عز الدين ميهوبي: رئة الثقافة لم تتوقف عن التنفس في الجزائر لحظة واحدة

وزير الثقافة الجزائري يتحدث عن برنامج الوزارة الثقافي ولايرى ان هناك تراجعا

عز الدين ميهوبي
عز الدين ميهوبي
TT

عز الدين ميهوبي: رئة الثقافة لم تتوقف عن التنفس في الجزائر لحظة واحدة

عز الدين ميهوبي
عز الدين ميهوبي

يبدو أن وزير الثقافة الجزائري عز الدين ميهوبي لم يكن يتوقع منا أن نطرح عليه أسئلة تعكس «سوداوية غير مبررة»، على حد تعبيره، فهو يجد أن الحديث عن تراجع الحياة الثقافية تعبير غير دقيق «ما دامت العشرات من الأسماء الأدبية قد أحدثت نقلة نوعية في شتى أشكال الإبداع الأدبي وأوصلت صوت الجزائر إلى كثير من المحافل العربية»، وأن «المثقف الجزائري تحول اليوم من وضع المستضيف إلى وضع الضيف ومن حالة الاستقبال إلى حالة الإقبال ولا يكاد يخلو مؤتمر أدبي أو فني من حضور جزائري مميز».
هنا لقاء مع وزير الثقافة الجزائري، يتحدث فيه عن برنامج الوزارة الثقافي، وما تحقق منه، وكذلك عن البرامج والخطة الثقافية المستقبلية:

* بداية، ألا تشكل معرفتكم الدقيقة بحكم ماضيكم ككاتب وإعلامي ومسؤول مسؤولية كبيرة في ظل النقائص الكبيرة التي يعاني منها المشهد الثقافي الجزائري الأمر الذي يسبب لكم ضغطا لا تحسدون عليه؟
- في البداية، اسمح لي أن أعبر لكم عن امتناني وشكري لاهتمامكم من قبل صحيفة عالمية الانتشار في قيمة «الشرق الأوسط». وعطفا على سؤالكم فإنني أعتقد أن هناك رغبة قوية من قبل الحكومة الجزائرية لاستكمال برنامج الدولة الثقافي، الذي اشتغل عليه مجموعة من وزراء الثقافة السابقين، وهو البرنامج المستمد من رؤية ثقافية تهدف إلى تأكيد الشخصية الجزائرية بكل ما تحمله من أبعاد تاريخية ومعرفية، ومن ثم الحفاظ على خصوصيتها والتفتح على مختلف الثقافات الإنسانية. وفي الحقيقة نعمل جاهدين على أن نقدم تصورا ثقافيا ضمن إطار يكون في مستوى الحرص الذي يمليه السيد رئيس الجمهورية والاهتمام الذي توليه الحكومة الجزائرية في بلد يملك من التنوع الثقافي والفني بين مختلف أقطاب الساحة الثقافية واتجاهاتها. لكننا قد نتحفظ من وصفكم للنقائص بالكثيرة لأن التنوع والتعدد الذي أشرنا إليه سابقا، يجعل من وجود نقائص في العمل الثقافي أمرا طبيعيا لأن مهمتنا ليست صناعة الثقافة، وإنما تسيير الثقافة وخدمتها. الثقافة عمل وسلوك يومي تشارك وتساهم في صناعته كل مؤسسات الدولة وجميع تشكيلات المجتمع والفرد في تصورنا هو اللبنة الأولى للتنمية الثقافية المستديمة ووزارة الثقافة تعمل على إدارة الشأن الثقافي بالتنسيق والاستشارة مع كل القطاعات التي نراها شريكة في صناعة الساحة الثقافية على غرار التربية والتعليم والسياحة، وكل هذا يتم استنادا إلى مرجعيتنا الدستورية وبالاهتمام الشخصي لرئيس الجمهورية وبمتابعة الوزير الأول.
* ما التصور المبدئي الذي جئتم به للوزارة انطلاقا من معرفتكم القديمة للقطاع كمثقف وكاتب ومسؤول سابق لاتحاد الكتاب؟
- ندرك جيدا أن تشكيل تصور ورؤية شاملة لتسيير قطاع الثقافة في الجزائر يحتاجان إلى تنسيق حكومي متواصل وهو ما يحدث حاليا ذلك أن الدولة وضعت من أولوياتها جعل قطاع الثقافة قطاعا منتجا وفعالا، علاوة على مهام وزارة الثقافة التي تتمثل في تسيير شؤون الثقافة وتحريك الفعل الثقافي، بات من الضروري أن تكون الرؤية مشتركة بين كل القطاعات الشريكة في الحكومة وفي مقدمتها المشتغلون في حقل الإبداع من مسرح وسينما وأدب وفنون تشكيلية ومهتمين بالتراث المادي واللامادي، فرهان المرحلة يقتضي العمل على مساري ترسيخ المكتسب الثقافي والدفع بالاستثمار الخاص ليكون شريكا في وضع صناعة المنتج الثقافي.
* الكثير من المثقفين والإعلاميين يتحدثون عن تراجع الحياة الفكرية والفنية بوجه عام مقارنة بالسبعينات والثمانينات.. ما تعليقكم؟
- أولاً، ما مؤشرات التراجع؟ ثم لنفترض أننا اتفقنا على هذا الأمر، كيف لنا أن نناقش أسبابه ونبحث عن سبل استعادة هذه الحياة الثقافية والإنسانية؟ الجزائر لا توجد في منأى عما يحدث في العالم وهي جزء هام منه تتأثر وتؤثر فيه وتتفاعل مع كل المستجدات التي تحدث هنا وهناك، ثم إن تراجع الحياة الثقافية هل يعني بالضرورة تراجع الثقافة؟
* والجواب؟
- أبدًا. إن الحياة الثقافية هي الجسد الذي يحمل روح الثقافة، ويبدأ هذا الجسد الحياة صغيرا ثم شابا قويا، يمرض ويتعب، لكن هذا لا يعني أبدا أنه يموت، بل تنتقل هذه الروح من جسد إلى آخر، من جيل لآخر، وتاريخ الجزائر الثقافي يؤكد هذا. واسمح لي أن أعود قليلا إلى الوراء لأذكر القارئ العربي أن الحياة الثقافية في الجزائر لم تمت في يوم من الأيام. ففي أعتم مراحل الاستعمار ظلمة ومن أشد زواياه التاريخية حلكة منحت الجزائر الإنسانية أسماء ثقافية بارزة لا تزال إلى اليوم تحرك أسئلة الثقافة وتساهم في تجلياتها منذ «أبوليوس» أول روائي في التاريخ وهو أمازيغي مناوئ للرومان إلى عمر راسم، ومحمد الخضر حسين، ومالك بن نبي، ومفدي زكريا، ومحمد العيد آل خليفة، وحمودة بن الساعي، ورضا حوحو، ومحمد ديب، وكاتب ياسين، ومالك حداد، ومحمد راسم. أذكر هذه الأسماء على سبيل المثال لا الحسر، فالمجال لا يسمح بذكرها كلها. وعندما ضرب الإرهاب المتوحش الجزائر في مطلع التسعينات، كان يدرك أهمية المثقف في التصدي للظلامية فكان المثقف هدفه الأول وكان من ضحاياه عشرات المثقفين الذين سقطوا على أيدي أعداء الحياة والتسامح. لذلك تجدنا نسعى لاستعادة هذه الحياة الثقافية في بلد لم تتوقف فيه رئة الثقافة عن تنفس هواء الثقافة لحظة واحدة، وكان لسياسة الوئام المدني وميثاق السلم والمصالحة الوطنية الأثر القوي في استعادة الجزائر أمنها واستقرارها، وما كان ذلك ممكنا لولا القراءة العميقة التي أولاها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة للمجتمع الجزائري وإدراكه لأهمية تجنيب الأجيال تبعات الأزمة التي كادت تدمر أركان الدولة ومؤسساتها.
* خلافًا لمرحلة حكم الحزب الواحد ورغم التضييق على الحريات السياسية والفكرية مقارنة باليوم، يحن الكثير من المثقفين والصحافيين إلى الماضي القريب الذي برز فيه مفكرون وأدباء ومؤرخون كبار تركوا فراغا كبيرا وعرفت تلك الفترة انفتاحا على العالم العربي، الأمر الذي سمح بزيارة أدباء كبار من أمثال نزار قباني، ومحمود درويش، وأدونيس، وفنانين، خلافًا ليومنا هذا الذي تبدو فيه الجزائر معزولة ثقافيا وأنا شخصيا عايشت الغليان الذي كان قائما كصحافي ومثقف.. ما ردكم؟
- أصر على تحفظي الشديد على مصطلح ضمور، فالوضع لم يصل إلى هذا الحد من السوداوية التي ينظر من خلالها البعض إلى الساحة الثقافية، وإن كانت الجزائر محل اهتمام كتاب وأدباء في وقت سابق فإن الدول العربية اليوم محل اهتمام كتاب وأدباء جزائريين، والمثقف الجزائري تحول اليوم من وضع المستضيف إلى وضع الضيف ومن حالة الاستقبال إلى حالة الإقبال ولا يكاد يخلو مؤتمر أدبي أو فني من حضور جزائري مميز. من المهم جدًا أن نتحدث عن الأسماء التي ذكرت كنقطة تحول كبيرة في مسار الثقافة الجزائرية، لكن لا يمكن أن يحدث التحول الثقافي في أي عصر وفي أي بلد كل سنة أو كل عشر سنوات. تتحدث عن أسماء أدبية وفكرية جاءت في سياق تحول إنساني عميق وهي نتاج واقع فكري وثقافي جزائري امتد لعشرات السنين بدءًا من أبي اليقظان، والسعيد الزاهري، ومحمد راسم، وبن باديس، وبن سماية، والأمير خالد، ورمضان حمود، وغيرهم ممن ساهم في استعادة الوعي الجزائري من سجن الاحتلال في ظروف أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها قاسية، ومثلما استلزمت المرحلة التاريخية اليوم وجود هذه التعددية السياسية والفكرية التي نعتقد أنها شكلت صدمة روحية إيجابية ما زلنا نحتاج إلى وقت كي نعبر فيه إلى مرحلة التعايش، وهذا لا يتم إلا من خلال الثقافة التي من شأنها أن تخفف هذه الصدمة.
ومن جانب آخر، لا أفهم لماذا يتوقف السؤال عند جيل الركيبي ودودو وغيرهما، بينما يلغي تماما المساهمات الثقافية والإبداعية لواسيني الحائز على جوائز عربية عدة منها الشيخ زايد وكتارا وأحلام مستغانمي الحائزة على جائزة نجيب محفوظ للرواية وعياش يحياوي الحائز على جائزة العويس وفضيلة الفاروق وحرز الله وسمير قاسمي والخير شوار وأسماء أخرى مثل جوادي وحمدي ومفلاح وحمري وأزراج الحائز على جائزة اللوتس وعامر وفاسي والزاوي وزتيلي ومنور وشكيل وبلحسن وجلطي والأعرج وبوشحيط ووبوجادي وفلوس وفني وحديبي ومرياش وميلود حكيم وطاهوري وبن خليفة وأسماء ذات أداء قوي نال كثير منها جوائز عربية ودولية أمثال دحية وصديقي وظريف وإسماعيل يبرير والراحل مالك بوذيبة، وأخرى صاعدة بقوة تنبئ بمهارات إبداعية عالية وبشهادات نقاد وقارئين جيدين للمشهد الثقافي العربي. لم يقتصر التفوق على الأدب، وطال السينما والمسرح والتشكيل وعليه نحن مطمئنون لمستقبل الثقافة الجزائرية بتنوعها اللغوي خاصة ما اتصل باللغة الأمازيغية، حيث بدأت ملامح المنجز الأدبي والسينمائي والمسرحي تظهر جليا وتؤكد حضورها الوطني، إذ تمت ترجمة رواية أحلام مستغانمي «الأسود يليق بك» للأمازيغية وأعمال أخرى في خطوة لتعزيز مكانتها في الساحة الثقافية الجزائرية، وبالتالي فلا جدوى من تجزئة حركة الثقافة الجزائرية. بعيدا عن المجايلة في الثقافة الجزائرية، لا يمكن القفز على المرحلة الأكثر سوادًا في حياة الجزائر المستقلة، وهي التي سعى فيها الإرهاب إلى تدمير ركائز الدولة وكتم أنفاس الكتاب والصحافيين، إذ إن الطاهر جاووت، ويوسف سبتي، وبختي بن عودة، وعبد القادر علولة، وسعيد مقبل، وعز الدين مجوبي، وجمال الدين زعيتر، وحسني شقرون، ومحمد الصالح باوية، والهادي فليسي، وغيرهم من الذين امتدت إليهم يد الغدر والإرهاب كانوا في جبهة الفكر التنويري لمقاومة الفكر التدميري، وبالتالي لا يمكن تجاوز كل هذه التحولات بأسئلة تمجد مرحلة وتلغي مراحل.
* التكوين الذي كان قائما حتى وقت غير بعيد تسبب هو الآخر في تراجع الحياة الفنية بشقيها المسرحي والسينمائي، والمواهب الكثيرة التي برزت في السنوات الأخيرة ليست في مستوى تقنيات وموجات الإبداع المعاصر وورثت من الجيل السابق الخطاب السياسي، وهذا ما لاحظه نقاد عرب وأجانب أعجبوا بقدرات الكثير من الفنانين الجزائريين في أكثر من مهرجان عربي وفي مهرجان قرطاج المسرحي بوجه خاص.. ما تعليقكم؟
- أنت تتحدث عن تراجع ثم عن إعجاب ومع هذا أعود لأؤكد لك أن وزارة الثقافة لا تصنع الثقافة، إنما تسيرها، وإن كان الهدف الأسمى هو الإصلاح الثقافي وصناعة الثقافة الحديثة لا يستلزم أبدا إنشاء معاهد لتكوين الشعراء والأدباء والفنانين.
* هذا تأويلكم للتقدم، سيادة الوزير، وأنا أحترمه.. والدليل على أن حديثي عن التراجع لا يشمل الأدب لخصوصيته الإبداعية القائمة على الموهبة الإنسانية بالأساس، إيماني بقدرات العشرات من الكتاب الشبان غير المعروفين بالقدر الكافي في الخارج بسبب غياب استراتيجية ثقافية مدروسة تمكن من إيصال الصوت الجزائري الفكري والأدبي في الخارج على مدار العام وليس فقط بمناسبة المهرجانات والمعارض التي تبرز فيها الأسماء الكبيرة، وحتى توزيع الكتاب غير مهيكل داخليا مهنيا ولا يكشف عن توجهات وميول واهتمامات القراء؟
- سؤالكم على قدر كبير من الأهمية، واللغة لم تكن في يوم من الأيام حاجزا أمام التعايش الثقافي، سواء داخل حيز ثقافي واحد أو بين أكثر من حيز. نعتبر في وزارة الثقافة أن التعدد اللغوي ظاهرة صحية وضرورية، وأن هذا النقاش والحراك الحاصل أمر طبيعي جدا، ولذلك تجدنا نعمل على السير بهذا الاختلاف نحو التكامل الذي يمنح الإضافة اللازمة للشخصية الثقافية الجزائرية المتنوعة. من هنا، فإننا نهيب بكل المثقفين والكتاب الجزائريين، بغض النظر عن توجهاتهم، أن يساهموا في هذا المسعى. أما الخلافات الآيديولوجية المرتكزة أساسا على خلافات سياسية جوهرية فهي لا تعنينا تماما، لكننا نسعى من خلال الفعل الثقافي الرزين والهادئ والطموح إلى أن نجمع بين كل اتجاهات الثقافة بكل محمولاتها معتقدين أن أي نقاش ثقافي يحدث هو إضافة لسياسة البلد الثقافية. أما الحديث عن وجود طلاق وانغلاق ففيه كثير من المغالاة وأنتم بحاجة إلى إعادة تحميض الصورة.
* كيف ذلك علمًا بأن المثقفين المعربين والمفرنسين الذين يتواصلون مع بعضهم البعض لا يكاد يذكر ويتوقف على بعض الكتاب المعروفين من أمثال واسيني والزاوي وبوجدرة وأن كل جناح مخندق في جبهته والمعرب لا يقرأ للمفرنس والعكس صحيح؟
- هذه الصورة التي تعطونها وأنتم في باريس.
* أخيرًا كيف بقيتم تكتبون رغم انشغالاتكم كوزير؟
- أصر على أن الكتابة التزام مني تجاه القارئ وتجاه نفسي، ولم أكن في يوم من الأيام متفرغًا للكتابة، لكنني أبذل جهدًا إضافيًا على حساب العائلة والأصدقاء لأكتب.



روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة
TT

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

كان لدى الروائي البريطاني مارتن أميس نظرية حول سبب شهرة الروائيين في الثمانينات والتسعينات. وأعتقد أن السبب هو أن الصحف، غير مدركة بعد لأبعاد اقتراب الإنترنت ونقص المحتوى، امتلأت بالإعلانات ووجدت مساحة فارغة لملئها. نفدت مواضيع كتّاب المقالات - «ممثلون مدمنون على الكحول، وأفراد من العائلة المالكة فاشلون، وكوميديون مكتئبون، ونجوم روك مسجونون» - فلجأوا بيأس إلى الكتّاب. أدى التدفق المفاجئ للمقالات المطولة في أقسام الثقافة وفضائح الصحف الشعبية إلى ظهور الروائيين، ولأول مرة منذ مدة، بمظهرٍ جذاب وذي علاقات واسعة بدلاً من مظهرهم الباهت والمنعزل.

في إنجلترا، استأثر آميس وأصدقاؤه (جوليان بارنز، كريستوفر هيتشنز، وإيان ماكوان) بمعظم هذا الاهتمام. أما في أميركا، فقد سلطت أضواء الكاميرات على وجوه جي ماكينيرني، وتاما جانويتز، وبريت إيستون إليس - ما يُعرف بـ«مجموعة برات»، أبناء فجر سوهو - وعلى المحررين والوكلاء الذين رافقوهم حتى ساعات متأخرة من الليل. كان للبريطانيين تأثيرٌ أكبر على المدى الطويل.

ظهرت على غلاف رواية ماكينيرني الأولى الأكثر مبيعاً، «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» (1984)، لافتة النيون الحمراء الشهيرة خارج مطعم «أوديون»، المطعم الواقع في وسط مانهاتن: كانت تتوهج وكأنها إشارة الخفافيش الخاصة بذلك الجيل الأدبي. لذا، ربما ليس من المستغرب أن تبدأ رواية ماكينيرني الجديدة، «أراك على الجانب الآخر»، وهي روايته التاسعة، التي تتسم بطابعها الرثائي وشبه السيري، بحفل زفاف بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين في المطعم.

هذه هي الرواية الرابعة والأخيرة في «رباعية كالواي» لماكينيرني، وشخصياتها، مثل مسرح «أوديون» نفسه، ناجون من مانهاتن، متمرسون في الحياة. تحمل السلسلة اسم راسل كالواي، شخصيتها المحورية، وهو ناشر مستقل مرموق يملك مكتباً في وسط المدينة في منزل من الطوب يعود للقرن التاسع عشر. وإذا كانت لديه طموحات أدبية في يوم من الأيام، فقد تخلى عنها. وكما قال الشاعر فيليب لاركين: «إذا لم تستطع التغلب عليهم، فقم بتعديلهم».

راسل متزوج، لكنه يشارك أحياناً وجبات البرغر السيئة، والقبلات الحارة، مع كاتبات شابات معجبات به. ويبدو أن شخصيته مستوحاة بشكل أساسي من ماكينيرني نفسه، ولكن نظراً لطبيعة عمله، فهو مستوحى أيضاً إلى حد ما من مورغان إنتركن، رئيس دار نشر «غروف/أتلانتيك» وأحد رفاق ماكينيرني المقربين في ثمانينات القرن الماضي. يبلغ كل منهما الآن 71 عاماً. أما الروايات السابقة في السلسلة، التي تحمل عناوينها اسم «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة»، فهي «سقوط السطوع» (1992)، و«الحياة الطيبة» (2006)، و«أيام مشرقة ثمينة» (2016). إذا كنت تنوي قراءتها، فابدأ من البداية، لأنها مع تقدمها تفقد متعتها وتتحول إلى روايات سطحية ونمطية. أما هذه الرواية الجديدة، فقد فقدت بريقها تماماً.

لقد مررنا بالكثير (علاقات غرامية، وفيات، اعتقالات، تخصيب في المختبر، أحداث 11 سبتمبر، ارتفاع الإيجارات، عمليات تجميل الحواجب، طلاق) مع الرجال والنساء المدللين ذوي الطابع البوهيمي في هذه الرواية. اجتمعوا الآن في «سينما أوديون»، حيث يشعر راسل بتدفق الماضي: المكان «يعج بالذكريات، طبقات من التاريخ الشخصي، أشباح الماضي». تشمل هذه الذكريات الكوكايين وعارضات الأزياء في الثمانينات، ووجبات غداء هادئة مع كتّاب ومحرري «كوندي ناست» الذين انتقلوا إلى مركز التجارة العالمي المُعاد بناؤه.

«أراك على الجانب الآخر» رواية تدور أحداثها خلال جائحة «كوفيد - 19». وقد استوحت عنوانها من لافتة وضعها أحد المطاعم على نافذته، معلناً إغلاقه طوال فترة الجائحة. الأزمة لا تزال حديثة العهد. يتجنب أبطال الرواية القبلات والأحضان؛ بل إنهم غير متأكدين من ضرورة خروجهم من منازلهم أصلاً.

إنها أيضاً رواية من عصر حركة «#MeToo» النسائية. يدخل كارلو، صديق قديم، إلى أحد المطاعم، وقد دُعي بالصدفة إلى ليلة افتتاح مطعم. إنه طاهٍ فاشل، من الواضح أنه متأثر بماريو باتالي. كان كارلو في السابق ممتلئ الجسم كدمية بينياتا، لكنه الآن يبدو ذابلاً وهزيلاً، وكأنه بحاجة إلى كرسي. بالنسبة لراسل، رؤية كارلو أشبه برؤية ماكبث لشبح بانكو.

أي شخص قرأ رواية «الحياة الطيبة»، الكتاب الثاني في هذه السلسلة، كان بإمكانه التنبؤ بسقوط باتالي الحقيقي. في تلك الرواية، شبهت زوجة راسل، كورين، كارلو بالأخطبوط، «يمد يده ليأخذ الخبز واللحم، ويدخن باليد الأخرى، ويشرب باليد الثالثة، بينما يتحسس في الوقت نفسه أقرب النساء إليه، جاذباً كل شيء نحو فمه».

يستغرق الأمر لحظة أو اثنتين حتى تظهر لمسة أخرى من لمسات ماكينيرني المميزة. عندما يحدث ذلك، يُخلّ بتوازن هذه الرواية بشكلٍ أكبر من الحوارات الركيكة والمليئة بالشرح، والملاحظات السطحية المبتذلة حول مدينة نيويورك، ومنطقة هامبتونز، والزواج (أدرك أنه مهما شعرنا بقربٍ من الآخر، فإننا لا نعرف أبداً أسرار قلبه).

«أراك على الجانب الآخر» عبارة عن سيلٍ جارف من الاستهلاك التفاخري غير الساخر. نرى ظهور رموز ضوئية مع دخول الشخصيات إلى الغرف: «دخلت كورين وخرجت مرتديةً رداء فريت الذي اشتراه لها»؛ «فتح مينغوس محفظته من بيرلوتي سكريتو»؛ «حقيبته من لويس فويتون»؛ «بدلته السوداء المميزة من برادا»؛ «فستان بالمان ضيق بلا أكمام بسحاب أمامي مثير». هذه الشخصيات لا تملك شخصياتٍ حقيقية؛ بل مجرد نماذج استهلاكية.

بالنسبة للكاتب، يمكن لأسماء العلامات التجارية أن تُضفي عمقاً على روايته. وقد استخدمها دون ديليلو في روايته «الضوضاء البيضاء» لاستكشاف ثقافتنا الاستهلاكية المُفرطة. أما قراءة رواية ماكينيرني فلا تُذكّرك إلا بالتعليق الساخر الذي أطلقه المحقق الضخم آندي سيبوفيتش في مسلسل الشرطة «NYPD Blue» في التسعينات: «هذا الرجل يتحدث كثيراً، ولا يتحدث عن الأمور المهمة».

كتبت كلير لودون في ملحق «التايمز» الأدبي قبل سنوات: «إن أكبر جريمة يرتكبها كاتب من الطبقة المتوسطة هي الإكثار من ذكر النبيذ». (أشارت لودون إلى أن إيان ماكيوان مذنب في فعل ذلك). ربما يُمكن التماس العذر لماكينيرني، الذي كان كاتب عمود عن النبيذ في صحيفة «وول ستريت جورنال»، لاهتمامه الشديد بالزجاجات التي يفتحها راسل. فهناك العديد من الجمل من قبيل: «أعتقد أننا سنبدأ بزجاجة (باتارد مونتراشيه) كطبق أول»، وهناك الكثير من الضحكات والصداقات الرجولية حول زجاجات النبيذ الثمينة في غرفة خاصة في مطعم «بير سي».

لقد أحزنني بشدة امتعاضي من هذه الرواية. مثل راسل، لطالما كان ماكينيرني شخصيةً آسرةً في حياة مدينة نيويورك. ولا أريد المبالغة في المقارنة، لكنه في بعض النواحي يُشبه أليك بالدوين الأدبي - لا يزال وسيماً كصبي، حاضراً في كل مكان، موهوباً بما يكفي، ومستعداً أحياناً لإثارة الجدل. (الفضيحة، في نهاية المطاف، نوع من خدمة المجتمع»، كما كتب سول بيلو في «هرتسوغ». يتمتع كلا الرجلين بوجوهٍ وردية، ويشبهان شخصيات «باري بليت» الكرتونية.

لم تفقد رواية «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» وبعض رواياته المبكرة الأخرى طاقتها المتوترة والمليئة بالشكوك. إذا أردتَ أن تتذكر مدى دقة ملاحظة ماكينيرني كصحافي، فأعد قراءة مقالته في مجلة «نيويوركر» عام 1994 عن الممثلة كلوي سيفيني.

تتجاوز رواية «أراك على الجانب الآخر» الأزمات الوجودية التي يعاني منها سكان نيويورك المرفهون، لكن القليل منها يترسخ في الذاكرة.

*خدمة «نيويورك تايمز»


«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية
TT

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» كتاب «تدجين الفكر المتوحش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس.

وجاء في تقديمه: «في عمق التاريخ الإنساني، حيث تتقاطع الأسطورة مع العقل، وحيث تتشكَّل صورة الآخر في مرآة الذات، يطرح هذا الكتاب سؤالاً مقلقاً وبسيطاً في آنٍ واحد: هل نحن مختلفون حقاً عمّن نُسميهم (بدائيين)، أم أن هذا الاختلاف وهمٌ صنعته أدواتنا قبل عقولنا؟».

منذ الصفحات الأولى، يأخذنا المؤلف في رحلة فكرية تقوِّض واحدة من أقدم المسلَّمات في العلوم الاجتماعية: «القسمة الكبرى» بين «نحن» و«هم». تلك القسمة التي جعلت من بعض المجتمعات نموذجاً للتقدم، ومن أخرى رمزاً للتخلُّف أو «التوحُّش»، لكن سرعان ما يكشف أن هذه الثنائية ليست سوى بناء ذهني هش، إذ يقول: إن القسمة الثنائية بين المجتمعات البدائية والمجتمعات المتحضرة... تُرسي التعارض بين «نحن» و«هم»، بين العقلاني وغير العقلاني.

هنا يبدأ التشويق الحقيقي: إذا لم يكن الاختلاف في العقول، فأين يكمن إذن؟

يقدِّم الكتاب إجابته المحورية عبر فكرة مدهشة: إن ما يغيِّر التفكير ليس العقل ذاته، بل الوسائط التي يستخدمها - وأهمها الكتابة. فالإنسان، قبل الكتابة، كان يعيش في عالم شفهي، حيث المعرفة عابرة، متدفقة، مرتبطة بالسياق والذاكرة. أما بعد الكتابة، فقد تحوَّلت اللغة إلى شيء «مرئي»، يمكن تحليله وتفكيكه وإعادة ترتيبه. وكما يوضح النص: «إنَّ تدوين الكلام هو الذي سمح بالفصل بين الكلمات بكل وضوح، وتقليب ترتيبها، وبالتالي بتطوير الأشكال القياسية للاستدلال والتفكير».

بهذا التحول، لم يتغير ما يفكر فيه الإنسان فقط، بل كيف يفكر. ظهرت القوائم، والجداول، والتصنيفات، والرياضيات المعقدة. صار بالإمكان تخزين المعرفة ونقلها عبر الأجيال بدقة غير مسبوقة. وهنا، يتحول «تدجين الفكر» من استعارة إلى حقيقة: فالعقل لم يعد برياً أو «متوحشاً»، بل أصبح منظماً، مُهندساً بواسطة أدواته.

لكن المؤلف لا يسقط في فخ التبسيط. فهو لا يقول إن الكتابة خلقت العقل، بل يحذر من التفسير الأحادي، مؤكداً: «هناك طريق وسطي بين اختيار سبب وحيد ورفض كل تفسير سببي... بين إغراق كل شيء في السببية البنيوية أو عزل عامل مادي وحيد. فالتغير في الفكر هو نتيجة تفاعل معقد بين التكنولوجيا، المجتمع، السلطة، والثقافة».

ومن أكثر لحظات الكتاب إثارة، حين يواجه القارئ بحقيقة مزعجة: أن ما نسميه «تفكيراً بدائياً» ليس أقل منطقية، بل فقط مختلف في تجلياته. ففي المجتمعات الشفهية، نجد أنظمة تصنيف دقيقة، وقدرات حسابية مذهلة، لكنها مرتبطة بالسياق الحي، لا بالرموز المجردة. وهنا يكتب: «أنماط التفكير تتشابه من مجتمع إلى آخر من عدة أوجه... إن وجود نشاط فكري فردي حقيقة واقعة كما هي الحال في الثقافات الغربية».


إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!