من الأنوار الأولى في القرن الثامن عشر/ إلى الأنوار الثانية في القرن العشرين أو الحادي والعشرين. لا ريب في أن الفلسفة التنويرية الأولى كانت إنسانية وعقلانية، وقد حققت إنجازات ضخمة. وهي التي أخرجت أوروبا من الطائفية وظلاميات العصور الوسطى والحروب المذهبية. لكنها كانت أيضا، فلسفة الأمة والحضارة بالمعنى الأوروبي للكلمة. بمعنى آخر، لقد كانت عرقية مركزية أوروبية. بهذا المعنى، فإن تفكيك فوكو ودريدا وديلوز للعرقية المركزية الغربية، كان تحريريًا وضروريًا. فقط بالغوا في التفكيك والتهشيم حتى لكادوا أن يطيحوا بأسس الحضارة الحديثة كلها.
في كتابه هذا، لا يروي فيري سيرته الذاتية وحده، وإنما سيرتنا نحن أيضا، الذين تحمسنا كثيرا لفكر تلك الحقبة، ونقلناه إلى اللغة العربية.



روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة
TT

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

كان لدى الروائي البريطاني مارتن أميس نظرية حول سبب شهرة الروائيين في الثمانينات والتسعينات. وأعتقد أن السبب هو أن الصحف، غير مدركة بعد لأبعاد اقتراب الإنترنت ونقص المحتوى، امتلأت بالإعلانات ووجدت مساحة فارغة لملئها. نفدت مواضيع كتّاب المقالات - «ممثلون مدمنون على الكحول، وأفراد من العائلة المالكة فاشلون، وكوميديون مكتئبون، ونجوم روك مسجونون» - فلجأوا بيأس إلى الكتّاب. أدى التدفق المفاجئ للمقالات المطولة في أقسام الثقافة وفضائح الصحف الشعبية إلى ظهور الروائيين، ولأول مرة منذ مدة، بمظهرٍ جذاب وذي علاقات واسعة بدلاً من مظهرهم الباهت والمنعزل.

في إنجلترا، استأثر آميس وأصدقاؤه (جوليان بارنز، كريستوفر هيتشنز، وإيان ماكوان) بمعظم هذا الاهتمام. أما في أميركا، فقد سلطت أضواء الكاميرات على وجوه جي ماكينيرني، وتاما جانويتز، وبريت إيستون إليس - ما يُعرف بـ«مجموعة برات»، أبناء فجر سوهو - وعلى المحررين والوكلاء الذين رافقوهم حتى ساعات متأخرة من الليل. كان للبريطانيين تأثيرٌ أكبر على المدى الطويل.

ظهرت على غلاف رواية ماكينيرني الأولى الأكثر مبيعاً، «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» (1984)، لافتة النيون الحمراء الشهيرة خارج مطعم «أوديون»، المطعم الواقع في وسط مانهاتن: كانت تتوهج وكأنها إشارة الخفافيش الخاصة بذلك الجيل الأدبي. لذا، ربما ليس من المستغرب أن تبدأ رواية ماكينيرني الجديدة، «أراك على الجانب الآخر»، وهي روايته التاسعة، التي تتسم بطابعها الرثائي وشبه السيري، بحفل زفاف بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين في المطعم.

هذه هي الرواية الرابعة والأخيرة في «رباعية كالواي» لماكينيرني، وشخصياتها، مثل مسرح «أوديون» نفسه، ناجون من مانهاتن، متمرسون في الحياة. تحمل السلسلة اسم راسل كالواي، شخصيتها المحورية، وهو ناشر مستقل مرموق يملك مكتباً في وسط المدينة في منزل من الطوب يعود للقرن التاسع عشر. وإذا كانت لديه طموحات أدبية في يوم من الأيام، فقد تخلى عنها. وكما قال الشاعر فيليب لاركين: «إذا لم تستطع التغلب عليهم، فقم بتعديلهم».

راسل متزوج، لكنه يشارك أحياناً وجبات البرغر السيئة، والقبلات الحارة، مع كاتبات شابات معجبات به. ويبدو أن شخصيته مستوحاة بشكل أساسي من ماكينيرني نفسه، ولكن نظراً لطبيعة عمله، فهو مستوحى أيضاً إلى حد ما من مورغان إنتركن، رئيس دار نشر «غروف/أتلانتيك» وأحد رفاق ماكينيرني المقربين في ثمانينات القرن الماضي. يبلغ كل منهما الآن 71 عاماً. أما الروايات السابقة في السلسلة، التي تحمل عناوينها اسم «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة»، فهي «سقوط السطوع» (1992)، و«الحياة الطيبة» (2006)، و«أيام مشرقة ثمينة» (2016). إذا كنت تنوي قراءتها، فابدأ من البداية، لأنها مع تقدمها تفقد متعتها وتتحول إلى روايات سطحية ونمطية. أما هذه الرواية الجديدة، فقد فقدت بريقها تماماً.

لقد مررنا بالكثير (علاقات غرامية، وفيات، اعتقالات، تخصيب في المختبر، أحداث 11 سبتمبر، ارتفاع الإيجارات، عمليات تجميل الحواجب، طلاق) مع الرجال والنساء المدللين ذوي الطابع البوهيمي في هذه الرواية. اجتمعوا الآن في «سينما أوديون»، حيث يشعر راسل بتدفق الماضي: المكان «يعج بالذكريات، طبقات من التاريخ الشخصي، أشباح الماضي». تشمل هذه الذكريات الكوكايين وعارضات الأزياء في الثمانينات، ووجبات غداء هادئة مع كتّاب ومحرري «كوندي ناست» الذين انتقلوا إلى مركز التجارة العالمي المُعاد بناؤه.

«أراك على الجانب الآخر» رواية تدور أحداثها خلال جائحة «كوفيد - 19». وقد استوحت عنوانها من لافتة وضعها أحد المطاعم على نافذته، معلناً إغلاقه طوال فترة الجائحة. الأزمة لا تزال حديثة العهد. يتجنب أبطال الرواية القبلات والأحضان؛ بل إنهم غير متأكدين من ضرورة خروجهم من منازلهم أصلاً.

إنها أيضاً رواية من عصر حركة «#MeToo» النسائية. يدخل كارلو، صديق قديم، إلى أحد المطاعم، وقد دُعي بالصدفة إلى ليلة افتتاح مطعم. إنه طاهٍ فاشل، من الواضح أنه متأثر بماريو باتالي. كان كارلو في السابق ممتلئ الجسم كدمية بينياتا، لكنه الآن يبدو ذابلاً وهزيلاً، وكأنه بحاجة إلى كرسي. بالنسبة لراسل، رؤية كارلو أشبه برؤية ماكبث لشبح بانكو.

أي شخص قرأ رواية «الحياة الطيبة»، الكتاب الثاني في هذه السلسلة، كان بإمكانه التنبؤ بسقوط باتالي الحقيقي. في تلك الرواية، شبهت زوجة راسل، كورين، كارلو بالأخطبوط، «يمد يده ليأخذ الخبز واللحم، ويدخن باليد الأخرى، ويشرب باليد الثالثة، بينما يتحسس في الوقت نفسه أقرب النساء إليه، جاذباً كل شيء نحو فمه».

يستغرق الأمر لحظة أو اثنتين حتى تظهر لمسة أخرى من لمسات ماكينيرني المميزة. عندما يحدث ذلك، يُخلّ بتوازن هذه الرواية بشكلٍ أكبر من الحوارات الركيكة والمليئة بالشرح، والملاحظات السطحية المبتذلة حول مدينة نيويورك، ومنطقة هامبتونز، والزواج (أدرك أنه مهما شعرنا بقربٍ من الآخر، فإننا لا نعرف أبداً أسرار قلبه).

«أراك على الجانب الآخر» عبارة عن سيلٍ جارف من الاستهلاك التفاخري غير الساخر. نرى ظهور رموز ضوئية مع دخول الشخصيات إلى الغرف: «دخلت كورين وخرجت مرتديةً رداء فريت الذي اشتراه لها»؛ «فتح مينغوس محفظته من بيرلوتي سكريتو»؛ «حقيبته من لويس فويتون»؛ «بدلته السوداء المميزة من برادا»؛ «فستان بالمان ضيق بلا أكمام بسحاب أمامي مثير». هذه الشخصيات لا تملك شخصياتٍ حقيقية؛ بل مجرد نماذج استهلاكية.

بالنسبة للكاتب، يمكن لأسماء العلامات التجارية أن تُضفي عمقاً على روايته. وقد استخدمها دون ديليلو في روايته «الضوضاء البيضاء» لاستكشاف ثقافتنا الاستهلاكية المُفرطة. أما قراءة رواية ماكينيرني فلا تُذكّرك إلا بالتعليق الساخر الذي أطلقه المحقق الضخم آندي سيبوفيتش في مسلسل الشرطة «NYPD Blue» في التسعينات: «هذا الرجل يتحدث كثيراً، ولا يتحدث عن الأمور المهمة».

كتبت كلير لودون في ملحق «التايمز» الأدبي قبل سنوات: «إن أكبر جريمة يرتكبها كاتب من الطبقة المتوسطة هي الإكثار من ذكر النبيذ». (أشارت لودون إلى أن إيان ماكيوان مذنب في فعل ذلك). ربما يُمكن التماس العذر لماكينيرني، الذي كان كاتب عمود عن النبيذ في صحيفة «وول ستريت جورنال»، لاهتمامه الشديد بالزجاجات التي يفتحها راسل. فهناك العديد من الجمل من قبيل: «أعتقد أننا سنبدأ بزجاجة (باتارد مونتراشيه) كطبق أول»، وهناك الكثير من الضحكات والصداقات الرجولية حول زجاجات النبيذ الثمينة في غرفة خاصة في مطعم «بير سي».

لقد أحزنني بشدة امتعاضي من هذه الرواية. مثل راسل، لطالما كان ماكينيرني شخصيةً آسرةً في حياة مدينة نيويورك. ولا أريد المبالغة في المقارنة، لكنه في بعض النواحي يُشبه أليك بالدوين الأدبي - لا يزال وسيماً كصبي، حاضراً في كل مكان، موهوباً بما يكفي، ومستعداً أحياناً لإثارة الجدل. (الفضيحة، في نهاية المطاف، نوع من خدمة المجتمع»، كما كتب سول بيلو في «هرتسوغ». يتمتع كلا الرجلين بوجوهٍ وردية، ويشبهان شخصيات «باري بليت» الكرتونية.

لم تفقد رواية «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» وبعض رواياته المبكرة الأخرى طاقتها المتوترة والمليئة بالشكوك. إذا أردتَ أن تتذكر مدى دقة ملاحظة ماكينيرني كصحافي، فأعد قراءة مقالته في مجلة «نيويوركر» عام 1994 عن الممثلة كلوي سيفيني.

تتجاوز رواية «أراك على الجانب الآخر» الأزمات الوجودية التي يعاني منها سكان نيويورك المرفهون، لكن القليل منها يترسخ في الذاكرة.

*خدمة «نيويورك تايمز»


«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية
TT

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» كتاب «تدجين الفكر المتوحش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس.

وجاء في تقديمه: «في عمق التاريخ الإنساني، حيث تتقاطع الأسطورة مع العقل، وحيث تتشكَّل صورة الآخر في مرآة الذات، يطرح هذا الكتاب سؤالاً مقلقاً وبسيطاً في آنٍ واحد: هل نحن مختلفون حقاً عمّن نُسميهم (بدائيين)، أم أن هذا الاختلاف وهمٌ صنعته أدواتنا قبل عقولنا؟».

منذ الصفحات الأولى، يأخذنا المؤلف في رحلة فكرية تقوِّض واحدة من أقدم المسلَّمات في العلوم الاجتماعية: «القسمة الكبرى» بين «نحن» و«هم». تلك القسمة التي جعلت من بعض المجتمعات نموذجاً للتقدم، ومن أخرى رمزاً للتخلُّف أو «التوحُّش»، لكن سرعان ما يكشف أن هذه الثنائية ليست سوى بناء ذهني هش، إذ يقول: إن القسمة الثنائية بين المجتمعات البدائية والمجتمعات المتحضرة... تُرسي التعارض بين «نحن» و«هم»، بين العقلاني وغير العقلاني.

هنا يبدأ التشويق الحقيقي: إذا لم يكن الاختلاف في العقول، فأين يكمن إذن؟

يقدِّم الكتاب إجابته المحورية عبر فكرة مدهشة: إن ما يغيِّر التفكير ليس العقل ذاته، بل الوسائط التي يستخدمها - وأهمها الكتابة. فالإنسان، قبل الكتابة، كان يعيش في عالم شفهي، حيث المعرفة عابرة، متدفقة، مرتبطة بالسياق والذاكرة. أما بعد الكتابة، فقد تحوَّلت اللغة إلى شيء «مرئي»، يمكن تحليله وتفكيكه وإعادة ترتيبه. وكما يوضح النص: «إنَّ تدوين الكلام هو الذي سمح بالفصل بين الكلمات بكل وضوح، وتقليب ترتيبها، وبالتالي بتطوير الأشكال القياسية للاستدلال والتفكير».

بهذا التحول، لم يتغير ما يفكر فيه الإنسان فقط، بل كيف يفكر. ظهرت القوائم، والجداول، والتصنيفات، والرياضيات المعقدة. صار بالإمكان تخزين المعرفة ونقلها عبر الأجيال بدقة غير مسبوقة. وهنا، يتحول «تدجين الفكر» من استعارة إلى حقيقة: فالعقل لم يعد برياً أو «متوحشاً»، بل أصبح منظماً، مُهندساً بواسطة أدواته.

لكن المؤلف لا يسقط في فخ التبسيط. فهو لا يقول إن الكتابة خلقت العقل، بل يحذر من التفسير الأحادي، مؤكداً: «هناك طريق وسطي بين اختيار سبب وحيد ورفض كل تفسير سببي... بين إغراق كل شيء في السببية البنيوية أو عزل عامل مادي وحيد. فالتغير في الفكر هو نتيجة تفاعل معقد بين التكنولوجيا، المجتمع، السلطة، والثقافة».

ومن أكثر لحظات الكتاب إثارة، حين يواجه القارئ بحقيقة مزعجة: أن ما نسميه «تفكيراً بدائياً» ليس أقل منطقية، بل فقط مختلف في تجلياته. ففي المجتمعات الشفهية، نجد أنظمة تصنيف دقيقة، وقدرات حسابية مذهلة، لكنها مرتبطة بالسياق الحي، لا بالرموز المجردة. وهنا يكتب: «أنماط التفكير تتشابه من مجتمع إلى آخر من عدة أوجه... إن وجود نشاط فكري فردي حقيقة واقعة كما هي الحال في الثقافات الغربية».


إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!