يلتزم الرجال اليوم بالمساواة في البيت أكثر من ذي قبل، فتراهم يشاركون في إعداد وجبة العشاء وفي تغيير حفاضات الأطفال أكثر من الأجيال الماضية، لكن حتى في الأسر التي يخرج فيها الأبوان إلى العمل خارج البيت فإن توزيع العمل داخل البيت لا يتم بالتساوي، لكن الرجال لا يتفقون مع هذا الرأي، فهم يرون أنهم يؤدون نفس مقدار الجهد في العمل المنزلي وفي رعاية الأطفال، رغم أن البيانات لا تظهر ذلك.
ظهر هذا التناقض في دراسات استقصائية مثل تلك التي جرت على أسر ذات دخلين ثابتين أجراها مركز «بيو» البحثي، حيث زعم الآباء أنهم يشاركون زوجاتهم في أعمال البيت ورعاية الأطفال بالتساوي، في حين أفادت الأمهات بأنهن يبذلن جهدا أكبر من أزواجهن. في الحقيقة، أكدت أبحاث كثيرة قول الأمهات، وشمل ذلك بيانات دقيقة سجلها الناس في مذكراتهم اليومية وضحت كيف يمضي الأبوان أوقاتهما. وأظهرت النتائج سببا جوهريا يوضح التوقف المفاجئ لثورة المساواة بين الجنسين في عدة أوجه، وتحديدا منذ الوقت الذي تبدأ فيه المرأة في الإنجاب. وعلى الرغم من التطور الكبير الذي طرأ على عمل المرأة في سوق العمل فإنهن لا يزلن يحملن مسؤوليات أكبر على عاتقهن في البيت.
وفي دراسة نشرت في مجلة «ذا جورنال أوف ماريدج آند فاميلي»، قال جيل يوفرسكي، طالب مرشح للحصول على درجة الدكتوراه من جامعة «أوهايو»، إنه «حتى الزوجان في حالات الزواج المثلى يواجهان صعوبة في تحقيق المساواة، خصوصا بعد الحصول على طفل (بالتبني)»، مضيفا: «ويعني ذلك المزيد من العمل المضني والصعب على كاهل المرأة وهو ما يدفعها خارج قوة العمل، وتواجه المرأة كثيرا من المخاطر الاقتصادية المرتبطة بالطفل».
قام فريق يضم كلير دوش، وسارة شوبي سوليفان، الأستاذان بجامعتي «أوهايو ستيت» و«يوفرسكي»، بدراسة تقسيم العمل بين 364 من الأزواج الطبيعيين من أصحاب الدخل الثابت منذ وقت الزواج حتى الإنجاب.
وعند سؤال الزوجين عن كيفية قضاء الوقت بعد ميلاد الطفل الأول لم يكن هناك فارق كبير في المساواة بين الجنسين، وبالغ كل منهما في تقدير جهده، سواء في العمل المنزلي أو رعاية الطفل. غير أن الباحثين وجدوا أن تلك الدراسات الاستقصائية لم تكن دقيقة، حيث إن مذكرات الزوجين على مدار أشهر الحمل التسعة أظهرت أمرا مختلفا.
فقبل مولد الأطفال لم تكن هناك فروق في العمل بين الجنسين، فكان كل من الزوجين يؤدي نحو 14.5 ساعة عمل منزلي أسبوعيا (الباحثون غير متيقنين إذا ما كان هؤلاء الأزواج منصفين في جميع الأحوال، وما إذا كان هؤلاء الأزواج بذلوا المزيد من الجهد خلال أشهر حمل الزوجة).
بيد أنه بعد الولادة زاد إجمالي ساعات العمل للزوجة، بما في ذلك العمل مدفوع الأجر والعمل المنزلي ورعاية الطفل، بواقع 21 ساعة أسبوعيا، في حين زاد عمل الزوج بواقع 12.5 ساعة. وبالنسبة إلى السيدات فلم تحل رعاية الطفل محل أي من الأعمال المنزلية على عكس الرجال.
وحسب يوفرسكي فإن «أغلب الرجال يقولون إنهم يريدون شريكا مجتهدا»، مضيفا أن «هذا الوضع يتغير كثيرا بعد إنجاب أول طفل، بعدما يطرأ كثير من الأعمال ذات الطبيعة الخاصة التي لا تنطوي على مساواة بين الجنسين».
جاءت ساعات عمل الآباء والأمهات الجدد في وظائفهم متقاربة، وتراجعت ساعات العمل المنزلي للآباء بواقع خمس ساعات، في حين أدت الأمهات نفس ساعات العمل المعتادة. وأدت الأمهات ثلاث ساعات عمل منزلي إضافية في شؤون البيت ورعاية الطفل، في حين أدى الآباء ساعة وخمسا وأربعين دقيقة إضافية.
لاحظ الباحثون فارقا أقل بين الوقت الذي يمضيه كلا الأبوين في اللعب أو القراءة مع الأطفال، مقارنة بالفارق بينهما في الوقت الذي يقضيانه في العناية الجسمانية بالطفل، مثل الاستحمام وتغيير ملابسه وإطعامه. وبالنسبة إلى السيدات فيأتي الوقت الإضافي على حساب وقت فراغهن دائما.
وجاءت الدراسات الأخرى الخاصة بطرق استهلاك الوقت بنتائج مشابهة.
توصلت سوزان بيانكي، باحثة اجتماعية أجرت دراسات حول طرق استهلاك الوقت العائلي، إلى أن الوقت الذي تقضيه الأمهات العاملات مع أطفالهن في العصر الحالي أطول من الوقت الذي كانت تقضيه الأمهات غير العاملات في العصور الوسطى. ورغم أن الآباء رفعوا من ساعات عملهم المنزلي فإن ساعات عمل الأمهات ما زالت الأعلى.
وفى عام 2008 توصلت الباحثة إلى أن الأمهات يقضين 13.9 ساعة أسبوعيا في رعاية الطفل، مقارنة بـ10.2 ساعة عام 1965، في حين رفع الآباء ساعات رعاية الطفل ثلاث مرات، ليرتفع الوقت إلى 7 ساعات أسبوعيا بدلا من ساعتين ونصف الساعة، أي أكثر من ضعف المدة التي يقضونها في العمل المنزلي والتي ارتفعت من 4.4 ساعة إلى 9.5 ساعة.
بالنسبة إلى الأمهات، جاءت المفاضلة في العمل المنزلي، حيث كن يقضين 17.9 ساعة أسبوعيا عام 2008، مقارنة بـ31.9 ساعة عام 1965، ناهيك بوقت رعاية الطفل، والتزيين، والطعام.
ووفق استقصاء «استهلاك الوقت» الذي تجريه وزارة العمل الأميركية فإن السيدات اللاتي يعملن طوال اليوم في رعاية أطفالهن يقضين 1.12 ساعة يوميا في رعاية الطفل، في حين يقضي الأب العامل 49 دقيقة في رعاية الطفل.
يقوم 89 في المائة من الأمهات و64 في المائة من الآباء بالأعمال المنزلية في الأيام العادية، وتؤدي الأمهات 2.1 ساعة عمل منزلي، في حين يؤدي الآباء 1.4 ساعة عمل. وتقوم 19 في المائة من السيدات و9.8 في المائة من الرجال بالتسوق لشراء أغراض البقالة.
وتوصل استقصاء وزارة العمل إلى أن الوقت الإضافي الذي تقضيه الأمهات في تلك الأنشطة جاء دوما على حساب وقت فراغهن ووقت عملهن. ويقضي الآباء المتزوجون 42.6 ساعة عمل أسبوعيا مقارنة بـ36 ساعة للسيدات، أغلبها بسبب غياب السيدات عن العمل في أغلب الأحيان. ويقضي الاثنان نفس ساعات النوم، 8 ساعات تقريبا. وتقضي الأمهات 2.9 ساعة يوميا في أنشطة الفراغ، في حين يقضي الآباء 3.7 ساعة.
ويقول علماء الاجتماع إن السبب الجوهري لهذا الفارق يرجع إلى أن النجاح الذي حققته المرأة في سوق العمل مؤخرا يتزامن مع قيامها بواجبات الأمومة الشاقة التي تستهلك كثيرا من الوقت، مثل الرضاعة، أو اصطحاب الأطفال للأنشطة المنتظمة مثل الأنشطة الرياضية.
وقال الباحثون إن للالتزامات الاجتماعية دورا مهما أيضا، حيث يعطي الأب أولوية لكسب قوته بعد إنجاب الأطفال، في حين تعطي الأم أولوية لأسرتها. ووفق كتابات باحثة الاجتماع، باولا إنغلاند، وغيرها، أخذت ثورة المساواة بين الجنسين جانبا واحدا، إذ اقتحمت السيدات الوظائف التي كانت حكرا على الرجال، في حين لم يقبل الرجال على ممارسة الأعمال التقليدية للسيدات.
* خدمة «نيويورك تايمز»

