غاليليو وتأويل النصوص الدينية

حينما يضطر العالم إلى الخوض في اللاهوت

غاليليو وتأويل النصوص الدينية
TT

غاليليو وتأويل النصوص الدينية

غاليليو وتأويل النصوص الدينية

يعرف الناس كثيرا عن غاليليو (1564 / 1642)، وبمجرد أن يذكر اسمه يظهر كثير من المعطيات على السطح، مثل دفاعه عن كوبيرنيكوس ومن ثم فكرة دوران الأرض، وكذلك ضربه لفكرة نقاء السماء القديمة، إذ إن مشاهدته للسماء سنة 161، بواسطة التلسكوب الذي طوره بنفسه، جعلنا نرى قمرا ليس بالجمال المعتاد، فهو مجرد وديان وتراب وتضاريس لا علاقة لها بالصفاء المزعوم قديما، إلى درجة السخرية من الشعراء الذين كانوا يشبهون الجمال بالقمر، بينما حقيقة الأمر أنه جد بشع، ولا يصلح أبدا لأن نجعل منه رمزا للجمال. أما الشمس فهي مليئة بالبقع السوداء، إضافة إلى أن خريطة النجوم التي حددها الإنسان القديم بالعين المجردة، واضعا لها جداول إحصائية، وصانعا منها بروجا كمعالم للرؤية، معتبرا نفسه أنه قد ضبطها ضبطا، لم تكن إلا زعما كاذبا.

فمنظار غاليليو سيكشف عن وجود نجوم جديدة، وهو أمر جارح آنذاك، لأن السماء بدت لا نهائية عكس الاعتقاد القديم، الذي كان ينظر إلى العالم باعتباره محدودا ومغلقا ومحاطا بالقبة السماوية. وهنا لا يجب أن ننسى أن جيوردانو برونو أعدم سنة 1600 حرقا، نظرا لترويجه فكرة لا محدودية العالم. وها هو غاليليو يقدم الأدلة الدامغة على صدق قوله. ويمكن أيضا أن نستحضر من أعماله الغزيرة اكتشافه لقوانين سقوط الأجسام، ناهيك بأن الكل قد سمع عن محاكمته ذائعة الصيت، من طرف ديوان التفتيش الكنسي. لكن القضية التي لا يتم التنبيه إليها كثيرا، والتي سنتناولها في مقالنا هذا، هو الجانب اللاهوتي في أعمال غاليليو. فالرجل وتحت ضغط الهجوم الضاري على جرأته في قلب الحقائق الفلكية، التي كانت سائدة ومعتمدة آنذاك، والمتوافقة والكتابات المقدسة، اضطر إلى الخوض في النصوص الدينية دفاعا عن نفسه من جهة، ومحاولة منه إيجاد التوافق المفقود بين التفسير القديم للنصوص والمعطيات العلمية الناشئة. فكيف ذلك؟ وما تأويلات غاليليو؟
القصة وكما هو معروف بدأت في سنة 1543، وهي السنة التي توصل فيها عالم الفلك البولوني، نيكولاس كوبيرنيكوس الكاثوليكي، وهو على فراش الموت، بنسخة من كتابه الذي تردد في نشره لمدة تناهز الثلاثين عاما. إنه كتاب «في دوران الأجرام السماوية»، الذي سيخرج إلى الوجود، بتمهيد كتبه صديقه أوسياندر، الذي سيعمل من خلاله على التخفيف من وطأة الكتاب الذي يدافع عن دوران الأرض ومركزية الشمس، وهو المنافي للكتابات المقدسة، عن طريق إبراز أن الفلك لا يبحث في الأسباب الحقيقية للطبيعة، فهذا من اختصاص الفيزياء، بل هو علم يهتم فقط بتاريخ حركة الأجرام السماوية. لهذا فهو يصنع الفرضيات الهندسية الأكثر ملاءمة، من أجل التنبؤ الجيد لمكان الأجرام في السماء. لهذا ليس المهم أن تكون هذه الفرضية أو تلك صحيحة، أي فرضية مركزية الأرض أو فرضية مركزية الشمس، بل المهم هو أن تمنح حسابات دقيقة. إذن مع هذا التصدير للكتاب الذي يناشد بأن لا نطلب من الفلك أي شيء حقيقي، ما عدا الحسابات الدقيقة، سينتشر الكتاب عند الكاثوليك، بهدوء ودون ضجة، لأنه لا يجسد الواقع، إنه مجرد رياضيات تضبط لنا التقويم ومواقع الأجرام، ومن ثم لا خوف علينا منها.
لكن الأمر لم يكن عند الحركة البروتستانتية، وهي الحركة النصية والحرفية، كما عند الكاثوليك، حيث ستهاجم هذه الحركة كوبيرنيكوس هجوما شرسا، من طرف زعيمها مارتن لوثر، بصرخة مشهورة وهي: «هذا الأحمق يريد قلب كل الفن الفلكي». فلوثر سيدين كوبيرنيكوس، بل سيسخر منه لأنه ببساطة ينزع الثقة عن الحس المشترك، أي أنه ضد الحواس لصالح بهلوانياته العقلية، ناهيك بأن هناك كثيرا من النصوص المقدسة تؤكد ثبات الأرض وحركة السماء، ومن ثم يعد كوبيرنيكوس مارقا يريد القول بعكس المقدس.
في هذا السياق بالضبط، سيأتي الحديث عن غاليليو. فهو سيؤمن بالكوبيرنيكية حتى النخاع، وسيعلن ذلك لبعض أصدقائه في 1597، لكنه سينتظر 10 سنوات أخرى كي يصدح بما لديه، فقد كان ينتظر الأدلة المقنعة، وهذا ما تأتى له عندما طور التلسكوب، ووجهه نحو السماء مكتشفا الحجج الملموسة (مثلا سيكتشف أقمارا تدور حول المشتري، وهو ما يعني أن الدوران لا يتم فقط حول الأرض...)، التي تجعل من فكرة دوران الأرض فكرة ليست فقط رياضية، بل هي فكرة صائبة فيزيائيا، وتجسد الحقيقة وليس الافتراض فقط. فراجت أفكاره، وأصبحت ذائعة عند العموم. وهذا ما جعل بعض رجال الدين يتخوفون من الأمر، لأن النصوص الدينية تقول بعكس كلام غاليليو. وهو إحراج سيضرب هيبة الكنيسة المهددة، أصلا، من طرف البروتستانتية، ما جعل البعض يتجند ضد غاليليو، إلى درجة الزج به في سؤال العلم والدين. فكيف ذلك؟
ما دام أن النظام الفلكي القديم أصبح مهددا، فقد تكتلت كل القوى المناهضة لتشكيل جبهة مقاومة، وكانت أول خطوة هي النيل من غاليليو صاحب الشعبية العالية في أي مناسبة، وذلك ما حدث فعلا. ففي سنة 1613 تمت دعوة الأب كاستيلي، صديق غاليليو، إلى حفل أقامه البلاط تحت رعاية الدوقة كريستين دو لورين، التي طرحت عليه وبإيعاز من بعض الحاسدين لغاليليو، أثناء تناول وجبة العشاء، أسئلة حول تلاؤم الكوبيرنيكية مع تعاليم الكتاب المقدس، وخصوصا ما يتعلق بحجة معجزة يشوع، حيث جاء في سفر يشوع، الإصحاح العاشر: «حينئذ قال يشوع للرب يوم أسلم الرب الأموريين أمام بني إسرائيل، أمام عيون إسرائيل: (يا شمس دومي على جبعون، ويا قمر على وادي أيلون)، فدامت الشمس ووقف القمر، حتى انتقم الشعب من أعدائه. أليس هذا مكتوبا في سفر ياشر؟ فوقفت الشمس في كبد السماء، ولم تعجل للغروب نحو يوم كامل». يحكي هذا النص قصة يشوع، تلميذ النبي موسى، الذي طلب من الرب أن يوقف الشمس كي يتمكن من الانتصار في الحرب، فتوقفت، ما يعني أن الشمس متحركة، وهو ما يخالف نظرية كوبيرنيكوس.
عندما سمع غاليليو بقصة الحوار الذي دار بين كاستيلي والدوقة كرستين دو لورين، اضطر وعلى عجل إلى الرد على خصومة برسالة إلى كاستيلي بتاريخ 21 ديسمبر (كانون الأول) 1613، يشرح فيها وجهة نظره حول العلاقة بين العلم الناشئ والكتاب المقدس، ليقول فيها لكاستيلي:... لقد سمعت عن حضورك لدعوة الدوقة كرستين دو لورين بمعية مجموعة من الشخصيات والفلاسفة البارزين، وكيف أنه جرى سؤالك عن مدى ملاءمة الكوبيرنيكية مع بعض مقاطع الكتابات المقدسة، خصوصا معجزة يشوع. إن الحجج التي قدمتها أنت بحضرة الدوقة، جعلتني أعاود التفكير من جديد في العلاقة القائمة بين الكتابات المقدسة والفلسفة الطبيعية. إني أعرف انك قد أكدت لصاحبة الفخامة، إن الكتابات المقدسة لا تكذب أو يشوبها الزلل، فهي تجسد الحقيقة المطلقة التي لا ينبغي انتهاكها. إلا أنني أريد أن أضيف من جانبي أن الكتابات المقدسة لا يمكن أن تكون موضع زلل إلا إذا تجنب بعض الشارحين أو المفسرين الأخطاء التي يعد أخطرها والأكثر شيوعا، تلك التفسيرات الداعية إلى الوقوف على المعنى الحرفي والخالص للكلمات. فهذا لا يجرنا فقط إلى التناقضات، إنه يجرنا نحو الهرطقة بل التجديف. إذ سيصبح لله الأرجل والأيادي والعيون والأحاسيس الجسدية التي للإنسان، كالغضب والندم والحقد، ونسيان أحداث الماضي والجهل بالمستقبل، وكل هذا مجانب للصواب، وقد يحصل بسهولة في حالة التعامل مع ظاهر النص والاكتفاء بالمعاني العارية للكلمات. وإذا ما تساءلنا لماذا وجدت الكتابات على هذه الشاكلة، يقول غاليليو في رسالته: لكي تتلاءم والقدرات الضعيفة لعموم الناس، ومن جهة أخرى على علماء التفسير قراءة المعاني مجازيا والبحث عما وراء اللفظ.
لقد أكد غاليليو أن كثيرا من مقاطع الكتاب المقدس تحتاج إلى التأويل والابتعاد بها عن الظاهر نحو المعنى الخفي المحتمل. وكتطبيق نموذجي، سيتناول غاليليو، وإن بطريقة متعسفة، معجزة يشوع بالتأويل، وهي التي يحتج بها لوضع فكرة دوران الأرض في تناقض مع الدين، ليبين أن إيقاف يشوع للشمس أمر مستحيل، لأنه يتناقض ومركزية الأرض التي حددها بطليموس، لأن حركة الشمس في هذا النظام تحتاج إلى المحرك الأول. فإذا ما اتجهنا مع حرفية النصوص، وفهمنا أن يشوع قد أوقف حركة الشمس لينهي معركته، فإن هذا كان سيؤدي إلى فساد نظام الكون بأكمله، وهذا ما لم يحدث.
إن حجة غاليليو هي أقرب إلى الجدل والسفسطة منها إلى العلم، ولكنه كان مضطرا إلى فعل ذلك. فالكتابة في زمن الرقابة الدينية تزج بالعالم نحو التحايل والتوفيق والتلفيق ولو على حساب الصرامة والدقة العلمية. من كل هذا، كان غاليليو يريد التلميح إلى أن الكتاب المقدس يتناول الأمور العلمية بسطحية، لأن مهمته ليست تقديم معطيات علمية، بل مهمته تتعلق بالروح، وهو مروج العبارة الشهيرة: «الكتاب المقدس يعلمنا كيف نذهب إلى السماء وليس كيف هي السماء».



كيف نظر كتّاب العالم وفلاسفته إلى مكتباتهم؟

 رديارد كيبلنغ
رديارد كيبلنغ
TT

كيف نظر كتّاب العالم وفلاسفته إلى مكتباتهم؟

 رديارد كيبلنغ
رديارد كيبلنغ

لطالما كانت الكتب والمؤلفات التي حمّلها الكتّاب والمبدعون منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا، عصارات عقولهم وخلاصات حدوسهم ومكابداتهم، موضع احتفاء دائم من قِبل ملايين القراء، الذين رأوا فيها زادهم المعرفي، ودليلهم إلى الطريق القويم، والضوء الذي يخرجهم من نفق الجهالة. وقد يكون أبو عثمان الجاحظ أحد أكثر المشتغلين بالأدب احتفاء بالكتاب وإطراء لمحاسنه، وهو الذي اعتبر في «البيان والتبيين» أن الكتاب هو «الجليس الذي لا يُطريك، والصديق الذي لا يغريك، والرفيق الذي لا يملُّك، والجار الذي لا يستبطئك». ولعل في توصيف الجاحظ للكتاب، ما وجد صداه اللاحق في قول المتنبي «أعزُّ مكانٍ في الدُّنى سرجُ سابحٍ، وخير جليسٍ في الأنام كتابُ».

اللافت أن دور الكتب في العصر الحديث لم يعد يقتصر على كونها ناقلاً للمعرفة وأداة لها، بل باتت هي نفسها مادة للتناول الأدبي، ومحرضاً على الإلهام، وموضوعاً للاحتفاء من قبل الكتّاب والمؤلفين، الذين لم يكفوا عن امتداح القراءة، والحث على اقتناء الكتب، وصولاً إلى توثيق الطريقة التي أسسوا بها مكتباتهم المنزلية. ولما كانت المؤلفات المتعلقة بهذا الموضوع أكثر من أن تحصى، فيكفي أن نذكر من بينها كتاب ألفرد هيسيل «تاريخ المكتبات»، وليونيل كاسون «المكتبات في العالم القديم»، وكتاب هنري ميلر «الكتب في حياتي».

وإذا كان الكاتب والمفكر الأرجنتيني بورخيس، الذي أصيب منذ صغره بالعمى، قد تخيل الفردوس على شكل مكتبة هائلة ولا نهائية الاتساع، فإن عدوى عشقه للكتب قد انتقلت إلى مساعده ألبرتو مانغويل، الذي ظل لسنوات عدة يقرأ الأعمال المختلفة على مسامعه، قبل أن يعمد هو نفسه إلى تأليف كتب عدة حول طقوس القراءة والكتابة وجماليات الكتب والمكتبات. ومن أبرز تلك المؤلفات «المكتبة في الليل» و«تاريخ القراءة» و«مدينة الكلمات» و«جنتلمان المكتبات».

وقد يكون كتاب «أطوي العالم في مكتبتي » الذي أعده وترجمه الكاتب المصري أحمد الزناتي واحداً من الإصدارات اللافتة التي تؤرخ بأسلوب شيق يجمع بين الفائدة والمتعة، لتفاصيل العلاقة الحميمة، أو الملتبسة، التي تربط بين الكتّاب والكتب التي يقتنونها، كما تعرض لطريقتهم في القراءة، وللكيفية التي أسسوا بواسطتها مكتباتهم.

وإذ يتضح لنا بأن لكل واحد من الكتاب الذين تناولهم المؤلف بالدراسة علاقة بالكتب والمكتبات تختلف عن سواه، فإننا لا نستطيع سوى التوقف ملياً عند آرتور شوبنهاور الذي لم ينظر إلى الكتب التي جمعها بعناية، بوصفها أداة للمعرفة فحسب، بل بوصفها وسيلته المثلى للهروب من رياء البشر ونفاقهم. وإذ يكتب صاحب «العالم إرادة وفكرة» في رسالة بعث بها إلى صديق له، وقد قرر السفر بعيداً عن مسقط رأسه «إن أشد ما يشق علي مفارقته هو مكتبتي العامة والخاصة، فلولا سكينة الكتب لكنت استسلمت لليأس من هذه الحياة منذ زمن طويل».

آرتور شوبنهاور

وحيث لم يقتصر مديح شوبنهاور للكتب على مناسبة واحدة أو نص بعينه، فهو لا يتوانى في مطلع مخطوط سيرته الذاتية عن القول «ولما عجز المعاصرون من بني قومي على أن يؤنسوا وحشتي، آثرت صحبة من يشبهونني من الذين طواهم الموت، والذين طافوا في الدنيا كما أطوف. فها هي حروفهم الجامدة تبث فيّ وداً أصدق من وصال الأحياء، وتفيض علي صفاءً أعمق من سلام ذوي الأرواح».

ومع أن في قول شوبنهاور عن الصحبة الأنيسة للكتاب، ما يجمعه بأبي عثمان الجاحظ، ومع ذلك فإن الفارق شاسع بين الاثنين، حيث كان الجاحظ كائناً اجتماعياً ميالاً إلى التفاؤل والظرف، وإيجابي النظرة إلى العالم، فيما كان شوبنهاور النقيض التام لكل هذه الصفات.

أما الملاحظة المهمة التي لم تفت المؤلف الإشارة إليها، فهي أن شوبنهاور لم يكن حيادياً تماماً في اختيار الكتب التي يقتنيها، بل كان ذلك الاختيار خاضعاً لمزاجه الشخصي، وليس فقط لمعايير إبداعية خالصة. ففي حين دفعه إعجابه بمواطنه الألماني غوته إلى اقتناء أعماله كافة، وبمختلف طبعاتها، إضافة إلى أعمال ليسينغ وإيمانويل كانط وهاينريش هاينه، تجاهل بشكل كلي أعمال كتاب كبار، من طراز لودفيغ وهوفمان وكلايست، إضافة إلى هولدرلن الذي رأى فيه مارتن هايدغر المجسد العملي لأنطولوجيا الكينونة.

لكن إفراط شوبنهاور في تقريظ الكتب والمكتبات، لم يمنعه من التحذير من الإفراط بالقراءة، معتبراً أن الذهن يختنق بكثرة المطالعة كما تختنق المعدة بكثرة الطعام. كما أن بعض من غرقوا في طوفان الكتب باتوا في رأيه عبيداً لما تمليه عليهم أسطر الغير، وباتت أذهانهم مثقلة بأفكار الآخرين.

وإذ ركز الكاتب البريطاني هنري ويتلي على انتقائية المكتبات، وعدم مراكمة محتوياتها على نحو عشوائي، أشار في الوقت نفسه إلى أن مكتبة الإمبراطور الألماني ماركوس سيفيروس كانت تقتصر على مجلدات أربعة تضم أعمال أفلاطون وبلينيوس وبلوتارخ وبطليموس. وقد اعتبر ويتلي أن الانتقائية هي كلمة السر الأهم في تكوين المكتبات، وأن المكتبة المثالية لن تعكس عقل صاحبها وروحه إلا من خلال نزوعه الانتقائي.

كما يدافع الناقد الألماني فالتر بنيامين عن مبدأ الإفراط في اقتناء الكتب، حتى ولو كان الأمر يتم من باب المتعة المجردة، أو على سبيل الاحتياط لأي حاجة معرفية لاحقة. ومع تشديده على التمييز بين جمع الكتب للتباهي، وجمعها للتزود بالمعرفة، فإن الكاتب الكندي روبرتسون دافيس، لا يتوانى عن الاعتراف بأنه لم يستطع مقاومة إغواء الكتب، واقتناء ما يلزم منها وما لا يلزم، دون أن تكون لديه أي نية في وقف سيلها الهائل، الذي ظل يتدفق نحو مكتبته دون انقطاع. ولكي يدعم أقواله بالشواهد، فقد روى روبرتسون عن الكاتب الفرنسي أناتول فرانس قوله لمن سأله عما إذا كان قد قرأ كل الكتب التي تضمها مكتبته «ولا حتى عشْرها يا سيد، فأنا لا أعتقد أنك تستعمل طاقم المائدة الصيني كل يوم».

وفي مقابل ذلك، ركز الكاتب البريطاني رديارد كيبلنغ على أن القراءة بحد ذاتها ليست برهاناً قاطعاً على صلاح نفس القارئ أو فسادها، بل إن الأمر يعتمد على حسن اختياره للكتب التي يقرأها. فإذا أقبل المرء على القراءة بعقل متوقد وذهن حي، فقد يمكن له، ولو بحدود معينة، أن يكون وريثاً للعظماء، وموصولاً بهم برباط خفي. والرجل الفطن عند الكاتب الحائز على جائزة نوبل للآداب، هو الذي يعرف النماذج الرفيعة في عالم الكتب، لأن تلك النماذج وحدها هي التي تعينه على فهم مغزى العالم.

دور الكتب في العصر الحديث لم يعد يقتصر على كونها ناقلاً للمعرفة وأداة لها بل باتت هي نفسها مادة للتناول الأدبي

ولا يبتعد الكاتب الألماني هيرمن هسّه كثيراً عن المنظور الذي حدده شوبنهاور للقراءة، معتبراً أن على المرء ألا يلهث وراء المطالعة، كما يلهث طالب اللقب وراء رتبة الأستاذية، أو كمريض ساذج يدخل صيدلية، فيعمد بهدف البحث عن دواء ناجع، إلى تجرع كل ما تضمه من الأدوية والعقاقير. لا بل إننا لا نملك سوى الشعور بالدهشة، إزاء اعتبار هسّه بأن البشر في عصره يفرطون في الإقبال على المطالعة، ويولونها أكثر مما ينبغي لهم من الاهتمام، أو إزاء قوله بأن الإفراط في القراءة لا يكرم الأدب بل يسيء إليه. إلا أن دهشتنا تلك، سرعان ما تلبس لبوساً مختلفاً حين نقرأ لصاحب «سدهارتا» أبياته التي يخاطب بها القارئ على نحو مؤثر:

إن كتب العالم كلها لن تجلب لك السعادة

لكنها ستعلّمك سرّ الرجوع إلى نفسك

فنفسك وعاءٌ لكل ما تحتاج

نفسك وعاء الشمس والنجوم والقمر

والنور الذي تلتمسه يسكن بين ضلوعك

والحكمة التي تبتغيها في رفوف المكتبات

تشرق أنوارها من طيات كل صفحة

لأنها نورك أنت


ثلاثة مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف دمشق الدولي مصدرها قصر الحير الغربي
ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف دمشق الدولي مصدرها قصر الحير الغربي
TT

ثلاثة مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف دمشق الدولي مصدرها قصر الحير الغربي
ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف دمشق الدولي مصدرها قصر الحير الغربي

يحتفظ متحف دمشق الدولي بمجموعة كبيرة من قطع نحتية تصويرية تعود إلى الحقبة الأموية، مصدرها قصر يقع على أطراف الطريق بين دمشق وتدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. تعكس هذه المجموعة تعددية الأساليب والأطرزة التي نهل منها الفن الأموي وأعاد صياغتها في قوالب خاصة، وفقاً لتقاليد محلية نمت في المدن الصحراوية التي أنشئت عند تصالب الطرق التجارية في العالم القديم، وشكّلت موانئ كبيرة في قلب وادي الشام. تتجلّى هذه التعدّدية في ثلاثة مجسمّات متقاربة من حيث الحجم، خرجت من بين أطلال هذا الموقع في ثلاثينات القرن الماضي، خلال أعمال المسح والتنقيب لبعثة فرنسية تحت إشراف عالم الآثار دانيال شلومبرجير.

كشفت هذه الحملة عن مجموعة هائلة من القطع النحتية المهشمّة المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تمّ جمعها وتصنيفها بتأنّ على مدى سنوات من الجهد المتواصل. تبيّن أن جزءاً من هذه القطع يعود في الأصل إلى واجهة القصر الخارجية، وهي الواجهة التي تمّت إعادة تشكيلها، ومن ثمّ نصبها عند مدخل متحف دمشق الدولي في مطلع الخمسينات. في المقابل، يعود جزء آخر من هذه القطع إلى واجهة داخلية خاصة بهذا القصر، وتحديد الموقع الأصلي لهذه القطع المبعثرة ليس بالأمر السهل، ولا يزال موقع بحث، على ما تُظهر الدراسات العلمية المتواصلة منذ اكتشاف قصر الحير الغربي إلى يومنا هذا. يرى البحاثة أن هذه القطع توزّعت في الأصل على بنى متوازية، جمعت كلّا منها سلسلة متنوّعة من الصور المنحوتة والنقوش الزخرفية. في هذا السياق، تبرز ثلاث قطع شكّلت في الأصل حللاً من سلسلة متراصة، واللافت أن هذه القطع تتبنى أسلوبين فنيين مختلفين.

تمثّل إحدى هذه القطع طفلا عارياً، وهي على شكل مجسّم ناتئ، يعلو كتلة من الجص يبلغ طولها 50 سنتيمتراً، وعرضها 22 سنتيمتراً، وسمكاتها 15 سنتيمتراً. يتميّز هذا المجسّم بطابعه الروماني الكلاسيكي، ويظهر هذا الطابع في نحت مفاصل البدن، وفقاً للبنية التشريحية التي تحاكي المثال الواقعي الحي. تتبنى هذه المنحوتة أسلوباً تقليدياً شائعاً، غير أن هذا الأسلوب يغيب بشكل كبير عن ميراث قصر الحير الغربي، ممّا يجعل منها شاهداً مميّزاً في هذا الإطار. يقف الطفل في وضعية نصف جانبية، ويحني برأسه نحو الأسفل، مادّاً ساقه اليمنى نحو الأمام، مثنياً ساقه اليسرى في الاتجاه المعاكس، في حركة حيَّة تخرج عن القوالب الساكنة التي غلبت على النحت في التقليد السوري المحلّي، كما يشهد ميراث تدمر الاستثنائي بثرائه الكبير.

الذراعان ملتصقتان بالصدر، والجزء الأسفل منهما ضائع للأسف، وكذلك القدمان. الرأس وصل كاملاً بشكل مستقل، وتمّ وصله بالبدن كما يبدو، وملامحه جلية، وتعكس حرفة عالية في النحت والتجسيم. الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر، جاءت خصلها على شكل كتل مرصوصة ومتوازية، وفقاً لطراز يغلب عليه الطابع الشرقي. ملامح الوجه كلاسيكية، وتتمثّل بعينين نصف مغمضتين، يعلوهما حاجبان مقوّسان منفصلان. الأنف ناتئ، غير أن كتلته مهشّمة. الثغر صغير، وقوامه شفتان مطبقتان ترسمان ابتسامة طفولية لطيفة. الخدّان مكتنزان، والعنق عريضة، قائمة على كتفين عريضتين، تحدان صدراً مصقولاً ببراعة، ظهر مفصلاه الناتئان، مع شق في الوسط.

صيغ هذا الطفل وفقاً لنموذج تقليدي يُعرف في قاموس الفن الكلاسيكي باسم «بوتو»، وهذا التعبير لاتيني، ومعناه طفل مذكر، أي صبي. حلّ هذا النموذج بشكل واسع في العالم اليوناني، ثم انتقل إلى العالم الروماني، ومنه إلى الفن المسيحي الناشئ، واتخذ أشكالاً عدة، منها الطفل الكرّام والطفل الصيّاد، وبدا أشبه بملاك، ثم اختفى في مطلع القرون الوسطى، وعاد في عصر النهضة الذي شكّل ولادة جديدة للفن الكلاسيكي التقليدي. في ميدان الفنون الأموية، يحضر هذا الطفل تشكيلياً في العديد من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن، ويحضر منحوتاً بشكل استثنائي في هذه القطعة التي تعود إلى قصر الحير الغربي.

تقابل هذه القطعة منحوتة مغايرة صيغت في تقنية مماثلة، وقوامها قطعة طولها 57 سنتيمتراً، وعرضها 27 سنتيمتراً، وسماكتها 14 سنتيمتراً. تمثّل هذه المنحوتة شيخا ملتحياً، يقف حانياً رأسه في اتجاه اليمين، رافعاً ذراعيه في اتجاه اليسار. وصل هذا المجسّم بشكل شبه كامل، غير أنه فقد يديه وقدميه للأسف. يحضر البدن في وضعية المواجهة، ويحضر الرأس في وضعية نصف جانبية. تخرج بنية هذه القامة عن الطراز الكلاسيكي، وتتبنّى طرازاً محلياً يتخلّى عن التشريح الواقعي. تبدو كتلة الرأس ضخمة قياساً إلى حجم البدن القصير، وفقاً لتقليد ساد في ميراث تدمر بشكل كبير.

في المقابل، تخرج هذه المنحوتة عن طابع الحركة الساكنة التي كرّسها هذا الميراث، وتتميّز بحركتها الحية. صياغة الوجه تدمرية، وتظهر في تجسيم ملامح الوجه، كما في صياغة خصل الشعر الذي يعلو الرأس، واللحية التي تتدلّى وتحجب العنق. يرتدي هذا الشيخ معطفاً طويلاً يلتف حول قامته على شكل عباءة، مع حزام ينعقد حول الخاصرة. تعلو هذه العباءة شبكة من الثنايا الأفقية المقوّسة، مع شقين عموديين في الوسط، ينسدلان من وسط الحزام، إلى طرف الثوب الأسفل.

نقع على قطعة ثالثة ضاع الجزء الأعلى منها عند نقلها، غير أن الصورة التوثيقية التي تعود إلى زمن اكتشافها حفظت صورته. يبلغ طول ما بقي من هذا المجسّم 22 سنتيمتراً، وعرضه كذلك 22 سنتيمتراً، وسماكته 13 سنتيمتراً. يأخذ اللباس شكل ثوب فضفاض تزيّنه شبكة من الثنايا المتوازية، مع حزام عريض في الوسط، ينسدل منه شريطان عموديان متوازنان.

تكشف الصورة التوثيقية عن شيخ ملتحٍ يرفع ذراعه اليمنى نحو الأعلى، ويحني ذراعه اليسرى نحو الأسفل، في حركة توازي حركة الساقين. مرة أخرى، يخرج النحات عن طابع السكون والجمود، ويتبنى حركة حية، غير أنه يلتزم الأسلوب التدمري الخاص بالنقش، ويظهر هذا الأسلوب في تجسيم الوجه، كما في تجسيم ثنايا الثوب الذي يغطي البدن ويحجب مفاصله.


«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية
TT

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

أصدرت «منشورات رامينا» في لندن الترجمة العربية لكتاب «أناهيتا وكَميفان» للمسرحي والكاتب الكردي هلكت إدريس عابد، بترجمة شمال آكريي، في عمل يضم سبع مسرحيات تفتح أفقاً واسعاً للتأمل في أسئلة الذاكرة والاقتلاع والحرية والسلطة، عبر كتابة مسرحية تمزج الشعر بالفكر، وتدفع القارئ إلى مواجهة أكثر القضايا الإنسانية إلحاحاً.

يضم الكتاب المسرحيات: «قبر أمي»، و«سارق الأحذية»، و«لوحة من القتل»، و«مونودراما ثريا»، و«في انتظار غودو»، و«أناهيتا وگَميفان»، و«متحف الدم». وتلتقي هذه النصوص حول الإنسان وهو يعبر الخراب، ويقاوم النسيان، ويتمسك بحكايته في مواجهة القهر والحرب والمنفى، مع حضور واضح للرمز، وللحوار الفلسفي، وللغة مشحونة بالإيقاع والدلالة.

وتقود المسرحية الأولى «قبر أمي» القارئ إلى رحلة أب وابنه بحثاً عن قبر الأم، رحلة تتحول مع كل خطوة مواجهةً مع الذاكرة، والخوف، والحقيقة، ومعنى الانتماء. يحمل الاثنان تابوتاً فارغاً يثقل بالأسئلة، ويعبران طرقاً تحاصرها الحدود والألغام، فتغدو الرحلة نفسها استعارة عن شعب يحمل ذاكرته فوق كتفيه، ويواصل السير رغم الخراب.

ويمنح هلكت إدريس عابد الرمز مساحة واسعة في بناء عالمه المسرحي. مدينة كاملة تقرع الطبول للزعيم، وضجيج يطغى على الحقيقة، وسلطة تعيد تشكيل البشر وفق إيقاعها، حتى يصبح التفكير مخاطرة، والاعتراض تهمة، والذاكرة فعلاً يقاوم المحو. وتكشف هذه المشاهد عن رؤية نقدية عميقة لآليات الاستبداد، من خلال صور مسرحية مكثفة تجمع السخرية بالمأساة، وتستند إلى حوار نابض بالحياة.

وتعبر المسرحيات مجتمعة نحو أسئلة الإنسان الكبرى: معنى الوطن، وجدوى البطولة، وحدود الأخلاق، وقيمة الحرية، وعلاقة الفرد بالجماعة. وتتحول الشخصيات أصواتاً تحمل تجارب الشعوب التي عاشت الحرب والنزوح، مع حفاظها على بعدها الإنساني الذي يمنح النصوص قدرة على مخاطبة قراء ينتمون إلى ثقافات متعددة.

ويأتي صدور «أناهيتا وگَميفان» امتداداً لمشروع «منشورات رامينا» في نقل الأدب الكردي إلى العربية، وإغناء المكتبة العربية بأعمال تمثل أصواتاً أدبية معاصرة، وتفتح باباً جديداً أمام القارئ للتعرف إلى تجارب مسرحية تمتلك خصوصيتها الفنية ورؤيتها الفكرية.

يقع الكتاب في 224 صفحة من القطع الوسط، وكانت لوحة الغلاف للفنان التشكيلي خضر عبد الكريم.

ويعدّ إدريس عابد من الأسماء الأدبية والفنية النشطة في مجال الكتابة المسرحية والسردية، وقد صدرت له ستة أعمال مطبوعة، من بينها: «Xewnek ji Dervey Bazney - حلم من خارج الدائرة» الصادر عام 2011 عن «اتحاد أدباء دهوك»، و«Anahîta û Gemîvan - أناهيتا و گمیڤان» الصادر عام 2013 عن «مديرية الطباعة والنشر» في دهوك، و«ماذا قال أرسطو» الصادر عام 2016 عن «نقابة الفنانين» – فرع دهوك، و«قبر أمي» الصادر عام 2021 عن «دار پالو للنشر»، إلى جانب طبعة جديدة من «أناهيتا و گمیڤان» صدرت عام 2024 عن «مطبعة آفيستا» في تركيا، وكذلك كتاب «Dastana Kurdistanê - ملحمة کردستان» الصادر سنة 2024 عن رئاسة وزراء حكومة إقليم كردستان.

وقد حصد أربع مرات جائزة أفضل كاتب مسرحي؛ إذ نالها عام 2010 في دهوك عن مسرحية «المطر»، وفي عام 2011 في السليمانية عن مسرحية «حلم من خارج الدائرة»، كما فاز بها سنة 2019 في أربيل عن المونودراما «Sureya - ثريا»، ونالها مجدداً عام 2024 عن مسرحية «Dadgeha Şahmîranê - محكمة شاهميران» ضمن فعاليات مهرجان سَقز في إيران.