الفنون الحرفية تبلغ قمة الإبداع في صناعة الساعات الفاخرة

بين «شانيل» و«هيرميس» و«كارتييه» و«فاشيرون كونستانتان».. تسابق محموم للابتكار يصب في مصلحة النخبة

TT

الفنون الحرفية تبلغ قمة الإبداع في صناعة الساعات الفاخرة

العلاقة بين صانعي الساعات ومبدعي التحف الفنية ليس ظاهرة جديدة، فكتب التاريخ تعيدها إلى الثورة البروتستانتية التقشفية التي دعت إلى الاهتمام بالتوجهات العملية النفعية ونهت عن البهرجة والزخرفات، ما دفع الصاغة إلى الانصراف إلى صناعة حِرفيّة بديلة كانت صناعة الساعات.
وسرعان ما ازدهرت صناعة الساعات في وديان غرب سويسرا، داخل شواغل عائلية صغيرة في بداية الأمر، بينما تفنن الحرفيون في باريس، عبر العقود في تصنيع الحلي والجواهر النفيسة، وأبدع الفنانون في إنتاج منحوتات ونقوش فنية زيّنت القصور الملكية وتسابق على اقتنائها وإهدائها كبار الأثرياء.
وشيئًا فشيئًا، التقت تقنية صناعة الساعات مع صياغة الذهب والفضة والبلاتين، ومهارات النحت والنقش والرسم والتلبيس الفني، ووجدت لها سوقا بين صفوة الذواقة ومتطلبي الأفضل. وهكذا وسّعت بعض دور صياغة الذهب والمعادن النفيسة والترصيع بالجواهر نطاق اهتماماتها، فأخذت تصنع سلعًا كمالية أخرى، واقتحم بعضها مجال صناعة الساعات. وفي المقابل، أثّر النحاتون والنقاشون والملبّسون ليس في أوروبا فحسب، بل في كل أنحاء العالم، على تنمية الذوق العام مع انتشار التفاعل وتزايد السفر والاختلاط بين الشعوب.
وفي ضوء هذا الواقع، امتزجت الاتجاهات الحرفية الثلاثة، وأخذت تظهر ساعات هي في الواقع تحف فنية، تجاوزت الساعات الجدارية أو التي توضع على الطاولات والأرفف، لتشمل ساعات اليد الفاخرة. ومن أجل التفرّد والتميّز، سعى مصمّمو دور صناعة الساعات الفاخرة وراء الأجمل والأكثر إثارة، وانطلقوا لاستكشاف كل ما يبهر من النقوش وتقنيات النحت والتلبيس والطلاء في كل مكان أمكنهم الوصول إليه. وهذا العام قدمت أربع دور من أشهر دور الساعات الفاخرة أرقى ما بلغه طموح مصمّميها وحرفيّيها في هذا المجال، وهي «شانيل» و«هيرميس» و«كارتييه» و«فاشيرون كونستانتان».
في دار «شانيل» نلاحظ أن قسم الساعات يعود باستمرار إلى رمز من رموز الدار أو رسم ما من شقة كوكو شانيل يُنحت خصوصا على ميناء ساعة من ساعاتها التي تنتمي إلى «ميتييه دار». هذا العام، عاد إلى عشق كوكو شانيل للبارافانات الخشبية الصينية التي تزيّن أرجاء مسكنها ومشغلها وتمنحها خصوصية. ومع أن شانيل لم تزر أبدًا الشرق الأقصى، فإنه ظهر في كثير من تصاميمها، وكان يزين شقتها الخاصة من خلال رسومات على الجدران أو قطع أثاث مكسوة بالطلاء الأسود أو إكسسوارات على شكل صور مراوح يدويّة وطيور ومناظر طبيعية وغيرها.
هذا العام تمثل أشجار الكاميليا والطيور الغريبة (المأخوذة صورها من البرافانات أيضًا) أساس مجموعة «مدموزيل بريفيه». وعلى الرغم من اعتماد دار «شانيل» دائمًا على التراث وقصص مؤسستها، يتوق نيكولا بو، مدير قسم الساعات في الدار، لتأويلها بشكل عصري من خلال أساليب وتقنيات جديدة. وفي تصريح له أوضح بو قائلا: «مع ساعات (ميتييه دار مدموزيل بريفيه)، يصبح الميناء محور تطبيق التجديدات»، مضيفا أن العمل مع فنانين كبار يساعد على هذا التطوير. هذا العام أخذت هذه العملية بعدا ثلاثيا في نقوش نحتية جد مبتكرة.
ويعد النقش النحتي أو المحفور - «الغليمتيك» - الذي يُعرف أيضًا باسم نحت الجواهر، واحدا من أرقى فنون الزخرفة التي عرفتها حضارات مصر القديمة واليونان والرومان. وغني عن القول إنه يحتاج إلى مهارات عالية لإنجازه والحفاظ على القيمة العالية للأحجار الكريمة المستخدمة فيه، علما بأن الغاية من هذه الأحجار الكريمة المنحوتة، استخدامها كأختام أسطوانية الشكل، تمثل شكلاً بدائيًا للحروف، وكان المتلقي يفك رموزها (أو شيفرتها) بدحرجتها على طين رطب. وبما يخص الساعات، فإن صنع ميناء بأبعاد نحتية ثلاثية الأبعاد (نافرة أو غائرة) ينطوي على تحدّيات تقنية كبرى، إذ لا بد أن يكون الميناء رقيقًا، وأن يكون بمقدور عقارب الساعة الدوران، لهذا كان لا بد من تطوير أدوات جديدة بالغة الدقة والصغر من أجل قطع أحجار المرجان والفيروز واللعل (العقيق الأحمر) واللازورد، التي تشكل صور الطيور. ومن ثم يصار إلى تركيب القطع معا بعد ذلك بطريقة الفسيفساء من أجل رسم صور الطيور على الغصون الذهبية.
دار «هيرميس» هي الأخرى توجهت إلى آسيا، وتحديدا اليابان، من خلال سباق خيول «كوما كورابيه» السنوي. فقد كانت الحشود تتقاطر من كل أنحاء اليابان على معبد «كاميغامو» في مدينة كيوتو، العاصمة القديمة للبلاد، من أجل مشاهدة فرسان في غمار سباق يرتدون الملابس التقليدية ويستخدمون السياط في حلبة السباق.
عندما بوشر بتنظيم هذا السباق العريق عام 1039م، كان يُعتقد أن الخيول تتمتع بقوى روحية خاصة، وكان مشاهدو السباق يكثرون الدعاء من أجل السلام والرخاء. اليوم ما زالت عادة تقديم عَلم أبيض - كان يعتقد يومًا ما على أنه مقدّس - دارجة إلى الفريق الفائز. وبفضل بوزان فوكوشيما، الفنان الياباني المبدع، جرى تصوير السباق الشهير على ميناء ساعة «سليم دي هيرميس كوما كورابيه» التي طرحتها الدار الفرنسية في معرض «بازل وورلد» هذا العام.
يعد فوكوشيما أحد أبرز الفنانين المتخصصين في فن الـ«الآكا إيه» (الرسم بالأحمر) الياباني، الذي وصل إلى أوج شهرته في القرن التاسع عشر الميلادي. وتتسم ضربات فرشاة الفنان السبعيني، باللون الأحمر بتفاوت عمقه وتدرجاته الدقيقة، ومن ثم يغطي ما يرسمه بطبقة رقيقة من الذهب.
وكان فيليب ديلوتال، مدير الابتكار في «لا مونتر هيرميس» (قسم الساعات في دار هيرميس) يستكشف في عام 2014 محافظة إيشيكاوا الشهيرة بحرفها اليدوية، وقاده بحثه عن فنون جديدة إلى العثور على مشغل فوكوشيما. وهناك عرض ديلوتال على الفنان الياباني موانئ ساعات مصنوعة من الخزف الصيني، كانت صنعت خصيصًا لدار «هيرميس» في سيفر (الضاحية الباريسية الشهيرة بخزفها الراقي الثمين)، ودعاه إلى تزيينها بمشاهد تتضمن شعار الحصان الذي يرمز إلى الدار. ومع أن فوكوشيما كان مرتبطًا بالعمل مع رعاة وزبائن أثرياء وشخصيات من أسر ملكية ومديري معارض، فإنه قبل العرض. وهنا لا بد من الإشارة إلى أنه لم يسبق لفوكوشيما العمل من قبل مع شركة مثل هيرميس، ولم يتولَّ قبل ذلك تزيين ميناء ساعة صغيرة دقيقة بهذا الشكل. لكنه انجذب إلى العمل على خزف سيفر بدلا من خزف كوتاني المحلي.
غني عن القول إن التصميم النهائي ما هو إلا الجزء الأخير من عملية طويلة. وكان من الضروري شحن الأرقام الـ12 المحفورة على مجموعة «سليم دي هيرميس كوما كورابيه» المحدودة من سيفر إلى إيشيكاوا بعد مرورها بعملية دقيقة من الطلاء تحتاج من أربع إلى ست طبقات لامعة شفافة، فضلا عن عمليات تعريض طويل الأمد للنار. وكانت هناك حاجة لإنجاز ثلاث عمليات تعريض للنار أخرى في اليابان من أجل تثبيت عمل فوكوشيما عليها.
يُعد مشغل «ميزون دي ميتييه دار» في دار «كارتييه»، معقلاً للمهارات. وفي المشغل الذي يحتل مبنى ريفيًا زراعيًا شامخا يعود بناؤه إلى القرن الثامن عشر قرب مدينة لا شو دو فون، عاصمة صناعة الساعات السويسرية، يعمل 12 فنانًا حرفيًا وخبيرًا متخصّصًا في مجالات تتراوح بين تطعيم الخشب والحَفر، إلى فن الزركشة التخريمية والفسيفساء.فمهارات أمثال الفنانين، التي بدت لسنين كثيرة وكأنها أضحت متقادمة وشارفت في مرحلة ما على الانقراض، تحظى اليوم بقدر كبير من التبجيل والعناية الفائقة. المصنِّعون في الدار يتشاركون مع هؤلاء الفنانين الحِرفيين المَهَرة الفلسفة والقِيَم الجمالية نفسها، ويتبادلون المهارات ويناقشون الأفكار تحت سقف واحد. وحول هذا الواقع، يقول بيير راينيرو، رئيس قسم الصورة والتصميم والتراث في دار «كارتييه»: «نحن نعتقد أنه عندما يتقن المرء مهارة يدويّة واحدة، من المرجح أنه سيحاول إتقان مهارة أخرى». وأردف: «وسيكون من الممتع إعادة اكتشاف الآثار الغنية والفروق الدقيقة وذكريات الحضارات الأخرى التي تستحضرها الحرف التقليدية القديمة». وبالفعل يلاحظ في كل الأعمال التي تطرحها الدار أن هناك تقديرا حقيقيا للبراعة التي يتطلبها استخدام تلك التقنيات في زخرفة أشياء صغيرة مثل موانئ الساعات.آخرها كان إعادة العمل بالزركشات التخريمية لتحاكي مَلمَس الفراء، عبر فتل الذهب أو البلاتين ولفّه وبَرمه وقطعه للخروج بحلقات صغيرة، غدت طبقات تغطّي نمرًا عيناه من الزمرّد في الساعة الجديدة «روند من لوي كارتييه إكس إل». وتستغرق صناعة كل قطعة من هذه النسخة المحدودة الإصدار، التي تقتصر على 20 قطعة، شهرًا واحدًا وتحتاج مهارات مختلفة للعمل عليها من الترصيع بالأحجار الكريمة إلى النحت والطلاء.
لماذا الزركشة التخريمية على المعدن، بالتحديد؟ يجيب راينيرو «لقد أبصر هذا الفن النور في آسيا، ثم امتد إلى البرتغال، وازدهر خلال حقبة الـ(آرت ديكو).. ولقد أعجبتنا فكرة أنها كانت منتشرة لأكثر من 700 سنة وانتقلت من مكان إلى آخر. وعلى الرغم من استخدام هذا الفن في المشغولات الأكبر حجمًا في أغلب الأحيان، رأينا أنه يمكن استخدامها في مشغولات صغيرة الحجم».
حاليًا تعدّ القطع الأثرية القديمة من هذا الفن من التحف النادرة التي تحظى بإقبال شديد في المزادات ولدى هواة الاقتناء. لهذا لا تبخل دار كارتييه على مشغل «ميزون دي ميتييه دار» بكل ما أوتيت من إمكانيات لكي يبقى هذا الفن مستمرا، وذلك بالبحث عن فنانين وحرفيين متخصصين من كل أنحاء العالم. فاليابان، على سبيل المثال تعد موطنا لعدد من أمهر خبراء الطلاء والتلبيس، وخلال الفترة الأخيرة، التحق بعضهم من «المدينة المحرّمة» في العاصمة الصينية بكين، بمقر كارتييه الجديد فيها، لتكون مهمتهم البحث عن الكنوز الفنية القديمة في الصين وإعادة صياغتها. وهذا الجانب يوضحه راينيرو بالقول: «نشجع هذا النوع من التبادل الثقافي، والأهم بالنسبة لنا هو إتاحة مساحة لالتقاء الخبراء وتبادل الأفكار».
فاشرون كنستانت ليست جديدة على هذه الفنون، فقد مرّت 260 سنة على تصميم جان مارك فاشيرون أول ساعة جيب. هذه الساعة موجودة اليوم في أرشيف الدار ممهورة بتوقيع، وعليها عام صناعتها وهو 1755، وهي تبدو متوائمة تمامًا مع الموضة اليوم بفضل إعادة مصممي «سافيل رو» (شارع الخياطة الرجالية الشهير في العاصمة البريطانية لندن) ساعات الجيب إلى الواجهة من جديد.
احتفاءً بتلك الذكرى، تستخدم دار «فاشيرون كونستانتان» الشكل البسيط للساعة الأصلية من أجل تقديم ساعتين متميزتين جديدتين من مجموعتها «ميتييه دار ميكانيك غرافيه» الفنية، من خلال الاستعانة بأحدث التقنيات في مضمار صناعة الساعات الفائقة الفخامة. ومع أنه للوهلة الأولى تبدو الساعتان الجديدتان مختلفتين تمامًا عن التصميم الأصلي لجان مارك فاشيرون، فعند إمعان النظر سيبدأ الناظر اكتشاف أوجه الشبه بينهما، وذلك لأن كليهما يتشاركان في استخدام أشكال أوراق شوك الأقنثا.
فاشيرون كان يحب الانحناءات، التي تميز أشكال أوراق ذلك النبات الشوكي مع أنه لم يكن أول من ينجذب إليها. وكانت أشكال الأوراق ذات القطع العميق قد راجت كثيرًا في العمارة اليونانية القديمة التي تعود إلى القرن الخامس قبل الميلاد. كذلك راجت في النقوش والمحفورات والخشب المطعّم وأعمال التطريز في عصر النهضة والعصر الباروكي. وبفضل استخدام أحجار الياقوت الأحمر في رسم تصاميم ثمار التوت، والزخرفة الملونة، وومضات الذهب، تتمتّع ساعات مجموعة «ميتييه دار ميكانيك غرافيه» الجديدة بسمات العصور الوسطى.
وما يستحق الذكر أن تركيز الدار العريقة خلال القرن الثامن عشر كان منصبًّا على الزخرفة النباتية، وبحلول منتصف القرن التاسع عشر، بدأت مرحلة تجريبية مع الأشكال الملتفة والمتلوية. ثم في القرن العشرين، امتد هذا الازدهار الإبداعي إلى تصوير الزخرفة العربية - الإسلامية (الأرابيسك) وتبعه «الدوائر ذات الألف ورقة» في أربعينات القرن الماضي، ثم في ثمانينات القرن الماضي.
وخلال العام الماضي وصلت «فاشيرون كونستانتان» إلى أقصى مدى، مع ظهور عشر فنيات مختلفة في أربع ساعات من مجموعة «فابولو أورنامان». ومثل أي دار صانعة للساعات اليوم، تجول «فاشيرون كونستانتان» العالم بحثا عن حرفيين وفنانين مهرة لامعين يمكن التعاون معهم، بينما تفخر بفريقها الصغير المكوّن من خيرة الفنانين المنتقين بشكل أساسي من كليات الفنون السويسرية. فهنا في مشغل الدار يعمل حرفيون متخصّصون منهم اثنان مجال في الطلاء التلبيسي، واثنان آخران في الترصيع، واثنان في زخرفة الميناء، واثنان في الحفر والنحت، وهذان الأخيران هما اللذان أبدعا الموانئ المصنوعة من الذهب الأبيض في الـ«ميكانيك غرافيه».



شورت البيرمودا… منافس الجينز في صيف 2026

في معرض «بيتي أومو» الذي يقام سنوياً في فلورنسا حضر التصميم بقوة (هوكرتي)
في معرض «بيتي أومو» الذي يقام سنوياً في فلورنسا حضر التصميم بقوة (هوكرتي)
TT

شورت البيرمودا… منافس الجينز في صيف 2026

في معرض «بيتي أومو» الذي يقام سنوياً في فلورنسا حضر التصميم بقوة (هوكرتي)
في معرض «بيتي أومو» الذي يقام سنوياً في فلورنسا حضر التصميم بقوة (هوكرتي)

نادراً ما تتحول قطعة ملابس إلى موضوع نقاش يتجاوز حدود الموضة إلا عندما تتقاطع الأزياء مع اعتبارات ثقافية أو اجتماعية. لكن هذا ما حدث مع شورت البيرمودا في اليابان هذا الصيف. بدأ الجدل بعد أن شجعت حكومة طوكيو موظفيها، على ارتداء ملابس أخف بما فيها شورت البيرمودا، ضمن حملة أطلقت عليها «طوكيو كول بيز» Tokyo Cool Biz. تستهدف الحملة مواجهة موجات الحر الشديدة المرتفعة وتقليل استهلاك أجهزة التكييف في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة. في مجتمع يتميز بالأزياء المحافظة، كان من الطبيعي أن تنقسم ردود الفعل بين مؤيد ومعارض.

في آسيا أصبح ملاذاً من الحر يقبل عليه الكل سواء بهدف الأناقة أو فقط الانتعاش (د.ب.أ)

المؤيدون رأوا أن الشورت يقدم حلاً عملياً يساعد الموظفين على تحمل درجات الحرارة المرتفعة، بينما اعتبره المعارضون تعدياً على قواعد الأناقة الرسمية في أماكن العمل، ويمنح انطباعاً بعدم الاحترافية.

وبينما انشغلت اليابان بهذا الجدل ومدى ملاءمة هذه القطعة لبيئة العمل، كانت عواصم الموضة الأوربية قد حسمت موقفها عملياً.

«هوكرتي» تقترحه للرجل والمرأة على حد سواء مفصلاً على المقاس (هوكرتي)

في معرض «بيتي أومو» الذي تستضيفه إيطاليا سنوياً، والمعروف بأناقته الدانداية، ونزعته للاستعراض، فرض هذا الشورت نفسه واحداً من أبرز صيحات الموسم. عروض الأزياء، الرجالية والنسائية في كل من ميلانو وباريس، أيضاً أكدت حضوره كقطعة أساسية تتجاوز وقتها الصيفي التقليدي.

فقد خرج من خانة الرياضي أو خزانة عشاق الرحلات والسافاري والمخيمات الصيفية، إلى المدن، لأنه بتصاميمه الحالية لم يأتِ كمجرد نسخة أطول من «الشورت» القصير، بل كبديل أكثر نضجاً ورُقِيّاً، إلى درجة أنه بات ينافس بنطلون الجينز، بل ويحل محله كخيار آخر.

ما يدعو إلى المقارنة بين القطعتين أن كليهما لا يمكن اختزاله في تصميم أو لون واحد. كما هو الحال مع الجينز، يأتي البيرمودا، بتصاميم تمتد من الطابع الرياضي، أو السبور، إلى القصات الكلاسيكية المعاصرة. أيضاً يمكن تنسيقه بسهولة مع سترة مفصلة لإطلالة راقية، أو مع قميص من الكتان أو «تي-شيرت» قطني لإطلالة أكثر عفوية واسترخاء على يخت.

حتى الرجل الخمسيني وما فوق يمكن اعتماده بثقة (هوكرتي)

صحيح أن الرجل الخمسيني من العمر وما فوق، قد يحتاج إلى شيء من الجرأة والثقة لتبنِي هذه الصيحة، لكنه لن يبدو نشازاً إذا اختار قصَة مناسبة ونسقها مع إكسسوارات ملائمة. الأمر نفسه ينطبق على المرأة، فكلما تقدّمت في العمر، يُفضَل أن تختار بيرمودا يصل إلى الركبة أو يتجاوزها إلى نصف الساق. أما الشابات، فالاقتراحات متنوعة تتيح لهن مساحة أوسع للتجريب. الاستثناء الوحيد هو تجنّب أي طول قصير جدا.

ما هو شورت البيرمودا؟

ليست كل السراويل القصيرة تنتمي إلى هذه الفئة. فالبيرمودا يتميز بطول يصل عادة إلى حدود الركبة أو يقترب منها، مع قصة مريحة مفصلة عند الخصر بعناية. فغالباً ما يستعير تفاصيله من عالم الخياطة الكلاسيكية، مثل الثنيات الأمامية، والطيَّات الصغيرة وحلقات الحزام، وهي عناصر تمنحه مظهراً أقرب إلى البنطلون المفصل منه إلى الشورت التقليدي.

عندما يكون الجينز فهو عملي خاص بالإجازات أكثر (موقع زارا)

وهنا تكمن جاذبيته في تحقيقه التوازن بين الراحة والأناقة. ففي أيام الصيف الحارة، يمنح مساحة أكبر للحركة والتهوية إذا كان واسعاً بينما تضيف قصته المستقيمة لمسة من الخفة والانسيابية يمكن أن تُدخله مناسبة غداء مع الأصدقاء. طريقة تفصيله هي التي تُجنِّبه الطابع الرياضي وتدخله أجواء العمل والمناسبات الخاصة، علماً أن جاذبيته لا تقتصر على الصيف فحسب. حتى في الشتاء يمكن اعتماده بخامات دافئة وتنسيقه مع أحذية عالية الساق، بالنسبة للمرأة تحديداً.

تأثير التسعينيات

أما لماذا اكتسب «البيرمودا» قوته هذا الموسم، فيعود في المقام الأول إلى رغبة الشباب في التحرر من القيود، وثانياً إلى حنين الموضة في العامين الأخيرين إلى تسعينيات القرن الماضي.

المصمم توم براون يقترحه منذ سنوات بأشكال تتباين بين الجرأة والتفصيل (رويترز)

كان هناك شبه اتفاق بين المصممين على العودة إلى هذه الحقبة للاستلهام منها قصات بخطوط بسيطة وألوان هادئة تتماهى مع ألوان البحر والشمس والرمال، وأقمشة مترفة ترتقي به. عودتهم إلى التسعينيات تشمل هذه القطعة بكل بساطتها، كما تشمل فستان سهرة فخم أو فستان زفاف يستحضر كارولين بيسيت كينيدي، أيقونة هذه الحقبة.

فـ«البيرمودا» كان أحد التصاميم التي تألقت حينها، وارتدتها أسماء أصبحت مرجعاً في الأناقة غير المتكلفة، مثل الأميرة دايانا، وجوليا روبرتس، ولورا ديرن. هذه الأخيرة ظهرت به في فيلم «جوراسيك بارك»، ولم يكن مثيراً أو ملهماً من الناحية الجمالية، غير أنه كان حاضراً بشكل وظيفي مقبول.

يمكن أن يناسب رحلة على يخت أو أماكن العمل بفضل تفصيله (هوكرتي)

الملاحظ في التسعينيات، أن حضور شورت البيرمودا لم يكن لافتاً مثل حاله هذا الموسم. كان أكثر اتساعاً وطولاً يخاطب الجنسين، ولم يكن الإقبال عليه من باب مواكبة الموضة بالضرورة، بل فقط انجذاب نحو بساطته ومرونته، فهو يحمل من البنطلون الرسمي حضوره المنظم، ومن الشورت خفته وعمليته.

كما ظهر في عرض «ماكسمارا» لصيف 2026 (ماكسمارا)

ولا يختلف اثنان أن صورته في المواسم الماضية اكتسبت جمالاً وخفة، مما جعل تطوَره هذا الصيف أكثر ديناميكية بفضل قصاته وخاماته. فقد عوَض المرأة عن التنورة عندما يأتي واسعاً، والرجل عن بنطلون الجينز. وكان لظهور نجمات مثل زيندايا به في عدة مناسبات أثر كبير على ارتقاء صورته وإدخاله مناسبات المساء والسهرة أيضاً. ثم زادت جاذبيته، بعد أن أعادت دور الأزياء الكبيرة قراءته من جديد. قدمته دار «بوتيغا فينيتا» و«توتيم» و«ماكس مارا» و«هوكرتي» و«برونيلا كوتشينيلي» وغيرهم بصياغات معاصرة تعتمد على القصات «النظيفة» والأقمشة الصيفية والإطلالات الكلاسيكية.

إطلالة منطلقة لم تتنازل عن الأناقة (برونيلو كوتشينيلي)

علامة «برونيلو كوتشينيلي» التي يرتبط اسمها بالفخامة الهادئة، طرحته بالشامواه والكتان للنهار والحرير والبروكار الذهبي للمساء والسهرات. ومن حيث التصاميم، جاءت كلها بانسيابية مستلهمة من الماء، ونسب هندسية تُضفي على كل تصميم طابعاً لا يُقاوَم «حيث تتناسب الخطوط مع الأحجام، وتلتقي نفحات الـ«هوت كوتور» مع لمسات معاصرة» وفق ما قالته الدار.

من جهته، يُقدِمه المصمم توم براون منذ سنوات عديدة في عروضه، بأطوال متنوعة، وأشكال غريبة أحياناً. لكنها كانت دائماً تثير الإعجاب، إن لم يكن لجُرأته، فلقدرته على تطويعه للرجل رغم أن اتساعه، الذي كان يجعله يبدو على شكل تنورة أحياناً. عندما التقط الفكرة باقي المصممين، ترجموها بأساليب أكثر واقعية.

من الشامواه وبقميص بنفس اللون والخامة يتحول إلى قطعة راقية بكل المقاييس (برونيلو كوتشينيلي)

فالتحول الذي تشهده الموضة حالياً لا يعني دائماً البحث عن إحداث الصدمة أو ابتكار ما لم يتم ابتكاره من قبل، بقدر ما يعني إعادة صياغة قطع قديمة وتقديمها لجيل جديد بروح عصرية تلائم إيقاع حياته. وهذا ما ظهر بوضوح في الاتجاهات الأخيرة التي تركز على ما يُعرف بالخياطة الناعمة، حيث لم تعد الأزياء الرسمية جامدة بقصات صارمة تتقيد بتقاليد الماضي أو جريئة تخاطب جيلاً وتستفز آخر، بل اكتسبت مرونة تجعل أكثر القطع صرامة خفيفة ومنعشة. ومن هنا يجد الـ«بيرمودا» مكانه ضمن مجموعة من القطع التي كانت شريحة الشباب تنظر إليها بريبة لارتباطها بالأجداد. الآن هم يحتضنونها عن طيب خاطر، بل ووجدوا فيها ضالتهم في دمج الكلاسيكي بالمعاصر، لا سيما بعد أن ابتعد فيها المصممون عن المبالغة والاستعراض.

يسمح بمساحة كبيرة للعب به والحصول على إطلالات حسب المناسبات (برونيلو كوتيشينيلي)

هذا التنوع الوظيفي يجعلها أيضاً تتجاوز كونها مجرد صيحة مؤقتة، ويُفسِر الإقبال عليها بغض النظر عن التحولات الاجتماعية أو الثقافية أو المناخية. فتطوَرها من القرن الماضي إلى اليوم، يذكرنا بأن الموضة لا تقتصر على الأحلام وحدها، بل تحتاج إلى أزياء تخدم الإنسان وتُسعده أيضاً. من هذا المنظور، جاء البيرمودا لا ليُقدِم أسلوباً جديداً فحسب، بل ليستجيب لإيقاع الحياة الذي تغيَّر بأن أصبحت فيه الراحة والأناقة وجهَين لعملة واحدة.

كيف يمكن تنسيقه؟

ما هو التصميم المناسب لك؟ لا يتعلق الأمر بتصميم واحد بقدر ما يتعلق بحسن الاختيار واعتبار مقاييسك الشخصية. فجميع التصاميم يمكن أن تبدو أنيقة إذا اختيرت بخامة جيدة وقصة متقنة ومقاس يراعي شكل الجسم ونسبه.

عوَّض المرأة عن التنورة ومنحها إطلالات ديناميكية أكثر (موقع زارا)

فقوة البيرمودا تكمن في مرونته وأيضاً في الخيارات المتنوعة التي يوفرها حسب تنسيقه. يمكن مثلاً تنسيقه مع قميص أبيض واسع أو قميص من الكتان للحصول على إطلالة بسيطة، كما يمكن ارتداؤه مع سترة خفيفة أو «بليزر» غير مبطن لمنحه طابعاً أكثر رسمية. إذا كنت تفضل الإطلالات الكلاسيكية، فتصميم مستقيم بطول يلامس الركبة أو يغطيها قليلاً مع ثنيات أمامية وقماش من الكتان أو الصوف الصيفي.

إطلالة مفعمة بالأناقة لا تحتاج سوى إكسسوارات لتدخل مناسبة مسائية (موقع زارا)

أما إذا كنت تميل إلى الأسلوب العصري، فالتصاميم الأوسع والأقصر قليلاً تمنح الإطلالة طابعاً أكثر حيوية وعفوية. ومن أكثر التنسيقات أناقة هذا الموسم، الجمع بينه وبين الصديري المفصل. فهذا الثنائي يقدم نسخة صيفية بلمسة كلاسيكية تُحافظ على الخياطة الراقية وتُدخله أي مناسبة، لا سيما إذا تم تنسيقه مع حذاء «لوفر» أو صندل مفتوح من الجلد الفاخر. بالنسبة لبعض الشباب الأكثر جرأة، يمكن تنسيقه مع حذاء «أكسفورد» الكلاسيكي وجوارب توخيا للراحة.

أما إذا كانت النية الحصول على إطلالة منطلقة، فإن حذاء على شكل «شبشب» يبقى الخيار المفضل، خصوصاً مع تصميم ينتهي أسفل الركبة.


لامين يامال... من نجم كروي إلى أيقونة موضة

لامين يامال خلال احتفالات منتخب إسبانيا في ساحة سيبيليس بمدريد بعد التتويج بكأس العالم (أ.ب)
لامين يامال خلال احتفالات منتخب إسبانيا في ساحة سيبيليس بمدريد بعد التتويج بكأس العالم (أ.ب)
TT

لامين يامال... من نجم كروي إلى أيقونة موضة

لامين يامال خلال احتفالات منتخب إسبانيا في ساحة سيبيليس بمدريد بعد التتويج بكأس العالم (أ.ب)
لامين يامال خلال احتفالات منتخب إسبانيا في ساحة سيبيليس بمدريد بعد التتويج بكأس العالم (أ.ب)

وصل لامين يامال إلى كأس العالم وهو يُعدُّ أحد أبرز المواهب الصاعدة في كرة القدم. وغادر البطولة وقد أصبح بالنسبة لكثيرين أكثر لاعبيها جاذبية من الناحية التسويقية.

حتى قبل انطلاق البطولة، كان يامال قد أحرز على عقود رعاية ضمت «أديداس» و«ماكدونالد» و«باوررايد» و«أميركان إيغل». شركة «أميركان إيغل» بدأت تعاقدها معه كأول سفير لعلامتها التجارية على الإطلاق بعد أن توسَّمت فيه الاستمرارية والقدرة على مخاطبة أبناء جيله. قبل المونديال، أطلقت حملة بعنوان: Ready for the World، وبعد أيام من تتويج إسبانيا بلقب كأس العالم، غيَرت اسمها مؤقتا إلى «لامين إيغلز» «Lamine Eagles» احتفالاً به.

من الحملة التي نشرتها شركة «أميركان إيغل» على منصتها (موقع أميركان إيغل)

كما أطلقت إعلانات على منصات التواصل الاجتماعي يظهر فيها يامال مع كرات قدم باستخدام التكنولوجيا. جاءت هذه الصور امتداداً للحملة التي ظهرت مؤخراً على اللوحات الإعلانية في ميدان تايمز سكوير، وتستبق طرح الشركة لأول مجموعة أزياء حصرية تحمل توقيع «يامين يامال» على مستوى العالم. فقد تجاوز التعاون بينهما حدود الحملات الإعلانية ليصل إلى إطلاق مجموعة تحمل توقيعه. استلهمت المجموعة الجديدة من أسلوبه الخاص خارج الملعب، حيث تضم سراويل جينز واسعة، وشورتات بيرمودا بقصات فضفاضة وسراويل كارغو، وسترات بقبعات وقمصان جينز إلى جانب قطع أساسية أخرى. القاسم المشترك بينها كلها طابعها المريح المستلهم من ثقافة الشارع وتأثرها بموسيقيي الهيب هوب والراب.

ارتفاع أسهمه

استعدادات الشركة لإطلاق المجموعة في بداية شهر سبتمبر (أيلول)، يُؤكد السرعة الهائلة التي تحوَّل بها شاب يبلغ 19 سنة من العمر إلى واحدة من أكثر الشخصيات التجارية قيمة في العالم. فانتصار إسبانيا على الأرجنتين في المباراة النهائية لم يكن مجرد تتويج لمكانته بين نخبة لاعبي كرة القدم، بل جعله قوة تسويقية لا تتكرر إلا مرة كل جيل. فمنذ عقود، شكَّل كأس العالم منصة مهمة لانطلاق أكبر نجوم كرة القدم نحو الشهرة العالمية. خرج منها كل من بيليه ومارادونا ورونالدو وزين الدين زيدان وليونيل ميسي ببطولات لا تُنسى عززت نجوميتهم.

وحتى أولئك الذين لم يرفعوا الكأس، مثل ديفيد بيكهام، وجدوا فيها منصة نقلتهم من حدود الرياضة إلى عالم الثقافة والموضة والتسويق.

أسهمه التسويقية ارتفعت بنسبة عالية بعد فوز منتخبه بكأس العالم (أ.ف.ب)

ويبدو أن لامين يامال اليوم يسير على النهج نفسه. قوَته تكمن في أنه، على عكس كثير من النجوم الذين يقتربون من نهاية مسيرتهم، يمتلك عنصراً بالغ الأهمية بالنسبة للرعاة: الصبا والشباب. ففي سن 19 فقط، أمامه عقد أو أكثر للتألق في الملاعب وحصد المزيد من الجماهيرية.

وعلى ما يبدو فإن مهارته الكروية ليست وحدها ما تجعله سفيراً مثالياً في الوقت الحالي، بل أيضاً شخصيته الدافئة وأسلوبه الخاص المطبوع بلمسة تمرَد وفي الوقت ذاته قريب جداً من أبناء جيله، إضافة إلى حضوره القوي على وسائل التواصل الاجتماعي.

يبدو واضحاً أن يامال مثل أي شاب في عمره يحب اللعب بالموضة ويستعملها كلغة شخصية (أ.ف.ب)

كما أسهمت خلفيته متعددة الثقافات في توسيع نطاق جاذبيته. فقد وُلد في إسبانيا لأب مغربي وأم من غينيا الاستوائية، وهو ما يجسد التنوع الذي باتت كثير من الشركات العالمية تبحث عنه في سفرائها. فهذه النوعية من القصص ذات البٌعد العاطفي والإنساني، تمتلك قيمة تجارية هائلة، لأنها تلامس مشاعر المستهلك المستهدف بمُنتجاتها.

ولا يمكن الحديث عن صعود لامين يامال والجانب العاطفي، دون التوقف عند تلك الصورة التي تداولتها وسائل الإعلام على نطاق واسع، والتي جمعته طفلاً بليونيل ميسي خلال جلسة تصوير خيرية لبرشلونة. صورة عابرة في وقتها، تحولت لاحقاً إلى واحدة من أكثر الصور رمزية في كرة القدم الحديثة؛ لحظة التقطت الماضي وهو يسلّم، صُدفة، المشعل لوريث المستقبل.

إطلالاته اليومية تتقاطع مع ثقافة الشارع المستلهمة من الهيب هوب وموسيقى الراب (إ.ب.أ)

البحث عن نجوم جدد

واليوم، مع اقتراب ميسي من نهاية مسيرته، وخروج كريسيتيانو رونالدو من مسرح كأس العالم، بدأت كرة القدم العالمية تبحث عن الوجوه التي ستقود المرحلة المقبلة. صحيح أن أسماء مثل كيليان مبابي وإيرلينغ هالاند وجود بيلينغهام فرضت نجوميتها، غير أن صغر سن يامال، إلى جانب تتويجه بكأس العالم، يمنحانه ميزة استثنائية. ويزداد الرهان عليه وضوحاً مع منحه القميص التاريخي رقم 10 في برشلونة، الذي ارتداه ميسي لسنوات، في دلالة تشير إلى أن النادي يراه محور مشروعه الرياضي والتسويقي على حد سواء. والدليل أن مبيعات القميص رقم 10 ارتفعت منذ ارتدائه له.

ظهوره المتكرر بنظارات شمسية مختلفة وبأساليب تجمع بين الثقة والبساطة أصبح جزءاً من الصورة التي يقدمها لجمهوره (أ.ف.ب)

ما لا يختلف عليه اثنان أن جاذبية يامال لا تقوم على مقاييس الوسامة التقليدية، إلا أن الكاريزما التي يتمتع بها، إضافة إلى الموهبة والقصة التي تجمعه بميسي، تجعله ورقة تسويقية نادرة، قادرة على تحقيق ما تعجز عنه أحياناً الحملات الإعلانية التقليدية. ففي الماضي، كانت الشركات تكتفي بوضع صورة اللاعب على إعلان أو حملة موسمية، أما اليوم فهي تسعى إلى بيع أسلوب حياته بالكامل، وتحويل ذوقه الشخصي جزءاً من هوية العلامة التجارية.


هل انتصرت قوة الفن أخيراً... كيف أعادت آنا وينتور جون غاليانو لدائرة الضوء ؟

جون غاليانو وآنا وينتور في حفل توزيع جوائز الموضة البريطانية عام 2021 (غيتي)
جون غاليانو وآنا وينتور في حفل توزيع جوائز الموضة البريطانية عام 2021 (غيتي)
TT

هل انتصرت قوة الفن أخيراً... كيف أعادت آنا وينتور جون غاليانو لدائرة الضوء ؟

جون غاليانو وآنا وينتور في حفل توزيع جوائز الموضة البريطانية عام 2021 (غيتي)
جون غاليانو وآنا وينتور في حفل توزيع جوائز الموضة البريطانية عام 2021 (غيتي)

لا يتوقف حفل المتروبوليتان السنوي عن إثارة الجدل في السنوات الأخيرة. ففي العام الماضي كان الجدل بسبب رعاية الملياردير جيف بيزوس، مؤسس شركة «أمازون»، وزوجته لورين سانشيز للحفل فيما اعتبره البعض اختراقاً للذوق الرفيع من قبل المال «الحديث». لكن ذلك الجدل يبدو الآن ناراً برداً وسلاماً مقارنة بالنار التي أشعلها إعلان متحف المتروبوليتان في نيويورك أن معرض العام المقبل سيقام تحت عنوان «جون غاليانو: آفاق».

جون غاليانو وهو في ذروة نجاحه كان يميل إلى الاستعراض (أ.ف.ب)

لا يختلف اثنان على أن المصمم البريطاني أحد أبرز المصممين، وأكثرهم تأثيراً في تاريخ الموضة المعاصرة، وهناك إجماع على عبقريته الإبداعية، إلا أن الطريقة التي أنهت مسيرته في دار «ديور» لا تزال تُلقي بظلالها عليه حتى اليوم. كان ذلك في عام 2011 حين ظهر في تسجيل مصور له في أحد مقاهي باريس وهو في حالة سكر، ويوجه إهانات معادية للسامية إلى زبائن آخرين. أدانته محكمة فرنسية لاحقاً بتهمة ارتكاب جريمة كراهية، وقضت بتغريمه، وإلزامه بدفع الرسوم القضائية. اعتذر غاليانو، مبرِّراً أنه كان يعاني آنذاك من إدمان شديد على الكحول، والمخدرات، وأنه لا يتذكر ما حدث. لكن اعتذاره لم يشفع له، وأقيل من دار «ديور». توقع كثيرون أن تكون هذه النهاية، وأن اسمه سيختفي نهائياً من مشهد الموضة.

جون غاليانو مع عارضاته في عام 2010 خلال أسبوع الموضة لـ«هوت كوتور» (غيتي)

لكن لحسن حظه أن لوبياً آخر يؤمن بعبقريته الإبداعية كان يرى أنه يستحق فرصة ثانية، من بينهم نجمات وعارضات أزياء واصلوا دعمه. العارضة البريطانية كايت موس مثلاً طلبت منه في نفس العام وفي ذروة الأزمة تصميم فستان زفافها. كما ظهرت زيندايا وكيم كارداشيان وغيرهما بتصاميمه لاحقاً في أكثر من مناسبة بما فيها حفلات الميت غالا. هذا التكرار اعتبره كثيرون مؤشراً على محاولات لإعادته لدائرة الضوء.

وكانت آنا وينتور، المديرة العالمية للمحتوى في مجلات «فوغ» وعضو مجلس أمناء متحف المتروبوليتان، من أبرز الداعمين لعودته. فهي لم تُخفِ يوماً إعجابها بموهبته، وكانت ترى أنه أحد أكثر المبدعين استحقاقاً لمعرض استعادي بهذا الحجم، معتبرة أن أعماله -سواء في «جيفنشي» أو «ديور» أو «ميزون مارجيلا»، إلى جانب علامته الخاصة- تُمثّل مزيجاً بين الثقافة والإبداع.

زيندايا بفستان صممه جون غاليانو لدار «ميزون مارجيلا» في حفل متحف المتروبوليتان 2024 (أ.ف.ب)

دعم وشجاعة آنا وينتور

تصريحاتها الإيجابية تجاهه جعلت البعض يربط اسمها بعودة غاليانو للعمل لفترة مؤقتة مع «أوسكار دي لا رنتا»، ثم انتقاله لاحقاً إلى «ميزون مارجيلا».

وفي سبتمبر (أيلول) 2023 عُرض للمرة الأولى في مهرجان تيلورايد السينمائي الفيلم الوثائقي High & Low—John Galliano. كان من إخراج كيفن ماكدونالد، وإنتاج بالتعاون مع Condé Nast Entertainment. الفيلم الذي يتطرق لحياته ومسيرته الفنية بكل حلوها ومرها نجح منذ عرضه في إثارة موجة من التعاطف معه، وإرسال إشارات إلى أن هناك مساراً تدريجياً لإعادة تقديم المصمم المغضوب عليه من جهات معيّنة إلى عشاق إبداعاته. طبعاً لم يغب دور آنا وينتور هنا أيضاً، فقد تردّد أنها أمضت سنوات تسعى إلى إخراج هذا المشروع للنور، وأن أكثر من مخرج اعتذر عن توليه.

جون غاليانو وآنا وينتور في حفل توزيع جوائز الموضة البريطانية عام 2021 (غيتي)

لم يقف الأمر عند هذا الحد، ففي عام 2024 تردد أن اسمه اقتُرح ليكون محور معرض معهد الأزياء وحفل ميت غالا، إلا أن المشروع أُرجئ بسبب الحرب بين إسرائيل وغزة، وما رافقها من احتجاجات مؤيدة للفلسطينيين، الأمر الذي أعاد للذاكرة الحادثة المشؤومة التي أدّت إلى توقيفه ومحاكمته في عام 2011 بتهمة معاداة السامية. وربما كان هذا ما دفع منظمي المعرض إلى اتخاذ خطوات جادة هذه المرة لتفادي الحساسية التي تحيط باسمه قبل الإعلان الرسمي.

مباركة حاخامات للمشروع

كشف تقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» أن وينتور وغاليانو وأندرو بولتون، أمين المتحف، عقدوا على مدار العام الماضي سلسلة لقاءات مع «حاخامات بارزين، وقادة في المجتمع اليهودي» بمدينة نيويورك، بهدف الاستماع إلى آرائهم بشأن التحديات التي قد يثيرها تخصيص معرض لأعمال غاليانو، وربما أيضاً للحصول على دعمهم، أو مباركتهم للمشروع.

جون غاليانو عام 1997 بعد عرضه لموسم الربيع والصيف لـ«ديور» (غيتي)

ويتضمن تقرير «نيويورك تايمز» تصريحاً للحاخام ريك جاكوبس، رئيس اتحاد اليهودية الإصلاحية في أميركا الشمالية، قال فيه: «كان هناك قلق حقيقي من أن يواجه المعرض معارضة واسعة، لا تقتصر على التشكيك، بل تمتد إلى شعور بأن إقامة هذا المعرض أمر غير صائب».

وأضاف أنه خرج بانطباع إيجابي عن غاليانو بعد اللقاءات، قائلاً: «الكلمة التي أعود إليها هي (الصدق). لقد كان منفتحاً، ينظر إلينا مباشرة، ويتحدث بوضوح، لا كما لو كان يردد عبارات أُعدت له مسبقاً».

من جانبه، قال جوناثان غرينبلات، الرئيس التنفيذي لـرابطة مكافحة التشهير (ADL)، إن الرابطة قبلت اعتذار غاليانو منذ سنوات، وإنها ترى أنه بذل جهداً حقيقياً لفهم ما حدث، وإصلاح الضرر الذي تسبب فيه، وأن تلك الجهود تستحق التقدير.

اللافت في هذه الاجتماعات والتصريحات أن تكريم غاليانو لم يكن مجرد قرار فني، بل كان أيضاً قراراً سياسياً، وأخلاقياً، لأن القضية لم تعد تتعلق بمصمم موهوب ارتكب خطأ واعتذر عنه، بل بكيفية تعامل مؤسسة ثقافية بحجم متحف المتروبوليتان مع إرث فني يرافقه ماضٍ مثير للجدل. ولهذا لم يكن كافياً الاحتفاء بعبقريته الإبداعية، بل كان لا بد أيضاً من بناء توافق، أو على الأقل تخفيف حدة الاعتراضات، قبل المضي في المشروع.

في «ميزون مارجيلا» عبّر عن الرومانسية ومفهوم الأنوثة بأسلوبه المائل إلى السريالي (ميزون مارجيلا)

جون غاليانو... آفاق

معرض «جون غاليانو: آفاق» (John Galliano: Horizons) المرتقب لعام 2027 سيحتفي بتأثير المصمم البريطاني في تاريخ الموضة، من دون أن يتجاهل الجدل الذي رافق مسيرته منذ أحداث عام 2011.

وهذا ما أكده أمين معهد الأزياء، أندرو بولتون، بقوله إن المعرض لن يتجاهل الجانب المظلم من مسيرة غاليانو، بل سيتناول أيضاً ما ترتب عليه من تأثيرات على إرثه الفني، وكيف يُنظر إليه اليوم.

الإنجاز الفني لا يُلغي المسؤولية الأخلاقية لكنه أيضاً لا يمحو أثر الموهبة في تاريخ الموضة (أ.ف.ب)

فالواضح من التصريحات واللقاءات التي سبقت اتخاذ القرار ونالت القبول أن الجهود تتمحور حول تقديم جون غاليانو باعتباره فناناً جرى «إنصافه» أخيراً بعد سنوات من الإقصاء، ومن دون تجاهل ما حدث في عام 2011. بل يمكن القول إن جعل تلك الحادثة جزءاً من سردية المعرض نفسها كان رسالة ضرورية وواضحة تفيد بأن الإنجاز الفني لا يُلغي المسؤولية الأخلاقية، لكنه أيضاً لا يمحو أثر الموهبة في تاريخ الموضة.