{داعش} يحاول إغراء مجندين جدد في الصومال

رجل الدين البارز عبد القادر مؤمن أعلن انضمامه للتنظيم ومعه العشرات

عناصر من «حركة الشباب» أعلنوا انضمامهم إلى «داعش» (واشنطن بوست)
عناصر من «حركة الشباب» أعلنوا انضمامهم إلى «داعش» (واشنطن بوست)
TT

{داعش} يحاول إغراء مجندين جدد في الصومال

عناصر من «حركة الشباب» أعلنوا انضمامهم إلى «داعش» (واشنطن بوست)
عناصر من «حركة الشباب» أعلنوا انضمامهم إلى «داعش» (واشنطن بوست)

على بعد نحو ألفي ميل من سوريا، يحاول تنظيم «داعش» توسيع نطاق نفوذه عن طريق تأسيس فرع جديد أطلق عليه مقاتلوه اسم «الإمارة الصغيرة»، في إشارة إلى الصومال الذي مزقته الحروب.
لن يكون كسب أرض هناك بالأمر الهيّن، فـ«حركة الشباب» المرتبطة بـ«القاعدة» هناك تحظى بوجود قديم في أقصى شرق أفريقيا، وهددت كل من ينضم لـ«داعش» بالموت. بيد أن التهديد لم يمنع العشرات من الانضمام إلى التنظيم، مما أثار مخاوف مسؤولين أميركيين استثمروا في مساعدات بلغت مئات الملايين من الدولارات قدمتها للحكومة الصومالية وكذلك لتجهيز حملة عسكرية إقليمية لمواجهة «داعش».
يعد الصومال ذا أهمية كبيرة لتنظيم «داعش» المتطرف حيث تدار الدولة بواسطة حكومة ضعيفة، وتتمتع البلاد بأطول ساحل في القارة، ولها حدود مشتركة مع ثلاث دول حليفة للولايات المتحدة هي إثيوبيا وجيبوتي وكينيا.
وحسب تصريح أدلى به غوتمولر، وكيل وزارة الخارجية الأميركية لشؤون الحد من التسلح والأمن الدولي، بمؤتمر في جوهانسبورغ هذا الشهر، يضع «داعش» الصومال نصب عينيه ويحاول الوجود داخله ثم التهديد بدخول كينيا.
ووسع تنظيم «داعش» بالفعل من وجوده خارج سوريا والعراق بوجود مسلحيه في أفغانستان، وليبيا، واليمن، ونيجيريا.. وغيرها من الدول بإعلان مسلحين في هذه الدول الولاء لهؤلاء المتطرفين ولدولة «الخلافة». وفي حين يبدو تنظيم «داعش» في الصومال صغير الحجم، فإن سعيه لتجنيد منتسبين جدد في تلك المناطق يعكس مدى طموحه.
وبدأت حملة التجنيد التي بدأها «داعش» الشهر الماضي في الصومال تؤتي بعض الثمار، حيث أعلن رجل الدين البارز عبد القادر مؤمن انضمامه للتنظيم واصطحب خلفه عشرات من أتباعه على الأقل. وعلى مدى الشهرين الماضيين، تعرض مواطنان أميركيان اثنان؛ أحدهما مقيم في الصومال بصفة دائمة، للاختطاف بعد انشقاقهما عن «حركة الشباب» والانضمام لصفوف «داعش». غير أن «داعش» لم يرسل بمقاتلين إلى الصومال، إلا أن صورة «داعش» بدأت تتجلى بين المسلحين. وصرح مات برايدن، خبير الشؤون الصومالية ومدير مركز أبحاث ساحان بكينيا، أنه «حتى الآن تبدو ماكينة (داعش) الدعائية الأفضل». بدأت «حركة الشباب» الصومالية نشاطها بعد غزو إثيوبيا الصومال عام 2006، وفى عام 2012 أعلنت الحركة الولاء لـ«القاعدة»، وانضم إليها عدد من الخبراء الفنيين والمستشارين التكنولوجيين، وارتفع سقف طموحات الحركة الصومالية بعد الدعم الذي تلقته من «القاعدة».
وفى عام 2013، هاجمت «حركة الشباب» سوقا تجارية راقية في نيروبي لتقتل 63 شخصا، وفى أبريل (نيسان) 2014 هاجم مسلحو الحركة جامعة غارسيا شمال شرقي كينيا حيث قاموا بذبح 148 شخصا. لكن على الرغم من شراسة هجماتها، فإن حركة «الشباب» فقدت كثيرا من الأراضي التي سيطرت عليها في الصومال مع تقهقر قوات الاتحاد الأفريقي واستهداف الطائرات الأميركية من دون طيار كبار قادة الجماعة لتقتل اثنين من كبار قادة الحركة مرة عام 2008 ومرة أخرى عام 2014. قدمت الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية مساعدات تقدر بمئات الملايين من الدولارات للحكومة الصومالية المحاصرة التي تولت السلطة عام 2012 وحاولت إعادة بناء مؤسسات الدولة.

ولاء الجماعات المسلحة لـ«داعش»

أعلنت كثير من الجماعات المسلحة بشمال أفريقيا ولاءها لتنظيم «داعش» منذ إعلانه في أجزاء من العراق وسوريا عام 2014، غير أن درجة الصلة بالتنظيم تختلف من جماعة لأخرى.
وفى أفغانستان، وفق خبراء، ظهر تنظيم داعش بديلا للمقاتلين الذين خذلتهم جماعة «طالبان» وشرعوا في التواصل مع «داعش» في الشرق الأوسط. لكن الشهر الحالي، صرح الجنرال جون كامبيل، القائد العسكري في الجيش الأميركي وفى قوات حلف شمال الأطلسي، أن مقاتلي «داعش» في العراق وسوريا قد وصلوا إلى منطقة ننغار حيث ينشط الفرع الأفغاني لـ«داعش».
وفى بداية العام الحالي أعد «داعش» مواقعه في الصومال، ونشر عددا من المقاطع المصورة بهدف اجتذاب مزيد من المجندين، خاصة من «حركة الشباب». وتظهر المقاطع عددا من المسلحين بملامح صومالية.
ويظهر في المقطع الذي حمل عنوان: «من أرض الشام إلى المجاهدين في الصومال»، في إشارة إلى الاسم القديم لسوريا، شاب صومالي ملتح يحكي قصة نجاح «داعش».
وقال الشاب الصومالي الذي ظهر في المقطع متحدثا بالإنجليزية: «لن يعود تأسيس (دولة الخلافة) في الصومال بالفائدة عليك وحدك، بل على جميع مسلمي الصومال، وشرق أفريقيا».
وقال ضابط استخبارات أميركي طلب عدم ذكر اسمه إن المقاتلين الذين ينجذبون لـ«داعش» ربما «ينظرون إلى التنظيم باعتباره مصدر إلهام للحرب في سبيل قضية أهم من القضايا المحلية، ونعتقد أن هذا ما حدث في الصومال».
وحتى الآن يعد «مؤمن» أهم من جندهم «داعش» في الصومال بوصفه داعية له أتباع ومريدون من جميع أنحاء العالم، وكان ينظر له على أنه أهم رمز ديني في «حركة الشباب»، إضافة إلى أنه قائد في منطقة «بوتلاند» التي تقع خارج نطاق سيطرة «حركة الشباب».
ووفق سيدريك برنيس، مدير مشروع القرن الأفريقي بمجموعة الأزمات الدولية، «يمتلك هذا الداعية أكثر مما يمتلكه غيره من الشيوخ داخل (حركة الشباب) نظرا لتدريبه العالي».
ونشر داعية كيني أصولي يدعى حسين حسن، الذي انضم في السابق لـ(حركة الشباب)، تسجيلا صوتيا أوحى بانضمامه لـ«داعش».
بيد أنه لا يزال هناك كثير عن وجود «داعش» في الصومال لم يكشف بعد، فقد أذاعت كثير من وسائل الإعلام الصومالية أن رجلا معروفا فقط باسم «دوليادين»، وهو من خطط للهجوم على جامعة غاريسا وعلى صلة قوية بشمال شرقي كينيا، انضم إلى «داعش» الخريف الماضي، وهو ما يعد تطورا مهما في حال تأكد الخبر، لأن ذلك، وفق خبير الشؤون الصومالية مات برايدن، «سوف يفتح الطريق أمام (داعش) لدخول كينيا من دون جهد يذكر».
غير أنه لا يزال هناك كثير من الأسئلة الكبيرة عما يعنيه «داعش» في الصومال، وما إذا كان مقاتلو «الشباب» السابقون سوف يغيرون تكتيكاتهم أو طموحاتهم بعد الانضمام إلى «داعش»، أم إن الجماعة الجديدة سوف تكون مجرد وسيلة لشن الحرب على غيرها من الجماعات المنافسة أو الجماعات المتطرفة هناك. لكن بحسب الخبراء، فأيا كان شكل «داعش» في الصومال، فسوف تكون لأعضـــائه هناك طموحات محلية أبعد من طموحـــات زملائهم فـــي سوريـــا.
وحسب أليكساندر هتشنس، باحث في المركز الدولي للدراسات الأصولية في لندن: «ليس لهم وجود كبير في الصومال، ولا يملكون الكثير ليقدموه للصوماليين».

* خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ«الشرق الأوسط»



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.