حين وصل جد المرشح الجمهوري لانتخابات الرئاسة الأميركية دونالد ترامب إلى الولايات المتحدة مهاجرا من ألمانيا في عام 1885، كانت البلاد تتعافى من حروبها الداخلية التي اشتعلت بسبب إلغاء العبودية، وكان قد مضى عشرون عاما على وفاة الرئيس السادس عشر للولايات المتحدة، أبراهام لينكولن بطل تحرير العبيد وقمع التمرد الجنوبي، حيث قضى مقتولا وهو يشاهد مسرحية «ابن عمنا الأميركي» عشية 14 أبريل (نيسان) 1865.
لكن الفارق بين الرجلين (لينكولن وترامب) شاسع، فأبراهام لينكولن الذي خلد اسمه في التاريخ كزعيم قضى على الرّق والعبودية، وهو القائل: «انهضوا أيها العبيد فإنكم لا ترونهم كبارا إلا لأنكم ساجدون»، يختلف عن ترامب الذي ينفخ في الأميركيين روحا عنصرية دفعوا ثمنا غاليا في التخلص منها.
ولد أبراهام لينكولن في كوخ صغير بغرفة واحدة يقع في مزرعة بمقاطعة هاردين في كنتاكي، وكان عليه أن يقطع طريقا شاقا نحو النجاح، وولد ترامب ليجد أباه أحد أكبر الأثرياء وملاك العقار في مدينة نيويورك، ووجد الطريق نحو الثروة والنجاح ممهدا أمامه.
في سباقه نحو البيت الأبيض وجد ترامب نفسه بحاجة إلى نوع جديد من الدعاية السياسية، دعاية تنتمي في جوهرها إلى الفلسفة التي خلفها المفكر الإيطالي نيكولو مكيافيلي (1469 – 1527)، وهو الذي رسم منهجا للسياسيين من طبقة ترامب، فمكيافيلي يرى أن السياسي «مُعفى من قيود الأخلاق والآداب، لأن واجبه الأول هو منع الفتنة والفوضى»، ويرى مكيافيلي أن «الأخلاق يجب إبعادها لأنها تعتبر العائق الوحيد أمام تطور الدولة».
وقد أصبحت الميكيافيلية أشهر المناهج السياسية التي تحرك هذا العالم الانتهازي الذي اقتبس منها أن «الغاية تبرر الوسيلة». على الرغم من ذلك فقد حظيت تصريحات ترامب ضد الإسلام والمسلمين باستهجان لف الكرة الأرضيّة، واعتبرت على نطاق واسع دعوة عنصرية، وتحريضا على الكراهية، وعودة رجعية لعصر الصراعات الدينية، ونكوصا عن تراث الولايات المتحدة والعالم الحر في التقدم والحريّة والإخاء.
لكن الملياردير الأميركي قناص فرص، تماما كأي مضارب، ولا توجد فرصة لخلق شعبية عارمة في عالم اليوم أفضل من ركوب موجة الكراهيات، وتخويف الناس بعضهم من بعض، وتقسيم العائلة الإنسانية على أساس آيديولوجي، وصنع أعداء وهميين.
بالنسبة إلى ترامب فهو يواجه أول ما يواجه وعيا شعبيا متقدما، ومجتمعا حرا لا يتقاسم معه تلك الهواجس، على الرغم من أنه نجح بامتياز في إيقاظ الثعابين، وتحفيز أصحاب النزعات المتطرفة للخروج إلى السطح ورص صفوفهم من جديد، فدائما هناك مستفيدون وهناك معتاشون على تجارة الحروب والأحقاد. لكن ماذا بشأننا نحن الذين شعرنا بالإهانة من تصريحاته؟ هل نظرنا في المرآة لنفتش عن عيوبنا بدل الانشغال برجم المرشح الأميركي الجانح؟
اللغة البائسة التي استخدمها ترامب ما زالت منتعشة في محيطنا، وخطورتها أنها تصدر من شخصيات سياسية ودينية واعتبارية، والتي تصنف الناس وتسبغ عليهم أوصافًا كلية، غالبا ما تكون مهينة وحاطّة للكرامة. بعض الشخصيات العامة في عالمنا لا يضعون قيودا على تصريحاتهم، وعلى التعابير والأوصاف التي يطلقونها تجاه مخالفيهم، وهي عادة ما تقع في نفس المستوى الذي يتحدث به ابن عمنا ترامب.
وكما أن الغاية متشابهة وهي ركوب موجة الكراهية والحصول على شعبية كاسحة، فالخطورة أيضًا متشابهة، حيث تؤدي التصريحات المتشنجة المثيرة للأحفاد إلى إيقاظ الانتهازيين وتجار الحروب البينية والمتسلقين على ركام الخراب من سباتهم، حتى يتصدروا المشهد ويختطفوا السفينة..
من شعر بالقلق والخوف من صعود اليمين المتطرف في فرنسا، أو شعر بالألم من تصريحات دونالد ترامب، فعليه أن يطفئ نيران الأحقاد المشتعلة في محيطه أولا، فهذا العالم لا ينقصه المجانين.
9:11 دقيقه
«ابن عمنا الأميركي»
https://aawsat.com/home/article/520891/%C2%AB%D8%A7%D8%A8%D9%86-%D8%B9%D9%85%D9%86%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%8A%D8%B1%D9%83%D9%8A%C2%BB
«ابن عمنا الأميركي»
«ابن عمنا الأميركي»
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة


