«كريسبر».. تقنية مبتكرة مثيرة للجدل لقصّ الجينات وتصحيحها

تعد بشفاء عدد من الأمراض الوراثية إلا أنها قد تشوه التركيبة الجينية للإنسان

«كريسبر».. تقنية مبتكرة مثيرة للجدل لقصّ الجينات وتصحيحها
TT

«كريسبر».. تقنية مبتكرة مثيرة للجدل لقصّ الجينات وتصحيحها

«كريسبر».. تقنية مبتكرة مثيرة للجدل لقصّ الجينات وتصحيحها

في الأشهر التسعة الأخيرة، ضخ أصحاب الأموال المغامرون أكثر من 200 مليون دولار في شركات ناشئة تطور تقنية «كريسبر» CRISPR، وهي تقنية مبتكرة للتعديل الجيني اعتبرتها مجلة «إم آي تي تكنولوجي ريفيو» في 2014 «اكتشاف القرن في مجال التقنيات الحيوية». وهذا المصطلح اختصار للتعبير الإنجليزي Clustered Regularly Interspaced Palindromic Repeats (التكرارات العنقودية المتناوبة منتظمة التباعد).

تقنية جينية مبتكرة

وعلى أقل تقدير، تعتبر «كريسبر» أهم ابتكار في مجال البيولوجيا المركبة صناعيا منذ نحو 30 عامًا. وبالقياس على أي معيار قائم - مثل عدد براءات الاختراع والنشرات العملية أو حجم التمويل الحكومي والتمويل من القطاع الخاص - يتبين أن الاهتمام بتقنية «كريسبر» سجل طفرة هائلة منذ 2013.
وتقول الجهات التي تدعم «كريسبر» إن هذه التقنية توفر طريقة سريعة وسهلة وفعالة لتعديل جينات أي فصيل حي - بما في ذلك البشر. وبينما تستغرق الوسائل الأخرى الشبيهة شهورًا أو سنوات لإنجاز المهمة، فإن «كريسبر» تختصر تلك الفترة الزمنية إلى مجرد أسابيع.
إن القدرة على قص ولصق الجينات بهذه السرعة والدقة تفتح الباب لتطبيقات ممكنة في مجالات صنع أنواع جديدة من الوقود الحيوي والمواد الخام والأدوية والأغذية في أطر زمنية أقصر وبكلفة منخفضة نسبيًا.
باختصار، فإن «كريسبر» هي أسلوب في علم البيولوجيا المركبة صناعيا (الصناعية)، يستغل أجهزة المناعة المعقدة للبكتيريا (وهذا الأسلوب نفسه هو عبارة عن تتابعات للحمض النووي يستخدمها كثير من البكتيريا للدفاع عن نفسها). ولذا يخدع الباحثون بالأساس البكتيريا لتقطع خيوط الحامض النووي في منطقة محددة، حتى يتسنى لهم حينئذ استبدال أو تغيير أو تعطيل أحد الجينات. وبينما تعود الأبحاث العلمية للتعرف على آليات الدفاع لدى الميكروبات إلى أواخر ثمانينات القرن الماضي، إلا أن نتائجها الجينية الهائلة لم تتضح إلا في عام 2012.

جدل طبي

وتمكن «كريسبر» أساسا الباحثين من تعديل الحامض النووي لأي فصيل حي في موقع محدد. وفور أن تتمكن من تحديد «التباعد» الذي يفصل بين «التكررات المتناوبة»، تستطيع أن تقطع وتغير الجينات في أي مكان تقريبًا من الجينوم. وفي السيناريو الأكثر إثارة، ستجعل تقنية «كريسبر» الشفاء من الأمراض الجينية مثل أنيميا الخلايا المنجلية وضمور العضلات أمرًا ممكن الحدوث.
وعلى الرغم من أن اسمها الذي لا يشي بأي سوء، كما أن تطبيقاتها الطبية المحتملة قد تغير وجه الحياة، فإن تقنية «كريسبر» أصبحت بؤرة جدل حام حول مستقبل البيولوجيا المركبة صناعيا. ويدعو البعض إلى اتخاذ قرار عالمي بتعليق العمل بتقنية التعديل الجيني بسبب مخاوف أخلاقية وأمنية. والسبب أن تعديل الحامض النووي الميكروبي في الأنابيب المخبرية يسهل الانزلاق إلى تعديل الحامض النووي البشري في الخلايا الحية. ويقول فيفيك وادوا، الباحث في «مركز روك للحوكمة المشتركة» بجامعة ستانفورد: «لا أحد مستعد لعصر يصبح فيه تعديل الحمض النووي سهلا مثل تعديل مستند أو وثيقة في برنامج (مايكروسوفت وورد)».
وفي أحد السيناريوهات المثيرة للجدل، قد يصبح من الممكن نظريًا تغيير المادة الجينية التي تسيطر على السمات الوراثية، وليس المادة الجينية لخلايا الجسد فحسب. وفي مرحلة ما، يخشى الباحثون أنه قد يكون من الممكن التحكم في الصفات المحددة التي ننقلها إلى نسلنا عبر التدخل في جينات الأجنة البشرية. وهذا هو سيناريو «أطفال فرانكشتاين» التقليدي، وفيه يؤدي العبث بعدد قليل من الجينات من أجل خلق «طفل مصمم» إلى مجموعة كاملة من التداعيات الجينية التي لا رجعة فيها.

بشر معدلون جينيًا

إننا لا نتحدث هنا عن أمر من أمور الخيال العلمي، ففي وقت سابق من هذا العام كشف باحثون صينيون عن كيفية تطبيق أساليب «كريسبر» من الناحية النظرية على جنين بشري غير قابل للحياة، ما أطلق حينئذ عاصفة من الجدل المحتدم حول النواحي الأخلاقية لاستخدام هذه التقنية. ورفضت الدوريات العلمية التقليدية نشر النتائج، بدعوى مخاوف أخلاقية وأمنية إزاء إنتاج بشر معدلين جينيًا.
من جهته، نشر مركز العلوم الجينية والمجتمع The Center for Genetics and Society بيانا إعلاميا أورد فيه 7 أسباب تعلل خطورة البشر المعدلين جينيًا، ويتمثل السبب الأول في «مخاطر صحية عميقة على الأطفال المستقبليين»، إذ إن العبث بجينات طفل لم يولد هو عمل خطير. كما أن مجرد التعديل في جين واحد (لون العين على سبيل المثال) يمكن أن يخلف تبعات غير متوقعة: «تعديل الجينوم الخاص بنسلنا - لا يؤثر على الجيل الأول فقط ولكن على الأجيال التالية أيضًا - يعني تغيير كل خلية في أجسامهم دون رجعة وللأبد».
ولذلك يركز أصحاب الأموال المغامرون على الشركات التي تعمل في إطار منطقة أكثر أمانًا في ميدان الجينوم، حيث يمكن لتقنية «كريسبر» أن تعالج أمراضا جينية من دون المخاطرة بالعبث بالصفات الوراثية.
إن الصفقة الكبرى التي عرفت الجمهور العام بتقنية «كريسبر» هي الدفعة الاستثمارية الثانية بقيمة 120 مليون دولار التي نالتها هذا الصيف شركة «إيدتاس ميدسن»، والتي يقودها بعض من كبار الأسماء في عالم «كريسبر»: فينغ زانغ، الباحث في معهد برود التابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وجنيفر دودنا وديفيد ليو من معهد هاورد هيوز الطبي، علاوة على جورج تشيرش وجيه كيث يونغ من كلية الطب في هارفارد.
بالطبع يمكن أن تكون هناك مبالغة في الاهتمام بتقنية «كريسبر»، فرغم كل شيء هي ليست منتجا أو خدمة، بل أداة أو أسلوب. ويعني ذلك أن المنافسين يمكنهم يومًا ما أن يتوصلوا إلى أداة أو أسلوب آخر أرخص أو أجود أو أسرع من «كريسبر»، على نفس النحو الذي طغت بها «كريسبر» سريعًا على أساليب تعديل جيني أخرى مثل «تالينز» وأصابع الزنك.
ومن المقرر عقد اجتماعات دولية كبرى في وقت لاحق من هذا العام لبحث التعديل الجيني، وبالتأكيد فإنها ستسفر عن وضع قواعد استرشادية ومناقشات أوسع حول ما هو ممكن وطبيعة الخطوات التالية في ما يتعلق بتعديل الجينات. ورغم ذلك، وبغض النظر عن المخاوف المبررة إزاء التطبيقات الممكنة لتقنيات تعديل الجينات، يصعب ألا نعترف بأن تقنية «كريسبر» أخرجت الجين (وليس الجني) بالفعل من القمقم.

• خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ«الشرق الأوسط»



نصف ساعة تُحدِث فرقاً: الحركة والنوم سلاحان لحماية المراهقين من السكري

يحتاج المراهقون إلى وضع روتين ليلي خالٍ من الأجهزة الإلكترونية (رويترز)
يحتاج المراهقون إلى وضع روتين ليلي خالٍ من الأجهزة الإلكترونية (رويترز)
TT

نصف ساعة تُحدِث فرقاً: الحركة والنوم سلاحان لحماية المراهقين من السكري

يحتاج المراهقون إلى وضع روتين ليلي خالٍ من الأجهزة الإلكترونية (رويترز)
يحتاج المراهقون إلى وضع روتين ليلي خالٍ من الأجهزة الإلكترونية (رويترز)

أظهرت دراسة جديدة أن المراهقين الذين يستبدلون نصف ساعة فقط من السلوكيات الخاملة، مثل الجلوس على الأريكة أو استخدام الكمبيوتر، بواسطة نشاط بدني متوسط إلى قوي أو بنوم كافٍ، قد يُخفّضون مقاومة الإنسولين لديهم، وهو عامل رئيسي في الوقاية من داء السكري من النوع الثاني.

وعُرضت نتائج الدراسة في المؤتمر العلمي لنمط الحياة التابع لجمعية القلب الأميركية 2026، الذي عُقد بمدينة بوسطن من 17 إلى 20 مارس (آذار) الحالي.

وقالت الباحثة في علم التغذية في كلية الطبّ بجامعة هارفارد في بوسطن، والمؤلِّفة الرئيسية للدراسة، الدكتورة سورين هارنوا - ليبلانك: «فوجئتُ بقوة العلاقة بين استبدال 30 دقيقة من الخمول بواسطة نشاط بدني متوسط إلى قوي، إذ يُعدّ انخفاض مقاومة الإنسولين بنسبة 15 في المائة تغييراً كبيراً».

وأضافت، في بيان: «تشير نتائجنا إلى أنّ التحوّل من السلوكيات الخاملة إلى النشاط البدني المعتدل إلى المكثف، أو النوم، كان مفيداً للصحة».

ولتقييم تأثير الأنشطة اليومية المعتادة على تطوّر مقاومة الإنسولين لدى المراهقين، فحص الباحثون بيانات صحية من مشروع «فيفا»، وهو دراسة مستمرّة للأطفال المولودين بين عامَي 1999 و2002 وأمهاتهم. وقِيسَت مقاومة الإنسولين باستخدام نموذج تقييم التوازن الداخلي لمقاومة الإنسولين، وهو اختبار يُقدّر مقاومة الأنسولين بناءً على مستويات سكر الدم والإنسولين في حالة الصيام.

وارتدى المشاركون جهاز استشعار يقيس تسارع الحركة، ممّا أتاح للباحثين تحديد شدة النشاط البدني ومدته.

وراقب الباحثون الأنشطة الخاملة التي يمارسها المشاركون، مثل الجلوس في الصف الدراسي، وإنجاز الواجبات المنزلية، والتنقّل، وأوقات الفراغ المسائية، التي غالباً ما تتضمن استخدام الشاشات أو مشاهدة التلفزيون.

وشملت الأنشطة اليومية الأخرى النوم، والنشاط البدني الخفيف، والنشاط البدني المتوسط إلى الشديد، مثل الجري أو السباحة أو لعب كرة السلة.

وحَسبَ الباحثون مدى تأثير استبدال 30 دقيقة من النشاط الخامل بواسطة أنواع مختلفة من النشاط البدني أو النوم على مستويات مقاومة الإنسولين لدى 394 مشاركاً في الدراسة.

وأظهرت النتائج أنّ المراهقين الذين استبدلوا 30 دقيقة من وقتهم الخامل بنشاط بدني متوسط إلى شديد، تمكنوا من خفض مقاومة الإنسولين بنسبة تقارب 15 في المائة. كما أظهرت الدراسة أنّ المشاركين الذين استبدلوا 30 دقيقة من الخمول بواسطة النوم، تمكّنوا من خفض مقاومة الإنسولين بنسبة تقارب 5 في المائة.

وقال الأستاذ المُساعد في أمراض القلب بمعهد ديبيكي للقلب والأوعية الدموية التابع لمستشفى هيوستن ميثوديست، الدكتور كيرشو باتيل: «تُظهر النتائج أنّ المراهقين يقضون معظم يومهم في الخمول، وقليلاً فقط في النشاط البدني».

وأضاف: «من المثير للاهتمام أنّ المراهقين الذين مارسوا نشاطاً بدنياً متوسطاً إلى قوي في بداية مرحلة المراهقة أظهروا علامات انخفاض مقاومة الإنسولين لاحقاً. والخلاصة الأهم هي أنّ النشاط البدني في سنّ مبكرة يمكن أن يُحدث فرقاً كبيراً في الصحة على المدى الطويل».

ويُشار إلى أنّ معايير جمعية القلب الأميركية الثمانية الأساسية لصحة القلب والأوعية الدموية المثلى تقترح استراتيجيات لدمج نمط حياة صحي في الحياة اليومية. فعلى سبيل المثال، يمكن أن يساعد خفض إضاءة الغرفة قبل النوم، ووضع روتين ليلي خالٍ من الأجهزة الإلكترونية، ووضع الجوال على وضع «عدم الإزعاج» أو تركه خارج غرفة النوم، في تحسين جودة النوم وكمّيته. كما أنّ دمج الأنشطة البدنية مع قضاء وقت مع الأصدقاء، لتصفية الذهن أو تخفيف التوتر، يجعل المشي لمسافات طويلة أو غيرها من التمارين أكثر جاذبية من الأنشطة الخاملة.


دهون مفيدة لا تُخيف... 5 أطعمة تدعم صحة القلب يومياً

دهونها مفيدة... وخطوة نحو توازن أفضل (بيكسلز)
دهونها مفيدة... وخطوة نحو توازن أفضل (بيكسلز)
TT

دهون مفيدة لا تُخيف... 5 أطعمة تدعم صحة القلب يومياً

دهونها مفيدة... وخطوة نحو توازن أفضل (بيكسلز)
دهونها مفيدة... وخطوة نحو توازن أفضل (بيكسلز)

تُعدّ الدهون موضوعاً حسّاساً عند اختيار الأطعمة التي يجب تناولها، إذ قد يبدو أنّ اختيار المنتجات قليلة الدسم مفيد لصحة الجسم، وإنما التعامل مع الدهون أكثر تعقيداً من ذلك. فبعضها ضروري لعمل الجسم بشكل سليم، في حين قد يُحدث بعضها أضراراً بصحة الإنسان، خصوصاً صحة القلب. لذلك، فإنّ معرفة طبيعة الدهون تُعدّ أمراً مهماً لتحقيق أقصى استفادة من النظام الغذائي.

والدهون الصحية، أو ما تُعرف علمياً بـ«الدهون غير المشبَّعة»، هي دهون ضرورية للجسم تعزّز صحة القلب وتقلّل من مخاطر السكتات الدماغية، إذ تُسهم في خفض الكوليسترول الضارّ ورفع الكوليسترول الجيّد. في المقابل، ينصح الأطباء بالحدّ من تناول الأطعمة الغنية بالدهون المشبَّعة مثل المقليات واللحوم المصنَّعة، لما لها من آثار سلبية على صحة القلب.

ويستعرض تقرير نشرته منصة «فير وويل هيلث» أبرز 5 أطعمة يوصي بها الأطباء لتعزيز صحة القلب، مع التأكيد على أن نمط الحياة يبقى حجر الأساس في حياة صحية أفضل.

زيت الزيتون: يُعدّ زيت الزيتون عنصراً أساسياً في حمية البحر الأبيض المتوسط لاحتوائه على دهون صحية، إذ توفر ملعقة طعام واحدة نحو 13.5 غراماً من الدهون غير المشبَّعة.

الأفوكادو وزيت الأفوكادو: الأفوكادو فاكهة غنية بالدهون والسعرات الحرارية، وإنما معظمها من الدهون الصحية. ويمكن استخدامه على هيئة حشوة للخبز المحمَّص أو إضافته إلى الساندويتشات أو السلطات.

المكسّرات: المكسرات مصدر جيّد للدهون الصحية، ومن أبرزها البندق واللوز والجوز التي تحتوي على دهون أحادية غير مشبَّعة. كما تُشكّل إضافة مناسبة للشوفان والسلطات، وخياراً جيداً للوجبات الخفيفة لاحتوائها على البروتين والألياف إلى جانب الدهون الصحية.

زبدة المكسرات: تُعدّ زبدة المكسرات، مثل زبدة الفول السوداني وزبدة اللوز، من المصادر الجيدة للدهون الأحادية غير المشبَّعة، ويمكن إضافتها إلى الشوفان أو الزبادي مع الفاكهة.

الزيوت النباتية: تحتوي الزيوت النباتية، مثل زيت الكانولا وزيت القرطم، على نسب مرتفعة من الأحماض الدهنية الأحادية غير المشبَّعة. وتُعرف هذه الزيوت باسم زيوت البذور، لأنها تُستخرج من بذور النباتات، وقد أظهرت البحوث أنّ استخدامها بديلاً للدهون المشبَّعة أفضل لصحة القلب.

وفي الختام، يُعدّ الانتباه إلى الكميات المتناولة من هذه الأطعمة أمراً مهماً، إذ تبقى الموازنة أساس الاستفادة من مختلف أنواع الدهون عند الحديث عن الصحة.


بعد رمضان... كيف تستعيدون ساعتكم البيولوجية وتوازنكم اليومي بسهولة؟

النوم في صدارة الأولويات لتحسين الصحة وتعزيز طاقة الجسم (بيكسلز)
النوم في صدارة الأولويات لتحسين الصحة وتعزيز طاقة الجسم (بيكسلز)
TT

بعد رمضان... كيف تستعيدون ساعتكم البيولوجية وتوازنكم اليومي بسهولة؟

النوم في صدارة الأولويات لتحسين الصحة وتعزيز طاقة الجسم (بيكسلز)
النوم في صدارة الأولويات لتحسين الصحة وتعزيز طاقة الجسم (بيكسلز)

تؤثّر التغيّرات في نمط الحياة خلال شهر رمضان في مواعيد النوم، وقد تكون لها آثار سلبية على الأداء البدني والمعرفي. والآن وقد انتهى رمضان، ومن المقرَّر استئناف وتيرة العمل بعد إجازة عيد الفطر مباشرة، إليكم بعض النصائح للعودة إلى أنماط النوم والأكل والعمل المعتادة.

في هذا السياق، يشرح أستاذ مساعد أمراض القلب والأوعية الدموية بكلية الطب في جامعة بنها المصرية، الدكتور أحمد بنداري، لـ«الشرق الأوسط»: «يحدث تغيير جذري في نمط النوم خلال شهر رمضان. السهر الطويل والنوم المتقطع يمثلان إجهاداً خفياً على القلب والأوعية الدموية. فاضطراب الساعة البيولوجية وقلّة النوم يرفعان مستويات هرمونات التوتر مثل الكورتيزول والأدرينالين، ممّا يزيد من سرعة ضربات القلب ويرفع ضغط الدم».

النوم المتّصل

لذلك ينصح بنداري بتجنُّب السهر المفرط في أيام العيد، ومحاولة التبكير التدريجي في موعد النوم للعودة إلى النمط الطبيعي، مضيفاً أنه من الضروري الحصول على 7 إلى 8 ساعات من النوم الليلي المتّصل، فهو الدرع الواقية الأولى لصحة القلب.

من جهته، يقول الدكتور عبد الرحمن أبو شوك، وهو طبيب القلب المقيم بكلية الطب في جامعة ييل الأميركية، لـ«الشرق الأوسط»، إنّ ضبط الساعة البيولوجية للجسم أمر مهم، وعادة ما يأتي تدريجياً، مشدّداً على ضرورة النوم ساعات كافية، وناصحاً بضرورة تقليل عدد ساعات تصفح الجوال، خصوصاً قبل النوم، كما يمكن أخذ حمام دافئ، وتجنُّب تناول أيّ طعام قبل الذهاب مباشرة إلى الفراش، فكلّ هذه العوامل يمكن أن تُسهم في تعزيز عودتنا إلى نمط النوم الطبيعي.

الإيقاع اليومي للجسم هو عملية داخلية طبيعية تتبع دورة 24 ساعة (بيكسلز)

ويرى خبراء أنّ الإيقاع الحيوي، أو الساعة البيولوجية الداخلية للجسم، قد يكون عاملاً أساسياً في تفسير هذه المسائل. فالجسم يعمل وفق دورة تمتدّ على 24 ساعة، تُنظم عمليات الأيض، وإفراز الهرمونات، ووظائف القلب.

أما اختصاصي التغذية المسجّل والمتحدث باسم أكاديمية التغذية وعلم التغذية، أنجيل بلانيلز، فأشار في تصريحات صحافية إلى أنّ تناول الطعام في وقت متأخّر من الليل، خصوصاً عندما يبدأ الجسم في الاستعداد للنوم، قد يُخلّ بهذه الإيقاعات الطبيعية. فمع اقتراب المساء، ترتفع مستويات هرمون الميلاتونين الذي يُرسل إشارات إلى الجسم للاستعداد للنوم، ويُحفّز تغيرات في وظائف القلب والأوعية الدموية والتمثيل الغذائي.

مرحلة انتقالية

ويوضح بلانيلز أنّ تناول الطعام خلال هذه المرحلة الانتقالية قد يُجبر الجسم على الانشغال بعملية الهضم في الوقت الذي يحاول فيه الانتقال إلى وضع الراحة، ممّا قد يؤثّر في تنظيم سكّر الدم وضغط الدم. وفي المقابل، فإنّ إنهاء الوجبات مبكراً قد يُساعد على تناغم عمليات الهضم والتمثيل الغذائي مع دورة النوم والاستيقاظ الطبيعية.

وينصح الخبراء بضرورة تعديل وقت الذهاب إلى الفراش والاستيقاظ تدريجياً للعودة إلى نمط النوم الطبيعي، وأنه من الضروري التقليل من تناول المنبّهات مثل الشاي والقهوة في النصف الثاني من اليوم لتسهيل الدخول في نوم عميق، وممارسة نشاط بدني خفيف مثل المشي لتهيئة الجسم للراحة.

من جهته، يؤكد أستاذ الباطنة والمناعة والروماتيزم في كلية الطب بجامعة عين شمس المصرية، الدكتور عبد العظيم الحفني، لـ«الشرق الأوسط»، أنه من الضروري تجنُّب الكافيين والوجبات الثقيلة قبل النوم بـ3 إلى 6 ساعات، وممارسة قدر يسير من الرياضة الخفيفة، وتجنُّب المنبّهات.

وينصح: «استيقظوا مبكراً، وتعرّضوا للشمس المباشرة وقت الظهيرة، وناموا ساعات كافية ليلاً، واحرصوا على أن يكون ذلك في غرفة مظلمة ومعتدلة الحرارة».

ومن المعروف طبياً أن صيام شهر رمضان يُدخل الجسم في وضعيّة تكيُّف عالية. وفي هذه الحالة، قد تؤدي العودة المفاجئة إلى تناول وجبات كبيرة ومتكرّرة إلى إجهاد غير ضروري للأمعاء، كما أنه من المُحتمل أن تؤثّر في التوازن الهرموني للجسم. لذا، يُعدّ اتباع نظام تعافٍ مُركّز مفيداً جداً، إذ يمنع الانتفاخ وانخفاض الطاقة قبل حدوثهما. كما أنّ العودة التدريجية إلى تناول السوائل والوجبات بانتظام تُتيح لساعتك البيولوجية إعادة ضبط نفسها بأمان.

لذلك ينصح بنداري بتهيئة الجهاز الهضمي بوجبات خفيفة وصغيرة مقسمة على مدار اليوم، وعدم إثقاله بوجبات غذائية دسمة أو مفاجئة، مما قد يؤدّي إلى عسر الهضم وزيادة العبء على عضلة القلب لضخ مزيد من الدم إلى المعدة.

خطوة بخطوة

ويمثّل انتقال الجسم من شهر رمضان مرحلة انتقالية بين الصحة قبل رمضان والصحة بعد الصيام. ويتضمن ذلك تعديلات بسيطة ومتواصلة تمنح عملية الأيض ومستويات الطاقة المساحة اللازمة للتوازن بشكل طبيعي من دون إرهاق الجسم.

لذلك ينصح الحفني بتناول وجبات صغيرة متكرّرة بدلاً من وجبة كبيرة ثقيلة، وبشرب الماء أو الشاي الخالي من السكر، وممارسة حركة خفيفة مثل المشي لمدة 20 إلى 30 دقيقة بعد الأكل.

ويختم: «احرصوا على تناول عشاء خفيف قبل منتصف الليل، استعداداً للاستيقاظ بنشاط وصحة عند الفجر، والتحضير للزيارات العائلية وبهجة المتنزهات في إجازة العيد، ومن ثم القدرة على استئناف العودة إلى العمل بعد انتهاء أيام الإجازة».